ذكر اميّة بن أبي الصّلت ونسبه وخبره

ذكر اميّة بن أبي الصّلت ونسبه وخبره

نسبه من قبل أبويه

واسم أبي الصّلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عنزة بن قسيّ، وهو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوزان. هكذا يقول من نسبهم إلى قيس، وقد شرح ذلك في خبر طريح. وأمّ أميّة بن أبي الصلت رقيّة بنت عبد شمس بن عبد مناف. وكان أبو الصلت شاعراً، وهو الذي يقول في مدح سيف بن ذي يزن:

ليطلب الثأر أمثال ابـن ذي يزنٍ

 

إذ صار في البحر للأعداء أحوالاً

وقد كتب خبر ذلك في موضعه.

أولاد أمية

وكان له أربع بنين: عمروٌ وربيعة ووهبٌ والقاسم. وكان القاسم شاعراً، وهو الذي يقول – أنشدنيه الأخفش وغيره عن ثعلبٍ، وذكر الزّبير أنّها لأميّة -:

صوت

قومٌ إذا نزل الغريب بدارهـم

 

ردّوه ربّ صواهلٍ وقـيان

لا ينكتون الأرض عند سؤالهم

 

لتلمّس العلاّت بـالـعـيدان

يمدح عبد الله بن جدعان بها، وأوّلها:

قومي ثقيفٌ إن سألت وأسرتي

 

وبهم أدافع ركن من عاداني

غنّاه الغريض، ولحنه ثقيلٌ أوّل بالبنصر. ولابن محرزٍ فيه خفيف ثقيلٍ أوّل بالوسطى، عن الهشاميّ جميعاً. وكان ربيعة ابنه شاعراً، وهو الذي يقول:

وإن يك حيُّا من إيادٍ فـإنّـنـا

 

وقيساً سواءٌ ما بقينا وما بقوا

ونحن خيار النّاس طرًّا بطانةً

 

لقيسٍ وهم خيرٌ لنا إن هم بقوا

كان يستعمل في شعره كلمات غريبة

أخبرني إبراهيم بن أيّوب قال حدّثنا عبد الله بن مسلم قال: كان أميّة بن أبي الصّلت قد قرأ كتاب الله عز وجل الأوّل، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب؛ فمنها قوله:

قمرٌ وساهورٌ يسلّ ويغمد

وكان يسمّي الله عزّ وجلّ في شعره السّلطيط، فقال:

والسّلطيط فوق الأرض مقتدر

وسمّاه في موضع آخر التغرور فقال: ” وأيّده التغرور “. وقال ابن قتيبة: وعلماؤنا لا يحتجّون بشيء من شعره لهذه العلّة.

من أشعر ثقيف بل أشعر الناس

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: قال أبو عبيدة: اتّفقت العرب على أنّ أشعر أهل المدن أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف، وأنّ أشعر ثقيف أميّة بن أبي الصّلت.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال: قال يحيى بن محمد: قال الكميت: أميّة أشعر الناس، قال كما قلنا ولم نقل كما قال.

تعبد والتمس الدين وطمع في النبوّة

قال الزّبير وحدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال: كان أميّة بن أبي الصلت قد نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبّداً، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنيفيّة، وحرّم الخمر وشكّ في الأوثان، وكان محقّقاً، والتمس الدّين وطمع في النبوّة؛ لأنه قرأ في الكتب أنّ نبيًّا يبعث من العرب، فكان يرجو أن يكونه. قال: فلمّا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه؛ فحسده عدوّ الله وقال: إنّما كنت أرجو أن أكونه؛ فأنزل الله فيه عزّ وجلّ: ” واتل عليهم نبأ الّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها “. قال: وهو الذي يقول:

كلّ دينٍ يوم القيامة عند الله إلاّ دين الحنيفة زور

كان يحرّض قريشاً بعد بدر

قال الزّبير وحدّثني يحيى بن محمد قال: كان أميّة يحرّض قريشاً بعد وقعة بدرٍ، وكان يرثي من قتل من قريش في وقعة بدر؛ فمن ذلك قوله:

ماذا ببـدرٍ والـعـقـن

 

قل من مرازبةٍ جحاجح

وقال: وهي قصيدةٌ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رواياتها. ويقال: إن أميّة قدم على أهل مكة ” باسمك اللّهمّ “؛ فجعلوها في أوّل كتبهم مكان ” بسم الله الرحمن الرحيم “.

أسف الحجاج على ضياع شعره

قال الزّبير وحدّثني عليّ بن محمد المدائنيّ قال: قال الحجّاج على المنبر: ذهب قومٌ يعرفون شعر أميّة، وكذلك اندراس الكلام.

كان يتحسس أخبار نبيّ العرب فلما أخبر ببعثته تكدّر:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمر بن أبي بكر المؤمّلي وغيره قال: كان أميّة بن أبي الصلت يلتمس الدّين ويطمع في النبوّة، فخرج إلى الشأم فمرّ بكنيسة، وكان معه جماعةٌ من العرب وقريش، فقال أميّة: إنّ لي حاجةً في هذه الكنيسة فانتظروني، فدخل الكنيسة وأبطأ، ثم خرج إليهم كاسفاً متغيّر اللّون، فرمى بنفسه، وأقاموا حتى سرّي عنه، ثم مضوا فقضوا حوائجهم ثم رجعوا. فلمّا صاروا إلى الكنيسة قال لهم: انتظروني، ودخل إلى الكنيسة فأبطأ، ثم خرج إليهم أسوأ من حاله الأولى؛ فقال أبو سفيان بن حرب: قد شقفت على رفقائك. فقال: خلّوني؛ فإنّي أرتاد على نفسي لمعادي، إنّ هاهنا راهباً عالماً أخبرني أنه تكون بعد عيسى عليه السلام ستّ رجعاتٍ، وقد مضت منها خمسٌ وبقيت واحدةٌ، وأنا أطمع في النبوّة وأخاف أن تخطئني، فأصابني ما رأيت. فلمّا رجعت ثانيةً أتيته فقال: قد كانت الرجعة، وقد بعث نبيٌّ من العرب؛ فيئست من النبوّة، فأصابني ما رأيت؛ إذ فاتني ما كنت أطمع فيه.

أخبره راهب أن ليست فيه أوصاف النبيّ قال: وقال الزّهريّ: خرج أميّة في سفر فنزلوا منزلاً، فأمّ أميّة وجهاً وصعد في كثيب، فرفعت له كنيسةٌ فانتهى إليها، فإذا شيخٌ جالسٌ، قال لأميّة حين رآه: إنّك لمتبوع، فمن أين يأتك رئيّك؟ قال: من شقّي الأيسر. قال: فأيّ الثياب أحبّ إليك أن يلقاك فيها؟ قال: السواد. قال: كدت تكون نبيّ العرب ولست به، هذا خاطرٌ من الجنّ وليس بملكٍ، وإنّ نبيّ العرب صاحب هذا الأمر يأتيه من شقّه الأيمن، وأحب الثياب إليه أن يلقاه فيها البياض.

حديثه مع أبي بكر قال الزّهريّ: وأتى أميّة أبا بكر فقال: يا أبا بكر، عمي الخبر، فهل أحسست شيئاً؟ قال: لا والله! قال: قد وجدته يخرج العام.

سأل أبا سفيان عن عتبة بن ربيعة أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: سمعت خالد بن يزيد يقول: إنّ أميّة وأبا سفيان اصطحبا في تجارة إلى الشأم، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: فخرج من عند الراهب وهو ثقيل. فقال له أبو سفيان: إنّ بك لشراً، فما قصّتك؟ قال: خيرٌ، أخبرني عن عتبة بن ربيعة كم سنّه؟ فذكر سنًّا. وقال أخبرني ماله فذكر مالاً. فقال له: وضعته. فقال أبو سفيان. بل رفعته. فقال له: إنّ صاحب هذا الأمر ليس بشيخ ولا ذي مالٍ. قال: وكان الراهب أشيب، وأخبره أنّ الأمر لرجلٍ من قريش.

زعم أنه فهم ثغاء شاة

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثت عن عبد الرحمن بن أبي حمّاد المنقريّ قال: كان أميّة جالساً معه قوم، فمرّت بهم غنمٌ فثغت منها شاة؛ فقال للقوم: هل تدرون ما قالت الشاة؟ قالوا لا. قال: إنّها قالت لسخلتها: مرّي لا يجيء الذئب فيأكلك كما أكل أختك عام أوّل في هذا الموضع. فقام بعض القوم إلى الراعي فقال له: أخبرني عن هذه الشاة التي ثغت ألها سخلةٌ؟ فقال: نعم، هذه سخلتها. قال أكانت لها عام أوّل سخلةٌ؟ قال: نعم، وأكلها الذئب في هذا الموضع.

قال الأصمعي كل شعره في بحث الآخرة

قال الزّبير وحدّثني يحيى بن محمد عن الأصمعيّ قال: ذهب أميّة في شعره بعامّة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامّة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامّة ذكر الشباب.

جاءه طائران وهو نائم فشق احدهما عن قلبه

قال الزّبير حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني رجلٌ من أهل الكوفة قال: كان أميّة نائماً فجاء طائران فوقع أحدهما على باب البيت، ودخل الآخر فشقّ عن قلبه ثم ردّه الطائر؛ فقال له الطائر الآخر: أوعى؟ قال نعم. قال: زكا؟ قال: أبى.

خبره مع ركب الشام أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن الحارث عن ابن الأعرأبي عن ابن دأبٍ قال: خرج ركبٌ من ثقيفٍ إلى الشأم، وفيهم أميّة بن أبي الصّلت، فلمّا قفلوا راجعين نزلوا منزلاً ليتعشّوا بعشاء، إذ أقبلت عظايةٌ حتّى دنت منهم، فحصبها بعضهم بشيءٍ في وجهها فرجعت؛ وكفتوا سفرتهم ثم قاموا يرحلون ممسين؛ فطلعت عليهم عجوز من وراء كثيبٍ مقابلٍ لهم تتوكّأ على عصاً، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رجيمة الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشيّة؟ قالوا: ومن أنت؟ قالت: أنا أمّ العوّام، إمت منذ أعوام؛ أمّا وربّ العباد، لتفترقنّ في البلاد؛ وضربت بعصاها الأرض ثم قالت: بطّئي إيابهم، ونفّري ركابهم؛ فوثب الإبل كأنّ على ذروة كل بعير منها شيطاناً ما يملك منها شيءٌ، حتى افترقت في الوادي. فجمعناها في آخر النهار من الغد ولم نكد. فلمّا أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فضربت الأرض بعصاها ثم قالت كقولها الأوّل؛ ففعلت الإبل كفعلها بالأمس، فلم نجمعها إلا الغد عشيّة. فلمّا أنخناها لنرحلها أقبلت العجوز ففعلت كفعلها في اليومين ونفرت الإبل. فقلنا لأميّة: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟ فقالت: اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني. فتوجّه إلى ذلك الكثيب الذي كانت العجوز تأتي منه حتى علاه وهبط منه إلى وادٍ، فإذا فيه كنيسةٌ وقناديل، وإذا رجل مضطجع معترض على بابها، وإذا رجلٌ أبيض الرأس واللّحية؛ فلمّا رأى أميّة قال: إنّك لمتبوع، فمن أين يأتيك صاحبك؟ قال: من أذني اليسرى. قال فبأيّ الثياب يأمرك؟ قال: بالسواد. هذا خطيب الجنّ؛ كدت والله أن تكونه ولم تفعل؛ إنّ صاحب النبوّة يأتيه صاحبه من قبل أذنه اليمنى، ويأمره بلباس البياض؛ فما حاجتك؟ فحدّثه حديث العجوز؛ فقال: صدقت، وليست بصادقة! هي امرأةٌ يهودية من الجنّ هلك زوجها منذ أعوام، وإنّها لن تزال تصنع ذلك بكم حتى تهلككم إن آستطاعت. فقال أميّة: وما الحيلة؟ فقال: جمّعوا ظهركم، فإذا جاءتكم ففعلت كما كانت تفعل فقولوا لها: سبعٌ من فوق وسبعٌ من أسفل، باسمك اللّهم؛ فلن تضرّكم. فرجع أميّة إليهم وقد جمعوا الظّهر. فلمّا أقبلت قال لها ما أمره به الشيخ، فلم تضرّهم. فلمّا رأت الإبل لم تتحرّك قالت: قد عرفت صاحبكم، وليبيضّنّ أعلاه، وليسودّنّ أسفله؛ فأصبح أميّة وقد برص في عذاريه واسودّ أسفله. فلمّا قدموا مكة ذكروا لهم هذا الحديث؛ فكان ذلك أوّل ما كتب أهل مكة ” باسمك اللّهم ” في كتبهم.

خبر الطائرين أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى قال حدّثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر بن مسعود عن الزّهريّ قال: دخل يوماً أميّة بن أبي الصّلت على أخته وهي تهيئ أدماً لها، فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت. قال: فانشقّ جانبٌ من السقف في البيت، وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه، فشقّ الواقع صدره فأخرج قلبه فشقّه؛ فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى. قال: فردّ قلبه في موضعه فنهض؛ فأتبعهما أميّة طرفه فقال:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

لا بريءٌ فأعتذر، ولا ذو عشيرةٍ فأنتصر. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه، ثم أخرج قلبه فشقّه؛ فقال: الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال:؟ أبى، ونهض فأتبعهما بصره وقال:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

لا مالٌ يغنيني، ولا عشيرةٌ تحميني. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه، ثم أخرج قلبه فشقّه؛ فقال الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى، ونهض، فأتبعهما بصره وقال:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

محفوفٌ بالنّعم، محوطٌ من الريب. قال: فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه وأخرج قلبه فشقّه؛ فقال الأعلى: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى، ونهض، فأتبعهما بصره وقال:

لبّيكـمـا لـبـيكـمـا

 

هأنـذا لـديكـمــا

إن تغفر اللّهمّ تغفر جمًّا

 

وأيّ عبدٍ لك لا ألمًّـا

قالت أخته: ثم انطبق السّقف وجلس أميّة يمسح صدره. فقلت: يا أخي، هل تجد شيئاً؟ قال: لا، ولكنّي أجد حرًّا في صدري. ثم أنشأ يقول:

ليتني كنت قبل ما قد بـدا لـي

 

في قنّان الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينك واحذر

 

غولة الدّهر إنّ للدّهـر غـولا

تصديق النبيّ له في شعره

حدّثني محمد بن جرير الطبريّ قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثني سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّق أميّة في قوله:

رجلٌ وثورٌ تحت رجل يمينـه

 

والنّسر للأخرى وليثٌ مرصد

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ” صدق “.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني حمّاد بن عبد الرحمن بن الفضل الحرّانيّ قال حدّثنا أبو يوسف – وليس بالقاضي – عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل هذا.

أنشد النبيّ بعض شعره فقال ” إن كاد أمية ليسلم “: أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا جعفر بن الحسين المهلّبيّ قال حدّثني إبراهيم بن إبراهيم بن أحمد عن عكرمة قال: أنشد النبيّ صلى الله عليه وسلم قول أميّة:

الحمد لله ممسانا ومصبحـنـا

 

بالخير صبّحنا ربّي ومسّانـا

ربّ الحنيفة لم تنفد خزائنهـا

 

مملوءةً طبّق الآفاق سلطانا

ألا نبيّ لنا منّا فـيخـبـرنـا

 

ما بعد غايتنا من رأس محيانا

بينا يربّيننا أباؤنـا هـلـكـوا

 

وبينما نقتني الأولاد أفنـانـا

ولقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنـا

 

أن سوف يلحق أخرانا بأولانا

فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” إن كاد أميّة ليسلم “.

شعر له في عتاب ابنه وتوبيخه

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية قال حدّثنا عبد الله بن أبي بكر، وحدّثنا خالد بن عمارة: أنّ أميّة كتب على ابنٍ له فأنشأ يقول:

غذوتك مولوداً ومنتك يافـعـاً

 

تعلّ بما أجني عليك وتنـهـل

إذا ليلةٌ نابتك بالشّكو لـم أبـت

 

لشكواك إلاّ ساهراً أتملـمـل

كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي

 

طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الرّدى نفسي عليك وإنّني

 

لأعلم أنّ الموت حتمٌ مؤجّـل

فلمّا بلغت السّنّ والغاية التـي

 

إليها مدى ما كنت فيك أؤمّـل

جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً

 

كأنّك أنت المنعم المتفـضّـل

محاورة بين الهذليّ وعكرمة في شعر له

قال الزبير قال أبو عمرو الشّيبانيّ قال أبو بكر الهذليّ قال: قلت لعكرمة: ما رأيت من يبلّغنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لأميّة: ” آمن شعره وكفر قلبه “؛ فقال: هو حقٌّ، وما الذي أنكرتم من ذلك؟ فقلت له: أنكرنا قوله:

والشمس تطلع كلّ آخر ليلةٍ

 

حمراء مطلع لونها متورّد

تأبى فلا تبدو لنا في رسلها

 

إلاّ معـذّبةً وإلاّ تـجـلـد

فما شأن الشمس تجلد؟ قال: والذي نفسي بيده ما طلعت قطّ حتّى ينخسها سبعون ألف ملكٍ يقولون لها: اطلعي؛ فتقول أأطلع على قومٍ يعبدونني من دون الله! قال: فيأتيها شيطانٌ حين تستقبل الضّياء تريد أن يصدّها عن الطّلوع فتطلع على قرنيه، فيحرقه الله تحتها. وما غربت قطّ إلاّ خرّت لله ساجدةً، فيأتيها شيطانٌ يريد أن يصدّها عن السجود، فتغرب على قرنيه فيحرقه الله تحتها؛ وذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ” تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان “.

تمثل ابن عباس بشعره عند معاوية

حدّثني أحمد بن محمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن عبّاد قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد أنّه سمع ابن حاضر يقول: اختلف ابن عبّاس وعمرو بن العاصي عند معاوية؛ فقال ابن عباس: ألا أغنيك؟ قال بلى! فأنشده:

والشمس تغرب كلّ آخر لـيلةٍ

 

في عين ذي خلبٍ وثأطٍ حرمد

أحاديثه وأحواله في مرض موته

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا عمّي عن مصعب بن عثمان عن ثابت بن الزّبير قال: لمّا مرض أميّة مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا أجلي، وهذه المرضة منيّتي، وأنا أعلم أنّ الحنيفيّة حقٌّ، ولكن الشكّ يداخلني في محمد. قال: ولمّا دنت وفاته أغمي عليه قليلاً ثم أفاق وهو يقول:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

لا مالٌ يفديني، ولا عشيرةٌ تنجيني. ثم أغمي عليه أيضاً بعد ساعة حتى ظنّ ممن حضره من أهله أنّه قد قضى، ثم أفاق وهو يقول:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

لا برىءٌ فأعتذر، ولا قويٌّ فأنتصر، ثم إنّه بقي يحدّث من حضره ساعةً، ثم أغمي عليه مثل المرّتين الأوليين حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول:

لبّيكما لبيكما

 

هأنذا لديكما

محفوفٌ بالنّعم،

إن تغفر اللّهم تغفر جمًّا

 

وأيّ عبدٍ لك لا ألمّـا

ثم أقبل على القوم فقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي؛ وحدّثهم قليلاً حتّى يئس القوم من مرضه، وأنشأ يقول:

كلّ عيشٍ وإن تـطـاول دهـراً

 

منتهـى أمـره إلـى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قـد بـدا لـي

 

في رؤوس الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينيك واحذر

 

غولة الدّهر إنّ للـدّهـر غـولا

ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد قيل في وفاة أميّة غير هذا.

لما بعث النبي هرب بابنتيه إلى اليمن ثم مات بالطائف:

أخبرني عبد العزيز بن أحمد عمّ أبي قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: سمعت في خبر أميّة بن أبي الصّلت، حين بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه أخذ بنتيه وهرب بهما إلى أقصى اليمن، ثم عاد إلى الطائف؛ فبينما هو يشرب مع إخوانٍ له في قصر غيلان بالطائف، وقد أودع ابنتيه اليمن ورجع إلى بلاد الطائف، إذ سقط غرابٌ على شرفةٍ في القصر نعب نعبةً؛ فقال أميّة: بفيك الكثكث! – وهو التّراب – فقال أصحابه: ما يقول؟ قال يقول إنّك إذا شربت الكأس التي بيدك متّ، فقلت: بفيك الكثكث. ثم نعب نعبةً أخرى، فقال أميّة نحو ذلك؛ فقال أصحابه: ما يقول؟ قال زعم أنّه يقع على هذه المزبلة أسفل القصر، فيستثير عظماً فيبتلعه فيشجى به فيموت، فقلت نحو ذلك. فوقع الغراب على المزبلة، فأثار العظم فشجي به فمات، فانكسر أميّة، ووضع الكأس من يده، وتغيّر لونه. فقال له أصحابه: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا وكان باطلاً! فألحّوا عليه حتى شرب الكأس، فمال في شقٍّ وأغمي عليه ثم أفاق، ثم قال: لا بريءٌ فأعتذر، ولا قويٌّ فأنتصر، ثم خرجت نفسه.

صوت من المائة المختارة

تبلت فؤادك في المنام خريدةٌ

 

تشفي الضّجيع بباردٍ بسّـام

كالمسك تخلطه بماء سحابةٍ

 

أو عاتقٍ كدم الذّبيح مـدام

عروضه من الكامل، الشعر لحسّان بن ثابت، والغناء لموسى بن خارجة الكوفيّ ثقيلٌ أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر حمّاد عن أبيه أنّ فيه لحناً لعزّة الميلاء. وليس موسى بكثير الصنعة ولا مشهور، ولا ممن خدم الخلفاء.