ذكر الكميت ونسبه وخبره

الجزء السابع عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر الكميت ونسبه وخبره

نسبه

 هو الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع. وقيل: الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن ذؤيبة بن قيس بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. شاعر مقدم، عالم بلغات العرب، خبير بأيامها، من شعراء مضر وألسنتها، والمتعصبين على القحطانية، المقارنين المقارعين لشعرائهم، العلماء بالمثالب والأيام، المفاخرين بها. وكان في أيام بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية، ومات قبلها.

تشيعه لبني هاشم

وكان معروفاً بالتشيع لبني هاشم، مشهوراً بذلك، وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره.

مناقضة دعبل وابن أبي عيينة لقصيدته المذهبة ولم تزل عصبيته للعدنانية ومهاجاته شعراء اليمن متصلة، والمناقضة بينه وبينهم شائعة في حياته وبعد وفاته، حتى ناقض دعبل وابن أبي عيينة قصيدته المذهبة بعد وفاته، وأجابهما أبو البلقاء البصري مولى بني هاشم عنها، وذلك يذكر في موضع آخر يصلح له من هذا الكتاب إن شاء الله .

كان معلم صبيان

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم، عن الأصمعي، عن خلف الأحمر: أنه رأى الكميت يعلم الصبيان في مسجد الكوفة.

مودته للطرماح مع اختلاف المذهب والعصبية

قال ابن قتيبة في خبره خاصة: وكانت بينه وبين الطرماح خلطة ومودة وصفاء لم يكن بين اثنين ، قال : فحدثني بعض أصحابه عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: أنشدت الكميت قول الطرماح:

إذا قبضت نفس الطرماح أخلقـت

 

عرا المجد واسترخى عنان القصائد

قال: إي والله وعنان الخطابة والرواية. قال: وهذه الأحوال بينهما على تفاوت المذاهب والعصبية والديانة؛ كان الكميت شيعياً عصبياً عدنانياً من شعراء مضر، متعصباً لأهل الكوفة، والطرماح خارجي صفري قحطاني عصبي لقحطان، من شعراء اليمن، متعصب لأهل الشام، فقيل لهما: ففيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء ؟ قالا: اتفقنا على بغض العامة.

علمه بأيام العرب وأشعارها

أخبرني عمي قال: حدثني محمد بن سعد الكراني، قال: حدثنا أبو عمر العمري، عن لقيط، قال: اجتمع الكميت بن زيد وحماد الراوية في مسجد الكوفة، فتذاكرا أشعار العرب وأيامها، فخالفه حماد في شيء ونازعه، فقال له الكميت: أتظن أنك أعلم مني بأيام العرب وأشعارها؟ قال: وما هو إلا الظن! هذا والله هو اليقين. فغضب الكميت ثم قال له: لكم شاعر بصير، يقال له عمرو ابن فلان، تروي؟ ولكم شاعر أعور أو أعمى اسمه فلان ابن عمرو، تروي؟ فقال حماد قولاً لما يحفظه: فجعل الكمي يذكر رجلاً رجلاً من صنف صنف، ويسأل حماداً: هل يعرفه؟ فإذا قال: لا، أنشده من شعره جزءاً منه حتى ضجرنا.

مساءلته حماداً عن شيء من الشعر

ثم قال له الكميت: فإني سائلك عن شيء من الشعر، فسأله عن قول الشاعر :

طرحوا أصحابهم في ورطة

 

قذفك المقلة شطر المعترك

فلم يعلم حماد تفسيره، فسأله عن قول الآخر:

تدريننا بالقول حتى كأنمـا

 

تدرين ولدانا تصيد الرهادنا

فأفحم حماد، فقال له: قد أجلتك إلى الجمعة الأخرى، فجاء حماد ولم يأت بتفسيرهما، وسأل الكميت أن يفسرهما له، فقال: المقلة: حصاة أو نواة من نوى المقل يحملها القوم معهم إذا سافروا، وتوضع في الإناء ويصب عليها الماء حتى يغمرها، فيكون ذلك علامة يقتسمون بها الماء. والشطر: النصيب: والمعترك: الموضع الذي يختصمون فيه في الماء، فيلقونها هناك عند الشر. وقوله: “تدريننا”، يعني النساء، أي ختلننا فرميننا. والرهادن: طير بمكة كالعصافير.

سبب حفيظة خالد القسري عليه

وكان خالد بن عبد الله القسري – فيما حدثني به عيسى بن الحسين الوراق، قال: أخبرنا أحمد بن الحارث الفزاري عن ابن الأعرابي، وذكره محمد بن أنس السلامي عن المستهل بن الكميت، وذكره ابن كناسة عن جماعة من بني أسد – وقد بلغه أن الكميت أنشد قصيدته التي يهجو فيها اليمن، وهي:

ألا حييت عنا يا مدينا

احتيال خالد لإثارة هشام عليه فأحفظته عليه، فروى جارية حسناء قصائده الهاشميات، وأعدها ليهديها إلى هشام، وكتب إليه بأخبار الكميت وهجائه بني أمية، وأنفذ إليه قصيدته التي يقول فيها:  

فيا رب هل إلا بك النصر يبتغى

 

ويا رب هل إلا عليك المعول!

حبسه وكتاب أبان بن الوليد إليه بطريقة هروبه وهي طويلة يرثي فيها زيد بن علي، وابنه الحسين بن زيد، ويمدح بني هاشم. فلما قرأها أكبرها وعظمت عليه، واستنكرها، وكتب إلى خالد يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت ويده. فلم يشعر الكميت إلا والخيل محدقة بداره، فأخذ وحبس في المخيس ، وكان أبان بن الوليد عاملاً على واسط، وكان الكميت صديقه، فبعث إليه بغلام على بغل، وقال له: أنت حر إن لحقته، والبغل لك. وكتب إليه: قد بلغني ما صرت إليه، وهو القتل، إلا أن يدفع الله عز وجل، وارى لك أن تبعث إلى حبي – يعني زوجة الكميت وهي بنت نكيف بن عبد الواحد، وهي ممن يتشيع أيضاً – فإذا دخلت إليك تنقبت نقابها، ولبست ثيابها وخرجت، فإني أرجو إلا يؤبه لك.

فأرسل الكميت إلى أبي وضاح حبيب بن بديل وإلى فتيان من بني عمه من مالك بن سعيد، فدخل عليه حبيب فأخبره الخبر، وشاوره فيه، فسدد رأيه، ثم بعث إلى حبي امرأته، فقص عليها القصة، وقال لها: أي ابنة عم، إن الوالي لا يقدم عليك، ولا يسلمك قومك، ولو خفته عليك لما عرضتك له. فألبسته ثيابها وإزارها وخمرته ، وقالت له: أقبل وأدبر؛ ففعل، فقالت: ما أنكر منك شيئاً إلا يبساً في كتفك، فاخرج على اسم الله.

امرأته حبى مكانه في السجن وأخرجت معه جارية لها، فخرج وعلى باب السجن أبو وضاح، ومعه فتيان من أسد، فلم يؤبه له، ومشى والفتيان بين يديه إلى سكة شبيب بناحية الكناسة ، فمر بمجلس من مجالس بني تميم، فقال بعضهم: رجل ورب الكعبة. وأمر غلامه فاتبعه، فصاح به أبو الوضاح: يا كذا وكذا، لا أراك تتبع هذه المرأة منذ اليوم. وأومأ إليه بنعله، فولى العبد مدبراً، وأدخله أبو الوضاح منزله.

كشف أمره ولما طال على السجان الأمر نادى الكميت فلم يجبه، فدخل ليعرف خبره، فصاحت به المرأة: وراءك، لا أم لك! فشق ثوبه، ومضى صارخاً إلى باب خالد، فأخبره الخبر، فأحضر حبي فقال لها: يا عدوة الله، احتلت على أمير المؤمنين، وأخرجت عدوه، لأمثلن بك ولأصنعن ولأفعلن. فاجتمعت بنو أسد إليه، وقالوا: ما سبيلك على امرأة منا خدعت. فخافهم فخلى سبيلها.

خبرته بزجر الطير

قال: وسقط غراب على الحائط فنعب، فقال الكميت لأبي وضاح: إني لمأخوذ، وإن حائطك لساقط. فقال سبحان الله! هذا ما لا يكون إن شاء الله. فقال له: لابد من أن تحولني. فخرج به إلى بني علقمة – وكانوا يتشيعون – فأقام فيهم ولم يصبح حتى سقط الحائط الذي سقط عليه الغراب.

خروجه إلى الشام

قال ابن الأعرابي: قال المستهل: وأقام الكميت مدة متوارياً، حتى إذا أيقن أن الطلب قد خف عنه خرج ليلاً في جماعة من بني أسد، على خوف ووجل، وفيمن معه صاعد غلامه، قال: وأخذا الطريق على القطقطانة – وكان عالماً بالنجوم مهتدياً بها – فلما صار سحير صاح بنا: هوموا يا فتيان، فهومنا، وقام يصلي.

أطعم ذئباً فهداه الطريق قال المستهل: فرأيت شخصاً فتضعضعت له، فقال: مالك؟ قلت: أرى شيئاً مقبلاً، فنظر إليه فقال: هذا ذئب قد جاء يستطعمكم، فجاء الذئب فربض ناحية، فأطعمناه يد جزور، فتعرقها، ثم أهوينا له بإناء فيه ماء فشرب منه، وارتحلنا، فجعل الذئب يعوي، فقال الكميت: ما له ويله! ألم نطعمه ونسقه! وما أعرفني بما يريد! هو يعلمنا أنا لسنا على الطريق؛ تيامنوا يا فتيان، فتيامنا فسكن عواؤه.

تواريه وسعي رجالات قريش في خلاصه فلم نزل نسير حتى جئنا بالشام، فتوارى في بني أسد وبني تميم، وأرسل إلى أشراف قريش – وكان سيدهم يومئذ عنبسة بن سعيد بن العاص – فمشت رجالات قريش بعضها إلى بعض، وأتوا عنبسة، فقالوا: يا أبا خالد، هذه مكرمة قد أتاك الله بها، هذا الكميت بن زيد لسان مضر، وكان أمير المؤمنين كتب في قتله، فنجا حتى تخلص إليك وإلينا. قال: فمروه أن يعوذ بقبر معاوية بن هشام بدير حنيناء. فمضى الكميت، فضرب فسطاطه عند قبره، ومضى عنبسة فأتى مسلمة بن هشام، فقال له: يا أبا شاكر، مكرمة أتيتك بها تبلغ الثريا إن اعتقدتها، فإن علمت أنك تفي بها وإلا كتمتها. قال: وما هي؟ فأخبره الخبر، وقال: إنه قد مدحكم عامة، وإياك خاصة بما لم يسمع بمثله. فقال: علي خلاصه.

مسلمة بن هشام يطلب الأمان له  فدخل على أبيه هشام وهو عند أمه في غير وقت دخول، فقال هشام: أجئت لحاجة؟ قال: نعم، قال: هي مقضية إلا أن يكون الكميت. فقال: ما أحب أن تستثني علي في حاجتي، وما أنا والكميت! فقالت أمه: والله لتقضين حاجته كائنة ما كانت. قال: قد قضيتها ولو أحاطت بما بين قطريها. قال: هي الكميت يا أمير المؤمنين، وهو آمن بأمان الله عز وجل وأماني، وهو شاعر مضر، وقد قال فينا قولاً لم يقل مثله، قال: قد أمنته، وأجزت أمانك له، فاجلس له مجلساً ينشدك فيه ما قال فينا.

هشام يعقد له مجلساً يسمع فيه مدائحه في بني أمية فعقد له، وعنده الأبرش الكلبي، فتكلم بخطبة ارتجلها ما سمع بمثلها قط، وامتدحه بقصيدته الرائية، ويقال إنه قالها ارتجالاً، وهي قوله:

قف بالديار وقوف زائر

فمضى فيها حتى انتهى إلى قوله:

ماذا عليك مـن الـوقـو

 

ف بها وأنك غير صاغر

درجت علـيهـا الـغـاديا

 

ت الرائحات من الأعاصر

وفيها يقول:

فالآن صرت إلى أمية

 

والأمور إلى المصاير

وجعل هشام يغمز مسلمة بقضيب في يده، فيقول: اسمع، اسمع.
ثم استأذنه في مرثية ابنه معاوية، فأذن له، فأنشده قوله :

سأبكيك للدنيا وللـدين إنـنـي

 

رأيت يد المعروف بعدك شلت

فدامت عليك بالسـلام تـحـية

 

ملائكة الله الكرام وصـلـت

فبكى هشام بكاء شديداً، فوثب الحاجب فسكته.

ثم جاء الكميت إلى منزله آمناً، فحشدت له المضرية بالهدايا، وأمر له مسلمة بعشرين ألف درهم، وأمر له هشام بأربعين ألف درهم. وكتب إلى خالد بأمانه وأمان أهل بيته، وأنه لا سلطان له عليهم.

قال: وجمعت له بنو أمية بينها مالاً كثيراً. قال: ولم يجمع من قصيدته تلك يومئذ إلا ما حفظه الناس منها فألف. وسئل عنها، فقال: ما أحفظ منها شيئاً؛ إنما هو كلام ارتجلته.

فقال: وودع هشاماً، وأنشده قوله فيه:

ذكر القلب إلفة المذكوراً

سبقه الشعراء إلى معنى في صفة الفرس

قال محمد بن كناسة: وكان الكميت يقول: سبقت الناس في هذه القصيدة من أهل الجاهلية والإسلام إلى معنى ما سبقت إليه في صفة الفرس حين أقول:

يبحث الترب عن كواسر في المش

 

رب لا يجشم السقاة الصـفـيرا

هذه رواية ابن عمار. وقد روى فيه غير هذا.

رواية أخرى في سبب المنافرة بينه وبين خالد وقيل في سبب المنافرة بين خالد والكميت غير هذا، نسخته من كتاب محمد بن يحيى الخراز، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم الحاسب، قال: حدثني عبد الرحمن بن داود بن أبي أمية البلخي، قال: كان حكيم بن عياش الأعور الكلبي ولعاً بهجاء مضر، فكانت شعراء مضر تهجوه ويجيبهم، وكان الكميت يقول: هو والله أشعر منكم. قالوا: فأجب الرجل. قال: إن خالد بن عبد الله القسري محسن إلي فلا أقدر أن أرد عليه، قالوا: فاسمع بأذنك ما يقول في بنات عمك وبنات خالك من الهجاء، وأنشدوه ذلك؛ فحمي الكميت لعشيرته، فقال المذهبة :

ألا حييت عنا يا مدينا

فأحسن فيها، وبلغ خالداً خبرها. فقال: لا أبالي ما لم يجر لعشيرتي ذكر، فأنشدوه قوله:

ومن عجب علي لعمـر أم

 

غذتك وغير هاتيا يمـينـا

تجاوزت المياه بـلا دلـيل

 

ولا علم تعسف مخطئينـا

فإنك والتحول مـن مـعـد

 

كهيلة قبلنا والحالـبـينـا

تخطت خيرهم حلباً ونسـئاً

 

إلى المولى المغادر هاربينا

كعنز السوء تنطح عالفيهـا

 

وترميها عصي الذابحينـا

 فبلغ ذلك خالداً، فقال: فعلها! والله لأقتلنه. ثم اشترى ثلاثين جارية بأغلى ثمن، وتخيرهن نهاية في حسن الوجوه والكمال والأدب، فرواهن الهاشميات، ودسهن مع نخاس إلى هشام بن عبد الملك، فاشتراهن جميعاً، فلما أنس بهن استنطقهن، فرأى فصاحة وأدباً، فاستقرأهن القرآن، فقرأن، واستنشدهن الشعر، فأنشدنه قصائد الكميت الهاشميات. فقال: ويلكن! من قائل هذا الشعر؟ قلن: الكميت بن زيد الأسدي. قال: وفي أي بلدٍ هو؟ قلن: في العراق، ثم بالكوفة. فكتب إلى خالد وهو عامله على العراق: ابعث إلي برأس الكميت بن زيد، فبعث خالد إلى الكميت في الليل، فأخذه وأودعه السجن. ولما كان من الغد أقرأ من حضره من مضر كتاب هشام، واعتذر إليهم من قتله، وآذنهم في إنفاذ الأمر فيه في غد، فقال لأبان بن الوليد البجلي – وكان صديقاً للكميت -: انظر ما ورد في صديقك. فقال: عز علي والله ما به، ثم قام أبان، فبعث إلى الكميت فأنذره، فوجه إلى امرأته.
مسلمة بن هشام يجيره ويحتال في خلاصه ثم ذكر الخبر في خروجه ومقامها مكانه، كما ذكر من تقدمه. وقال فيه: فأتى مسلمة بن عبد الملك فاستجار به، فقال: إني أخشى ألا ينفعك جواري عنده، ولكن استجر بابنه مسلمة بن هشام. فقال: كن أنت السفير بيني وبينه في ذلك، ففعل مسلمة، وقال لابن أخيه: قد أتيتك بشرف الدهر، واعتقاد الصنيعة في مضر، وأخبره الخبر؛ فأجاره مسلمة بن هشام. وبلغ ذلك هشاماً فدعا به، ثم قال: أتجير على أمير المؤمنين بغير أمره؟! فقال: كلا، ولكني انتظرت سكون غضبه. قال: أحضرنيه الساعة، فإنه لا جوار لك. فقال مسلمة للكميت: يا أبا المستهل، إن أمير المؤمنين أمرني بإحضارك. قال: أتسلمني يا أبا شاكر؟ قال: كلا، ولكني أحتال لك، ثم قال له: إن معاوية بن هشام مات قريباً، وقد جزع عليه جزعاً شديداً، فإذا كان من الليل فاضرب رواقك على قبره، وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق، فإذا دعا بك تقدمت إليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك، ويقولوا: هذا استجار بقبر أبينا، ونحن أحق من أجاره.

فأصبح هشام على عادته متطلعاً من قصره إلى القبر، فقال: من هذا؟ فقالوا: لعله مستجير بالقبر! فقال: يجار من كان إلا الكميت؛ فإنه لا جوار له. فقيل: فإنه الكميت، قال: يحضر أعنف إحضار. فلما دعي به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه. فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر، وهم يقولون: يا أمير المؤمنين، استجار بقبر أبينا، وقد مات، ومات حظه من الدنيا، فاجعله هبة له ولنا، ولا تفضحنا فيمن استجار به. فبكى هشام حتى انتحب، ثم أقبل على الكميت فقال له: يا كميت، أنت القائل:

وإلا تقولوا غيرها تتعـرفـوا

 

نواصيها تردي بنا وهي شزب

خطبته بين يدي هشام وإنشاده بعض مدائحه في بني أمية فقال: لا، والله، ولا أتان من أتن الحجاز وحشية، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم قال: أما بعد فإني كنت أتدهدى في غمرة، وأعوم في بحر غواية، أخنى علي خطلها، واستفزني وهلها ؛ فتحيرت في الضلالة، وتسكعت في الجهالة، مهرعاً عن الحق، جائراً عن القصد، أقول الباطل ضلالاً، وأفوه بالبهتان وبالاً، وهذا مقام العائذ مبصر الهدى، ورافض العمى فاغسل عني يا أمير المؤمنين الحوبة بالتوبة، واصفح عن الزلة، واعف عن الجرمة ، ثم قال:

كم قال قائلـكـم: لـعـا

 

لك، عند عثرته لعـاثـر

وغفرتم لـذوي الـذنـو

 

ب من الأكابر والأصاغر

أبـنـي أمـية إنـكــم

 

أهل الوسائل والأوامـر

ثقتـي لـكـل مـلـمة

 

وعشيرتي دون العشـائر

أنتم مـعـادن لـلـخـلا

 

فة كابراً من بعد كابـر

بالتسعة المتـتـابـعـي

 

ن خلائفاً وبخير عاشـر

وإلى الـقـيامة لا تـزا

 

ل لشافع منكـم وواتـر

ثم قطع الإنشاد وعاد إلى خطبته، فقال: إغضاء أمير المؤمنين وسماحته وصباحته، ومناط المنتجعين بحبله، من لا تحل حبوته لإساءة المذنبين، فضلاً عن استشاطة غضبه بجهل الجاهلين.

محاورة بينه وبين هشام في شعر قاله في بني أمية فقال له: ويلك يا كميت! من زين لك الغواية، ودلاك في العماية؟ قال: الذي أخرج أبانا من الجنة، وأنساه العهد، فلم يجد له عزماً. فقال: إيه! أنت القائل:  

فيا موقداً ناراً لغيرك ضوءهـا

 

ويا حاطباً في غير حبلك تحطب

فقال: بل أنا القائل :

إلى آل بيت أبـي مـالـك

 

مناخ هو الأرحب الأسهـل

نمت بأرحامـنـا الـداخـلا

 

ت من حيث لا ينكر المدخل

ببرة والنضر والمـالـكـي

 

ن رهط هم الأنبل الأنبـل

ويا بني خزيمة بدر السـمـا

 

ء والشمس مفتاح ما نأمـل

وجدنا قريشاً قريش البطـاح

 

على ما بنـى الأول الأول

بهم صلح الناس بعد الفسـاد

 

وحيص من الفتق ما رعبلوا

قال له: وأنت القائل :

لا كعبد الملـيك أو كـولـيد

 

أو سليمان بعد أو كهـشـام

من يمت لا يمت فقيداً ومن يح

 

ي فـلا ذو إل ولا ذو ذمـام

ويلك يا كميت! جعلتنا ممن لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، فقال: بل أنا القائل يا أمير المؤمنين :

فالآن صرت إلـى أمـي

 

ة والأمور إلى المصـاير

والآن صرت بها المصي

 

ب كمهتد بالأمس حـائر

يابن العقـائل لـلـعـقـا

 

ئل والجحاجحة الأخـاير

من عبد شـمـس والأكـا

 

بر من أمية فالأكـابـر

إن الـخـــلافة والإلا

 

ف برغم ذي حسد وواغر

دلفا من الشرف التـلـي

 

د إليك بالرفد المـوافـر

فحللت معتلـج الـبـطـا

 

ح وحل غيرك بالظواهر

قال له: إيه، فأنت القائل :

فقل لبين أمية حيث حلـوا

 

وإن خفت المهند والقطيعا

أجاع الله من أشبعتـمـوه

 

وأشبع من بجوركم أجيعا

بمرضي السياسة هاشمي

 

يكون حياً لأمته ربـيعـا

فقال: لا تثريب يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تمحو عني قولي الكاذب. قال: بماذا؟ قال: بقولي الصادق :

أورثته الحصان أم هشـام

 

حسباً ثاقباً ووجهاً نضيرا

وتعاطى به ابن عائشة البد

 

ر فأمسى له رقيباً نظيرا

وكساه أبو الخلائف مروا

 

ن سني المكارم المأثورا

لم تجهم له البطاح ولكـن

 

وجدتها له مغاراً ودورا

إعجاب هشام بشعره ورضاؤه عنه وكان هشام متكئاً فاستوى جالساً، وقال: هكذا فليكن الشعر – يقولها لسالم بن عبد الله بن عمر، وكان إلى جانبه – ثم قال: قد رضيت عنك يا كميت؛ فقبل يده، وقال: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تزيد في تشريفي، ولا تجعل لخالد علي إمارة! قال: قد فعلت. وكتب له بذلك، وأمر له بأربعين ألف درهم وثلاثين ثوباً هشامية. وكتب إلى خالد أن يخلي سبيل امرأته ويعطيها عشرين ألفاً وثلاثين ثوباً. ففعل ذلك.

خالد يضربه مائة سوط وله مع خالد أخبار بعد قدومه الكوفة بالعهد الذي كتب له، منها أنه مر به خالد يوماً، وقد تحدث الناس بعزله عن العراق، فلما جاز تمثل الكميت:

أراها وإن كانت تحب كأنهاسحابة صيف عن قليل تقشع

فسمعه خالد، فرجع وقال: أما والله لا تنقشع حتى يغشاك منها شؤبوب برد. ثم أمر به فجرد، فضربه مائة سوط، ثم خلى عنه ومضى. هذه رواية ابن حبيب.

ينذر هشاماً بخالد وقد أخبرني أحمد بن عبد الله بن عمار قال: حدثنا النوفلي علي بن محمد بن سليمان أبو الحسن، قال: حدثني أبي، قال: كان هشام بن عبد الملك قد اتهم خالد بن عبد الله – وكان يقال – إنه يريد خلعك – فوجد بباب هشام يوماً رقعة فيها شعر، فدخل بها على هشام فقرئت عليه، وهي :

تألـق بـرق عـنــدنـــا وتـــقـــابـــلـــت

 

أثـاف لـقـدر الـحـرب أخـشـى اقـتـبـالــهـــا

فدونـك قـدر الــحـــرب وهـــي مـــقـــرة

 

لكـفـيك واجـعـل دون قـدر جــعـــالـــهـــا

ولـن تـنـتـهـي أو يبـــلـــغ الأمـــر حـــده

 

فنـلـهـا بـرسـل قـبـل ألا تـــنـــالـــهـــا

فتـجـشـم مـنـهـا مـا جـشـمـت مـن الــتـــي

 

بسـوراء هـرت نـحـو حـالــك حـــالـــهـــا

تلاف أمـور الـنـاس قـــبـــل تـــفـــاقـــم

 

بعـقـدة حـزم لا تـخـاف انـــحـــلالـــهـــا

فمـــا أبـــرم الأقـــوام يومـــاً لـــحـــيلة

 

من الأمـر إلا قـلـــدوك احـــتـــيالـــهـــا

وقد تخبر الحرب العوان بسرهاوإن لم تبح من لا يريد سؤالها

 

 

 فأمر هشام أن يجمع له من بحضرته من الرواة، فجمعوا. فأمر بالأبيات فقرئت عليهم، فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات؟ فأجمعوا جميعاً من ساعتهم أنه كلام الكميت بن زيد الأسدي، فقال هشام: نعم، هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد الله. ثم كتب إلى خالد يخبره، وكتب إليه بالأبيات، وخالد يومئذ بواسط.

هاشميته اللامية

فكتب خالد إلى واليه بالكوفة يأمره بأخذ الكميت وحبسه، وقال لأصحابه: إنه بلغني أن هذا يمدح بني هاشم ويهجو بني أمية، فأتوني من شعره هذا بشيء. فأتي بقصيدته اللامية التي أولها :

ألا هل عم في رأيه متأمـل

 

وهل مدبر بعد الإساءة مقبل!

فكتبها وأدرجها في كتاب إلى هشام، يقول: هذا شعر الكميت؛ فإن كان قد صدق في هذا فقد صدق في ذاك.
فلما قرئت على هشام اغتاظ، فلما قال :

فيا ساسة هاتوا لنا من جوابكم

 

ففيكم لعمري ذو الفانين مقول

اشتد غيظه. فكتب إلى خالد يأمره أن يقطع يدي الكميت ورجليه، ويضرب عنقه ويهدم داره، ويصلبه على ترابها.

ابن عنبسة ينذره ليتخلص من الحبس فلما قرأ خالد الكتاب كره أن يستفسد عشيرته، وأعلن الأمر رجاء أن يتخلص الكميت، فقال: لقد كتب إلي أمير المؤمنين، وإني لأكره أن أستفسد عشيرته، وسماه، فعرف عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد ما أراد، فأخرج غلاماً له مولداً ظريفاً، فأعطاه بغلة له شقراء فارهة من بغال الخليفة، وقال: إن أنت وردت الكوفة، فأنذرت الكميت لعله أن يتخلص من الحبس، فأنت حر لوجه الله، والبغلة لك، ولك علي بعد ذلك إكرامك والإحسان إليك.

فركب البغلة وسار بقية يومه وليلته من واسط إلى الكوفة فصبحها، فدخل الحبس متنكراً، فخبر الكميت بالقصة، فأرسل إلى امرأته وهي ابنة عمه يأمرها أن تجيئه ومعها ثياب من لباسها وخفان، ففعلت، فقال: ألبسيني لبسة النساء، ففعلت، ثم قالت له: أقبل، فأقبل، وأدبر، فأدبر. فقالت: ما أرى إلا يبساً في منكبيك، اذهب في حفظ الله.

فخرج فمر بالسجان، فظن أنه المرأة، فلم يعرض له فنجا، وأنشا يقول :

خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل

 

على الرغم من تلك النوابح والمشلي

علي ثياب الغانـيات وتـحـتـهـا

 

عزيمة أمر أشبهت سلة النـصـل

وورد كتاب خالد على والي الكوفة يأمره فيه بما كتب به إليه هشام، فأرسل إلى الكميت ليؤتى به من الحبس فينفذ فيه أمر خالد، فدنا من باب البيت فكلمتهم المرأة، وخبرتهم أنها في البيت ، وأن الكميت قد خرج؛ فكتب بذلك إلى خالد فأجابه: حرة كريمة آست ابن عمها بنفسها، وأمر بتخليتها، فبلغ الخبر الأعور الكلبي بالشام، فقال قصيدته التي يرمي فيها امرأة الكميت بأهل الحبس، ويقول: أسودين وأحمرينا .

هجاؤه أحياء اليمن فهاج الكميت ذلك حتى قال:

ألا حييت عنا يا مدينا

وهي ثلاثمائة بيت لم يترك فيها حياً من أحياء اليمن إلا هجاهم. وتوارى، وطلب، فمضى إلى الشام، فقال شعره الذي يقول فيه:

قف بالديار وقوف زائر

في مسلمة بن عبد الملك، ويقول:

يا مسلم ابن أبي الولـي

 

د لميت إن شئت ناشـر

اليوم صرت إلى أمـي

 

ة والأمور إلى المصاير

قال أبو الحسن: قال أبي: إنما أراد اليوم صرت إلى أمية والأمور إلى مصايرها؛ أي بني هاشم. وبذلك احتج ابنه المستهل على أبي العباس حين عيره بقول أبيه هذا الشعر.

فأذن له ليلاً، فسأله أن يجيره على هشام، فقال: إني قد أجرت على أمير المؤمنين فأخفر جواري، وقبيح برجل مثلي أن يخفر في كل يوم، ولكني أدلك فاستجر بمسلمة بن هشام وبأمه أم الحكم بنت يحيى بن الحكم؛ فإن أمير المؤمنين قد رشحه لولاية العهد.

فقال الكميت: بئس الرأي! أضيع دمي بين صبي وامرأة! فهل غير هذا؟ قال: نعم، مات معاوية ابن أمير المؤمنين وكان يحبه، وقد جعل أمير المؤمنين على نفسه أن يزور قبره في كل أسبوع يوماً – وسمى يوماً بعينه – وهو يزوره في ذلك اليوم، فامض فاضرب بناءك عند قبره، واستجر به، فإني سأحضر معه وأكلمه بأكثر من الجوار.

استجارته بقبر معاوية بن هشام  ففعل ذلك الكميت في اليوم الذي يأتيه فيه أبوه، فجاء هشام ومعه مسلمة، فنظر إلى البناء، فقال لبعض أعوانه: انظر ما هذا، فرجع فقال: الكميت بن زيد مستجير بقبر معاوية ابن أمير المؤمنين. فأمر بقتله، فكلمه مسلمة وقال: يا أمير المؤمنين، إن إخفار الأموات عار على الأحياء، فلم يزل يعظم عليه الأمر حتى أجاره.

خروج الجعفرية على خالد وهو يخطب وتحريفهم فحدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا حجر بن عبد الجبار، قال: خرجت الجعفرية على خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب على المنبر وهو لا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين ، ينادون: لبيك جعفر، لبيك جعفر! وعرف خالد خبرهم، وهو يخطب على المنبر، فدهش فلم يعلم ما يقول فزعاً، فقال: أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فجعل يجيء بهم إلى المسجد ويؤخذ طن قصب فيطلى بالنفط، ويقال للرجل احتضنه، ويضرب حتى يفعل، ثم يحرق، فحرقهم جميعاً.

تعريضه بخالد فلما قدم يوسف بن عمر دخل عليه الكميت وقد مدحه بعد قتله زيد بن علي، فأنشده قوله فيه:

خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن

 

كمن حصنه فيه الرتاج المضبب

وما خالد يستطعم الماء فـاغـراً

 

بعدلك والداعي إلى الموت ينعب

الجند يقتلونه تعصباً لخالد قال: والجند قيام على رأس يوسف بن عمر، وهم يمانية، فتعصبوا لخالد، فوضعوا ذباب سيوفهم في بطن الكميت، فوجئوه بها، وقالوا: أتنشد الأمير ولم تستأمره! فلم يزل ينزفه الدم حتى مات.

اعتذاره لهشام من ذنبه وأخبرني عمي، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الطلحي عن محمد بن سلمة بن أرتبيل، قال: لما دخل الكميت بن زيد على هشام، سلم ثم قال: يا أمير المؤمنين، غائب آب، ومذنب تاب، محا بالإنابة ذنبه، وبالصدق كذبه، والتوبة تذهب الحوبة، ومثلك حلم عن ذي الجريمة، وصفح عن ذي الريبة.

فقال له هشام: ما الذي نجاك من القسري؟ قال: صدق النية في التوبة. قال: ومن سن لك الغي وأورطك فيه؟ قال: الذي أغوى آدم فنسي ولم يجد له عزماً، فإن رأيت يا أمير المؤمنين – فدتك نفسي – أن تأذن لي بمحو الباطل بالحق، بالاستماع لما قلته! فأنشده :

ذكر القلب إلفه المذكورا

 

وتلافى من الشباب أخيرا

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن بكير الأسدي، قال: حدثني محمد بن أنس، قال: حدثني محمد بن سهل الأسدي، قال: ابنه المستهل وعبد الصمد بن علي دخل المستهل بن الكميت على عبد الصمد بن علي، فقال له: من أنت؟ فأخبره؛ فقال: لا حياك الله ولا حيا أباك، هو الذي يقول:

فالآن صرت إلى أمـي

 

ة والأمور إلى المصاير

قال: فأطرقت استحياء مما قال، وعرفت البيت. قال: ثم قال لي: ارفع رأسك يا بني، فلئن كان قال هذا، فلقد قال:

بخاتمكم كرهاً تجوز أمورهـم

 

فلم أر غصبا مثله حين يغصب

قال: فسلى بعض ما كان بي، وحادثني ساعة، ثم قال: ما يعجبك من النساء يا مستهل؟ قلت:

غراء تسحب من قيام فرعها

 

جثلاً يزينه سواد أسـحـم

فكأنها فيه نهار مـشـرق

 

وكأنه ليل عليها مـظـلـم

قال: يا بني؛ هذه لا تصاب إلا في الفردوس، وأمر له بجائزة.
شعره يصلح بين هشام وجاريته صدوف أخبرني عمي قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله الخصاف الطلحي، عن محمد بن أنس السلامي قال: كان هشام بن عبد الملك مشغوفاً بجارية له يقال لها صدوف مدنية اشتريت له بمال جزيل، فعتب عليها ذات يوم في شيء وهجرها، وحلف ألا يبدأها بكلام، فدخل عليه الكميت وهو مغموم بذلك، فقال: ما لي أراك مغموماً يا أمير المؤمنين، لا غمك الله! فأخبره هشام بالقصة، فأطرق الكميت ساعة ثم أنشأ يقول :

أعتبت أم عتبت عليك صدوف

 

وعتاب مثلك مثلها تشـريف

لا تقعدن تلوم نفسـك دائبـاً

 

فيها وأنت بحبها مشغـوف

إن الصريمة لا يقوم بثقلهـا

 

إلا القوي بها، وأنت ضعيف

فقال هشام: صدقت والله، ونهض من مجلسه، فدخل إليها، ونهضت إليه فاعتنقته. وانصرف الكميت، فبعث إليه هشام بألف دينار، وبعثت إليه بمثلها. وفوده على يزيد بن عبد الملك قال الطلحي: أخبرني حبيش بن الكميت أخو المستهل بن الكميت بن زيد، قال: وفد الكميت بن زيد على يزيد بن عبد الملك، فدخل عليه يوماً وقد اشتريت له سلامة القس، فأدخلها إليه والكميت حاضر فقال له: يا أبا المستهل؛ هذه جارية تباع، أفترى أن نبتاعها؟ قال: إي والله يا أمير المؤمنين؛ وما أرى أن لها مثلاً في الدنيا فلا تفوتنك، قال: فصفها لي في شعر حتى أقبل رأيك؛ فقال الكميت : شعره في سلامة القس

هي شمس النهار في الحسن إلا

 

أنها فضلت بقتل الـظـراف

غضة بضة رخـيم لـعـوب

 

وعثة المتن شخته الأطـراف

زانها دلهـا وثـغـر نـقـي

 

وحديث مرتل غـير جـافـي

خلقت فوق منية المتـمـنـي

 

فاقبل النصح يا بن عبد منـاف

فضحك يزيد، وقال: قد قبلنا نصحك يا أبا المستهل، وأمر له بجائزة سنية.

لقاؤه بالفرزدق وهو صبي

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: أخبرني إبراهيم بن أيوب، عن ابن قتيبة، قال: مر الفرزدق بالكميت وهو ينشد – والكميت يومئذ صبي – فقال له الفرزدق: يا غلام، أيسرك أني أبوك؟ فقال: لا، ولكن يسرني أن تكون أمي! فحصر الفرزدق، فأقبل على جلسائه وقال: ما مر بي مثل هذا قط.

إنشاده أبا عبد الله جعفر بن محمد أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني بن عقدة، قال: أخبرنا علي بن محمد الحسيني، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عيسى الحمال، قال: حدثنا مصبح بن الهلقام، قال: حدثنا محمد بن سهل صاحب الكميت.

دخلت مع الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد، فقال له: جعلت فداك! ألا أنشدك؟ قال: إنها أيام عظام، قال: إنها فيكم، قال: هات – وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب – فأنشده، فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت :

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم

 

فيا آخراً سـدى لـه الـغـي أول

فرفع أبو عبد الله يديه فقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، وأعطه حتى يرضى.
إنشاده أبا جعفر محمد بن علي أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عمر بن شبة قال: قال محمد بن كناسة: حدثني صاعد مولى الكميت، قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي فأنشده الكميت قصيدته التي أولها:

من لقلب متيم مستهام؟

فقال: اللهم اغفر للكميت، اللهم اغفر للكميت.

قبوله كسوة أبي جعفر ورده المال قال: ودخلنا يوماً على أبي جعفر محمد بن علي، فأعطانا ألف دينار وكسوة، فقال له الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكني أحببتكم للآخرة؛ فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها، وأما المال فلا أقبله، فرده وقبل الثياب.

فاطمة بنت الحسين تحتفي به قال: ودخلنا على فاطمة بنت الحسين فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت، وجاءت بقدح فيه سويق، فحركته بيدها وسقت الكميت، فشربه، ثم أمرت له بثلاثين ديناراً ومركب، فهملت عيناه، وقال: لا والله لا أقبلها؛ إني لم أحبكم للدنيا.

احتجاج بني أسد على المستهل بن الكميت ببيت لأبيه أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: أخبرني عمي، عن عبيد الله بن محمد بن حبيب، عن ابن كناسة، قال: لما جاءت المسودة سخروا بالمستهل بن الكميت، وحملوا عليه حملاً ثقيلاً، وضربوه، فمر ببني أسد، فقال: أترضون أن يفعل بي هذا الفعل؟ قالوا له: هؤلاء الذين يقول أبوك فيهم :

والمصيبون باب ما أخطأ النا

 

س ومرسو قواعد الإسلام

قد أصابوا فيك، فلا نكذب أباك.

المستهل وأبو مسلم قال: ودخل المستهل على أبي مسلم، فقال له: أبوك الذي كفر بعد إسلامه، فقال: كيف وهو الذي يقول:

بخاتمكم كرهاً تجوز أمورهـم

 

فلم أر غصباً مثله حين يغصب

فأطرق أبو مسلم مستحيياً منه.
المستهل يشكو إلى أبي جعفر أخبرني عمي، قال: حدثنا محمد بن سعد الكراني، قال: حدثنا الحسن بن بشر السعدي، قال: أخذ العسس المستهل بن الكميت في أيام جعفر، وكان الأمر صعباً، فحبس، فكتب إلى أبي جعفر يشكو حاله، وكتب في آخر الرقعة:

لئن نحن خفنا في زمان عدوكم

 

وخفناكم إن البـلاء لـراكـد

فلما قرأها أبو جعفر قال: صدق المستهل، وأمر بتخليته. خبر لدعبل في رؤياه النسبي حدثني علي بن محمد بن علي إمام مسجد الكوفة، قال: أخبرنا إسماعيل بن علي الخزاعي – ابن أخي دعبل – قال: حدثني عمي دعبل بن علي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي: ما لك وللكميت بن زيد؟ فقلت: يا رسول الله، ما بيني وبينه إلا كما بين الشعراء، فقال: لا تفعل، أليس هو القائل:

فلا زلت فيهم حيث يتهمونني

 

ولا زلت في أشياعهم أتقلب

فإن الله قد غفر له بهذا البيت. قال: فانتهيت عن الكميت بعدها.

خبر لسعد الأسدي في رؤياه النبي حدثني علي بن محمد، قال: حدثني إسماعيل بن علي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد الأسدي، قال: سمعت أبي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: من أي الناس أنت؟ قلت: من العرب، قال: أعلم، فمن أي العرب؟ قلت: من بني أسد، قال: من أسد بن خزيمة؟ قلت: نعم، قال لي: أهلالي أنت؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الكميت بن زيد؟ قلت: يا رسول الله، عمي ومن قبيلتي، قال: أتحفظ من شعره شيئاً؟ قلت: نعم، قال: أنشدني :

طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب

قال: فأنشدته حتى بلغت إلى قوله :

فما لي إلا آل أحـمـد شـيعة

 

وما لي إلا مشعب الحق مشعب

فقال لي: إذا أصبحت فاقرأ عليه السلام، وقل له: قد غفر الله لك بهذه القصيدة.

نصر بن مزاحم يراه في نومه ينشد بين يدي النبي وجدت في كتاب بخط المرهبي الكوفي: حدثني سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخراز، قال: حدثني نصر بن مزاحم المنقري، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وبين يديه رجل ينشده:

من لقلب متيم مستهام؟

قال: فسألت عنه، فقيل لي: هذا الكميت بن زيد الأسدي، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: جزاك الله خيراً! وأثنى عليه.

نقد الفرزدق شعره

أخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن بكير الأسدي، قال: حدثني محمد بن أنس السلامي، قال: حدثني محمد بن سهل راوية الكميت، قال: جاء الكميت إلى الفرزدق لما قدم الكوفة، فقال له: إني قد قلت شيئاً فأسمعه مني يا أبا فراس. قال: هاته، فأنشده قوله :

طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب

 

ولا لعباً مني وذو الشيب يلـعـب

ولكن إلى أهل الفضائل والنـهـى

 

وخير بني حواء والخير يطـلـب

فقال له: قد طربت إلى شيء ما طرب إليه أحد قبلك، فأما نحن فما نطرب، ولا طرب من كان قبلنا إلا إلى ما تركت أنت الطرب إليه.
يعرض شعره على الفرزدق قبل إذاعته أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا محمد بن علي النوفلي، قال: سمعت أبي يقول: لما قال الكميت بن زيد الشعر كان أول ما قال الهاشميات، فسترها، ثم أتى الفرزدق بن غالب، فقال له: يا أبا فراس، إنك شيخ مضر وشاعرها، وأنا ابن أخيك الكميت بن زيد الأسدي. قال له: صدقت، أنت ابن أخي، فما حاجتك؟ قال: نفث على لساني فقلت شعراً، فأحببت أن أعرضه عليك؛ فإن كان حسناً أمرتني بإذاعته، وإن كان قبيحاً أمرتني بستره، وكنت أولى من ستره علي. فقال له الفرزدق: أما عقلك فحسن، وإني لأرجو أن يكون شعرك على قدر عقلك، فأنشدني ما قلت، فأنشده:

طربت وما شوقاً إلى البيض أطرب

قال: فقال لي: فيم تطرب يابن أخي؟ فقال:

ولا لعباً مني وذو الشيب يلعب

فقال: بلى يابن أخي، فالعب، فإنك في أوان اللعب، فقال:

ولم يلهني دار ولا رسم منزل

 

ولم يتطربني بنان مخضـب

فقال: ما يطربك يابن أخي؟ فقال:

ولا السانحات البارحات عشـية

 

أمر سليم القرن أم مر أعضب؟

فقال: أجل، لا تتطير، فقال:

ولكن إلى أهل الفضائل والنهى

 

وخير بني حواء والخير يطلب

فقال: ومن هؤلاء؟ ويحك! فقال:

إلى النفر البيض الذين بحبهم

 

إلى الله فيما نابني أتقـرب

قال: أرحني ويحك! من هؤلاء؟ قال:

بني هاشم رهط النبي فـإنـنـي

 

بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب

خفضت لهم مني جناحـي مـودة

 

إلى كنف عطفاه؛ أهل ومرحب

وكنت لهم مـن هـؤلاء وهـؤلا

 

محباً ، على أني أذم وأقـصـب

وأرمى وأرمي بالعداوة أهلها

 

وإني لأوذى فيهـم وأؤنـب

فقال له الفرزدق: يابن أخي، أذع ثم أذع، فأنت والله أشعر من مضى، وأشعر من بقى.

معارضته قصيدة لذي الرمة

أخبرني الحسن، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثني أحمد بن بكير، قال: حدثني محمد بن أنس، قال: حدثني محمد بن سهل راوية الكميت عن الكميت، قال: لما قدم ذو الرمة أتيته فقلت له: إني قد قلت قصيدة عارضت بها قصيدتك:

ما بال عينك منها الماء ينسكب

فقال لي: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:

هل أنت على طلب الأيفاع منقـلـب

 

أم كيف يحسن من ذي الشيبة اللعب؟!

حتى أنشدته إياها، فقال لي: ويحك! إنك لتقول قولاً ما يقدر إنسان أن يقول لك أصبت ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشيء فلا تجيء به، ولا تقع بعيداً منه، بل تقع قريباً. قلت له: أوتدري لم ذلك؟ قال: لا، قلت: لأنك تصف شيئاً رأيته بعينك، وأنا أصف شيئاً وصف لي، وليست المعاينة كالوصف. قال: فسكت .

علمه بالبادية عن وصف جدتيه أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثني إسماعيل بن عبد الله الطلحي، عن محمد بن سلمة بن أرتبيل، عن حماد الراوية، قال: كانت للكميت جدتان أدركتا الجاهلية، فكانتا تصفان له البادية وأمورها وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فيخبرانه عنه، فمن هناك كان علمه.
أخبرني الحسن بن القاسم البجلي الكوفي، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن المعلى، قال: حدثنا محمد بن فضيل – يعني الصيرفي – عن أبي بكر الحضرمي، قال: استأذنت للكميت على أبي جعفر محمد بن علي في أيام التشريق بمنى، فأذن له، فقال له الكميت: جعلت فداك! إني قلت فيكم شعراً أحب أن أنشدكه. فقال: يا كميت، اذكر الله في هذه الأيام المعلومات، وفي هذه الأيام المعدودات، فأعاد عليه الكميت القول، فرق له أبو جعفر فقال: هات، فأنشده قصيدته حتى بلغ :

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم

 

فيا آخراً سـدى لـه الـغـي أول

فرفع أبو جعفر يديه إلى السماء وقال: اللهم اغفر للكميت.

استئذانه أبا جعفر في مدح بني أمية أخبرني جعفر بن محمد بن مروان الغزال الكوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أرطاة بن حبيب، عن فضيل الرسان، عن ورد بن زيد أخي الكميت، قال: أرسلني الكميت إلى أبي جعفر، فقلت له: إن الكميت أرسلني إليك، وقد صنع بنفسه ما صنع، فتأذن له أن يمدح بني أمية؟ قال: نعم، هو في حل فليقل ما شاء.
أخبرني محمد بن العباس، قال: أخبرني عمي عن عبيد الله بن محمد بن حبيب، عن ابن كناسة، قال: مات ورد أخو الكميت، فقيل للكميت: ألا ترثي أخاك؟ فقال: مرثيته ومرزيته عندي سواء، وإني لا أطيق أن أرثيه جزعاً عليه.

روايته للحديث

وقد روى الكميت بن زيد الحديث، وروي عنه.

أخبرني جعفر بن محمد بن عبيد بن عتبة في كتابه إلي، قال: حدثني الحسين بن محمد بن علي الأزدي، قال: حدثني الوليد بن صالح، قال: حدثني محمد بن سعيد بن عمير الصيداوي، عن أبيه، عن الكميت بن زيد، قال: حدثني عكرمة أن عبد الله بن عباس بعثه مع الحسين بن علي فجعل يهل حتى رمى جمرة العقبة، أو حين رمى جمرة العقبة، فسألته عن ذلك، فأخبرني أن أباه فعله، فحدثت به ابن عباس، فقال لي: لا أم لك! أتسالني عن شيء أخبرك به الحسين بن علي عن أبيه! والله إنها لسنة.
أخبرنا أبو الحسن بن سراج الجاحظ، قال: حدثنا مسروق بن عبد الرحمن أبو صالح، عن الحسن بن محمد بن أعين، عن حفص بن محمد الأسدي، قال: حدثنا الكميت بن زيد عن مذكور مولى زينب، عن زينب، قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا فضل ، قالت: فقلت بيدي هكذا – واستترت – قالت: فقال لي: إن الله عز وجل زوجنيك.

روايته للتفسير

حدثني أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثني أحمد بن سراج، قال: حدثني الحسن بن أيوب الخثعمي، قال: حدثنا فرات بن حبيب الأسدي قال: حدثني أبي حبيب بن أبي سليمان، قال: حدثني الكميت بن زيد، قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) . قال: دخلت أنا وأبي إلى أبي سعيد الخدري، فسأله أبي عنها، فقال: معاد آخرته: الموت. يعتذر إلى أبي جعفر محمد بن علي أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني إسحاق بن محمد بن أبان، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مهران، قال: حدثني ربعي بن عبد الله بن الجارود بن أبي سبرة، عن أبيه، قال: دخل الكميت بن زيد الأسدي على أبي جعفر محمد بن علي، فقال له: يا كميت! أنت القائل:

فالآن صرت إلى أمـي

 

ة والأمور إلى المصاير

قال: نعم، قد قلت، ولا والله ما أردت به إلا الدنيا، ولقد عرفت فضلكم، قال: أما أن قلت ذلك فإن التقية لتحل.

رأي معاذ الهراء في شعره أخبرني محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعي، قال: حدثنا أحمد بن بكير الأسدي قال: حدثنا محمد بن أنس السلامي الأسدي قال: سئل معاذ الهراء: من أشعر الناس؟ قال: أمن الجاهليين أم من الإسلاميين؟ قالوا: بل من الجاهليين. قال: امرؤ القيس، وزهير، وعبيد بن الأبرص. قالوا: فمن الإسلاميين؟ قال: الفرزدق، وجرير، والأخطل، والراعي. قال: فقيل له: يا أبا محمد، ما رأيناك ذكرت الكميت فيمن ذكرت. قال: ذاك أشعر الأولين والآخرين.

لم يخرج مع زيد بن علي أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: حدثنا العباس بن بكار، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، قال: لما خرج زيد بن علي كتب إلى الكميت: اخرج معنا يا أعيمش، ألست القائل :

ما أبالي إذا حفظت أبا القاسم فيكم ملامة اللوام

فكتب إليه الكميت:

تجود لكم نفسي بما دون وثـبة

 

تظل لها الغربان حولي تحجل

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عن عبيد الله بن محمد بن حبيب، عن محمد بن كناسة، قال: لما أنشد هشام بن عبد الملك قول الكميت :

فبهم صرت للبعـيد ابـن عـم

 

واتهمت القـريب أي اتـهـام

مبدياً صفحتي على الموقف المع

 

لم، بالله قوتي واعتـصـامـي

قال: استقتل المرائي.
مدحه خالد القسري قال: ودخل الكميت على خالد القسري، فأنشده قوله فيه :

لو قيل للجود: من حليفك؟ مـا

 

إن كان إلا إلـيك ينـتـسـب

أنت أخوه وأنـت صـورتـه

 

والرأس منه، وغيرك الذنـب

أحرزت فضل النضال في مهل

 

فكل يوم بكفـك الـقـصـب

لو أن كعباً وحاتـمـاً نـشـرا

 

كانا جميعاً من بعض ما تهب

لا تخلف الوعد إن وعـدت ولا

 

أنت عن المعتفين تحتـجـب

ما دونك اليوم مـن نـوال، ولا

 

خلفك للراغبين مـنـقـلـب

فأمر له بمائة ألف درهم.

المستهل وعيسى بن موسى قال: وحضر المستهل بن الكميت باب عيسى بن موسى – وكان يكرمه – فبلغه أنه قد غاب عليه الشراب، فاستخف به، وكان آخر من يدخل إلى عيسى بن موسى قوم يقال لهم الراشدون يؤذن لهم في القعود، فأدخل المستهل معهم، فقال:

ألم تر أني لما حضـرت

 

دعيت فكنت مع الراشدينا

ففزت بأحسن أسمـائهـم

 

وأقبح منزلة الداخلـينـا

إنشاده مخلد بن يزيد بن المهلب أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: دخل الكميت على مخلد بن يزيد بن المهلب، فأنشده :

قاد الجيوش لخمس عشرة حجة

 

ولداته عن ذاك في أشـغـال

قعدت بهم هماتهم وسمت بـه

 

همم الملوك وسورة الأبطـال

قال: وقدام مخلد دراهم يقال لها الرويجة، فقال: خذ وقرك منها. فقال له: البغلة بالباب، وهي أجلد مني، فقال: خذ وقرها، فأخذ أربعة وعشرين ألف درهم، فقيل لأبيه في ذلك، فقال: لا أرد مكرمة فعلها ابني.
إذا قال أحب أن يحسن أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني أبو بكر الأموي، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: سمعت ابن شبرمة، قال: قلت للكميت: إنك قلت في بني هاشم فأحسنت، وقلت في بني أمية أفضل، قال: إني إذا قلت أحببت أن أحسن.
طويل أصم لا يجيد الإنشاد أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن عمران الصيرفي، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثنا محمد بن معاوية، عن ابن كناسة، قال: كان الكميت بن زيد طويلاً أصم، ولم يكن حسن الصوت ولا جيد الإنشاد، فكان إذا استنشد أمر ابنه المستهل فأنشد، وكان فصيحاً حسن الإنشاد . سبب هجائه أهل اليمن

أخبرني عمي وابن عمار، قالا: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الطلحي، عن محمد بن سلمة بن أرتبيل: أن سبب هجاء الكميت أهل اليمن، أن شاعراً من أهل الشام يقال له حكيم بن عياش الكلبي كان يهجو علي بن أبي طالب وبني هاشم جميعاً، وكان منقطعاً إلى بني أمية، فانتدب له الكميت فهجاه وسبه، فأجابه ولج الهجاء بينهما، وكان الكميت يخاف أن يفتضح في شعره عن علي لما وقع بينه وبين هشام، وكان يظهر أن هجاءه إياه في العصبية التي بين عدنان وقحطان، فكان ولد إسماعيل بن الصباح بن الأشعث بن قيس وولد علقمة بن وائل الحضرمي يروون شعر الكلبي، فهجا أهل اليمن جميعاً إلا هذين، فإنه قال في آل علقمة:

ولولا آل علقمة اجتدعنا

 

بقايا من أنوف مصلمينا

وقال في إسماعيل:

فإن لإسماعـيل حـقـاً، وإنـنـا

 

له شاعبو الصدع المقارب للشعب

وكانت لآل علقمة عنده يد؛ لأن علقمة آواه ليلة خرج إلى الشام، وأم إسماعيل من بني أسد، فكف عنهما لذلك.
قال الطلحي: قال أبو سلمة: حدثني محمد بن سهل، قال: قال الكلبي:

ما سرني أن أمي من بني أسد

 

وأن ربي نجاني من الـنـار

وأنهم زوجوني من بناتـهـم

 

وأن لي كل يوم ألف دينـار

فأجابه الكميت:

يا كلب مالك أم من بني أسـد

 

معروفة فاحترق يا كلب بالنار

لكن أمك من قوم شنئت بـهـم

 

قد قنعوك قناع الخزي والعار

قال: فقال له الكلبي:

لن يبرح اللؤم هذا الحي من أسد

 

حتى يفرق بين السبت والأحـد

قال محمد بن أنس: حدثني المستهل بن الكميت، قال: قلت لأبي: يا أبت، إنك هجوت الكلبي، فقلت:

ألا يا سلم يا تـربـي

 

أفي أسماء من ترب؟

وغمزت عليه فيها، ففخرت ببني أمية، وأنت تشهد عليها بالكفر، فألا فخرت بعلي وبني هاشم الذين تتولاهم! فقال: يا بني، أنت تعلم انقطاع الكلبي إلى بني أمية، وهم أعداء علي، فلو ذكرت علياً لترك ذكري، وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت علياً له، ولا أجد له ناصراً من بني أمية، ففخرت عليه ببني أمية، وقلت: إن نقضها علي قتلوه، وإن أمسك عن ذكرهم قتلته غماً وغلبته؛ فكان كما قال، أمسك الكلبي عن جوابه، فغلب عليه، وأفحم الكلبي.
وفي أول هذه القصيدة غناء نسبته.
صوت

ألا يا سلـم يا تـربـي

 

أفي أسماء من تـرب؟

ألا يا سـلـم حــييت

 

سلي عني وعن صحبي

ألا يا سـلـم غـنـينـا

 

وإن هيجتمـا حـبـي

علـى حـــادثة الأيا

 

م لي نصباً من النصب

الغناء لابن سريج ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.

يحاول إطلاق سراح أبان بن الوليد البجلي

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: أخبرني أبو سعيد السكري، عن محمد بن حبيب، عن إبراهيم بن عبد الله الطلحي، قال: قال محمد بن سلمة: كان الكميت مداحاً لأبان بن الوليد البجلي، وكان أبان له محباً وإليه محسناً، فمدح الكميت الحكم بن الصلت، وهو يومئذ يخلف يوسف بن عمر، بقصيدته التي أولها:

طربت وهاجك الشوق الحثيث

فلما أنشده إياها وفرغ، دعا الحكم بخازنه ليعطيه الجائزة، ثم دعا بأبان بن الوليد، فأدخل إليه وهو مكبل بالحديد، فطالبه بالمال، فالتفت الكميت فرآه، فدمعت عيناه، وأقبل على الحكم، فقال: أصلح الله الأمير! اجعل جائزتي لأبان، واحتسب بها له من هذا النجم. فقال له الحكم: قد فعلت، ردوه إلى السجن. فقال له أبان: يا أبا المستهل، ما حل علي شيء بعد. فقال الكميت للحكم: أبي تسخر أصلح الله الأمير! فقال الحكم: كذب، قد حل عليه المال، ولو لم يحل لاحتسبنا له مما يحل.

تعريضه بحوشب بن يزيد الشيباني

فقال له حوشب بن يزيد الشيباني – وكان خليفة الحكم -: أصلح الله الأمير، أتشفع حمار بني أسد في عبد بجيلة؟ فقال له الكميت: لئن قلت ذاك فوالله ما فررنا عن آبائنا حتى قتلوا، ولا نكحنا حلائل آبائنا بعد أن ماتوا – وكان يقال إن حوشباً فر عن أبيه في بعض الحروب، فقتل أبوه ونجا هو، ويقال: إنه وطىء جارية لأبيه بعد وفاته – فسكت حوشب مفحماً خجلاً، فقال له الحكم: ما كان تعرضك للسان الكميت!.
قال: وفي حوشب يقو الشاعر:  

نجى حشاشته وأسلم شيخـه

 

لما رأى وقع الأسنة حوشب

ابنته ريا وفاطمة بنت أبان بن الوليد

قال الطلحي في هذا الخبر: وحدثني إبراهيم بن علي الأسدي قال: التقت ريا بنت الكميت بن زيد، وفاطمة بنت أبان بن الوليد بمكة، وهما حاجتان، فتساءلتا حتى تعارفتا، فدفعت بنت أبان إلى بنت الكميت خلخالي ذهب كانا عليها، فقالت لها بنت الكميت: جزاكم الله خيراً يا آل أبان، فما تتركون بركم بنا قديماً ولا حديثاً! فقالت لها بنت أبان: بل أنتم، فجزاكم الله خيراً؛ فإنا أعطيناكم ما يبيد ويفنى، وأعطيتمونا من المجد والشرف ما يبقى أبداً ولا يبيد، يتناشده الناس في المحافل فيحيي ميت الذكر، ويرفع بقية العقب.

مولده وموته ومبلغ شعره

أخبرني عمي وابن عمار، قالا: حدثنا يعقوب بن نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن زيد الخصاف الطليحي، قال: قال محمد بن سلمة بن أرتبيل: ولد الكميت أيام مقتل الحسين بن علي سنة ستين، ومات في سنة ست وعشرين ومائة، في خلافة مروان بن محمد، وكان مبلغ شعره حين مات خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً.
وقال يعقوب بن إسرائيل في رواية عمي خاصة عنه: حدثت عن المستهل بن الكميت أنه قال: حضرت أبي عند الموت وهو يجود بنفسه، ثم أفاق ففتح عينيه، ثم قال: اللهم آل محمد، اللهم آل محمد، اللهم آل محمد – ثلاثاً – ثم قال لي: يا بني؛ وددت أني لم أكن هجوت نساء بني كلب بهذا البيت:

مع العضروط والعسفاء ألقوا

 

برادعهن غير محصنـينـا

وصيته لابنه في دفنه

فعممتهن قذفاً بالفجور، والله ما خرجت بليل قط إلا خشيت أن أرمى بنجوم السماء لذلك. ثم قال: يا بني؛ إنه بلغني في الروايات أنه يحفر بظهر الكوفة خندق يخرج فيه الموتى من قبورهم وينبشون منها، فيحولون إلى قبور غير قبورهم، فلا تدفني في الظهر، ولكن إذا مت فامض بي إلى موضع يقال له مكران، فادفني فيه. فدفن في ذلك الموضع وكان أول من دفن فيه، وهي مقبرة بني أسد إلى الساعة.
قال المستهل: ومات أبي في خلافة مروان بن محمد سنة ست وعشرين ومائة.
صوت

شعر لعمر بن أبي ربيعة

أستعين الذي بكفيه نفـعـي

 

ورجائي على التي قتلتنـي

ولقد كنت قد عرفت وأبصر

 

ت أموراً لو أنها نفعتـنـي

قلت: إني أهوى شفا ما ألاقي

 

من خطوب تتابعت فدحتنـي

عروضه من السريع ، يقال: إن الشعر لعمر، والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى، عن حماد عن أبيه، وفيه لحن للهذلي. وقيل: بل لحن ابن سريج للهذلي، ذكر ذلك حبش. وقيل: بل هو مما نسب من غناء ابن سريج إلى الهذلي.