ذكر جميلة وأخبارها

ذكر جميلة وأخبارها

ولاء جميلة وشعر عبد الرحمن بن أرطأة فيها: هي جميلة مولاة بني سليم ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن الخزرج، وكانت تنزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها، فقيل: إنها مولاة للأنصار، تنزل بالسنح وهو الموضع الذي كان ينزله أبو بكر الصديق، ذكر ذلك إبراهيم بن زياد الأنصاري الأموي السعيدي. وذكر عبد العزيز بن عمران أنها مولاة للحجاج بن علاط السلمي وهي أصل من أصول الغناء. وعنها أخذ معبدٌ وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشماسيتان خليدة وربيحة. وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطأة: صوت

إن الدلال وحسن الغـنـا

 

ء سط بيوت بني الخزرج

وتلكم جميلة زين النسـاء

 

إذا هي تزدان للمخـرج

إذا جئتها بذلت ودها

 

بوجه منيرٍ لها أبلج

الشعر لعبد الرحمن بن أرطأة. والغناء لمالكٍ خفيف ثقيلٍ أول مطلق في مجرى الوسطى، ويقال: فيه الدلال وجميلة لحنان.

كانت أعلم خلق الله بالغناء: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي جعفر القرشي عن المحرزي قال: كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء، وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين.

كيف تعلمت الغناء: قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال حدثني رجل من الأنصار قال: سئلت جميلة: أنى لك هذا الغناء؟ قالت: والله ما هو إلهامٌ ولا تعليم ولكن أبا جعفر سائب خاثر كان لنا جاراً وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات فبنيت عليها غنائي، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت، فسمعني موالياتي يوماً وأنا أغني سراً ففهمنني ودخلن علي وقلن: قد علمنا فما تكتمينا. فأقسمن علي، فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن أبي سلمى:

وما ذكرتك إلا هجت لي طربـاً

 

إن المحب ببعض الأمر معـذور

ليس المحب بمن إن شـط غـيره

 

هجر الحبيب وفي الهجران تغيير

صوت

نام الخلي فنوم العـين تـعـذير

 

مما ادكرت وهم النفس مذكور

ذكرت سلمى وما ذكري براجعها

 

ودونها سبسبٌ يهوي به المـور

الشعر لزهير. والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رملٌ بالوسطى عن حبش فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري، فقصدني الناس وجلست للتعليم، فكان الجواري يتكاوسنني، فربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئاً سوى ما سمعنني أطارح لغيرهن، ولقد كسبت لموالي ما لم يخطر لهن ببال، وأهل ذلك كانوا وكنت.

إجماع الناس على تقديمها في الغناء: وحدثني أبو خليفة قال حدثني ابن سلام قال حدثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثقفي قال: كانت جميلة ممن لا يشك في فضيلتها في الغناء، ولم يدع أحدٌ مقاربتها في ذلك، وكل مدني ومكي يشهد لها بالفضل.

وصف مجلس من مجالسها غنت فيه وغنى فيه مغنو مكة والمدينة: قال إسحاق وحدثني هشام بن المرية المدني قال حدثني جرير المدني – قال إسحاق: وكانا جميعاً مغنيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين، وكانا قد أسنا، فأما هشام فبلغ الثمانين، وأما جرير فلا أدري – قال جرير: وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهزٍ، فنزلوا عليها فخرجوا يوماً إلى العقيق متنزهين، فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدثوا ساعةً، ثم سأل معبدٌ ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألفوا. فقال ابن عائشة: إن للقوم أعمالاً كثيرةً حسنةً ولك أيضاً يا أبا عباد، ولكن قد اجتمع علماء مكة، وأنا وأنت من أهل المدينة، فليعمل كل واحد منا صوتاً ساعته ثم يغن به. قال: معبد: يا بن عائشة، قد أعجبتك نفسك حتى بلغتك هذه المرتبة! قال ابن عائشة: أو غضبت يا أبا عباد، إني لم أقل هذا وأنا أريد أن أتنقصك فإنك لأنت المفاد منه. قال معبدٌ: أما إذا قد اختلفنا وأصحابنا المكيون سكوتٌ فلنجعل بيننا حكما. قال ابن عائشة: إن أصحابنا شركاء في الحكومة. قال ابن سريج: على شريطةً، قال: على أن يكون ما نغني به من الشعر ما حكمت فيه امرأةٌ. قال ابن عائشة ومعبد: رضينا، وهي وأم جندب. فأجمع رأيهم على الاجتماع في منزل جميلة من غدٍ. فلما حضروا قال ابن عائشة: ما ترى يا أبا عباد؟ قال: أرى أن يبتدىء أصحابنا أو أحدهم. قال ابن سريج: بل أنتما أولى. قالا: لم نكن لنفعل. فأقبل ابن سريج على سعيد بن مسجح فسأله أن يبتدىء فأبى. فأجمع رأي المكيين على أن يتبدىء ابن سريج. فغنى ابن سريج: صوت

ذهبت من الهجران في غير مذهب

 

ولم يك حقاً كل هذا التـجـنـب

خليلي مرا بي علـى أم جـنـدب

 

أقض لبانات الفؤاد الـمـعـذب

فإنكما إن تـنـظـرانـي سـاعةً

 

من الدهر تنفعني لدى أم جنـدب

ألم ترياني كلمـا جـئت طـارقـاً

 

وجدت بها طيباً وإن لم تـطـيب

الشعر لامرىء القيس. ولابن سريج فيه لحنان ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى، وخفيف رملٍ بالسبابة في مجرى الوسطى جميعاً عن أسحاق وغنى معبد: صوت

فلله عينا من رأى من تـفـرقٍ

 

أشت وأنأى من فراق المحصب

علون بأنطاكيةٍ فـوق عـقـمةٍ

 

كجرمة نخلٍ أو كجـنة يثـرب

فريقان منهم سالكٌ بطن نـخـلةٍ

 

وآخر منهم جازعٌ نجد كبكـب

فعيناك غرباً جدولٍ في مفـاضةٍ

 

كمر خليجٍ في سنيحٍ مثـقـب

وغنى ابن مسجح: صوت

وقالت فإن يبخل عليك ويعتـلـل

 

يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب

وإنك لم يفخر عليك كـفـاخـرٍ

 

ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلـب

وإنك لم تقطع لـبـانة عـاشـقٍ

 

بمثل بكـور أو رواحٍ مـؤوب

بأدماء حرجوجٍ كأن قـتـودهـا

 

على أبلق الكشحين ليس بمغرب

يغرد بالأسحار في كـل سـدفةٍ

 

تغرد مياح الندامى المـطـرب

وغنى ابن عائشة: صوت

وقد أغتدي والطير في وكناتـهـا

 

وماء الندى يجري على كل مذنب

بمنـجـردٍ قـيد الأوابـد لاحـه

 

طراد الهوادي كل شأوٍ مغـرب

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفـه

 

تقول هزيز الريح مرت بأثـأب

له أيطلا ظبيٍ وساقـا نـعـامةٍ

 

وصهوة عيرٍ قائم فوق مرقـب

وغنى ابن محرز: صوت زار معبد مالك بن أبي السمح، فقال له: هل لك أن نصير إلى جميلة؟ فمضيا جميعاً فقصداها، فأذنت لهما فدخلا، فأخرجت إليهما رقعت فيها أبيات، فقالت لمعبد: بعث بهذه الرقعة إلي فلان أغني فيها. فقال معبد: فابتدئي، فابدأت جميلة فغنت: صوت

إنما الذلفاء همي

 

فليدعني من يلوم

فغنى معبد:

أحسن الناس جميعا

 

حين تمشي وتقوم

فغنت جميلة:

حبب الذلفاء عندي

 

منطقٌ منهما رخيم

فغنى معبد:

أصل الحبل لترضى

 

وهي للحبل صروم

فغنت جميلة:

حبها في القلب داءٌ

 

مستكـينٌ لا يريم

طريقة واحدة الشعر للأحوص. وذكر ابن النطاح أنه للبختري العبادي. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن ابن المكي، وثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكر أحمد بن سعيد المالكي أن له فيه خفيف ثقيل آخر. وذكر حماد بن إسحاق أن فيه لمالك وجميلة لحنين وقالت لمعبد ولمالك: يغني كل واحد منكما لحناً مما عليه. فغناها معبد بشعر قال فيها الأحوص يصفها به، وكان معجباً بها، وكانت هي له مكرمة، وهو قوله:

شأتك المنـازل بـالأبـرق

 

دوارس كالعين في المهرق

لآل جميلة قـد أخـلـقـت

 

ومهما يطل عهده يخـلـق

فإن يقل الناس لي عاشـقٌ

 

فأين الذي هو لم يعـشـق

ولم يبك نؤباً على عـبـرةٍ

 

بداء الصبابة والمـعـلـق

في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، ذكر إسحاق أنه لعطرد، وذكر ابن المكي أنه لجميلة. وفيها خفيف رملٍ في مجراها، ذكر إسحاق أنه لعطرد أيضاً وعمرو، وذكر الهشامي أن الثقيل الأول لابن عائشة. وذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل لمعبد وأن خفيف الرمل لمالك قال معبد: فسرت جميلة بما غنيتها به وتبسمت وقالت: حسبك يا أبا عباد! ولم تكنني قبلها ولا بعدها. ثم قالت لمالك: يا أخا طيئ هات ما عندك وجنبنا مثل قول عبد ابن قطن. فاندفع وغنى بلحنٍ لها، وقد تغنى به أيضاً معبدٌ لها. واللحن:

ألا من لقلبٍ لا يمـل فـيذهـل

 

أفق فالتعزي عن بثينة أجمـل

فما هكذا أحببت قد كان قبلهـا

 

ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل

فإن التي أحببت قد حيل دونهـا

 

فكن حازماً والحازم المتحـول

لحن جميلة هكذا ثقيل أول بالبنصر. وفيه ألحان عدةٌ مع أبيات أخر من القصيدة، وهي لجميل فقالت جميلة: أحسنت والله في غنائك وفي الأداء عنى. أما قوله: شأتك فأراد بعدت عنك. والشأو: البعد، يقال: جرى الفرس شأواً أو شأوين أي طلقاً أو طلقين. والمهرق: الصحيفة بما فيها من الكتاب، والجمع مهارق، قال ذو الرمة:

كمستعبرٍ في رسم دارٍ كـأنـهـا

 

بوعساء تنضوها الجماهير مهرق

الذلفاء التي شبب بها الأحوص: والعين أن تتعين الإداوة أو القربة التي تخرز ويسيل الماء عن عيون الخرز. فشبه ما بقي من الدار بتعين القربة وطرائق خروقها التي ذكرت ينزل منها الماء شيئاً بعد شيء. فأما الذلفاء التي فيها فهي التي فتن بها أهل المدينة. وقال بعض من كانت عنده بعد ما طلقها:

لا بارك الله في دار عددت بها

 

طلاق ذلفاء من دارٍ ومن بلد

فلا يقولن ثلاثـاً قـائلٌ أبـداً

 

إني وجدت ثلاثاً أنكد العـدد

فكان إذا عد شيئاً يقول: واحدٌ اثنان أربعةٌ ولا يقول ثلاثة.

حديث بثينة عن عفة جميل وعن حالها لما سمعت نعيه: وقالت جميلة: حدثتني بثينة وكانت صدوقة اللسان جميلة الوجه حسنة البيان عفيفة البطن والفرج قالت: والله ما أرادني جميلٌ رحمة الله عليه بريبةٍ قط ولا حدثت أنا نفسي بذلك منه. وإن الحي انتجعوا موضعاً وإني لفي هودج لي أسير إذا بهاتفٍ ينشد أبياتاً، فلم أتمالك أن رميت بنفسي وأهل الحي ينظرون، فبقيت أطلب المنشد فلم أقف عليه، فناديت: أيها الهاتف بشعر جميل ما وراءك منه؟ وأنا أحسبه قد قضى نحبه ومضى لسبيله، فلم يجيبني مجيب، فناديت ثلاثاً، وفي كل ذلك لا يرد علي أحد شيئاً. فقال صواحباتي: أصابك يا بثيبة طائفٌ من الشيطان؟ فقلت: كلا! لقد سمعت قائلاً يقول! قلن: نحن معك ولم نسمع! فرجعت فركبت مطيتي وأنا حيرى والهة العقل كاسفة البال، ثم سرنا. فلما كان في الليل إذ ذلك الهاتف يهتف بذلك الشعر بعينه، فرميت بنفسي وسعيت إلى الصوت، فلما قربت منه انقطع، فقلت: أيها الهاتف، ارحم حيرتي وسكن عبرتي بخبر هذه الأبيات، فإن لها شأنا! فلم يرد علي سيئاً. فرجعت إلى رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل، وفي كل ذلك لا يخبرني صواحباتي أنهن سمعن شيئاً.

فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحي مضاجعهم ونامت كل عين، فإذا الهاتف يهتف بي ويقول: يا بثينة، أقبلي إلي أنبئك عما تريدين. فأقبلت نحو الصوت، فإذا شيخٌ كأنه من رجال الحي، فسألته عن اسمه وبيته. فقال: دعي هذا وخذي فيما هو أهم عليك فقلت له: وإن هذا لمما يهمني. قال: اقنعي بما قلت لك. قلت له: أنت المنشد الأبيات؟ قال نعم. قلت: فما خبر جميل؟ قال: نعم فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته رحمة الله عليه. فصرخت صرخةً آذنت منها الحي، وسقطت لوجهي فأغمي علي، فكأن صوتي لم يسمعه أحد، وبقيت سائر ليلتي، ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي، ورفعت صوتي بالويل والبكاء ورجعت إلى مكاني. فقال لي أهلي: ما خبرك وما شأنك؟ فقصصت عليهم القصة. فقالوا: يرحم الله جميلاً. واجتمع نساء الحي وأنشدتهن الأبيات فأسعدنني بالبكاء، فأقمن كذلك لا يفارقنني ثلاثاً، وتحزن الرجال أيضاً وبكوا ورثوه وقالوا كلهم: يرحمه الله، فإنه كان عفيفاً صدوقاً! فلم أكحل بعده بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط ولا مشط ولا دهنته إلا من صداع خفيف على بصري منه ولا لبست خماراً مصبوغاً ولا أزال أبكيه إلى الممات. فالت جميلة: فأنشدتني الشعر كله وهذا الغناء بعضه، وهو:

ألا من لقلبٍ لا يمل فيذهـل

 

أفق فالتعزي عن بثينة أجمل

مدحها ابن سريج فردت عليه مدحه ثم غنت وغنى هو ومعبد ومالك بشعر حاتم الطائي: قال ابن سلام حدثني جرير قال: زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها. فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها. وبلغ معبداً الخبر. وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها. وكانت عندها جاريةٌ محسنةٌ لبقةٌ ظريفةٌ، فابتدأت تطارحها. فقال ابن سريج: سبحان الله! نحن كنا أحق بالابتداء. قالت جميلة: كل إنسانٍ في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمر عليه. فقال ابن سريج: صدقت جعلت فداءك! وما أدري أيهما أحسن أدبك أم غناؤك! فقالت له: كف يا عبيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “احثوا في وجوه المداحين التراب”. فسكت ابن سريج. وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي:

أتعرف آثار الديار تـوهـمـا

 

كخطك في رقٍّ كتاباً منمنمـا

أذاعت به الأرواح بعد أنيسها

 

شهوراً وأياماً وحولاً مجرمـا

فأصبحن قد غيرن ظاهر تربه

 

وغيرت الأنواء ما كان معلما

وغيرها طول التقادم والبلـى

 

فما أعرف الأطلال إلا توهما

قال: فحدثت أنه حضر ذلك المجلس جماعةٌ من حذاق أهل الغناء، فكلهم قال: مزامير داود! قال ابن سريج لها: أفأسمعك صوتاً لي في هذا الشعر؟ قالت: هاته، فغنى:

ديار التي قامت تريك وقد عفت

 

وأقوت من الزوار كفاً ومعصما

تهادى عليها حليها ذات بـهـجة

 

وكشحاً كطي السابرية أهضمـا

فبانت لطياتٍ لهـا وتـبـدلـت

 

به بدلاً مرت به الطير أشؤمـا

وعاذلتان هبتا بـعـد هـجـعةٍ

 

تلومان متلافاً مفيداً مـلـومـا

قالت جميلة: أحسنت يا عبيد، وقد غفرنا لك زلتك لحسن غنائك. قال معبد: جعلت فداءك! أفلا أسمعك أنا أيضاً لحناً علمته في هذا الشعر؟ قالت: هات وإني لأعلم أنك تحسن. فاندفع فغنى:

فقلت وقد طال العتاب عـلـيهـمـا

 

وأوعدتاني أن تبينـا وتـصـرمـا

ألا لا تلوماني علـى مـا تـقـدمـا

 

كفى بصروف الدهر للمرء محكما

تلومان لما غـور الـنـجـم ضـلةً

 

فتًى لا يرى الإنفاق في الحق مغرما

قالت جميلة: ما عدوت الظن بك ولا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها. قال: مالكٌ: أفلا أغنيك أنا أيضاً؟ قالت: ما علمتك إلا تجيد الغناء وتحسن، فهات. فاندفع فغنى في هذا الشعر:

يضيء لنا البيت الظليل خصاصه

 

إذا هي ليلاً حاولت أن تبسـمـا

إذا انقلبت فوق الحـشـية مـرةً

 

ترنم وسواس الحلي تـرنـمـا

ونحراً كفاثور اللـجـين يزينـه

 

توقد ياقوتٍ وشذرٍ مـنـظـمـا

كجمر الغضى هبت به بعد هجعةٍ

 

من الليل أرواح الصبا فتنسـمـا

فقالت: جميلٌ ما قلت وحسنٌ ما نظمت، وإن صوتك يا مالك لمما يزيد العقل قوةً والنفس طيباً والطبيعة سهولة، وما أحسب أن مجلسنا هذا إلا سيكون علماً وفي آخر الزمان متواصفاً، والخبر ليس كالمشاهدة، والواصف ليس كالمعاين وخاصة في الغناء.

زارها ابن أبي عتيق وابن ربيعة والأحوص فغنتهم: وحدثني الحسن بن عتبة اللهبي قال حدثني من رأى ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص بن محمد الأنصاري وقد أتوا منزل جميلة فاستأذنوا عليها فأذنت لهم، فلما جلسوا سألت عمر وأحفت، فقال لها: إني قصدتك من مكة للسلام عليك. فقالت له: أهل الفضل أنت. قال: وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم وتخلي لنا مجلسك، قالت: أفعل. قال لها الأحوص: أحب ألا تغني إلا ما أسألك. قالت: ليس المجلس لك، والقوم شركاؤك فيه. قال: أجل. قال عمر: إن ترد أن تفعل ذلك بك يكن. قال الأحوص: كلا! قال عمر: فإني أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبي عتيق: وفقك الله. فدعت بالعود وغنت:

تمشي الهوينى إذا مشت فـضـلاً

 

مشي النزيف المخمور في الصعد

تظل من زور بـيت جـارتـهـا

 

واضعةً كفها عـلـى الـكـبـد

يا مـن لـقـلـبٍ مـتـيمٍ سـدمٍ

 

عالٍ رهـينٍ مـكـلـمٍ كـمـد

أزجره وهـو غـير مـزدجـر

 

عنها وطرفي مكحل الـسـهـد

فلقد سمعت للبيت زلزلةٌ وللدار همهمةٌ. فقال عمر: لله درك يا جميلة! ماذا أعطيت! أنت الغناء وآخره! ثم سكتت ساعة وأخذوا في الحديث، ثم أخذت العود وغنت:

شطت سعاد وأمسى البين قد أفدا

 

وأورثوك سقاماً يصدع الكبـدا

لا أستطيع لها هجراً ولا تـرةً

 

ولا تزال أحاديثي بهـا جـددا

الغناء فيه لسياطٍ خفيف رملٍ مطلقٌ في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولم يذكر حبش لحن جميلة. وذكر إبراهيم أن فيه لحناً لحكم الوادي. وذكر الهشامي وابن خرداذبه أنه من ألحان عمر بن عبد العزيز بن مروان في سعاد وأن طريقته من الثقيل الثاني بالوسطى. وذكر إبراهيم أن لابن جامع فيه أيضاً صنعةً فاستخف القوم أجمعين، وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحركوا رؤوسهم، وقالوا: نحن فداؤك من السوء ووقاؤك من المكروه، ما أحسن ما غنيت وأجمل ما قلت! وأحضر الغداء فتغدى القوم بأنواع من الأطعمة الحارة والباردة ومن الفاكهة الرطبة واليابسة، ثم دعت بأنواعٍ من الأشربة. فقال عمر: لا أشرب، وقال ابن أبي عتيق مثل ذلك، فقال الأحوص: لكنني أشرب، وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها! قال عمر: ليس ذلك كما ظننته. قالت جميلة: من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه، ومن أبى ذلك عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته. قال ابن أبي عتيق: ما يحسن بنا إلا مساعدتك. قال عمر: لا أكون أخسكم، إفعلوا ما شئتم تجدوني سميعاً مطيعاً. فشرب القوم أجمعون. فغنت صوتاً بشعر لعمر:

ولقد قالت لجاراتٍ لـهـا

 

كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني

 

ومضت تسعى إلى قبتها

لم تعانق رجلاً فيما مضى

 

طفلةٌ غيداء في حلتهـا

لم يطش قط لها سهمٌ ومن

 

ترمه لا ينج من رميتهـا

لم يذكر طريقة لحنها في هذا الصوت. وذكر الهشامي أن فيه لابن المكي رملا بالبنصر. وذكر علي بن يحيى أن فيه لابن سريج رملا بالوسطى فصاح عمر: ويلاه! ويلاه! ثلاثاً ثم عمد إلى جيب قميصه فشقه إلى أسفله فصار قباءً، ثم آب إلى عقله فندم واعتذر وقال: لم أملك من نفسي شيئاً. قال القوم: قد أصابنا كالذي أصابك وأغمي علينا، غير أنا فارقناك في تخريق الثياب. فدعت جميلة بثيابٍ فخلعتها على عمر، فقبلها ولبسها، وانصرف القوم إلى منازلهم. وكان عمر نازلاً على ابن أبي عتيق، فوجه عمر إلى جميلة بعشرة آلاف درهم بعشرة أثواب كانت معه، فقبلتها جميلة. وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسروراً.

حجت ومعها الشعراء والمغنون والمغنيات ووصف ركبها في مكة وفي المدينة حتى آبت من الحج: قال إسحاق وحدثني أبي عن سياط وابن جامع عن يونس قالا: حجت جميلة، وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق ابن إبراهيم قال حدثني أبي سياطٍ وابن جامع عن يونس الكاتب، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قالوا جميعاً: إن جميلة حجت – وقد جمعت رواياتهم لتقاربها، وأحسب الخبر كله مصنوعاً وذلك بينٌ فيه – فخرج معها من المغنين مشيعين حتى وافوا مكة ورجعوا معها من الرجال المشهورين الحذاق بالغناء هيتٌ وطويسٌ والدلال وبرد الفؤاد ونومه الضحى وفندٌ ورحمة وهبة الله – هؤلاء مشايخ وكلهم طيب الغناء – ومعبدٌ ومالكٌ وابن عائشة ونافع بن طنبورة وبديحٌ المليح ونافع الخير، ومن المغنيات الفرهة و عزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وعقيلة والشماسية وفرعة وبلبلة ولذة العيش وسعيدة والزرقاء، ومن غير المغنين ابن أبي عتيق والأحوص وكثير عزة ونصيب وجماعةٌ من الأشراف، وكذلك من النساء من مواليها وغيرهن. وأما سياطٌ فذكر أنه حج معها من القيان مشيعاتٍ لها ومعظماتٍ لقدرها ولحقها زهاء خمسين قينةً، وجه بهن مواليهن معها فأعطوهن النفقات وحملوهن على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك، فأبت جميلة أن تنفق واحدةٌ منهن درهماً فما فوقه حتى رجعن. وأما يونس فذكر أنه حج معها من الرجال المغنين مع من سمينا زهاء ثلاثين رجلاً، وتخايروا في اتخاذ أنواع اللباس العجيب الظريف وكذلك في الهوادج والقباب. وقيل، فيما قال أهل المدينة: إنهم ما رأوا مثل ذلك الجمع سفراً طيباً وحسناً وملاحةً. قالوا: ولما قاربوا مكة تلقاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليون وجماعةٌ من المغنين من أهل مكة وقيانٌ كثيرٌ لم يسمين لنا، ومن غير المغنين عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالدٍ المخزومي والعرجي وجماعةٌ من الأشراف. فدخلت جميلة مكة وما بالحجاز مغنٍّ حاذقٌ ولا مغنيةٌ إلا وهو معها وجماعةٌ من الأشراف ممن سمينا وغيرهم من الرجال والنساء. وخرج أبناء أهل مكة من الرجال والنساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم. فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلساً. فقالت: للغناء أم للحديث؟ قالوا: لهما جميعاً. قالت: ما كنت لأخلط جداً بهزل، وأبت أن تجلس للغناء. فقال عمر بن أبي ربيعة: أقسمت على من كان في قلبه حبٌّ لاستماع غنائها إلى خرج معها إلى المدينة، فإني خارج. فعزم القوم الذين سميناهم كلهم على الخروج ومعهم جماعةٌ ممن نشط، فخرجت في جمع أكثر من جمعها بالمدينة. فلما قدمت المدينة تلقاها أهلها وأشرافهم من الرجال والنساء، فدخلت أحسن مما خرجت به منها، وخرج الرجال والنساء من بيوتهم فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها. فلما دخلت منزلها وتفرق الجمع إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم أتاها الناس مسلمين، وما استنكف من ذلك كبيرٌ ولا صغير. فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء، فقالت لعمر بن أبي ربيعة: إني جالسةٌ لك ولأصحابك، وإذا شئت فعد الناس لذلك اليوم، فغصت الدار بالأشراف من الرجال والنساء. فابتدأت جميلة فغنت صوتاً بشعر عمر: وصف مجلس غنائها بالمدينة بعد عودها من الحج:

هيهات من أمة الوهاب منزلـنـا

 

إذا حللنا بسيف البحر مـن عـدن

واحتل أهلك أجياداً فـلـيس لـنـا

 

إلا التذكر أو حظٌّ مـن الـحـزن

لو أنها أبصرت بالجزع عبـرتـه

 

وقد تغرد قمري عـلـى فـنـن

إذاً رأت غير ما ظنت بصاحبـهـا

 

وأيقنت أن عكاً ليس من وطنـي

ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها

 

وموقفي وكلانا ثـم ذو شـجـن

وقولها للـثـريا وهـي بـاكـيةٌ

 

والدمع منها على الخدين ذو سنن

بالله قولي له في غير مـعـتـبةٍ

 

ماذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بهـا

 

فما أصبت بترك الحج من ثمـن

فكلهم استحسن الغناء، وضج القوم من حسن ما سمعوا. ويقال: إنهم ما سمعوا غناءً قط أحسن من غنائها ذلك الصوت في ذلك اليوم. ودمعت عين عمر حتى جرى الدمع على ثيابه ولحيته. وإنه ما رئي عمر كذلك في محفل غيره قط. ثم أقبلت على ابن سريج فقالت: هات، فاندفع يغني ورفع صوته بشعر عمر: غنى ابن سريج في مجلسها بشعر عمر:

أليست بالتي قالـت

 

لمولاةٍ لها ظهـرا

أشيري بالسلام لـه

 

إذا هو نحونا نظرا

وقولي في ملاطـفةٍ

 

لزينب نولي عمـرا

وهذا سحرك النسوا

 

ن قد خبرتني الخبرا

غناء ابن مسجح: فسمع من ابن سريج في هذا اللحن من الحسن ما يقال إنه ما سمع مثله. ثم قالت لسعيد بن مسجح: هات يا أبا عثمان، فاندفع فغنى:

قد قلت قبل البين لـمـا خـشـيتـه

 

لتعقب وداً أو لتعلـم مـا عـنـدي

لك الخير هل من مصدرٍ تصدرينـه

 

يريح كما سهلت لي سبـل الـورد

فلما شكوت الحب صدت كـأنـمـا

 

شكوت الذي ألقى إلى حجرٍ صلـد

تولت فأبدت غـلةً دون نـقـعـهـا

 

كما أرصدت من بخلها إذا بدا وجدي

غناء معبد: فاستحسن ذلك منه وبرع فيه. ثم قالت: يا معبد هات، فغنى:

أحارب من حاربت من ذي عداوةٍ

 

وأحبس مالي إن غرمت فأعقل

وإني أخوك الدائم العهد لم أحـل

 

إن ابزاك خصمٌ أو نبابك منـزل

ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنـي

 

يمينك فانظر أي كـفٍّ تـبـدل

قالت جميلة: أحسنت يا معبد اختيار الشعر والغناء هذا الشعر لمعن بن أوس غناء ابن محرز: ثم قالت: هات يا بن محرز، فإني لم أؤخرك لخساسةٍ بك ولا جهلاً بالذي يجب في الصناعة، ولكنني رأيتك تحب من الأمور كلها أوسطها وأعدلها، فجعلتك حيث تحب واسطةً بين المكيين والمدنيين. فغنى:

وقفت بربع قد تحـمـل أهـلـه

 

فأذريت دمعاً يسبق الطرف هامله

بسائلة الروحاء أو بطن مـثـغـرٍ

 

لها الضاحكات الرابيات سواهلـه

هو الموت إلا أن الـمـوت مـدةً

 

متى يلق يوماً فارغاً فهو شاغلـه

غناء الغريض: فقالت جميلة: يا أبا الخطاب، كيف بدا لك في ثلاثةٍ وأنت لا ترى ذلك؟ قال: أحببت أن أواسي معبداً. قال معبد: والله ما عدوت ما أردت. ثم قالت للغريض: هات يا مولى العبلات فاندفع يغني:

فوا ندمي على الشباب ووا نـدم

 

ندمت وبان اليوم مني بغـير ذم

وإذا إخوتي حولي وإذ أنا شـائخٌ

 

وإذ لا أجيب العاذلات من الصمم

أرادت عراراً بالهوان ومـن يرد

 

عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم

قالت جميلة: أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن إذا أفسدت غناءك بالتعريض. والله ما وضعناك إلى موضعك ولا نقصنا من حظك! فبماذا أهناك! ثم أقبلت على الجماعة فقالت: يا هؤلاء، اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه. فأقبل القوم عليه وقالوا له: قد أخطأت إن كنت عرضت. فقال: قد كان ذلك، ولست بعائدٍ. وقام إلى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر فقبلت عذره وقالت له: لا تعد. ثم أقبلت على ابن عائشة فقالت: يا أبا جعفر هات، فتغنى بشعر النابغة: غناء ابن عائشة:

سقى الغيث قبراً بين بصرى وجاسمٍ

 

عليه من الوسمـي جـودٌ ووابـل

وأنبت حوذاناً وعـوفـاً مـنـوراً

 

سأتبعه من خير مـا قـال قـائل

بكى حارث الجولان من هلك ربه

 

فحوران منه خاشعٌ مـتـضـائل

وما كان بيني لو لقيتك سـالـمـاً

 

وبين الغـنـى إلا لـيالٍ قـلائل

غناء نافع وبديح: قالت جميلة: حسنٌ ما قلت يا أبا جعفر. ثم أقبلت على نافع وبديح فقالت: أحب أن تغنياني صوتاً واحداً، فغنيا جميعاً بصوتٍ واحد ولحنٍ واحد:

ألا يا من يلوم على التصابـي

 

أفق شيئاً لتسمع من جوابـي

بكرت تلومني في الحب جهلاً

 

وما في حب مثلي من معاب

أليس من السعادة غير شـكٍّ

 

هوى متواصلين على اقتراب

كريم نال وداً فـي عـفـافٍ

 

وسترٍ من منعـمةٍ كـعـاب

غناء الهذليين الثلاثة: فقالت جميلة: هواكما والله واحد وغناؤكما واحد، وأنتما نحتما من بقية الكرم وواحد الشرف: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ثم أقبلت على الهذليين الثلاثة فقالت: غنوا صوتاً واحداً، فاندفعوا فغنوا بشعر عنترة العبسي:

حييت من طللٍ تقـادم عـهـده

 

أقوى وأقفر بعد أم الـهـيثـم

كيف المزار وقد تربع أهلـهـا

 

بعنيزتين واهلنـا بـالـغـيلـم

إن كنت أزمعت الفراق فإنـمـا

 

زمت ركابكم بلـيلٍ مـظـلـم

شربت بماء الدحرضين فأصبحت

 

زوراء تنفر عن حياض الديلـم

غناء نافع بن طنبورة: قالت: ما رأيت شيئاً أشبه بغنائكم من اتفاق أرواحكم. ثم أقبلت على نافع بن طنبورة فقالت: هات يا نقش الغضار ويا حسن اللسان، فاندفع يغني:

يا طول ليلي وبـت لـم أنـم

 

وسادي الهم مبطنٌ سقـمـي

أن قمت يوماً على البلاط فأب

 

صرت رقاشاً وليت لم أقـم

فقالت جميلة: حسنٌ والله ولابن سريج في هذا اللحن أربعة أبياتٍ في صوت غناء مالك بن أبي السمح: ثم قالت: يا مالك هات، فإني لم أؤخرك لأنك في طبقة آخرهم، ولكني أردت أن أختم بك يومنا تبركاً بك وكي يكون أول مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه، وإنك عندي ومعبداً لفي طريقة واحدة ومذهبٍ واحد، لا يدفع ذلك إلا ظالمٌ ولا ينكره إلا عاضل. الحق أقول: فمن شاء فلينكر، فسكت القوم كلهم إقراراً لما قالت. واندفع يغني:

عدوٌّ لمن عادت وسلمٌ لسلمـهـا

 

ومن قربت سلمى أحب وقربـا

هبيني امرأً إما بريئاً ظلـمـتـه

 

وإما مسيئاً تاب بعد وأعـتـبـا

أقول التماس العذر لما ظلمتنـي

 

وحملتني ذنباً وما كنت مذنـبـا

ليهنئك إشمات العدو بهـجـرنـا

 

وقطعك حبل الوصل حتى تقضبا

اليوم الثاني من أيام المدينة وغناء طويس: قالت جميلة: ليت صوتك يا مالك قد دام لنا ودمنا له. وقطعت المجلس وانصرف عامة الناس وبقي خواصهم. فلما كان اليوم الثاني حضر القوم جميعاً. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النعيم. قال: فأنكر ما فعلت جميلة في اليوم الأول، لأن طويساً لم يكن يرضى بذلك. فأخبرني ابن جامع أن جميلة صنفتهم طويساً وأصحابه وابن سريج وأصحابه، ثم أقرعت بينهم، فخرجت القرعة الأولى لابن سريج وأصحابه والثانية لطويسٍ وأصحابه. فابتدأ طويسٌ فغنى:

قد طال ليلي وعاد لي طربي

 

من حب خودٍ كريمة الحسب

غراء مثل الـهـلال آنـسةٍ

 

أو مثل تمثال صورة الذهب

صادت فؤادي بجيد مغـزلةٍ

 

ترعى رياضاً ملتفة العشب

غناء الدلال: فقالت جميلة: حسنٌ والله يا أبا عبدا النعيم. ثم قالت للدلال: هات يا أبا يزيد، فاندفع فغنى:

قد كنت آمـل فـيكـم أمـلاً

 

والمرء ليس بمدركٍ أمـلـه

حتى بدا لي منكـم خـلـفٌ

 

فزجرت قلبي فارعوى جهله

ليس الفتى بمـخـلـدٍ أبـداً

 

حياً وليس بـفـائتٍ أجـلـه

حي البغوم ومن بعقـوتـهـا

 

وقفا العمود وإن خلا أهلـه

غناء برد الفؤاد ونومة الضحى: قالت: حسن والله يا أبا يزيد. ثم قالت لهيتٍ: إنا نجلك اليوم لكبر سنك ورقة عظمك. قال: أجل يا ماما. ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضحى: هاتيا جميعاً لحناً واحداً، فغنيا:

إني تذكرت فلا تلـحـنـى

 

لؤلؤةً مكنـونةً تـنـطـق

مسكنها طيبة لـم يغـذهـا

 

بؤسٌ ولا والٍ بها يخـرق

قد قلت والعيس سراعٌ بنـا

 

ترقل إرقالاً وما تعـنـق

يا صاحبي شوقي أرى قاتلي

 

وموردي منها جوًى يقلـق

غناء فند ورحمة وهبة الله: قالت جميلة: أحسنتما. ثم قالت لفند ورحمة وهبة الله: هاتوا جميعاً صوتاً واحداً فإنكم متفقون في الأصوات والألحان، فاندفعوا فغنوا:

أشـــاقـــك مـــن نـــحـــو الـــعـــقـــيق بـــروق

 

لوامـــع تـــخـــفـــى تـــارة وتــــــشـــــــوق

ومـــا لـــي لا أهـــوى جـــواري بـــــــربـــــــرٍ

 

وروحـــي إلـــى أرواحـــهــــن تـــــــتـــــــوق

لهـــن جـــــمـــــــالٌ فـــــــائقٌ ومـــــــلاحةٌ

 

ودلٌ عـــلـــى دل الـــنـــــســـــــاء يفـــــــوق

وكان بربرٌ حاضراً، فقال: جواري والله ما وصفتم، فمن شاء أقر ومن شاء أنكر.

 

 

غناء جميلة: فقالت جميلة: صدق. ثم غنت جميلة بشعر الأعشى ولمعبد فيه صوتٌ أخذه عنها:

بانت سعاد وأمسى حبلها انقطـعـا

 

واحتلت الغور فالجدين فالفـرعـا

واستنكرتني وما كان الذي نكـرت

 

من الحوادث إلا الشيب والصلعـا

تقول بنتي وقد قربت مـرتـحـلاً

 

يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا

وكان شيءٌ إلـى شـيء فـغـيره

 

دهرٌ ملحٌ على تفريق ما جمـعـا

اليوم الثالث من أيام المدينة: فلم يسمع شيءٌ أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها في اليوم الثاني. وقطعت المجلس فانصرف القوم وأقام آخرون. فلما كان اليوم الثالث اجتمع الناس، فضرت ستارة وأجلست الجواري كلهن فضربن وضربت فضربن على خمسين وتراً فتزلزلت الدار، ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها بهذا الشعر:

فإن خفيت كانت لـعـينـك قـرةً

 

وإن تبد يوماً لم يعممك عـارهـا

من الخفرات البيض لم تر غلـظةً

 

وفي الحسب الضخم الرفيع نجارها

فما روضةٌ بالحزن طيبة الـثـرى

 

يمج الندا جثجاثـهـا وعـرارهـا

بأطيب من فيها ذا جـئت طـارقـاً

 

وقد أوقدت بالمندل الرطب نارهـا

غناء عزة الميلاء: فدمعت أعين كثير منهم حتى بل ثوبه وتنفس الصعداء وقال: بنفسي أنت يا جميلة! ثم قالت للجواري: اكففن فكففن، وقالت: يا عز غني، فغنت بشعر لعمر:

تذكرت هنداً وأعصـارهـا

 

ولم تقض نفسك أوطارهـا

تذكرت النفس ما قد مضـى

 

وهاجت على العين عوارها

لتمنح رامة منـا الـهـوى

 

وترعى لرامة أسـرارهـا

إذا لم نزرها حذار الـعـدا

 

حسدنا على الزور زوارها

غناء حبابة وسلامة: فقالت جميلة: يا عز، إنك لباقيةٌ على الدهر، فهنيئاً لك حسن هذا الصون مع جودة هذا الغناء. ثم قالت لحبابة وسلامة: هاتيا لحناً واحداً، فغنتا:

كفى حزناً أنى أغيب وتشـهـد

 

وما نلتقي والقلب حران مقصد

ومن عجبٍ أنى إذا الليل جننـي

 

أقوم من الشوق الشديد وأقـعـد

أحن إليكم مثل مـا حـن تـائقٌ

 

إلى الورد عطشان الفؤاد مصرد

ولي كبدٌ حرى يعذبها الـهـوى

 

ولي جسدٌ يبـلـى ولا يتـجـدد

غناء خليدة: فاستحسن غناؤهما. ثم أقبلت على خيلدة فقالت لها: بنفسي أنت! غني، فغنت:

ألا يا من يلوم على التصابـي

 

أفق شيئاً لتسمع من جوابـي

بكرت تلومني في الحب جهلاً

 

وما في حب مثلي من معاب

أليس من السعادة غير شـكٍّ

 

هوى متواصلين على اقتراب

كريمٌ نال وداُ فـي عـفـافٍ

 

وسترٍ من منعـمةٍ كـعـاب

غناء عقيلة والشماسية: فاستحسن منها ما غنت، وهو بلحنها حسنٌ جداً. ثم قالت لعقيلة والشماسية: هاتيا، فغنتا:

هجرت الحبيب اليوم في غير ما اجترم

 

وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم

أطعت الوشاة الكاشحين ومـن يطـع

 

مقالة واش يقرع الـسـن مـن نـدم

غناء فرعة وبلبلة ولذة العيش: ثم قالت لفرعة وبلبلة ولذة العيش: هاتين فغنين، فاندفعن بصوتٍ واحد:

لعمري لئن كان الفؤاد من الهوى

 

بغى سقماً إنـي إذاً لـسـقـيم

علي دماء البدن إن كان حبـهـا

 

على النأي في طول الزمان يريم

تلم ملماتٌ فينـسـين بـعـدهـا

 

ويذكر منها العهد وهـو قـديم

فأقسم ما صافيت بـعـدك خـلةً

 

ولا لك عندي في الفؤاد قـسـيم

غناء سعدة والزرقاء: قالت: أحسنتن! وهو لعمري حسنٌ. وقالت لسعدة والزرقاء: غنيا، فغنتا:

قد أرسلوني يعزوني فقلت لـهـم

 

كيف العزاء وقد سارت بها الرفق

استهدت الريم عينيه فـجـادلـهـا

 

بمقلتيه ولم تتـرك لـه عـنـق

فاستحسن ذلك. ثم قالت للجماعة فغنوا، وانقضى المجلس وعاد كل إنسانٍ إلى وطنه. فما رئي مجلسٌ ولا جمعٌ أحسن من اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث.

طلب إبراهيم الموصلي الغناء لسماعه صوتاً لها: وحدثتني عمتي – وكانت أسن من أبي وعمرت بعده – قالت: كان السبب في طلب أبيك الغناء والمواظبة عليه لحناً سمعه لجميلة في منزل يونس بن محمد الكاتب، فانصرف وهو كئيبٌ حزين مغمومٌ لم يطعم ولم يقبل علينا بوجهه كما كان يفعل. فسألته عن السبب فأمسك، فألححت عليه فانتهرني، وكان لي مكرماً، فغضبت وقمت من ذلك المجلس إلى بيت آخر، فتبعني وترضاني وقال لي: أحدثك ولا كتمان منك: عشقت صوتاً لامرأة قد ماتت، فأنا بها وبصوتها هائمٌ إن لم يتداركني الله منه برحمته. فقالت: أتظن أن الله يحيي لك ميتاً! قال: بل لا أشك. قالت: فما تعليقك قلبك بما لا يعطاه إلا نبيٌ ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم!. وأما عشقك الصوت فهو أن تحذقه وتغنيه عشر مرارٍ، فتمله ويذهب عشقك له! فكأنه ارعوى ورجع إلى نفسه، وقام فقبل رأسي ويدي ورجلي وقال لي: فرجت عني ما كنت فيه من الكرب والغم، ثم تمثل: حبك الشيء يعمي ويصم ولزم بيت يونس حتى حذق الصوت ولم يمكث إلا زمناً يسيراً حتى مات يونس وانضم إلى سياطٍ، وكان من أحذق أهل زمانه بالغناء وأحسنهم أداءً عمن مضى. قالت عمتي: فقلت لإبراهيم: وما الصوت؟ فأنشدني الشعر ولم يحسن أداء الغناء:

من البـكـرات عـراقـيةٌ

 

تسمى سبيعة أطـريتـهـا

من آل أبي بكرة الأكرمـين

 

خصصت بودي فأصفيتهـا

ومن حبها زرت أهل العراق

 

وأسخطت أهلي وأرضيتهـا

أموت إذا شحطـت دارهـا

 

وأحـيا إذا أنـا لاقـيتـهـا

فأقسم لو أن ما بـي بـهـا

 

وكنت الطبيب لـداويتـهـا

قالت عمتي: هذا شعرٌ حسنٌ، فكيف به إذا قطع ومدد تمديد الأطربة وضرب عليها بقضبان الدفلى على بطون المعزى! فما مضت الأيام والليالي حتى سمعت اللحن مؤدى، فما خرق مسامعي شيءٌ قط أحسن منه، ولقد أذكرني بما يؤثر من حسن صوت داود وجمال يوسف. فبينا أنا يوماً جالسةٌ إذ طلع عليه إبراهيم ضاحكاً مستبشراً، فقال لي: ألا أحدثك بعجبٍ؟ قلت: وما هو؟ قال: إن لي شريكا في عشق صوت جميلة. قلت: وكيف ذلك؟ قال كنت عند سياطٍ في يومنا هذا وأنا أغنيه الصوت وقد وقفني فيه على شيء لم أكن أحكمته عن يونس، وحضر عند سياطٍ شيخٌ نبيلٌ فسبح على الصوت تسبيحاً طويلاً، فظننت أنه فعل ذلك لاستحسانه الصوت. فلما فرغت أنا وسياطٌ من اللحن قال الشيخ: ما أعجب أمر هذا الشعر وأحسن ما غني به وأحسن ما قال قائله! فقلت له دون القوم: وما بلغ من العجب به؟ قال: نعم! حجت سبيعة من ولد عبد الرحمن بن أبي بكرة، وكانت من أجمل النساء، فأبصرها عمر بن أبي ربيعة، فلما انحدرت إلى العراق اتبعها يشيعها حتى بلغ معها موضعاً يقال له الخورنق. فقالت له: لو بلغت إلى أهلي وخطبتني لزوجوك. فقال لها: ما كنت لأخلط تشييعي إياك بخطبة، ولكن أرجع ثم آتيكم خاطباً، فرجع ومر بالمدينة فقال فيها: قال ابن أبي ربيعة شعراً في سبيعة فلحنته وعلمته جارية من جواريه:

من البكرات عراقـيةٌ

 

تسمى سبيعة أطريتها

ثم أتى بيت جميلة فسألها أن تغني بهذا الشعر ففعلت. فأعجبه ما سمع من حسن غنائها وجودة تأليفها، فحسن موقع ذلك منه، فوجه إلى بعض موالياته ممن كانت تطلب الغناء أن تأتي جميلة وتأخذ الصوت منها، فطارحتها إياه أياماً حتى حذقت ومهرت به. فلما رأى ذلك عمر قال: أرى أن تخرجي إلى سبيعة وتغنيها هذا الصوت وتبلغيها رسالتي، قالت: نعم. جعلني الله فداك. فأتتها فرحبت بها، وأعلمتها الرسالة، فحيت وأكرمت، ثم غنتها فكادت أن تموت فرحاً وسروراً لحسن الغناء والشعر. ثم عادت رسول عمر فأعلمته ما كان وقالت له: إنها خارجة في تلك السنة.

حج سبيعة ثانية وسؤالها جميلة أن تغنيها بشعر عمر فيها: فلما كان أوان الحج استأذنت سبيعة أباها في الحج، فأبى عليها وقال لها: قد حججت حجة الإٍسلام، قالت له: تلك الحجة هي التي أسهرت ليلي وأطالت نهاري وتوقتني إلى أن أعود وأزور البيت وذلك القبر، وإن أنت لم تأذن لي مت كمداً وغماً، وذلك أن بقائي إنما كان لحضور الوقت، فإن يئست فالموت لا شك نازلٌ بي. فلما رأى ذلك أبوها رق لها وقال: ليس يسعني منعها مع ما أرى بها. ووافى عمر المدينة ليعرف خبرها، فلما قدمت علم بذلك. وسألها أن تأتي منزل جميلة، وقد سبق إليه عمر، فأكرمتها جميلة وسرت بمكانها. فقالت لها سبيعة: جعلني الله فداك! أقلقني وأسهرني صوتك بشعر عمر في، فأسمعيني إياه، قالت جميلة: وعزازةً لوجهك الجميل! فغنتها الصوت، فأغمي عليها ساعةً حتى رش على وجهها الماء وثاب إليها عقلها. ثم قالت: أعيدي علي، فأعادت الصوت مراراً في كل مرة يغشى عليها. ثم خرجت إلى مكة وخرج معها. فلما رجعت مرت بالمدينة وعمر معها، فأتت جميلة فقالت لها: أعيدي علي الصوت ففعلت، وأقامت عليها ثلاثاً تسألها أن تعيد الصوت. فقالت لها جميلة: إني أريد أن أغنيك صوتاً فاسمعيه. قالت: هاتيه يا سيدتي، فغنتها:

أبت المليحة أن تواصلنـي

 

وأظن أني زائرٌ رمـسـي

لا خير في الدنيا وزينتـهـا

 

ما لم توافق نفسها نفسـي

لا صبر لي عنها إذا حسرت

 

كالبدر أو قرنٍ من الشمس

ورمت فؤادك عند نظرتهـا

 

بملاحة الإيثـار والأنـس

قالت سبيعة: لولا أن الأول شعر عمر لقدمت هذا على كل شيء سمعته. فقال عمر: فإنه والله أحسن من ذلك، فأما الشعر فلا. قالت جميلة : صدقت والله. قالت عمتي قال لها أبي: لعمري إن ذلك على ما قالا.

ولابن سريج في هذا الشعر لحنٌ عن جميلة وربما حكي بزيادةٍ أو نقصانٍ أو مثلاً بمثل.

جمعت الناس في دارها وقصت عليهم رؤياها واعتزامها ترك الغناء فاختلفوا وخطب شيخ يحبذ الغناء فرجعت: أخبرني من يفهم الغناء قال: بلغني أن جميلة قعدت يوماً على كرسي لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي عنا أحداً اليوم، واقعدي بالباب، فكل من يمر بالباب فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت ذلك حتى غصت الدار بالناس، فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعةٌ حتى امتلأت السطوح. فجاءتها بعض جواريها فقالت لها: يا سيدتي، إن تمادي أمرك على ما أرى لم يبق في دارك حائطٌ إلا سقط، فأظهري ما تريدين. قالت: اجلسي. فلما تعالى النهار واشتد الحر استسقى الناس الماء فدعت لهم بالسويق، فشرب من أراد، فقالت: أقسمت على كل رجل وامرأة دخل منزلي إلا شرب، فلم يبق في سفل الدار ولا علوها أحد إلا شرب، وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، وأمرت جواريها فقمن على كراسي صغارٍ فيما بين كل عشرة نفرٍ جاريةٌ تروح. ثم قالت لهم: إني قد رأيت في منامي شيئاً أفزعني وأرعبني، ولست أعرف ما سبب ذلك، وقد خفت أن يكون قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أني يلحقني منه شيء عند ربي. فقال قوم منهم: وفقك الله وثبت عزمك! وقال آخرون: بل لا حرج عليك في الغناء. وقال شيخ منهم ذو سن وعلم وفقه وتجربة: قد تكلمت الجماعة، ولك حزبٍ بما لديهم فرحون، ولم أعترض عليهم في قولهم ولا شركتهم في رأيهم، فاستمعوا الآن لقولي وأنصتوا ولا تشغبوا إلى وقت انقضاء كلامي، فمن قبل قولي فالله موفقه، ومن خالفني فلا بأس عليه إذ كنت في طاعة ربي. فسكت القوم جميعاً. فتكلم الشيخ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم ولا تفلحوا بعدها أبداً. إنكم قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم ممن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم، لا ينكره عالمكم ولا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم ووضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم وشرفكم وعزكم. فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا، لأن الغناء من أكبر اللذات وأسر النفوس من جميع الشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفس ويفسح في الرأي ويتيسر به العسير وتفتح به الجيوش ويذلل به الجبارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرىء المرضى ومن مات قلبه وعقله وبصره، ويزيد أهل الثروة غنًى وأهل الفقر قناعةٌ ورضاً باستماعه فيعزفون عن طلب الأموال. من تمسك به كان عالماً ومن فارقه كان جاهلاً، لأنه لا منزلة أرفع ولا شيء أحسن منه، فكيف يستصوب تركه ولا يستعان به على النشاط في عبادة ربنا عز وجل. وكلامٌ كثيرٌ غير هذا ذهب عن المحدث به، فما رد عليه أحد ولا أنكر ذلك منهم بشرٌ، وكلٌّ عاد بالخطأ على نفسه وأقر بالحق له. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت ووقع من نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل وأنا أستغفر الله. قال لها: فاختمي مجلسنا وفرقي جماعتنا بصوت فقط، فغنت:

أفي رسم دارٍ دمعك المتـرقـرق

 

سفاهاً! وما استنطاق ما ليس ينطق

بحيث التقى جمعٌ وأقصى محسـرٍ

 

مغانيه قد كادت عن العهد تخلـق

مقامٌ لنا بعد العـشـاء ومـنـزلٌ

 

به لم يكدره عـلـينـا مـعـوق

فأحسن شيء كـان أول لـيلـنـا

 

وآخـره حـزنٌ إذا نـتـفــرق

فقال الشيخ: حسنٌ والله! أمثل هذا يترك! فيم نتشاهد الرجال! لا والله ولا كرامة لمن خالف الحق. ثم قام وقام الناس معه، وقال: الحمد لله الذي لم يفرق جماعتنا على اليأس من الغناء ولا جحود فضيلته، وسلامٌ عليك ورحمة الله يا جميلة.

وصف مجلس لها غنت فيه ورقصت وغنى المغنون ورقصوا: وقال أبو عبد الله: جلست جميلة يوماً ولبست برنساً طويلاً، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك، وكان في القوم ابن سريج، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه، وأحبت جميلة أن ترى صلعته. فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال: دبرت علي ورب الكعبة! وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه، وضحك القوم من قبحأنا صلعته، ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردةٌ يمانيةٌ وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالكٌ وفي يد كل واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها، فغنت وغنى القوم على غنائها:

ذهب الشباب وليتـه لـم يذهـب

 

وعلا المفارق وقع شيبٍ مغـرب

والغانيات يردن غيرك صـاحـبـاً

 

ويعدنك الهجران بعـد تـقـرب

إني أقول مـقـالةً بـتـجـاربٍ

 

حقاً ولم يخبرك مثـل مـجـرب

صاف الكريم وكمن لعرضك صائناً

 

وعن اللئيم ومثلـه فـتـنـكـب

ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود وتمشت وتمشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد:

يمشين مشي قطا البطاح تأوداً

 

قب البطون رواجح الأكفال

فيهن آنسة الـحـديث حـييةٌ

 

ليست بفاحشةٍ ولا متـفـال

وتكون ريقتها إذا نبهـتـهـا

 

كالمسك فوق سلافة الجـريال

ثم نعرت ونعر القوم طرباً، ثم جلست وجلسوا وخلعوا ثيابهم ورجعوا إلى زيهم، وأذنت لمن كان ببابها فدخلوا، وانصرف المغنون وبقي عندها من يطارحها من الجواري.

استزارت عبد الله بن جعفر لمجلس غناء هيأته له فزارها: وحدثتني عمتي قالت: سمعت سياطاً يحدث أباك يوماً جميلة فقال: بنفسي هي وأمي! فما كان أحسن وجهها وخلقها وغناءها! ما خلفت النساء مثلها شبيهاً، فأعجبني ذلك. ثم قال سياط: جلست جميلة يوماً للوفادة عليها، وجعلت على رؤوس جواريها شعوراً مسدلةً كالعناقيد إلى أعجازهن، وألبستهن أنواع الثياب المصبغة ووضعت فوق الشعور التيجان، وزينتهن بأنواع الحلي، ووجهت إلى عبد الله بن جعفر تستزيره، وقالت لكاتب أملت عليه: بأبي أنت وأمي! قدرك يجل عن رسالتي وكرمك يحتمل زلتي، وذنبي لا تقال عثرته ولا تغفر حوبته. فإن صفحت فالصفح لكم معشر أهل البيت يؤثر، والخير والفضل كله فيكم مدخر، ونحن العبيد وأنتم الموالي. فطوبى لمن كان لكم مقارباً والي وجوهكم ناظراً! وطوبى لمن كان لكم مجاوراً، وبعزكم قاهراً، وبضيائكم مبصراً! والويل لمن جهل قدركم ولم يعرف ما أوجبه الله على هذا الخلق لكم! فصغيركم كبير بل لا صغير فيكم، وكبيركم جليلٌ بل الجلالة التي وهبها الله عز وجل للخلق هي لكم ومقصورةٌ عليكم. وبالكتاب نسألك وبحق الرسول ندعوك إن كنت نشيطاً لمجلس هيأته لك لا يحسن إلا بك ولا يتم إلا معك، ولا يصلح أن ينقل عن موضعه، ولا يسلك به غير طريقه. فلما قرأ عبد الله الكتاب قال: إنا لنعرف تعظيمها لنا وإكرامها لصغيرنا وكبيرنا.

وقد علمت أنها قد آلت أليةً ألا تغني أحداً إلا في منزلها. وقال للرسول: والله قد كنت على الركوب إلى موضع كذا وكان في عزمي المرور بها. فأما إذ وافق ذلك مرادها فإني جاعلٌ بعد رجوعي طريقي عليها. فلما صار إلى بابها أدخل بعض ما كان معه إليها وصرف بعضهم. فنظر إلى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذة، فأعجبه ووقع من نفسه، فقال: يا جميلة! لقد أوتيت خيراً كثيراً، ما أحسن ما صنعت! فقالت: يا سيدي، إن الجميل للجميل يصلح، ولك هيأت هذا المجلس. فجلس عبد الله بن جعفر وقامت على رأسه وقامت الجواري صفين، فأقسم عليها فجلست غير بعيد. ثم قالت: يا سيدي، ألا أغنيك؟ قال: بلى! فغنت:

بني شيبة الحمد الذي كان وجهه

 

يضيء ظلام الليل كالقمر البدر

كهولهم خير الكهول ونسلـهـم

 

كنسل الملوك لا يبور ولا يحرى

أبو عتبة الملقي إليك جـمـالـه

 

أغر هجان اللون من نفر زهر

لساقي الحجيج ثم للخير هـاشـمٍ

 

وعبد منافٍ ذلك السيد الغـمـر

أبوكم قصيٌّ كان يدعى مجمعـاً

 

به جمع الله القبائل من فـهـر

فقال عبد الله: أحسنت يا جميلة وأحسن حذافة ما قال! بالله أعيديه علي فأعادته، فجاء الصوت أحسن من الارتجال. ثم دعت لكل جاريةٍ بعودٍ وأمرتهن بالجلوس على كراسي صغارٍ قد أعدتها لهن، فضربن وغنت عليهن هذا الصوت وغنى جواريها على غنائها. فلما ضربن جميعاً قال عبد الله: ما ظننت أن مثل هذا يكون! وإنه لمما يفتن القلب! ولذلك كرهه كثير من الناس لما علموا فيه. ثم دعا ببغلته فركبها وانصرف إلى منزله. وقد كانت جميلة أعدت طعاماً كثيراً، وكان أراد المقام، فقال لأصحابه: تخلفوا للغداء، فتغدوا وانصرفوا مسرورين. وهذا الشعر لحذافة بن غانم بن عبيد الله بن عويج بن عدي بن كعب يمدح به عبد المطلب. أراد العرجي أن ينزل عليها حين فر من مكة فأبت وأنزلته على الأحوص: قال وحدثني بعض المكيين قال: كان العرجي وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان شاعراً سخياً شجاعاً أديباً ظريفاً. ويشبه شعره بشعر عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد بن هشام وإن كانا قدما عليه، وقد نسيب كثيرٌ من شعره إلى شعرهما، وكان صاحب صيد. فخرج يوماً متنزهاً من مكة ومعه جماعةٌ من غلمانه ومواليه ومعه كلابه وفهوده وصقوره وبوازيه نحو الطائف إلى مالٍ له بالعرج – وبهذا الموضع سمي العرجي – فجرى بينه وبين مولى لبني أمية كلامٌ، فأمضه المولى فكف عنه العرجي حتى أوى إلى منزله، ثم هجم عليه ومعه غلمانه فأمرهم أن يوثقوه، ثم أمرهم أن ينكحوا امرأته وهو يراهم ففعلوا، ثم أخرجه فقتله. فبلغ أمير مكة ما فعل فطلبه، فخرج من منزلة وأخرج معه غلمانة ومواليه وآلة الصيد وتوجه نحو المدينة وقد ركب أفراسه وأعد عدته. فلم يزل يتصد ويقصف في طريقه حتى دخل المدينة ليلاً، وأراد المقام في منزل جميلة، وكانت آلت ألا تغني بشعره ولا تدخله منزلها لكثرة عبثه وسفهه وحداثة سنه. فلما أعلمت بمكانه ليلاً قالت: طارق! إن له لشأناً! فاستخبرت خبره فقيل لها: إنه قدم مستخفياً، ولم ير بالمدينة موضعاً هو أطيب له من منزلك، والأيمان تكفر، والأشراف لا يردون. فقالت لرسولها إليه: منزلي منزل جوازٍ. ولا يمكن مثلك الاستخفاء فيها، فعليك بالأحوص – وكان الأحوص مجانباً له لشيء جرى بينه وبينه في منزل جميلة – فقال أنى لي بالأحوص مع الذي كان بيننا! قالت: ائته عني وقل له: قد غنينا بذلك الشعر، فأن أحببت أن تظهر وتبقى مودتنا لك، فأصلح ما بينك وبين عبد الله، إذ أصلح ما بيننا، وأنزله منزلك. قال لها: ليس هذا بمقنعي، أما إذ أبيت أن أقيم بمنزلك فوجهي معي رسولاً إلى الأحوص، فإن منزله أحب إلي بعد منزلك. فوجهت معه إلى الأحوص بعض مولياته، فأنزله الأحوص وأكرمه وأحسن جواره وستر أمره. فقال شعراً ووجه به إلى جميلة:

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلـقـا

 

فلم تلفه إلا مشوبـاً مـمـذقـا

وما من حبيبٍ يستزير حـبـيبـه

 

يعاتبه في الـود إلا تـفـرقـا

أمر وصال الغانيات فأصبـحـت

 

مضاضته يشجى بها من تمطقـا

تعلق هذا القلب للحين معـلـقـاً

 

غزالاً تحلى عقـد درٍّ ويارقـا

إذا قلت مهلاً للفؤاد عن الـتـي

 

دعتك إليها العين أغضى وأطرفا

دعانا فلم نستبق حباً بمـا نـرى

 

فما منك هذا العذل إلا تخـرقـا

فقد سن هذا الحب من كان قبلنـا

 

وقاد الصبا المرء الكريم فأعنقـا

فلما قرأت شعره رقت له وقالت: كيف لي بإيلائي ألا يدخل منزلي ولا أغنيه بشعره؟ فقيل لها: يدخل منزلك وتغنين وتكفرين عن يمينك. فوجهت إليه أن صر إلينا والأحوص في تلك الليلة، فجاءاها، وعرفت الأحوص تكفير اليمين، فقال لها: وأنا والله شفيعه إليك، ففرجي ما به من غمٍّ فقد فارق من يحب ويهوى، فتؤنسينه وتسرينه وتغنينه بشعره. فغنت:

ألا قاتل الله الهوى كيف أخلقا

 

فلم تلفه إلا مشوباً ممـذقـا

وحدثني بعض أهلنا قال قال يونس بن محمد: كان الأحوص معجباً بها وملازماً لها فصار إليها بغلام له جميل فأخرجته خوف الفتنة ثم دعتهما دعوة خاصة وغنتهما: كان الأحوص معجباً بجميلة، ولم يكن يكاد يفارق منزلها إذا جلست. فصار إليها غلاماً بغلام جميل الوجه يفتن من رآه، فشغل أهل المجلس، وذهبت اللحون عن الجواري وخلطن في غنائهن. فأشارت جميلة إلى الأحوص أن أخرج الغلام، فالخلل قد عم مجلسي وأفسد علي أمري. فأبى الأحوص وتغافل، وكان بالغلام معجباً، فآثر لذته بالنظر إلى الغلام مع السماع. ونظر الغلام إلى الوجوه الحسان من الجواري ونظرن إليه، وكان مجلساً عاماً. فلما خافت عاقبة المجلس وظهور أمره أمرت بعض من حضر بإخراج الغلام فأخرج، وغضب الأحوص وخرج مع الغلام ولم يقل شيئاً، فأحمد أهل المجلس ما كان من جميلة، وقال لها بعضهم: هذا كان الظن بك، أكرمك الله! فقالت: إنه والله ما استأذنني في المجيء به ولا علمت به حتى رأيته في داري، ولا رأيت له وجهاً قبل ذلك، وإنه ليعز علي غضب الأحوص، ولكن الحق أولى، وكان ينبغي له ألا يعرض نفسه وإياي لما نكره مثله. فلما تفرق أهل المجلس بعثت إليه: الذنب لك ونحن منه برءاء، إذ كنت قد عرفت مذهبي، فلم عرضتني للذي كان، فقد ساءني ذلك وبلغ مني، ولكن لم أجد بداً من الذي رأيت إما حياءً وإما تصنعاً. فرد عليها: ليس هذا لك بعذر إن لم تجعلي لي وله مجلساً نخلو فيه جميعاً تمحين به ما كان منك. قالت: أفعل ذلك سراً، قال الأحوص: قد رضيت. فجاءاها ليلاً فأكرمتهما، ولم تظهر واحدةً من جواريها على ذلك إلا عجائز من مواليها. وسألها الأحوص وأقسم عليها أن تغنيه من شعره:

وبالفقر دارٌ من جميلة هـيجـت

 

سوالف حبٍّ في فؤادك منصـب

وكانت إذا تنـأى أو تـفـرقـت

 

شداد الهوى لم تدر ما قول مشغب

أسيلة مجرى الدمع خمصانة الحشا

 

برود الثنايا ذات خلقٍ مشرعـب

ترى العين ما تهوى وفيهـا زيادةٌ

 

من الحسن إذ تبدو وملهىً لملعب

قال يونس: ما لها صوتٌ أحسن منه، وابن محرزٍ يغنيه وعنها أخذه، وأنا أغنيه فتعجبني نفسي ويدخلني شيء لا أعرفه من النخوة والتيه. وقال المحدث لي بهذا الحديث عن يونس: إن هذا للأحوص في جميلة. والذي عندي أنه لطيفل الغنوي قال في ابن زيد الخيل، وهو زيد بن المهلهل بن المختلس بن عبد رضاً أحد بني نبهان، ونبهان لقبٌ له، ولكنه سودان بن عمرو بن الغوث بن طيىء، أغار على بني عامر فأصاب بني كلاب وبني كعب، واستحر القتل في غني بن أعصر ومالك بن أعصر ومالك بن أعصر، وأعصر هو الدخان، ولذلك قبل لهما ابنا دخان، وأخوهما الحارث وهو الطفاوة وهو مالك بن سعد بن قيس بن عيلان، وغطفان بن سعد عمهم. وكانت غني مع بني عامرٍ في دارهم موالي لنمير، وكان فيهم فرسانٌ وشعراء. ثم إن غنياً أغارت على طيىء وعليهم سيار بن هريم، فقال في ذلك قصيدته الطويلة:

وبالقفر دارٌ من جميلة هيجـت

 

سوالف شوقٍ في فؤادك منصب

لحنت قصيدة لعمرو بن أحمر بن العمرد في عمر بن الخطاب لحناً جميلاً، ونبذة عن ترجمة ابن أحمر: وحدثني أيوب بن عباية قال: كان عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر بن عبد شمس بن فراص بن معن بن مالك ابن أعصر بن قيس بن عيلان بن مضر من شعراء الجاهلية المعدودين، وكان ينزل الشأم، وقد أدرك الإسلام وأسلم، وقال في الجاهلية والإسلام شعراً كثيراً وفي الخفاء الذين أدركهم: عمر بن الخطاب فمن دونه إلى عبد الملك بن مروان، وكان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالداً إلى الشأم، ولم يأت أبا بكر. وقال في خالد رحمه الله:

إذا قال سيف الله كروا علـيهـم

 

كررت بقلبٍ رابط الجأش صارم

وقال في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة له طويلة جيدة:

أدركت آل أبي حفص وأسرته

 

وقبل ذاك ودهراً بعده كلبـا

قد ترتمى بقوافٍ بينـنـا دولٌ

 

بين الهناتين لا جداً ولا لعبـا

الله يعلم ما قولي وقـولـهـم

 

إذ يركبون جناناً مسهباً وربـا

وقال في عثمان بن عفان رضي الله عنه:

حثى فليس إلى عثمان مرتجعٌ

 

إلا العداء وإلا مكنعٌ ضـرر

إخالها سمعت عزفاً فتحسبـه

 

إهابة القسر ليلاً حين تنتشر

وقال في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

من مبلغٌ مالكاً عني أبا حسـنٍ

 

فارتح لخصمٍ هداك الله مظلوم

فلما أنشدت جميلة قصيدته في عمر بن الخطاب، قالت: والله لأعلمن فيها لحناً لا يسمعه أحدٌ أبداً إلا بكى. قال إبراهيم: وصدقت، والله ما سمعته قط إلا أبكاني، لأني أجد حين أسمعه شيئاً يضغط قلبي ويحرقه فلا أملك عيني، وما رأيت أحداً قط سمعه إلا كانت هذه حاله.
صوت من المائة المختارة

يا دار عبلة من مشارق مـأسـل

 

درس الشؤون وعهدها لم ينجـل

فاستبدلت عفر الظباء كـأنـمـا

 

أبعارها في الصيف حب الفلفل

تمشي النعام به خـلاءً حـولـه

 

مشي النصارى حول بيت الهيكل

إحذر محل السوء لا تحلـل بـه

 

وإذا نبا بك منـزلٌ فـتـحـول

الشعر، فيما ذكر يحيى بن علي عن إسحاق، لعنترة بن شداد العبسي. وما رأيت هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة، ولعله من رواية لم تقع إلينا، فذكر غير أبي أحمد أن الشعر لعبد قيس بن خفاف البرجمي، إلا أن البيت الأخير لعنترة صحيح لا يشك فيه. والغناء لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، ولحنه المختار، على ما ذكره أبو أحمد، من الثقيل الأول. وذكر ابن خرداذبه أن لحن أبي دلف خفيف ثقيل بالوسطى. وذكر إسحاق أن فيه لمعبد لحناً من الثقيل الأول المطلق في مجرى الوسطى، وأن فيه لأبي دلف لحناً ولم يجنسه. وذكر حبش أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى. وأن لابن سريج في البيت الثاني ثقيلاً أول، وذكر ابن خرداذبه أن خفيف الثقيل لمالك، وليس ممن يعتمد على قوله. وقد ذكر يونس أيضاً أن فيه غناء لمالك ولم يذكر جنسه ولا طريقته.