ذكر النابغة الجعدي

الجزء الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر النابغة الجعدي

نسبه وكنيته

هو على ما ذكر أبو عمرو الشيباني والقحذمي، وهو الصحيح، حبان بن قيس بن عبد الله بن وحوح بن عدس وقيل ابن عمرو بن عدس مكان وحوح ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. هذا النسب الذي عليه الناس اليوم مجتمعون.

وقد روى ابن الكلبي وأبو اليقظان وأبو عبيدة وغيرهم في ذلك روايات تخالف هذا، فمنها أن ابن الكلبي ذكر عن أبيه أن خصفه الذي يقول الناس إنه ابن قيس بن عيلان ليس كما قالوا، وأن عكرمة ابن قيس بن عيلان وخصفة أمه، وهي امرأة من أهل هجر. وقيل: بل هي حاضنته، وكان قيس بن عيلان قد مات، وعكرمة صغير فربته حتى كبر، وكان قومه يقولون: هذا عكرمة بن خصفة، فبقيت عليه، ومن لا يعلم يقول: عكرمة بن خصفة بن قيس، كما يقال خندف، وإنما هي امرأة وزوجها إلياس بن مضر. وقالوا في صعصعة بن معاوية: إن الناقمية بنت عامر بن مالك، وهو الناقم، سمي بذلك لأنه انتقم بلطمة لطمها، وهو ابن سعد بن جدان بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، كانت عند معاوية بن بكر بن هوازن فمات عنها أو طلقها وهي نسء، فتزوجها سعد بن زيد مناة بن تميم، فولدت على فراشه صعصعة بن معاوية، ثم ولدت هبيرة ونجدة وجنادة، فلما مات سعد اقتسم بنوه الميراث وأخرجوا صعصعة منه، وقالوا: أنت ابن معاوية بن بكر، فلما رأى ذلك أتى بني معاوية بن بكر فأقروا بنسبه ودفعوه عن الميراث، فلما رأى ذلك أتى سعد بن الظرب العدواني فشكا إليه ما لقي، فزوجه بنت أخيه عمرة بنت عامر بن الظرب، وأبوها عامر الذي يقال له: ذو الحلم، وعمرة ابنته هذه هي التي كانت تقرع له العصا إذا سها في الحكم، وله يقول الشاعر:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

 

وما علم الإنسان إلا لـيعـلـمـا

قال: وكانت عمرة يوم زوجها عمها نسئاً من ملك من ملوك اليمن يقال له: الغافق بن العاصي الأزدي، والملك يومئذ في الأزد، فولدت على فراش صعصعة عامر بن صعصعة، فسماه صعصعة عامراً بجده عامر بن الظرب. وقال في ذلك حبيب بن وائل بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن:

أزعمت أن الغافقي أبوكـم

 

نسب لعمر أبيك غير مفنـد

وأبوكم ملك ينتف باسـتـه

 

هلباء عافية كعرف الهدهد

جنحت عجوزكم إليه فردهما

 

نسئاً بعامركم ولـمـا يويد

ويكنى النابغة أبا ليلى. وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وقال ابن الأعرابي: هو قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، ووافق ابن سلام في باقي نسبه. وهذا وهم ممن قال: إن اسمه قيس، وليس يشك في أنه كان له أخ يقال له وحوح بن قيس، وهو الذي قتله بنو أسد وخبره يذكر بعد هذا ليصدق نسب النابغة.

وأمه فاخرة بنت عمرو بن جابر بن شحنة الأسدي.

وإنما سمي النابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على القحذمي: قال الجعدي الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً ثم نبغ بعد في الشعر في الإسلام. أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن حبيب عن أبن الأعرابي قال: أقام النابغة الجعدي ثلاثين سنة لا يتكلم، ثم تكلم بالشعر! قال القحذمي في رواية حماد عنه: كان الجعدي أسن من نابغة بني ذبيان.

قال ابن سلام في رواية أبي خليفة عنه: كان الجعدي النابغة قديماً شاعراً طويلاً مفلقاً طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:

ومن يك سائلاً عني فـإنـي

 

من الفتيان أيام الـخـنـان

أتت مائة لعام ولـدت فـيه

 

وعشر بعد ذاك وحجـتـان

فقد أبقت خطوب الدهر مني

 

كما أبقت من السيف اليماني

قال وعمر بعد ذلك عمراً طويلاً. سئل محمد بن حبيب عن أيام الخنان ما هي؟ فقال: وقعة لهم، فقال قائل منهم وقد لقوا عدوهم: خنوهم بالرماح، فسمي ذلك العام الخنان. ويدل على أنه أقدم من النابغة الذبياني أنه عمر مع المنذر بن المحرق قبل النعمان بن المنذر، وكان النابغة الذبياني مع النعمان بن المنذر وفي عصره، ولم يكن له قدم إلا أنه مات قبل الجعدي، ولم يدرك الإسلام. والجعدي الذي يقول:

تذكرت شيئاً قد مضـى لـسـبـيلـه

 

ومن عادة المحـزون أن يتـذكـرا

نداماي عند المنـذر بـن مـحـرق

 

أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

كهول وفتـيان كـأن وجـوهـهـم

 

دنانير مما شيف في أرض قيصـرا

طائفة من أخباره

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد بن حكيم عمن كان يأخذ العلم عنه ولم يسم إلي أحداً في هذا: أن النابغة عمر مائة وثمانين سنة، وهو القائل:

لبست أناساً فأفنيتـهـم

 

وأفنيت بعد أناس أناسا

ثلاثة أهلبين أفنيتـهـم

 

وكان الإله هو المستآسا

وهي قصيدة طويلة، يقول فيها، وفيه غناء:

وكنت غلاماً أقاسي الـحـرو

 

ب يلقى المقاسون مني مراسا

فلما دنونا لجـرس الـنـبـا

 

ح لم نعرف الحي إلا التماسا

أضاءت لنا النار وجـهـاً أغ

 

ر ملتبساً بالفؤاد التـبـاسـا

غنى في هذه الثلاثة الأبيات فليح بن أبي العوراء خفيف ثقيل أول بالوسطى.
رجع الخبر إلى رواية عمر بن شبة: قال: وقال أيضاً:

ألا زعمت بنو سعد بأني

 

ألا كذبوا كبير السن فاني

أتت مائة لعام ولدت فـيه

 

وعشر بعد ذاك وحجتان

قال: وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أبياته التي يقول فيها:

ثلاثة أهلين أفنيتهم

فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: كم لبثت مع كل أهل. قال: ستين سنة.

وأخبرني بعض أصحابنا

عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: أنشد رجل من العجم قول النابغة الجعدي:

لبست أناساً فأفنيتـهـم

 

وأفنيت بعد أناس أناسا

وفسر له، فقال: بدين شان بود، أي هذا رجل مشؤوم. وأما ابن قتيبة فإنه ذكر ما رواه لنا عنه إبراهيم بن محمد أنه عمر مائتين وعشرين سنة، ومات بأصبهان. وما ذاك بمنكر، لأنه قال لعمر رضي الله تعالى عنه: إنه أفنى ثلاثة قرون كل قرن ستون سنة، فهذه مائة وثمانون، ثم عمر بعده فمكث بعد قتل عمر خلافة عثمان وعلي ومعاوية ويزيد، وقدم على عبد الله بن الزبير بمكة وقد دعا لنفسه، فاستماحه ومدحه، وبين عبد الله بن الزبير وبين عمر، نحو مما ذكر ابن قتيبة، بل لا أشك أنه قد بلغ هذه السن وهاجى أوس بن مغراء بحضرة الأخطل والعجاج وكعب بن جعيل فغلبه أوس، وكان مغلباً.

حدثنا أحمد بن عمر بن موسى القطان المعروف بابن زنجويه قال

حدثنا إسماعيل بن عبد الله السكري قال حدثنا يعلى بن الأشدق العقيلي قال حدثني نابغة بني جعدة قال: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم هذا الشعر فأعجب به:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنـا

 

وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا

لم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فأين المظهر يا أبا ليلى”، فقلت: الجنة، فقال: “قل إن شاء الله”، فقلت: إن شاء الله.

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

 

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

 

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أجدت لا يفضض الله فاك”، قال: فلقد رأيته وقد أتت عليه مائة سنة أو نحوها وما انفض من فيه سن.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال

أخبرني أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال: كان النابغة الجعدي ممن فكر في الجاهلية وأنكر الخمر والسكر وما يفعل بالعقل، وهجر الأزلام والأوثان، وقال في الجاهلية كلمته التي أولها:

الحمد لله لا شريك لـه

 

من لم يقلها فنفسه ظلما

وكان يذكر دين إبراهيم والحنيفية، ويصوم ويستغفر، ويتوقى أشياء لعواقبها. ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

أتيت رسول الله إذ جاء بالـهـدى

 

ويتلو كتاباً كالـمـجـرة نـيرا

وجاهدت حتى ما أحس ومن معي

 

سهيلاً إذا ما لاح ثمـت غـورا

أقيم على التقوى وأرضى بفعلهـا

 

وكنت من النار المخوفة أوجـرا

وحسن إسلامه، وأنشد النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: “لا يفضض الله فاك”، وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه صفين. وفد ذكر خبره مع عمر رضي الله عنه، وأما خبره، مع عثمان فأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال مسلمة بن محارب: دخل النابغة الجعدي على عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين، قال: وأين تريد يا أبا ليلى. قال: ألحق بإبلي فأشرب من ألبانها فإني منكر لنفسي، فقال: أتعرباً بعد الهجرة يا أبا ليلى! أما علمت أن ذلك مكروه؟! قال: ما علمته، وما كنت لأخرج حتى أعلمك. قال: فأذن له، وأجل له في ذلك أجلا، فدخل على الحسن والحسين ابني علي فودعهما، فقالا له: أنشدنا من شعرك يا أبا ليلى، فأنشدهما:

الحمد لله لا شريك لـه

 

من لم يقلها فنفسه ظلما

فقالا: يا أبا ليلى، ما كنا نروي هذا الشعر إلا لأمية بن أبي الصلت، فقال: يابني رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لصاحب هذا الشعر وأول من قاله، وإن السروق لمن سرق شعر أمية.

قال أبو زيد عمر بن شبة في خبره: كان النابغة شاعراً متقدماً، وكان مغلباً ما هاجى قط إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء وليلى الأخيلية وكعب بن جعيل فغلبوه جميعاً.

بدء حديثه

وقال أبو عمرو الشيباني: كان بدء حديث النابغة وأوس بن مغراء أن معاوية لما وجه بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السلمي وزياد بن الأشهب بن ورد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة، فقالا: يا أمير المؤمنين، نسألك بالله وبالرحم ألا تجعل لبسر على قيس سلطاناً، فيقتل قيساً بمن قتلت بنو سليم من بني فهر وبني كنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فقال معاوية: يا بسر لا أمر لك على قيس، وسار بسر حتى أتى المدينة، فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم. ثم سار بسر حتى أتى الطائف، فقالت له ثقيف: ما لك علينا سلطان، نحن من قيس، فسار حتى أتى همدان وهم في جبل لهم يقال له شبام، فتحصنت فيه همدان، ثم نادوا: يا بسر نحن همدان وهذا شبام، فلم يلتفت إليهم، حتى إذا اغتروا ونزلوا إلى قراهم، أغار عليهم فقتل وسبى نساءهم، فكن أول مسلمات سبين في الإسلام. ومر بحي من بني سعد نزول بين ظهري بني جعدة بالفلج، فأغار بسر على الحي السعديين فقتل منهم وأسر، فقال أوس بن مغراء في ذلك:

مشرين ترعون النجيل وقد غدت

 

بأوصال قتلاكم كلاب مزاحـم

المشر: الذي قد بسط ثوبه في الشمس. والنجيل: جنس من الحمض فقال النابغة يجيبه:

متى أكلت لحومكم كلابي

 

أكلت يديك من جرب تهام

خبره مع أوس بن مغراء

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب مما أجاز لنا روايته عنه من حديثه وأخباره مما ذكره منها عن محمد بن سلام الجمحي عن أبي الغراف، وأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر، قالا حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن سلام، عن أبي الغراف: أن النابغة هاجى أوس بن مغراء، قال: ولم يكن أوس مثله ولا قريباً منه في الشعر، فقال النابغة: إني وإياه لنبتدر بيتاً، أينا سبق إليه غلب صاحبه، فلما بلغه قول أوس:

لعمرك ما تبلى سرابيل عامـر

 

من اللؤم ما دامت عليها جلودها

قال النابغة: هذا البيت الذي كنا نبتدر إليه. فغلب أوس عليه.
قال أبو زيد: فحدثني المدائني أنهما اجتمعا في المربد فتنافرا وتهاجيا، وحضرهما العجاج والأخطل ركعب بن جعيل، فقال أوس:

لما رأت جعدة منـا ورداً

 

ولوا نعاماً في البلاد ربدا

إن لنا علـيكـم مـعـداً

 

كاهلها وركنها الأشـدا

فقال العجاج:

كل امرئ يعدو بما استعدا

وقال الأخطل يعين أوس بن مغراء ويحكم له:

وإني لقاض بين جعدة عامـر

 

وسعد قضاء بين الحق فيصلا

أبو جعدة الذئب الخبيث طعامـه

 

وعوف بن كعب أكرم الناس أولا

           

وقال كعب بن جعيل:

إني لقاض قضاء سوف يتبعه

 

من أم قصداً ولم يعدل إلى أود

فصلاً من القول تأتم القضاة به

 

ولا أجور ولا أبغي على أحمد

ناكت بنو عامر سعداً وشاعرها

 

كما تنيك بنو عبس بني أسـد

سبب المهاجاة بينه وبين ليلى الأخيلية

وقال أبو عمرو الشيباني: كان سبب المهاجاة بين ليلى الأخيلية وبين الجعدي أن رجلاً من قشير يقال له ابن الحيا وهي أمه واسمه سوار بن أوفى بن سبرة هجاه وسب أخواله من أزد في أمر كان بين قشير وبين بني جعدة وهم بأصبهان متجاورون، فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضخة سميت بذلك لأنه ذكر فيها مساوي فشير وعقيل وكل ما كانوا يسبون به، وفخر بمآثر قومه وبما كان لسائر بطون بني عامر سوى هذين الحيين من قشير وعقيل:

جهلت علي ابن الحيا وظلمتني

 

وجمعت قولاً جاء بيتاً مضللا

وقال في هذه القصة أيضاً قصيدته التي أولها:

إما ترى ظلل الأيام قد حسرت

 

عني وشمرت ذيلاً كان ذيالا

وهي طويلة، يقول فيها:

ويوم مكة إذ ما جـدتـم نـفـرا

 

حاموا على عقد الأحساب أزوالا

عند النجاشي إذ تعطـون أيديكـم

 

مقرنين ولا تـرجـون إرسـالا

إذ تستحبون عند الخذل أن لـكـم

 

من آل جعدة أعمامـا وأخـوالا

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكـم

 

وتجعلوا جلد عبد الله سـربـالا

يعني عبد الله بن جعدة بن كعب:

إذاً تسربلتم فـيه لـينـجـيكـم

 

مما يقول ابن ذي الجدين إذ قالا

حتى وهبتم لعبد الله صاحـبـه

 

والقول فيكم بإذن الله ما فـالا

تلك المكارم لا قعبان من لبـن

 

شيبا بماء فعادا بـعـد أبـوالا

يعني بهذا البيت أن ابن الحيا فخر عليه بأنهم سقوا رجلاً من جعدة أدركوه في سفر وقد جهد عطشا لبناً وماء فعاش.
وقال في هذه القصة أيضاً قصيدته التي أولها:

أبلغ قشيراً والحريش فما

 

ذا رد في أيديكم شتمي

وفخر عليهم بقتل علقمة الجعفي يوم وادي نساح وقتل شراحيل بن الأصهب الجعفي، وبيوم رحرحان أيضاً، فقال فيه:

هلا سألت بيومي رحرحان وقد

 

ظنت هوازن أن العز قد زالا

فلما ذكر ذلك النابغة قال:

تلك المكارم لا قعبان من لبن

 

شيبا بماء فعادا بعد أبـوالا

ففخر بما له وغض مما لهم. ودخلت ليلى الأخيلية بينهما فقالت:

وما كنت لو قاذفت جل عشيرتي

 

لأذكر قعبي حازر قد تثـمـلا

وهي كلمة. فلما بلغ النابغة قولها قال:

ألا حييا ليلى وقولا لـهـا هـلا

 

فقد ركبت أبراً أغر محـجـلا

وقد أكلت بقلا وخيماً نـبـاتـه

 

وقد شربت من آخر الصيف أيلا

يعني ألبان الأيل

دعي عنك تهجاء الرجال وأقبلي

 

على أذلغي يملأ استك فـيشـلا

وكيف أهاجي شاعراً رمحه استه

 

خضيب البنان لا يزال مكحـلا

فردت عليه ليلى الأخيلية فقالت:

أنابغ لم تنبـغ ولـم تـك أولا

 

وكنت صنيا بين ضدين مجهلا

الصني: شعب صغير يسيل منه الماء. وصدان: جبلان.

أنابغ إن تنبغ بلؤمك لا تجـد

 

للؤمك إلا وسط جعدة مجعلا

تعيرني داء بأمـك مـثـلـه

 

وأي حصان لا يمال لها هلا

فغلبته. فلما أتى بني جعدة قولها هذا، اجتمع ناس منهم فقالوا: والله لنأتين صاحب المدينة، أو أمير المؤمنين، فليأخذن لنا بحقنا من هذه الخبيثة، فإنها قد شتمت أعراضنا وافترت علينا، فتهيئوا لذلك، وبلغها أنهم يريدون أن يستعدوا عليها، فقالت:

أتاني من الأنباء أن عـشـيرة

 

بشوران يزجون المطي المذللا

يروح ويغدو وفدهم بصحـيفة

 

ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا

وقد أخبرني ببعض هذه القصة أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة فجاء بها مختلطة، وهذا أوضح وأصح.

ما فخر به النابغة من الأيامقال أبو عمرو: فأما ما فخر به النابغة من الأيام، فمنها يوم علقمة الجعفي، فإنه غدا في مدحج ومعه زهير الجعفي، فأتى بني عقيل بن كعب فأغار عليهم، وفي بني عقيل بطون من سليم يقال لهم بنو بجلة، فأصاب سبياً وإبلا كثيرة، ثم انصرف راجعاً بما أصاب، فاتبعه بنو كعب، ولم يلحق به من بني عقيل إلا عقال بن خويلد بن عامر بن عقيل، فجعل يأخذ أبعار إبل الجعفيين فيبول عليها حتى ينديها، ثم يلحق ببني كعب فيقول: إيه فدى لكم أبواي، قد لحقتم القوم، حتى وردوا عليهم النخيل في يوم قائظ، ورأس زهير في حجر جارية من سليم من بني بجلة سباها يومئذ وهي تفليه، وهو متوسد قطيفة حمراء وهي تضفر سعفاته أي أعلى رأسه بهدب القطيفة، فلم يشعروا إلا بالخيل، فكان أول من لحق زهيراً ابن النهاضة، فضرب وجه زهير بقوسه حتى كسر أنفه، ثم لحقه عقال بن خويلد، فبعج بطنه، فسال من بطنه برير وحلب والبرير: ثمر الأراك. والحلب: لبن كان قد اصطبحه فذلك يوم يقول أبو حرب أخو عقال بن خويلد: والله لا أصطبح لبناً حتى آمن من الصباح. قال: وهذا اليوم هو يوم وادي نساح وهو باليمامة.

قال: وأما يوم شراحيل بن الأصهب الجعفي فإنه يوم مذكور تفتخر به مضر كلها. وكان شراحيل خرج مغيراً في جمع عظيم من اليمن، وكان قد طال عمره وكثر تبعه وبعد صيته واتصل ظفره، وكان قد صالح بني عامر على أن يغزو العرب ماراً بهم في بدأته وعودته لا يعرض أحد منهم لصاحبه، فخرج غازياً في بعض غزواته فأبعد، ثم رجع إليهم فمر على بني جعدة فقرته ونحرت له، فعمد ناس من أصحابه سفهاء فتناولوا إبلا لبني جعدة فنحروها، فشكت ذلك بنو جعدة إلى شراحيل، فقالوا: قريناك وأحسنا ضيافتك ثم لم تمنع أصحابك مما يصنعون! فقال: إنهم قوم مغيرون، وقد أساءوا لعمري! وإنما يقيمون عندكم يوماً أو يومين ثم يرتحلون عنكم. فقال الرقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة لأخيه ورد بن عمرو وقيل: بل قال ذلك لابن أخيه الجعد بن ورد: دعني أذهب إلى بني قشير قال: وجعدة وقشير أخوان لأم وأب، أمهما ريطة بنت قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور فأدعوهم، واصنع أنت يا هذا لشراحيل طعاماً حسناً كثيراً، وادعه وأدخله إليك فاقتله، فإن احتجت إلينا فدخن، فإني إذا رأيت الدخان أتيتك بهم فوضعنا سيوفنا على القوم. فعمد ورد هذا إلى طعام فأصلحه، ودعا شراحيل وناساً من أصحابه وأهله وبني عمه، فجعلوا كلما دخل البيت رجل قتله ورد، حتى انتصف النهار، فجاء أصحاب شراحيل يتبعونه، فقال لهم ورد: تروحوا فإن صاحبكم قد شرب وثمل وسيروح فرجعوا، ودخن ورد، وجاءت قشير، فقتلوا من أدركوا من أصحابه، وسار سائرهم، وبلغهم قتل شراحيل، فمروا على بني عقيل، وهم إخوتهم، فقالوا: لنقتلن مالك بن المنتفق، فقال لهم مالك: أنا آتيكم بوردة فركب ببني عقيل إلى بني جعدة وقشير ليعطوهم ورداً، فامتنعوا من ذلك وساروا بأجمعهم فذبوا عن عقيل، حتى تفرق من كان مع شراحيل. فقال في ذلك بحير بن عبد الله بن سلمة:

أحي يتبعون العير نـحـراً

 

أحب إليك أم حـيا هـلال

لعلك قـاتـل ورداً ولـمـا

 

تساق الخيل بالأسل النهـال

ألا يا مال ويح سواك أقصر

 

أما ينهاك حلمك عن ضلال

فأحدهما مشهور قد ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب بعقب أخبار الحارث بن ظالم، وهذا اليوم الثاني، فكان الطماح الحنفي أغار في بني حنيفة وبني قيس بن ثعلبة على بني الحريش بن كعب وبني عبادة بن عقيل وطوائف من بني عبس يقال لهم بنو حذيفة، فركبت بنو جعدة وبنو أبي بكر بن كلاب، ولم يشهد ذلك من بني كلاب غير بني أبي بكر، فأعركوا الطفاح من يومهم، فاستنقذوا ما أخذه وأصابوا ما كان معه، وقتلوا عدداً من أصحابه وهزموهم. قال: وأما ما ذكره من إدراكهم بثأر كعب الفوارس، فإن كعب الفوارس وهو ابن معاوية بن عبادة بن البكاء مر على بني نهد وعليه سلاحه، فحمل عليه رجل من نهد يقال له خليف فقتله وأخذ فرسه وسلاحه، ثم إن خليفاً بعد ذلك بدهر مر على بني جعدة، فرآه مالك بن عبد الله بن جعدة وعليه جبة كعب وفيها أثر الطعنة، وكان محرماً فلم يقدر على قتله، فقال: يا هذا! ألا رقعت هذا الخرق الذي في جبتك! وجعل يترصده بعد ذلك، حتى بلغه بعد دهر أنه مر ببني جعدة، فركب مالك بن عبد الله بن جعدة فرساً له وقد أخبر أن خليفاً مر بجنباتهم، فأدركه فقتله، ثم قال: بؤ بكعب. ثم غزا نواحيهم عبد الله بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكاء: جرماً ونهداً، وهم يومئذ في بني الحارث، فناداهم بنو البكاء: ليس معنا أحد من قومنا غيرنا وإن النهدي قتل صاحبنا محرماً فقاتلهم نهد وجرم جميعاً يومئذ، وكان عبد الله بن ثور يومئذ على فرس ورد، فأصابوا من نهد يومئذ غنيمة عظيمة، وقتلوا قتلى كثيرة. فقال عبد الله في ذلك:

فسائل بني جرم إذا ما لقـيتـهـم

 

ونهداً إذا حجت عليك بنو نـهـد

فإن يخبروك الحق عنا تجـدهـم

 

يقولون أبلى صاحب الفرس الورد

قال: وأما يوم الفلج، فإن بكر بن وائل بعثت عيناً على بني كعب بن ربيعة حتى جاء الفلج وهو ماء فوجد النعم بعضه قريباً من بعض، ووجد الناس قد احتملوا، فليس في النعم إلا من لا طباخ به من راع أو ضعيف، فجاءهم عينهم بذلك، فركبت بكر بن وائل يريدونهم، حتى إذا كانوا منهم بحيث يسمعون أصواتهم، سمعوا الصهيل وأصوات الرجال، فقالوا لعينهم: ما هذا ويلك.! قال: والله ما أدري، وإن هذا لمما لم أعهد، فأرسلوا من يعلم علمهم، فرجع فأخبرهم أن الرجال قد رجعوا، ورأى جمعاً عظيماً وخيولاً كثيرة، فكروا راجعين من ليلتهم، وأصبحت بنو كعب فرأوا الأثر فاتبعوهم، فأصابوا من أخرياتهم رجالاً وخيلاً، فرجعوا بها.
قال: وأما قوله:

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم

 

وتجعلوا جلد عبد الله سربالا

فإن السبب في ذلك أن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، لقي خداش بن زهير البكائي، فتنافرا على مائة من الإبل، وقال كل منهما لصاحبه: أنا أكرم وأعز منك، فحكما في ذلك رجلاً من بني في الجدين، فقضى بينهما أن أعزهما وأكرمهما أقربهما من عبد الله بن جعدة نسباً فقال خداش بن زهير: أنا أقرب إليه، أم عبد الله بن جعدة عمتي وهي أميمة بنت عمرو بن عامر وإنما أنت أدنى إليه مني منزلة بأب فلم يزالا يختصمان في القرابة لعبد الله دون المكاثرة بآبائهما إقراراً له بذلك، حتى فلج هبيرة القشيرقي وظفر.

قال أبو عمرو: وكان عبد الله بن جعدة سيداً مطاعاً، وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، يأتيه بها هذا الحي من الأزد وغيرهم، فجاء سمير بن سلمة القشيري وعبد الله جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته، فأنزله عنها وجلس مكانه، فجاء رياح بن عمرو بن ربيعة بن عقيل وهو الخليع، سمي بذلك لتخلعه عن الملوك لا يعطيهم الطاعة فقال للقشيري: مالك ولشيخنا تنزله عن إتاوته ونحن هاهنا حوله! فقال القشيري: كذبت، ما هي له! ثم مد القشيري رجله فقال: هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزاً، قال: لا! لعمري لا أضرب رجلك، فقال له القشيري: فامدد لي رجلك حتى تعلم أضربها أم لا، فقال: ولا أمد لك رجلي، ولكن أفعل ما لا تنكره العشيرة وما هو أعز لي وأذك لك، ثم أهوى إلى رجل القشيري فسحبه على قفاه ونحاه، وأقعد عبد الله بن جعدة مكانه.

أول من صنع الدبابة قال: وعبد الله بن جعدة أول من صنع الدبابة، وكان السبب في ذلك أنهم انتجعوا ناحية البحرين، فهجموا على عبد لرجل يقال له كودن في قصر حصين، فدخن العبد ودعا النساء والصبيان، فظنوا أنه يطعمهم ثريداً، حتى إذا امتلأ القصر منهم أغلقه عليهم، فصاح النساء والصبيان، وقام العبد ومن معه على شرف القصر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رماه، فلما رأى ذلك عبد الله بن جعدة صنع دبابة على جذوع النخل وألبسها جلود الإبل، ثم جاء بها والقوم يحملونها حتى أسندوها إلى القصر، ثم حفروا حتى خرقوه فقتل عبد ومن كان معه واستنقذ صبيانهم ونساءهم. فذلك قول النابغة:

ويوم دعا ولدانكم عبـد كـودن

 

فخالوا لدى الداعي ثريداً مفلفلا

وفي ابن زياد وهو عقبة خيركم

 

هبيرة ينزو في الحديد مكبـلا

يعني هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، وكان عبد الله بن مالك بن عدس بن ربيعة بن جعدة خرج ومعه مالك بن عبد الله بن جعدة، حتى مروا على بني زياد العبسيين والرجال غيب، فأخذوا ابنا في لأنس بن زياد وانطلقوا به يرجون الفداء، وانطلق عمه عمارة بن زياد حتى أتى بني كعب، فلقي هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، فقال له: يا هبيرة إن الناس يقولون: إنك بخيل، قال: معاذ الله! قال: فهب لي جبتك هذه، فأهوى ليخلعها، فلما وقعت في رأسه وثب عليه فأسره، ثم بعث إلى بني قشير: علي وعلي إن قبلت من هبيرة أقل من فدية حاجب إلا أن يأتوني بابن أخي الذي في أيدي بني جعدة، فمشت بنو قشير إلى بني جعدة، فاستوهبوه منهم فوهبوه لهم، فافتدوا به هبيرة.

خبر وحوح أخي النابغة وأما خبر وحوح أخي النابغة الذي تقدم ذكره مع نسب أخيه النابغة، فإن أبا عمرو ذكر أن بني كعب أغارت على بني أسد فأصابوا سبياً وأسرى، فركبت بنو أسد في آثارهم حتى لحقوهم بالشريف، فعطفت بنو عدس بن ربيعة بن جعدة، فذادوا بني أسد حتى قتلوا منهم ثلاثين رجلاً وردوهم، ولم يظفروا منهم بشيء. وتعلقت امرأة من بني أسد بالحكم بن عمرو بن عبد الله بن جعدة وقد أردفها خلفه، فأخذت بضفيرته ومالت به فصرعته، فعطف عليه عبد الله بن مالك بن عدس وهو أبو صفوان، فضرب يدها بالسيف فقطعها وتخلصه. وطعن يومئذ وحوح بن قيس أخو النابغة الجعدي، فارتث في معركة القوم، فأخذه خالد بن نضلة الأسدي، وعطف عليه يومئذ أخوه النابغة، فقال له خالد بن نضلة: هلم إلي وأنت آمن، فقال له النابغة: لا حاجة لي في أمانك، أنا على فرسي ومعي سلاحي وأصحابي قريب، ولكني أوصيك بما في العوسجة يعني أخاه وحوح بن قيس، فعدل إليه خالد فأخذه وضمه إليه ومنع من قتله وداواه حتى فدي بعد ذلك. قال: ففي ذلك يقول مدرك العبسي:

أقمت على الحفاظ وغاب فرج

 

وفي فرج عن الحسب انفراج

كذلك فعلنا وحبـال عـمـي

 

وردن بوحوح فلج الـفـلاج

ومما قاله النابغة في هذه المفاخرة وغني فيه قوله وقد جمع معه كل ما يغني فيه من القصيدة:

هل بالديار الغداة من صـمـم

 

أم هل بربع الأنيس من قـدم

أم ما تنادي من ماثل درج الس

 

يل عليه كالحوض فنـهـدم

غراء كالليلة المباركة الـقـم

 

راء تهـدي أوائل الـظـلـم

أكنى بغير اسمها وقد علـم ال

 

له خفيات كـل مـكـتـتـم

كأن فاهاً إذا تـبـسـم مـن

 

طيب مشم وطيب مبـتـسـم

يسن بالضرو من براقـش أو

 

هيلان أو ضامر من العـتـم

عروضه من المنسرح. وفي الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر، ذكره إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر ابن المكي والهشامي أنه لمعبد، وأظنه من منحول يحيى، وذكر حبش أنه لإبراهيم. وفي الثالث وما بعده لابن سريح رمل بالبنصر، وذكر حبش أن فيها لإسحاق رملاً آخر، ولابن مسجح فيها ثقيل أول بالبنصر.
أول من سبق إلى الكناية أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أول من سبق إلى الكناية عن اسم من يعني بغيره في الشعر الجعدي، فإنه قال:

أكني بغير اسمها وقد علم ال

 

له خفيات كل مـكـتـتـم

فسبق الناس جميعاً إليه واتبعوه فيه. وأحسن من أخذه وألطفه فيه أبو نواس حيث يقول:

أسأل القادمين من حـكـمـان

 

كيف خلفتـم أبـا عـثـمـان

فيقولون لـي جـنـان كـمـا

 

سرك في حالها فسل عن جنان

مالهم لا يبارك الـلـه فـيهـم

 

كيف لم يغن عندهم كتمـانـي

رأي الفرزدق فيه

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو بكر الباهلي قال حدثني الأصمعي قال: ذكر الفرزدق نابغة بني جعدة فقال: كان صاحب خلقان عنده مطرف بألف، وخمار بواف، يعني درهماً.

مع ابن الزبير المسجد الحرام

وحدثني خبره مع ابن الزبير جماعة، منهم حبيب بن نصر المهلبي وعمر بن عبد العزيز بن أحمد والحرمي بن أبي العلاء ووكيع ومحمد بن جرير الطبري حدثنيه من حفظه، قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أخي هارون بن أبي بكر عن يحيى بن إبراهيم عن سليمان بن محمد بن يحيى بن عروة عن أبيه عن عمه عبد الله بن عروة قال: أقحمت السنة نابغة بني جعدة، فدخل على ابن الزبير المسجد الحرام، فأنشده:

حكيت لنا الصديق لما ولـيتـنـا

 

وعثمان والفاروق فارتاح معـدم

أتاك أبو ليلى يجوب به الـدجـى

 

دجى الليل جواب الفلاة عثمثـم

لتجبر منه جانباً زعـزعـت بـه

 

صروف الليالي والزمان المصمم

فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة مالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد بن عبد العزى تشغلها عنك وتيماً معها، ولكن لك في مال الله حقان: حق برؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم أخذ بيده فدخل به دار النعم، فأعطاه قلائص سبعاً وجملاً رجيلاً، وأوقر له الإبل براً وتمراً وثياباً، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفاً، فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى! لقد بلغ به الجهد، فقال النابغة: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما وليت قريش فعدلت واسترحمت فرحمت وحدثت فصدقت ووعدت خيراً فأنجزت فأنا والنبيون فراط القاصفين وقال الحرمي: فراط لها ضمن. قال الزبيري: كتب يحيى بن معين هذا الحديث عن أخي.

مع أبي موسى الأشعري وداعية القومية

أخبرني أبو الحسن الأسدي أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح وهاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قالا حدثنا الرياشي قال قال أبو سليمان عن الهيثم بن عدي قال: رعت بنو عامر بالبصرة في الزرع، فبعث أبو موسى الأشعري في طلبهم، فتصارخوا: يا آل عامر، يا آل عامر! فخرج النابغة الجعدي ومعه عصبة له، فأتي به إلى أبي موسى الأشعري، فقال له: ما أخرجك. قال: سمعت ، قال: فضربه أسواطاً فقال النابغة:

رأيت البكر بكر بني ثمـود

 

وأنت أراك بكر الأشعرينا

فإن يكن ابن عفان أمـينـاً

 

فلم يبعث بك البر الأمينـا

فيا قبر النبي وصاحـبـيه

 

ألا يا غوثنا لو تسمعـونـا

ألا صلى إلهكم عـلـيكـم

 

ولا صلى على الأمراء فينا

خروجه مع الامام علي في صفين

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري ويحيى بن علي بن يحيى قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا بعض أصحابنا عن ابن دأب قال: لما خرج علي رضي الله تعالى عنه إلى صفين خرج معه نابغة بني جعدة، فساق به يوماً فقال:

قد علم المصران والعراق

 

أن علياً فحلها الـعـتـاق

أبيض جحجاح لـه رواق

 

وأمه غالى بها الصـداق

أكرم من شد بـه نـطـاق

 

إن الألى جاروك لا أفاقوا

لهم سياق ولـكـم سـياق

 

قد علمت ذلكم الـرفـاق

سقتم إلى نهج الهدى وساقوا

 

إلى التي ليس لها عـراق

في ملة عادتها النـفـاق

 

 

فلما قدم معاوية بن أبي سفيان الكوفة، قام النابغة بين يديه فقال:

ألم تأت أهل المشرقين رسالتي

 

وأي نصيح لا يبيت على عتب

ملكتم فكان الشر آخر عهدكـم

 

لئن لم تدارككم حلوم بني حرب

وقد كان معاوية كتب إلى مروان فأخذ أهل النابغة وماله، فدخل النابغة على معاوية، وعنده عبد الله بن عامر ومروان، فأنشده:

من راكب يأتي ابن هند بحاجـتـي

 

على النأي والأنباء تنمى وتجـلـب

ويخبر عني ما أقول ابـن عـامـر

 

ونعم الفتى يأوي إليه المعـصـب

فإن تأخذوا أهلي ومالـي بـظـنـه

 

فإني لحراب الرجـال مـحـرب

صبور على ما يكره المرء كـلـه

 

سوى الظلم إني إن ظلمت سأغضب

فالتفت معاوية إلى مروان فقال: ما ترى. قال: أرى ألا ترد عليه شيئاً، فقال: ما أهون والله عليك أن ينجحر هذا في غار ثم يقطع عرضي علي ثم تأخذه العرب فترويه، أما والله إن كنت لممن يرويه! أردد عليه كل شيء أخذته منه. وهذا الشعر يقوله النابغة الجعدي لعقال بن خويلد العقيلي يحذره غب الظلم لما أجار بني وائل بن معن، وكانوا قتلوا رجلاً من جعدة، فحذرهم مثل حرب البسوس إن أقاموا على ذلك فيهم.

قال أبو عمرو الشيباني: كان السبب في قول الجعدي هذه القصيدة أن المنتشر الباهلي خرج فأغار على اليمن ثم رجع مظفراً. فوجد بني جعدة قد قتلوا ابنا له يقال له سيدان، وكانت باهلة في بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ثم في بني جعدة، فلما أن علم ذلك المنتشر وأتاه الخبر أغار على بني جعدة ثم على بني سبيع في وجهه ذلك، فقتل منهم ثلاثة نفر، فلما فعل ذلك تصدعت باهلة، فلحقت فرقة منهم يقال لهم بنو وائل بعقال بن خويلد العقيلي، ولحقت فرقة أخرى يقال لهم بنو قتيبة وعليهم حجل الباهلي بيزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي، فأجارهم يزيد، وأجار عقال وائلاً. فلما رأت ذلك بنو جعدة أرادوا قتالهم، فقال لهم عقال: لا تقاتلوهم فقد أجرتهم، فأما أحد الثلاثة القتلى منكم فهو بالمقتول، وأما الآخران فعلي عقلهما، فقالوا: لا نقبل إلا القتال ولا نريد من وائل غيراً يعني الدية، فقال: لا تفعلوا فقد أجرت القوم، فلم يزل بهم حتى قبلوا الدية. وانتقلت وائل إلى قومهم. فقال النابغة في ذلك قصيدته التي ذكر فيها عقالاً:

فابلغ عقالاً أن غـاية داحـس

 

بكفيك فاستأخر لها أو تـقـدم

تجير علينا وائلا فـي دمـائنـا

 

كأنك عما ناب أشياعنـا عـم

كليب لعمري كان أكثر ناصراً

 

وأيسر جرماً منك ضرج بالدم

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة

 

كحاشية البرد اليماني المسهـم

وما يشعر الرمح الأصم كعوبه

 

بثروة رهط الأبلخ المتظـلـم

وقال لجساس أغثني بـشـربة

 

تفضل بها طولاً علي وأنعـم

فقال تجاوزت الأحص ومـاءه

 

وبطن شبيث وهو ذو مترسـم

سبب مقتل كليب بن ربيعة وكان السبب في قتل كليب بن ربيعة فيما ذكره أبو عبيدة عن مقاتل الأحول بن سنان بن مرثد بن عبد بن عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد أخي بني قيس بن ثعلبة، ونسخت بعضه من رواية الكلبي، وأخبرنا به محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله عن ابن حبيب عن وأبن الأعرابي عن المفضل، فجمعت من روايتهم ما احتيج إلى ذكره مختصر اللفظ كامل المعنى أن كليباً كان قد عز وساد في ربيعة فبغى بغياً شديداً، وكان هو الذي ينزلهم منازلهم ويرحلهم، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره. فبلغ من عزه وبغيه أنه اتخذ جرو كلب، فكان إذا نزل منزلاً به كلأ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، وكان يفعل هذا بحياض الماء، فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب، فضرب به المثل في العز، فقيل: أعز من كليب وائل. وكان يحمي الصيد، ويقول: صيد ناحية كذا وكذا في جواري، فلا يصيد أحد منه شيئاً، وكان لا يمر بين يديه أحد إذا جلس، ولا يحتبي أحد في مجلسه غيره، فقتله جساس بن مرة.

وقال أبو عبيدة: قال أبو برزة القيسي وهو من ولد عمرو بن مرثد: وكان كليب بن ربيعة ليس على الأرض بكري ولا تغلبي أجار رجلاً ولا بعيراً إلا بإذنه، ولا يحمي حمى إلا بأمره، وكان إذا حمى حمى لا يقرب، وكان لمرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة عشرة بنين جساس أصغرهم، وكانت أختهم عند كليب. وقال مقاتل وفراس: وأم جساس هيلة بنت منقذ بن سليمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة، ثم خلف عليها سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بعد مرة بن ذهل، فولدت له مالكاً وعوفاً وثعلبة. قال فراس بن خندق البسوسي: فهي أمنا. وخالة جساس البسوس وقال أبو برزة: البسوسية وهي التي يقال لها: أشأم من البسوس. فجاءت فنزلت على ابن أختها جساس فكانت جارة لبني مرة، ومعها ابن لها، ولهم ناقة خوارة، من نعم بني سعد ومعها فصيل. أخبرني علي بن سليمان قال قال أبو برزة: وقد كان كليب قبل ذلك قال لصاحبته أخت جساس: هل تعلمين على الأرض عربياً أمنع مني ذمة؟ فسكتت ثم أعاد عليها الثانية فسكتت ثم أعاد عليها الثالثة، فقالت: نعم أخي جساس وندمانه ابن عمه عمرو المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. وزعم مقاتل: أن امرأته كانت أخت جساس، فبينا هي تغسل رأس كليب وتسرحه ذات يوم إذ قال: من أعز وائل؟ فصمتت، فأعاد عليها، فلما أكثر عليها قالت: أخواي جساس وهمام! فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جساس وجارة بني مرة فقتله، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا على ذلك. ثم لقي كليب ابن البسوس فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟ قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، فأغمضوا على هذه أيضاً. ثم إن كليباً أعاد على امرأته فقال: من أعز وائل؟ فقالت: أخواي، فأضمرها وأسرها في نفسه وسكت، حتى مرت به إبل جساس، فرأى الناقة فأنكرها، فقال: ما هذه الناقة. قالوا: لخالة جساس، قال: أو قد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني! ارم ضرعها يا غلام. قال فراس: فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة فاختلط دمها بلبنها، وراحت الرعاة على جساس فاخبروه بالأمر، فقال: احلبوا لها مكيالي لبن بمحلبها ولا تذكروا لها من هذا شيئاً، ثم أغمضوا عليها أيضاً. قال مقاتل: حتى أصابتهم سماء، فغدا في غبها يتمطر. وركب جساس بن مرة وابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل وقال أبو برزة: بل عمرو ابن أبي ربيعة وطعن عمرو كليباً فحطم صلبه، وقال أبو برزة: فسكت جساس، حتى ظعن ابنا وائل، فمرت بكر بن وائل على نهي يقال له شبيث فنفاهم كليب عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهي آخر يقال له الأحص فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب، فمنعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا الذنائب، واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، ثم مر عليه جساس وهو واقف على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت ثقتلهم عطشاً! فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون، فمضى جساس ومعه ابن عمه المزدلف. وقال بعضهم: بل جساس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أو قد ذكرتها! أما إني لو وجدتها في غير إبل مرة لاستحللت تلك الإبل بها. فعطف عليه جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه، فلما تداءمه الموت قال: يا جساس اسقني من الماء، قال: ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه!. قال أبو برزة: فعطف عليه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة فاحتز رأسه.

وأما مقاتل فزعم أن عمرو بن الحارث بن ذهل الذي طعنه فقصم صلبه. قال: وفيه يقول مهلهل:

قتيل ما قتيل المرء عمـرو

 

وجساس بن مرة ذو ضرير

وقال العباس بن مرداس السلمي يحذر كليب بن عهمة السلمي ثم الظفري لما مات حرب بن أمية وخنقت الجن مرداساً وكانوا شركاء في القرية فجحدهم كليب حظهم منها وسنذكر خبر ذلك في آخر هذه الأخبار إن شاء الله تعالى فحذره غب الظلم فقال:

أكليب مالك كل يوم ظالمـاً

 

والظلم أنكد وجهه ملعون

فافعل بقومك ما أراد بوائل

 

يوم الغدير سميك المطعون

وقال رجل من بني بكر بن وائل في الإسلام وهي تنحل للأعشى:

ونحن قهرنا تغلب ابـنة وائل

 

بقتل كليب إذ طغى وتخـيلا

أبأناه بالناب التي شق ضرعها

 

فأصبح موطوء الحمى متذللا

قال: ومقتل كليب بالذنائب عن يسار فلجة مصعداً إلى مكة، وقبره بالذنائب. وفيه يقول المهلهل:

ولو نبش المقابر عن كليب

 

فيخبر بالذنـائب أي زير

قال أبو برزة: فلما قتله أمال يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله. قال: وتقول أخته حين رأته لأبيها: إن ذا لجساس أتى خارجاً ركبتاه، قال: والله ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم!. قال: فلما جاء قال: ما وراءك يا بني؟ قال: ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلن بها شيوخ وائل زمناً، قال: أقتلت كليباً. قال نعم، قال: وددت أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل. وزعم مقاتل أن جساساً قال لأخيه نضلة بن مرة وكان يقال له عضد الحمار:

وإني قد جنيت عليك حربـاً

 

تغص الشيخ بالماء القراح

مذكرة متى ما يصح عنهـا

 

فتى نشبت بآخر غير صاح

تنكل عن ذباب الغي قومـاً

 

وتدعو آخرين إلى الصلاح

             

فأجابه نضلة:

فإن تك قد جنيت علي حرباً

 

فلا وان ولا رث السلاح

فال أبو برزة: وكان همام بن مرة آخى مهلهلاً وعاقده ألا يكتمه شيئاً، فجاءت إليه أمة له فأسرت إليه قتل جساس كليباً، فقال له مهلهل: ما قالت. فلم يخبره، فذكره العهد بينهما، فقال: أخبرت أن جساساً قتل كليباً، فقال: است أخيك أضيق من ذلك. وزعم مقاتل: أن هماماً كان آخى مهلهلاً وكان عاقده ألا يكتمه شيئاً، فكانا جالسين، فمر جساس يركض به فرسه مخرجاً فخذيه، فقال همام: إن له لأمراً، والله ما رأيته كاشفاً فخذيه قط في ركض، فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاءته الخادم فسارته أن جساساً قتل كليباً، فقال له مهلهل: ما أخبرتك. قال: أخبرتني أن أخي قتل أخاك، قال: هو أضيق استاً من ذلك. وتحمل القوم، وغدا مهلهل بالخيل.

وقال المفضل في خبره: فلما قتل كليب قالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم وبينهم، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل، فعظموا ما بينهم وبينه، وقالوا له: اختر منا خصالاً: إما أن تدفع إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا فلم يظلم من قتل قاتله، وإما أن تدفع إلينا هماماً، وإما أن تقيدنا من نفسك، فسكت، وقد حضرته وجوه بني بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول، فقال: أما جساس فغلام حديث السن ركب رأسه فهرب حين خاف فلا علم لي به، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره، وأما أنا فلا أتعجل الموت، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل! ولكن هل لكم في غير ذلك. هؤلاء بني، فدونكم أحدهم فافتلوه به، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل، فغضبوا وقالوا: إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ولا لتسومنا اللبن، فتفرقوا، ووقعت الحرب. وتكلم في ذلك عند الحارث بن عباد، فقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وهو أول من قالها وأرسلها مثلاً.

قالوا جميعاً: كانت حربهم أربعين سنة، فيهن خمس وقعات مزاحفات، وكانت تكون بينهم مغاورات، وكان الرجل يلقى الرجل والرجلان الرجلين ونحو هذا. وكان أول تلك الأيام يوم عنيزة، وهي عند فلجة، فتكافؤا فيه لا لبكر ولا لتغلب، وتصديق ذلك قول مهلهل:

كأنا غدوة وبـنـى أبـينـا

 

بجنب عنيزة رحـيا مـدير

ولولا الريح أسمع من بحجر

 

صليل البيض تقرع بالذكور

فتفرقوا، ثم غبروا زماناً. ثم التقوا يوم واردات وكان لتغلب على بكر، وقتلوا بكرا أشد القتل، وقتلوا بجيراة وذلك قول مهلهل:

فإني قد تـركـت بـواردات

 

بجيراً في دم مثل العـبـير

هتكت به بيوت بني عـبـاد

 

وبعض الغشم أشفى للصدور

قال مقاتل: إنه إنما التقط توا. وسيجيء حديثه أسفل من هذا التو: الفرد، يقال: وجدته تواً، أي وحده. قال أبو برزة: ثم انصرفوا بعد يوم واردات غير بني ثعلبة بن عكابة ورأسوا على أنفسهم الحارث بن عباد، فاتبعتهم بنو ثعلبة بن عكابة، حتى التقوا بالحنو، فظهرت بنو ثعلبة على تغلب. قال مقاتل: ثم التقوا يوم بطن السرو، وهو يوم القصيبات، وربما قيل يوم القصيبة، وكان لبني تغلب على بكر، حتى ظنت بكر أن سيقتلونها قال مقاتل: وقتلوا يومئذ همام بن مرة. ثم التقوا يوم قضة وهو يوم التحالق ويوم الثنية. ويوم قضة ويوم الفصيل لبكر على تغلب. قال أبو برزة: اتبعت تغلب بكراً فقطعوا رملات خزازي والرغام ثم مالوا لبطن الحمارة، فوردت بكر قضة فسقت وأسقت ثم صدرت وحلئوا تغلب، ونهضوا في نجعة يقال لها مويبة لا يجوز فيها إلا بعير بعير، فلحق رجل من الأوس بن تغلب بغليم من بني تيم اللات بن ثعلبة يطرد ذودا له، قطعن في بطنه بالرمح ثم رفعه فقال: تحدبي أم البو على بوك. فراه عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، فقال: أنفذوا جمل أسماء اينته فإنه أمضى جمالكم وأجودها منفذاً، فإذا نفذ تبعته النعم، فوثب الجمل في المويبة، حتى إذا نهض على يديه وارتفعت رجلاه ضرب عرقوبيه وقطع بطان الظعينة فوقع فسد الثنية ثم قال عوف: أنا البرك أبرك حيث أدرك، فسمي البرك ووقع الناس إلى الأرض لا يرون مجازاً، وتحالقوا لتعرفهم النساء، فقال جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة واسمه ربيعة، قال: وإنما سمي جحدراً لقصره: لا تحلقوا رأسي فإني رجل قصير، لا تشينوني، ولكني أشتريه منكم بأول فارس يطلع عليكم من القوم، فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله. فقال رجل من بكر بن وائل يمدح مسمع. ابن مالك بذلك:

يا ابن الذي لما حلقنا اللمما

 

ابتاع منا رأسه تكـرمـا

بفارس أول من تقدمـا

 

 

وقال البكري:

ومنا الذي فادى من القوم رأسه

 

بمستلئم من جمعهم غير أعزلا

فأدى إلينـا بـزة وسـلاحـه

 

ومنفصلاً من عنقه قد تـزيلا

قال: وكان جحدر يرتجز يومئذ ويقول:

ردوا علي الخيل إن ألمت

 

إن لم أقاتلهم فجزوا لمتي

وزعم عامر بن عبد الملك المسمعي أنه لم يقلها، وأن صخر بن عمرو السلمي قائلها، فقال مسمع: كردين كذب عامر. وقال البكري:

ومنا الذي سد الثنـية غـدوة

 

على حلفة لم يبق فيها تحللا

بجهد يمين الله لا يطلعونـهـا

 

ولما نقاتل جمعهم حين أسهلا

وأما مقاتل فزعم أنهم قالوا: اتخذوا علماً يعرف به بعضكم بعضاً، فتحالقوا. وفيه يقول طرفة:

سائلوا عنا الذي يعرفـنـا

 

بقوانا يوم تحلاق اللـمـم

يوم تبدي البيض عن أسؤقها

 

وتلف الخيل أعراج النعـم

غنى في هذين البيتين ابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي، وذكر أحمد بن المكي أنه لمعبد.
وزعم مقاتل أن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، لم يزل قائد بكر حتى قتل يوم القصيبات، وهو قبل يوم قضة، أو يوم قضة، على أثره. وكان من حديث مقتل همام أنه وجد غلاماً مطروحاً، فالتقطه ورباه وسماه ناشرة فكان عنده لقيطاً، فلما شب تبين أنه من بني تغلب، فلما التقوا يوم القصيبات جعل همام يقاتل، فإذا عطش رجع إلى قربة فشرب منها ثم وضع سلاحه، فوجد ناشرة من همام غفلة، فشد عليه بالعنزة فأقصده فقتله، ولحق بقومه تغلب. فقال باكي همام:

لقد عيل الأقوام طعنة ناشره

 

أناشر لا زالت يمينك اشره

ثم قتل ناشرة رجل من بني يشكر. فلما كان يوم قضة وتجمعت إليهم بكر، جاء إليهم الفند الزماني أحد بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل من اليمامة، قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فرأسوه عليهم، فقلت أنا لفراس بن خندق: إن عامراً يزعم أن الفند كان رئيس بكر يوم قضة، فقال: رحم الله أبا عبد الله! كان أقل الناس حظاً في علم قومه. وقال فراس: كان رئيس بكر بعد همام الحارث بن عباد. قال مقاتل: وكان الحارث بن عباد قد اعتزل يوم قتل كليب، وقال: لا أنا من هذا ولا ناقتي ولا جملي ولا عدلي، وربما قال: لست من هذا ولا جملي ولا رحلي، وخذل بكراً عن تغلب، واستعظم قتل كليب لسؤدده في ناقة. فقال سعد بن مالك يحضض الحارث بن عباد:

يا بؤس للحـرب الـتـي

 

وضعت أراهط فاستراحوا

والحرب لا يبقـى لـصـا

 

حبها التخيل والـمـراح

إلا الفتى الصبار في الـن

 

جدات والفرس الـوقـاح

فلما أخذ بجير بن الحارث بن عباد تواً بواردات وإنما سل ولم يؤخذ في مزاحفة قال له مهلهل، من خالك يا غلام؟!. قال امرؤ القيس بن أبان التغلبي لمهلهل: إني أرى غلاماً ليقتلن به رجل لا يسأل عن خاله، وربما قال عن حاله قال: فكان والله امرؤ القيس هو المقتول به، قتله الحارث بن عباد يوم قضة بيده فقتله مهلهل. قال: فلما قتل مهلهل بجيراً قال: بؤ بشسع نعل كليب، فقال له الغلام: إن رضيت بذلك بنو ضبيعة بن قيس رضيت. فلما بلغ الحارث قتل بجير ابن أخيه وقال أبو برزة: بل بجير ابن الحارث بن عباد نفسه قال: نعم الغلام غلام أصلح بين ابني وائل وباء بكليب. فلما سمعوا قول الحارث: قالوا له: إن مهلهلاً لما قتله قال له: بؤ بشسع نعل كليب وقال مهلهل:

كل قتيل في كليب حـلام

 

حتى ينال القتل آل همام.

وقال أيضاً:

كل قتيل في كليب غره

 

حتى ينال القتل آل مره

فغضب الحارث عند ذلك فنادى بالرحيل. قال مقاتل: وقال الحارث بن عباد:

قرباً مربط النعـامة مـنـي

 

لقحت حرب وائل عن حيال

لا بجير أغنى قتـيلاً ولا ره

 

ط كليب تزاجروا عن ضلال

لم أكن من جناتها علـم الـل

 

ه وإني بحرها اليوم صـال

قال: ولم يصحح عامر ولا مسمع غير هذه الثلاثة الأبيات. وزعم أبو برزة قال: كان أول فارس لقي مهلهلاً يوم واردات بجير بن الحارث بن عباد، فقال: من خالك يا غلام، وبوأ نحوه الرمح، فقال له امرؤ القيس بن أبان التغلبي وكان على مقدمتهم في حروبهم: مهلاً يا مهلهل! فإن عم هذا وأهل بيته قد اعتزلوا حربنا ولم يدخلوا في شيء مما نكره، ووالله لئن قتلته ليقتلن به رجل لا يسأل عن نسبه، فلم يلتفت مهلهل إلى قوله وشد عليه فقتله، وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فقال الغلام: إن رضيت بهذا بنو ثعلبة فقد رضيته. قال: ثم غبروا زماناً، ثم لقي همام بن مرة فقتله أيضاً. فأتى الحارث بن عباد فقيل له: قتل مهلهل هماماً، فغضب وقال: ردوا الجمال على عكرها الأمر مخلوجة ليس بسلكي، وجد في قتالهم. قال مقاتل: فكان حكم بكر بن وائل يوم قضة الحارث بن عباد، وكان الرئيس الفند، وكان فارسهم جحدر، وكان شاعرهم سعد بن مالك بن ضبيعة، وكان الذي سد الثنية عوف بن مالك بن ضبيعة، وكان عوف أنبه من أخيه سعد. وقال فراس بن خندق: بل كان رئيسهم يوم قضة الحارث بن عباد. قال مقاتل: فأسر الحارث بن عباد عدياً وهو مهلهل بعد انهزام الناس وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على المهلهل. قال: ولي دمي. قال: ولك دمك، قال: ولي ذمتك وذمة أبيك. قال: نعم، ذلك لك، قال: فأنا مهلهل. قال: دلني على كفء لبجير، قال: لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان، هذاك علمه، فجز ناصيته، وقصد قصد امرئ القيس فشد عليه فقتله. فقال الحارث في ذلك:

لهف نفسي على عدي ولـم أع

 

رف عدياً إذ أمكنتنـي الـيدان

طل من طل في الحروب ولم أو

 

تر بجيراً أبـأتـه ابـن أبـان

فارس يضرب الكتيبة بالـسـي

 

ف وتسمو أمامـه الـعـينـان

وزعم حجر أن مهلهلاً قال: لا والله أو يعهد لي غيرك، قال الحارث: اختر من شئت، قال: أختار الشيخ القاعد عوف بن محلم، قال الحارث: يا عوف أجره، قال: لا حتى يقعد خلفي، فأمره فقعد خلفه، فقال: أنا مهلهل. وأما مقاتل فقال: إنما أخذه في دور الرحى وحومة القتال ولم يقعد أحد بعد، فكيف يقول الشيخ القاعد!. قال مقاتل: وشد عليهم جحدر، فاعتوره عمرو وعامر، فطعن عمراً بعالية الرمح وطعن عامراً بسافلته فقتلهما عداء وجاء ببزهما. قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فحدثني رجل عالم قال: سألني الوليد بن يزي: من قتل عمراً وأخاه عامراً؟ قلت: جحدر، قال: صدقت، فهل تدري كيف قتلهما. قلت: نعم، قتل عمراً بسنان الرمح، وقتل عامراً بزجه. قال: وقتل جحدر أيضاً أبا مكنف. قال مقاتل: فلما رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله، جعل النساء والولدان يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه، فقال:

ليس مثلي يخبر الناس عـن آ

 

بائهم قتلوا وينسى القـتـالا

لم أرم عرصة الكتيبة حتى ان

 

تعل الورد من دماء نـعـالا

 

عرفته رماح بكر فـمـا يأ

 

خذن إلا لبانـه والـقـذالا

غلبونا، ولا محـالة يومـاً

 

يقلب الدهر ذاك حالاً فحالا

ثم خرج حتى لحق بأرض اليمن، فكان في جنب فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه فأنكحها إياه، فقال في ذلك مهلهل:

أنكحها فقدها الأراقـم فـي

 

جنب وكان الحباء مـن أدم

لو بأبانين جاء يخطـبـهـا

 

ضرج ما أنف خاطب بدم

أصبحت لا منفساً أصبت ولا

 

أبت كريماً حراً من النـدم

هان على تغلب بما لقـيت

 

أخت بني المالكين من جشم

ليسوا بأكفائنا الـكـرام ولا

 

يغنون من عيلة ولا عـدم

ثم إن مهلهلا انحدر، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة، فطلب إليه أخواله بنو يشكر وأم مهلهل المرادة بنت ثعلبة بن جشم بن غبر اليشكرية، وأختها منة بنت ثعلبة أم حيي بن وائل، وكان المحلل بن ثعلبة خالهما فطلب إلى عمرو أن يدفعه إليه فيكون عنده ففعل، فسقاه خمراً، فلما طابت نفسه تغنى:

طفلة ما ابنة المحلل بيضا

 

ء لعوب لذيذة في العناق

حتى فرغ من القصيدة، فأدى ذلك من سمعه من المهلهل إلى عمرو، فحوله إليه وأقسم ألا يذوق عنده خمراً ولا ماء ولا لبناً حتى يرد ربيب الهضاب جمل له كان أقل وروده في الصيف الخمس، فقالوا له: يا خير الفتيان، أرسل إلى ربيب فلتؤت به قبل وروده، ففعل فأوجره ذنوباً من ماء، فلما تحلل من يمينه سقاه من ماء الحاضرة، وهو أوبأ ماء رأيته، فمات. فتلك الهضاب التي كان يرعاها ربيب يقال لها هضاب ربيب، طالما رعيتهن ورأيتهن. قال مقاتل: ولم يقاتل معنا من بني يشكر ولا من بني لجيم ولا ذهل بن ثعلبة غير ناس من بني يشكر وذهل قاتلت بأخرة، ثم جاء ناس من بني لجيم يوم قضة مع الفند. وفي ذلك يقول سعد بن مالك:

إن لجيماً قد أبت كـلـهـا

 

أن يرفدونا رجلاً واحـداً

ويشكر أضحت على نأيهـا

 

لم تسمع الآن لها حامـدا

ولا بنو ذهل وقد أصبحـوا

 

بها حلولاً خلفـاً مـاجـدا

القائدي الخيل لأرض العدا

 

والضاربين الكوكب الوافدا

وقال البكري:

وصدت لـجـم لـلـبـراءة إذ رأت

 

أهاضيب موت تمطر الموت معضلا

ويشكر قد مالت قديمـاً وأرتـعـت

 

ومنت بقرباها إليهـم لـتـوصـلا

وقالوا جميعاً: مات جساس حتف أنفه ولم يمتل.
قال عامر بن عبد الملك: لم يكن بينهم من قتلى تعد ولا تذكر إلا ثمانية نفر من تغلب وأربعة من بكر عددهم مهلهل في شعريه، يعني قصيدتيه:

أليلتنا بـذي حـسـم أنـيري

 

إذا أنت أنقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذنائب طال لـيلـي

 

فقد أبكي من الليل القصـير

فلو نبش المقابر عن كلـيب

 

فيعلم بـالـذنـائب أي زير

بيوم الشعثمين أقـر عـينـاً

 

وكيف لقاء من تحت القبور

وإني قد تركـت بـواردات

 

بجيراً في دم مثل العـبـير

هتكت به بيوت بني عـبـاد

 

وبعض الغشم أشفى للصدور

على أن ليس يوفي من كليب

 

إذا برزت مخبأة الـخـدور

وهمام بن مرة قد تـركـنـا

 

عليه القشعمان من النسـور

ينوء بصدره والرمـح فـيه

 

ويخلجه خدب كالـبـعـير

فلولا الريح أسمع من بحجر

 

صليل البيض تقرع بالذكور

فدى لبني شقيقة يوم جـاءوا

 

كأسد الغاب لجت في الزئير

كأن رماحهم أشطـان بـئر

 

بعيد بين جالـيهـا جـرور

غداة كأننـا وبـنـى أبـينـا

 

بجنب عنيزة رحـيا مـدير

تظل الخيل عاكفة علـيهـم

 

كأن الخيل ترحض في غدير

فهؤلاء أربعة من بني بكر بن وائل. وقال أيضاً:

طفلة ما ابنة المحلل بـيضـا

 

ء لعوب لذيذة في العـنـاق

فاذهبي ما إليك غـير بـعـيد

 

لا يؤاتي العناق من في الوثاق

ضربت نحرها إلي وقـالـت

 

يا عدياً لقد وقتـك الأواقـي

ما أرجي في العيش بعد نداما

 

ي أراهم سقوا بكأس حـلاق

 

بعد عمرو وعامـر وحـيي

 

وربيع الصدوف وابني عناق

وامرئ القيس ميت يوم أودى

 

ثم خلى علي ذات العراقـي

كلـيب سـم الـفـوارس إذ

 

حم رماه الكماة بـالإيفـاق

إن تحت الأحجار حداً ولينـا

 

وخصيماً ألـد ذا مـعـلاق

حية في الوجار أربد لا تـن

 

فع منه السليم نـفـثة راق

فهؤلاء ثمانية من تغلب. قال عامر: والدليل على أن القتلى كانوا قليلاً أن آباء القبائل هم الذين شهدوا تلك الحروب، فعدوهم وعدوا بنيهم وبني بنيهم، فإن كانوا خمسمائة فقد صدقوا، فكم عسى أن يبلغ عدد القتلى والقبائل. قال مسمع: إن أخي مجنون، وكيف يحتج بشعر المهلهل، وقد قتل جحدر أبا مكنف يوم قضة فلم يذكره في شعره، وقتل اليشكري ناشرة فلم يذكره في الشعر، وقتل حبيب يوم واردات، وقتل سعد بن مالك يوم قضة ابن القبيحة فلم يذكر، فهؤلاء أربعة. وقال البكري:

تركنا حبيباً يوم أرجف جمعه

 

صريعاً بأعلى واردات مجدلا

وقال مهلهل أيضاً:

لست أرجو لذة العيش ما

 

أزمت أجلاد قد بساقـي

جللوني جلد حوب فـقـد

 

جعلوا نفسي عند التراقي

وقال آخر يفخر بيوم واردات:

ومهراق الدماء بواردات

 

تبيد المخزيات وما تبيد

فقلت لعامر: ما بال مسمع وما احتج به من هؤلاء الأربعة؟ فقال عامر: وما أربعة إن كنت أغفلتهم. فيما يقولون! إنهم قتلوا يوم كذا ثلاثة آلاف، ويوم كذا أربعة آلاف، والله ما أظن جميع القوم كانوا يومئذ ألفاً! فهاتوا فعدوا أسماء القبائل وأبناءهم وانزلوا معهم إلى أبناء أبنائهم، فكم عسى أن يكونوا!

ازجر العين أن تبكي الطـلـولا

 

إن في الصدر من كليب غلـيلا

إن في الصدر حاجة لن تقضـى

 

ما دعا في الغصون داع هديلا

كيف أنساك يا كـلـيب ولـمـا

 

أقض حزناً ينو بني وغـلـيلا

أيها القلب أنجز اليوم نـحـبـاً

 

من بني الحصن إذ غدوا وذحولا

كيف يبكي الطلول من هو رهن

 

بطعان الأنـام جـيلاً فـجـيلا

أنبضوا معجس القسـي وأبـرق

 

نا كما توعد الفحول الفـحـولا

وصبرنا تحت البوارق حـتـى

 

ركدت فيهم السـيوف طـويلا

لم يطيقوا أن ينزلوا ونـزلـنـا

 

وأخو الحرب من أطاق النزولا

الشعر لمهلهل- قال أبو عبيدة: اسمه عدي، وقال يعقوب بن السكيت: اسمه امرؤ القيس وهو ابن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وإنما لقب مهلهلاً لطيب شعره ورقته، وكان أحد من غني من العرب في شعره. وقيل: إنه أول من قصد القصائد وقال الغزل، فقيل: قد هلهل الشعر، أي أرقه. وهو أول من كذب في شعره. وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي. وكان فيه خنث ولين، وكان كثير المحادثة للنساء، فكان كليب يسميه زير النساء، فذلك قوله:

ولو نبش المقابر عن كليب

 

فيعلم بالذنـائب أي زير

الغناء لابن محرز في الأول والثاني من الأبيات ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وللغريض فيهما لحن في هذه الطريقة والإصبع والمجرى، والذي فيه سجحة منها لابن محرز. ولمعبد لحنان أحدهما في الأول والسادس ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر، والآخر خفيف ثقيل أول بالبنصر. ولإبراهيم في الأول والرابع ثقيل، أول بالخنصر في مجرى الوسطى. ولإسحاق في الأول والثالث ماخوري. ولعلويه في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالبنصر، ولمالك فيهما خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى. ولابن سريج في السادس والسابع خفيف رمل بالسبابة في مجرى البنصر. ولابن سريج أيضاً في الأول والثامن خفيف ثقيل أول بالبنصر. وللغريض في الأول والثاني خفيف ثقيل أول بالبنصر. وللهذلي في الأول والثاني والسابع خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية حماد عن أبيه. ولمالك في الأول والثاني والخامس خفيف ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو بن بانة. ومنها:

ثكلتني عنـد الـثـنـية أمـي

 

وأتاها نعي عمـي وخـالـي

إن لم أشف النفوس من حي بكر

 

وعدي تطأه بزل الـجـمـال

غناه اين سريج ثقيلاً أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من رواية إسحاق، وغناه الغريض ثقيلاً أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.
ومنها:

قربا مربط النعامة مـنـي

 

لقحت حرب وائل عن حيال

قرباها في مقربات عجـال

 

عابسات يثبن وثب السعالي

لم أكن من جناتها علم اللـه

 

وإني بحرها الـيوم صـال

الشعر للحارث بن عباد. والغناء للغريض ثقيل أول بالبنصر. وفيه لحن آخر يقال إنه لابن سريج. ومنها:

يا لبكر أنشروا لي كليبـاً

 

يا لبكر أين أين الفـرار

يا لبكر فاظعنوا أو فحلوا

 

صرح الشر وبان السرار

الشعر لمهلهل. والغناء لابن سريج، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وغناه الأبجر خفيف رمل بالوسطى من رواية عمرو.
ومنها:

أليلتنا بـذي حـسـم أنـيري

 

إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذنائب طال ليلـي

 

فقد أبكى من الليل القصـير

كأن الجدي جدي بنات نعـش

 

يكب على اليدين بمستـدير

وتحبو الشعريان إلى سهـيل

 

يلوح كقمة الجمل الكـبـير

فلولا الريح أسمع أهل حجر

 

صليل البيض تقرع بالذكور

الشعر لمهلهل. والغناء لابن محرز في الأول والثاني ثقيل أول بالبنصر، وله في الأبيات كلها خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، عن إسحاق جميعاً. وفي الأبيات كلها على الولاء للأبجر ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو. ويقال: إن فيها لحناً للغريض أيضاً.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرنا الحسن بن الحسين السكري قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل عن أبي عبيدة: أن آخر من قتل في حرب بكر وتغلب جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب بن ربيعة، وكانت أخته تحت كليب، فقتله جساس وهي حامل، فرجعت إلى أهلها ووقعت الحرب، فكان من الفريقين ما كان، ثم صاروا إلى الموادعة بعدما كادت القبيلتان تتفانيان، فولدت أخت جساس غلاماً فسمته الهجرس ورباه جساس، فكان لا يعرف أباً غيره، وزوجه ابنته. فوقع بين الهجوس وبين رجل من بني بكر بن وائل كلام، فقال له البكري: ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك، فأمسك عنه ودخل إلى أمه كئيباً، فسألته عما به فأخبرها الخبر، فلما أوى إلى فراشه ونام إلى جنب امرأته وضع أنفه بين ثدييها، فتنفس تنفسة تنفط ما بين ثدييها من حرارتها، فقامت الجارية فزعة قد أقلتها رعدة حتى دخلت على أبيها، فقصت عليه قصة الهجرس، فقال جساس: ثائر ورب الكعبة! وبات جساس على مثل الرضف حتى أصبح، فأرسل إلى الهجرس فأتاه، فقال له: إنما أنت ولدي ومني بالمكان الذي قد علمت، وقد زوجتك ابنتي وأنت معي، وقد كانت الحرب في أبيك زماناً طويلاً حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح، وأن تنطلق حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا وعلى قومنا، فقال الهجرس: أنا فاعل، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا بلأمته وفرسه، فحمله جساس على فرس وأعطاه لأمة ودرعاً، فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما، فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية، ثم قال: وهذا الفتى ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه ويعقد ما عقدتم، فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه، ثم قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساساً فقتله، ثم لحق بقومه، فكان آخر قتيل في بكر بن وائل. قال أبو الفرج: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن العباس بن هشام عن أبيه عن الشرقي بن القطامي قال: لما قتل جساس بن مرة كليب بن ربيعة، وكانت جليلة بنت مرة أخت جساس تحت كليب، اجتمع نساء الحي للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب، فقالت لها: يا هذه اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها، فلقيها أبوها مرة، فقال لها: ما وراءك يا جليلة. فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل، وبين ذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد، فقال لها: أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات. فقالت جليلة: أمنية مخدوع ورب الكعبة! أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها!. قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويل غداً لآل مرة، من الكرة بعد الكرة. فبلغ قولها جليلة، فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها! أسعد الله جد أختي، أفلا قالت: نفرة الحياء، وخوف الاعتداء!. ثم أنشأت تقول:

يا بنة الأقوام إن شـئت فـلا

 

تعجلي باللوم حتى تسـألـي

فإذا أنـت تـبـينـت الـذي

 

يوجب اللوم فلومي واعذلـي

إن تكن أخت امرئ ليمت على

 

شفق منها عليه فافـعـلـي

جل عندي فعل جسـاس فـيا

 

حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جساس على وجدي بـه

 

قاطع ظهري ومدن أجـلـي

لو بعين فقئت عينـي سـوى

 

أختها فانفقأت لـم أحـفـل

تحمل العين قذى العين كـمـا

 

تحمل الأم أذى ما تفـتـلـي

يا قتيلاً قوض الـدهـر بـه

 

سقف بيتي جميعاً مـن عـل

هدم البيت الذي استحـدثـتـه

 

وانثنى في هدم بيتـي الأول

ورماني قتلـه مـن كـثـب

 

رمية المصمي به المستأصل

يا نسائي دونكـن الـيوم قـد

 

خصني الدهر برزء معضل

خصني قتل كليب بـلـظـى

 

من ورائي ولظى مستقبلـي

ليس من يبكي ليومين كـمـن

 

إنما يبكي لـيوم ينـجـلـي

يشتفي المدرك بالثـأر وفـي

 

دركي ثأري ثكل المثـكـل

ليته كان دمي فاحـتـلـبـوا

 

بدلاً منه دماً من أكـحـلـي

إنـنـي قـاتـلة مـقـتـولة

 

ولعل اللـه أن يرتـاح لـي