ذكر خبر العباس وفوز

ذكر خبر العباس وفوز

كانت جارية لمحمد بن منصور

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الخراساني، قال: حدثنا محمد بن النضر، قال: كانت فوز جارية لمحمد بن منصور، وكان يلقب فتى العسكر، ثم اشتراها بعض شباب البرامكة فدبرها وحج بها. فلما قدمت قال العباس :

ألا قد قدمـت فـوز

 

فقرت عين عبـاس

لمن بشرني البشرى

 

على العينين والرأس

أيا ديباجة الحـسـن

 

ويا رامشـنة الآس

يلوموني على الحب

 

وما بالحب من باس!

تشبهه في شعره بأبي العتاهية

أخبرني محمد، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الأنباري – وهو أبو عاصم بن محمد الكاتب – قال: حدثني علي بن محمد النوفلي قال: كانت فوز لرجل جليل من أسباب السلطان، وكان العباس يتشبه في أشعاره وذكر فوز بما قاله أبو العتاهية في عتبة، فحج بها مولاها، فقال العباس :

يا رب رد عـلـينـا

 

من كان أنساً وزينـا

من لا تسر بـعـيش

 

حتى يكون لـدينـا

يا من أتاح لقلـبـي

 

هواه شؤماً وحـينـا

مازلت مذ غبت عني

 

من أسخن الناس عينا

ما كان حجك عنـدي

 

إلا بـلاء عـلـينـا

فلما قدمت قالت:

ألا قد قدمت فوز

 

فقرت عين عباس

وذكر الأبيات المتقدمة.

معابه بينه وبين الأصمعي

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه، أنه دخل على الفضل بن الربيع يوماً، والعباس بن الأحنف بين يديه، فقال العباس للفضل: دعني أعابث الأصمعي. قال: لا تفعل، فليس المزاح من شأنه. قال: إن رأى الأمير أن يفعل. قال: ذاك إليك. قال: فلما دخلت قال لي العباس: يا أبا سعيد من الذي يقول :

إذا أحببـت أن تـص

 

نع شيئاً يعجب الناسا

فصورها ها هنا فوزاً

 

وصور ثم عبـاسـا

فإن لم يدنوا حـتـى

 

ترى رأسيهما راسـا

فكذبها بما قـاسـت

 

وكذبه بما قـاسـى

فقال لي ابن أبي السعلاء الشاعر: إنه أراد العبث بك، وهو نبطي، فأجبه على هذا. قال: فقلت له: لا أعرف هذا، ولكني أعرف الذي يقول:

إذا أحببت أن تبـص

 

ر شيئاً يعجب الخلقا

فصورها هنا زوراً

 

وصور ههنا فلقـا

فإن لم يدنوا حـتـى

 

ترى خلقيهما خلقـا

فكذبها بمـا لاقـت

 

وكذبه بما يلـقـى

فعرض بالعباس أنه نبطي، فضحك الفضل، فوجم العباس، فقال له الفضل: قد كنت نهيتك عنه، فلم تقبل.

فوز تجد صداعاً

أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني محمد بن الفضل الهاشمي، قال: حدثني أبو توبة الحنفي، قال: وجه العباس بن الأحنف رسولاً إلى فوز، فعاد فأخبره أنها تجد صداعاً، وأنه رآها معصوبة الرأس؛ فقال العباس:

عصبت راسها فليت صداعاً

 

قد شكته إلي كان براسـي

ثم لا تشتكي، وكان لها الأج

 

ر، وكنت السقام عنها أقاسي

ذاك حتى يقول لي من رآني:

 

هكذا يفعل المحب المواسي

قال: فبرئت ثم نكست، فقال :

إن التي هامت بها النفس

 

عاودها من عارض نكس

كانت إذا ما جاءها المبتلى

 

أبرأه من كفها اللـمـس

وابأبي الوجه المليح الذي

 

قد عشقته الجن والإنـس

إن تكن الحمى أضرت به

 

فربما تنكسف الشـمـس

فوز ساهرة ذاكرة له أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني أبو العباس الخلنجي، قال: حدثني أبو عبد كان الكاتب ، قال: حدثني أبو توبة الحنفي، قال: لما قاله العباس بن الأحنف :

أما والذي أبلى الـمـحـب وزادنـي

 

بلاء، لقد أسرفت في الظلم والهجـر

فإن كان حقاً مـازعـمـت أتـيتـه

 

إليك، فقام النائحات علـى قـبـري

وإن كان عدوانـاً عـلـي وبـاطـلاً

 

فلا مت حتى تسهري الليل من ذكري

بعثت إليه فوز: أظننا ظلمناك يا أبا الفضل، فاستجيب لك فينا! مازلت البارحة ساهرة ذاكرة لك.

في خلقه شدةأخبرني جحظة البرمكي، قال: حدثني أبو عبد الله بن حمدون، عن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني محمد بن سلام، قال: كان في خلق العباس بن الأحنف شدة، فضرب غلاماً له، وحلف أنه يبيعه، فمضى الغلام إلى فوز فاستشفع بها عليه، فكتبت إليه فيه؛ فقال :

يا من أتانا بالشفـاعـات

 

من عند من فيه لجاجاتي

إن كنت مولاك فإن التي

 

قد شفعت فيك لمولاتي

إرسالها فيك إلينـا لـنـا

 

كرامة فوق الكرامـات

ورضي عنه ووصله، وأعتقه.

اكتئابه من قولة فوز له: يا شيخ! أخبرني جحظة، قال: حدثنا أبو عبد الله بن حمدون، عن أبيه حمدون بن إسماعيل، عن أخيه إبراهيم بن إسماعيل، قال: جاءنا العباس بن الأحنف يوماً وهو كئيب، فنشطناه فأبى أن ينشط، فقلنا: ما دهاك؟ فقال: لقيتني فوز اليوم، فقالت لي: يا شيخ! وما قالت ذلك إلا من حادث ملال. فقلنا له: هون عليك؛ فإنها امرأة لا تثبت على حال، وما أرادت إلا العبث بك والمزاح معك. فقال: إني والله قد قلت أقبح مما قالت، ثم أنشدنا :

هزئت إذ رأت كئيباً معنـى

 

أقصدته الخطوب فهو حزين

هزئت بي ونلت ما شئت منها

 

يا لقومي فأينا المغـبـون!

فقلت له: قد انتصفت وزدت.

يمن جارية فوز تزعم أنه راودها أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثنا علي بن الصباح، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: كانت لفوز جارية يقال لها يمن، وكانت تجيء إلى العباس برسالتها، فمضت إلى فوز، وقد طلبت من العباس شيئاً فمنعها إياه، وزعمت أنه أرادها ودعاها إلى نفسه، فغضبت فوز من ذلك، فكتب إليها :

لقد زعمت يمن بـأنـي أردتـهـا

 

على نفسها، تبا لذلك من فـعـل

سلوا عن قميصي مثل شاهد يوسف

 

فإن قميصي لم يكن قد من قبـل

معاتبة فوز له في جفائه ورده عليها أخبرني محمد، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: حدثني سعيد بن حميد، قال: كانت فوز قد مالت إلى بعض أولاد الجند، وبلغ ذلك العباس، فتركها ولم ترض هي البديل بعد ذلك، فعادت إلى العباس، وكتبت إليه تعاتبه في جفائه؛ فكتب إليها:

كتبت تلوم وتستـريب زيارتـي

 

وتقول لست لنا كعهد العـاهـد

فأجبتها ودموع عـينـي جـمة

 

تجري على الخدين غير جوامد!

يا فوز لم أهجركـم لـمـلالة

 

مني ولا لمقال واش حـاسـد

لكنني جربتكـم فـوجـدتـكـم

 

لا تصبرون على طعام واحـد

سرقته شعر أبي نواس وقد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذه الأبيات، وقال: سرقها من أبي نواس حيث يقول: صوت

ومظهرة لخلق الـلـه ودا

 

وتلقى بالتحية والـسـلام

أتيت فؤادها أشـكـو إلـيه

 

فلم أخلص إليه من الزحام

فيا من ليس يكفيه مـحـب

 

ولا ألفاً محب كـل عـام

أظنك من بقية قوم موسـى

 

فهم لا يصبرون على طعام

غنت فيه عريب لحناً ذكره ابن المعتز، ولم يذكر طريقته.

ومما يغنى فيه من شعر العباس في فوز قوله: صوت

يا فوز ما ضر من يمسي وأنت له

 

ألا يفـوز بـدنـيا آل عـبــاس

أبصرت شيباً بمولاها فواعـجـبـاً

 

منه يراها ويبدو الشيب في الراس!

غناه سليم، رمل مطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكي.

وأخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: قرأت على أحمد بن أبي فنن شعر العباس بن الأحنف، وكان مشغوفاً به، فسمعته يقول: وددت أن أبياته التي يقول فيها:

يا فوز ما ضر من يمسي وأنت له

لي بكل شعري.
وفي بذل يقول عبد الله بن العباس الربيعي يخاطب عمراً في بذل بقوله: صوت

تسمع بحق الله يا عمرو من بذل

 

فقد أحسنت والله واعتمدت قتلي

كأني أرى حبيك يرجح كلـمـا

 

تغنت لإعجابي وأفقد من عقلي

غناه عبد الله بن العباس الربيعي، ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وغنى فيه عمرو بن بانة خفيف رمل بالبنصر عن حبش.