ذكر الغريض وأخباره

الثاني

ذكر الغريض وأخباره

اسمه وكنيته وسبب لقبه

الغريض لقبٌ لقب به، لأنه كان طري الوجه نضراً غض الشباب حسن المنظر، فلقب بذلك. والغريض: الطري من كل شيء. وقال ابن الكلبي: شبه بالإغريض وهو الجمار فسمي به، وثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف منه، فقيل له: الغريض: واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يزيد.

وأخبرنا إسماعيل بن يونس الشيعي عن عمر بن شبة عن أبي غسان عن جماعة من المكيين: أنه كان يكنى أبا مروان. وهو مولى العبلات، وكان مولداً من مولدي البربر. وولاؤه وولاء يحيى قيل وسمية للثريا “صاحبة عمر بن أبي ربيعة” وأخواتها: الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، وقد مضت أخبارهن في صدر الكتاب.

أخذه الغناء عن ابن سريج فلما رأى ابن سريج مخايل التفوق فيه حده وطرده

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن نصر الضبعي قال حدثني عبد الكريم بن أبي معاوية العلابي عن هشام بن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى، وأخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن أبي الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، وقد جمعت رواياتهم في قصة الغريض، قالوا: كان الغريض يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب، وكان جميلاً وضيئاً، وكان يصنع نفسه ويبرقها. وكان قبل أن يغني خياطاً. وأخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج، لأنه كان يخدمه. فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه عند الناس ويفوقه بحسن وجهه وجسده؛ فاعتل عليه، وشكاه إلى مولياته، وهن كن دفعنه إليه ليعلمه الغناء، وجعل يتجنى عليه ثم طرده؛ فشكا ذلك إلى مولياته وعرفهن غرض ابن سريج في تنحيته إياه عن نفسه، وأنه حسده على تقدمه؛

تعلم النوح وكان ينوح في المآتم

فقلن له: هل لك في أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغني عليه؟ قال: نعم فافعلن، فأسمعنه المراثي فاحتذاها وخرج غناءً عليها كالمراثي، وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كل من سمعه. ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا. فكان ابن سريج لا يغني صوتاً إلا عارضه الغريض فيه لحناً آخر. فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتد عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج فاشتهاها الناس؛ فقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته؛ قال: نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على أمك وأبيك. قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة قال: لما غضب ابن سريج على الغريض فأقصاه وهجره لحق بحوراء وبغوم – جاريتين نائحتين كانتا في شعب ابن عامر بمكة، ولم يكن قبلهما ولا بعدهما مثلهما – فرأتاه يوماً يعصر عينيه ويبكي؛ فقالتا له: ما لك تبكي؟ فذكر لهما ما صنع به ابن سريج؛ فقالتا له: لا أرقأ الله دمعك! ألزز رأسك بين ما أخذته عنه وبين ما تأخذه منا، فإن ضعت بعدها فأبعدك الله.

عداده في الأربعة المشهورين بالغناء

قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال: رأيت جريراً في مجلس من مجالس قريش فسمعته يقول: كان المغنون بمكة أربعة، فسيد مبرز وتابع مسدد؛ فسألناه عن ذاك، فقال: كان السيد أبو يحيى بن سريج والتابع أبو يزيد الغريض. وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال: كان الغريض أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج، كان الناس لا يفرقون بينه وبين ابن سريج وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما في الغناء. قال الزبيري وقال بعض أهلي: لو حكمت بين أبي يحيى وابي يزيد لما فرقت بينهما، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق، فأما غير ذلك فلا، لأن أبا يزيد عنه أخذ ومن بحره اغترف وفي ميدانه جرى، فكان كأنه هو؛ ولذلك قالت سكينة لما غنى الغريض وابن سريج:

عوجي علينا ربة الهودج

والله ما أفرق بينكما، وما مثلكما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أي ذلك أحسن.

قيل كان أشجى غناء من ابن سريج

قال إسحاق: وسمعت جماعةً من البصراء عند أبي يتذاكرونهما، فأجمعوا على أن الغريض أشجى غناءً، وأن ابن سريج أحكم صنعةً.

غنى الناس بجمع فحسبوه من الجن

قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال حدثني بعض أهلي قال: حججنا فلما كنا بجمع سمعنا صوتاً لم نسمع أحسن منه ولا أشجى، فأصغى الناس كلهم إليه تعجباً من حسنه، فسألت: من هذا الرجل؟ فقيل لي: الغريض، فتتابع جماعةٌ من أهل مكة فقالوا: ما نعرف اليوم أحسن غناءً من الغريض، ويدلك على ذلك أنه يعترض بصوته الحاج وهم في حجهم فيصغون إليه. فسألوا الغريض عن ذلك، فقال: نعم، فسألوه أن يغنيهم فأجابهم، وخرج فوقف حيث لا يرى ويسمع صوته فترنم ورجع صوته وغنى في شعر عمر بن أبي ربيعة:

أيها الرائح المجد ابتـكـارا

 

قد قضى من تهامة الأوطارا

فما سمع السامعون شيئاً كان أحسن من ذلك الصوت، وتكلم الناس فقالوا: طائفةٌ من الجن حجاجٌ.

نسبة هذا الصوت صوت

أيها الرائح المجد ابتـكـارا

 

قد قضى من تهامة الأوطارا

من يكن قلبه الغـداة خـلـيا

 

ففؤادي بالخيف أمسى معارا

ليت ذا الحج كان حتماً علينـا

 

كل شهرين حجةً واعتمـارا

عروضه من الخفيف. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن محرز، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه لحن للغريض من رواية حماد عن أبيه.

غنى هو ومعبد وابن سريج على أبي قبيس فعفا الوالي عنهم بعد الأمر بنفيهم

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن معبداً وابن سريج والغريض اجتمعوا بمكة ذات ليلة فقالوا: هلم نبك أهل مكة، ووجدت هذا الخبر بغير إسناد مروياً عن يونس الكاتب: أن أميراً من أمراء مكة أمر بإخراج المغنين من الحرم، فلما كان في الليلة التي عزم بهم على النفي في غدها اجتمعوا على أبي قبيس – وكان معبد قد زارهم – فبدأ معبد فغنى – كذا روي عن يونس ولم يذكره الباقون:

صوت

أتربي من أعلى معد هديتما

 

أجدا البكا إن التفرق باكر

فما مكثنا دام الجميل عليكما

 

بثهلان إلا أن تزم الأباعر

– عروضه من الطويل. هكذا ذكره ولم ينسبه ولا جنسه – قال: فتأوه أهل مكة وأنوا وتمخطوا. واندفع الغريض يغني:

أيها الرائح المجد ابتـكـارا

 

قد قضى من تهامة الأوطارا

فارتفع البكاء والنحيب. واندفع ابن سريج يغني:

جددي الوصل يا قريب وجودي

 

لمحب فـراقـه قـد ألـمـا

ليس بين الحياة والـمـوت إلا

 

أن يردوا جمالهم فـتـزمـا

فارتفع الصراخ من الدور بالويل والحرب. قال يونس في خبره: واجتمع الناس إلى الأمير فاستعفوه من نفيهم فأعفاهم. وذكر الباقون أن الغريض ابتدأ بلحنه:

أيها الراكب المجد ابتكارا

وتلاه ابن سريج في جددي الوصل. قال: وارتفع الصراخ فلم يسمع من معبد شيء ولم يقدر على أن يغني.

غنت شطباء المغنية علي بن جعفر فطرب

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال: حضرت شطباء المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم تغني:

ليس بين الرحيل والبين إلا

 

أن يردوا جمالهم فتزمـا

فطرب علي بن جعفر وصاح: سبحان الله العظيم! ألا يوكون قربة! ألا يشدون محملاً! ألا يعلقون سفرة! ألا يسلمون على جار! هذه والله العجلة.

لما ماتت الثريا ناح عليها الغريض

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن يحيى قال زعم عبيد بن يعلى قال: قال لي كثير بن كثير السهمي: لما ماتت الثريا أتاني الغريض فقال لي: قل لي شعراً أبك به عليها؛ فقلت:

صوت

ألا يا عين ما لك تدمعينـا

 

أمن رمدٍ بكيت فتكحلينـا

أم أنت مريضة تبكين شجواً

 

فشجوك مثله أبكى العيونا

فناح به عليها. قال: وأخبرني من رآه بين عمودي سريرها ينوح به. الغناء للغريض في هذين البيتين خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكي. وفيه ثقيلٌ أول مجهول.

تحاكم هو وابن سريج إلى سكينة بنت الحسين فساوت بينهما

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن سلام وأخبرنا وكيع قال: حدثنا محمد بن إسماعيل عن محمد بن سلام عن جرير، ورواه حماد عن أبيه عن ابن سلام عن جرير أيضاً: أن سكينة بنت الحسين حجت فدخل إليها ابن سريج والغريض وقد استعار ابن سريج حلة لامرأة من قريش فلبسها؛ فقال لها ابن سريج: يا سيدتي، إني كنت صنعت صوتاً وحسنته وتنوقت فيه، وخبأته لك في حريرةٍ في درجٍ مملوءٍ مسكاً فنازعنيه هذا الفاسق – يعني الغريض – فأردنا أن نتحاكم إليك فيه. فأينا قدمته فيه تقدم؛ قالت: هاته، فغناها:

عوجي علينا ربة الهودج

 

إنك إلا تفعلي تحرجي

فقالت: هاته أنت يا غريض؛ فغناها إياها؛ فقالت لابن سريج: أعده، فأعاده، وقالت: يا غريض، أعده، فأعاده؛ فقالت: ما أشبهكما إلا بالجديين: الحار والبارد لا يدرى أيهما أطيب. وقال إسحاق في خبره: ما أشبهكما إلا باللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أيهما أحسن.

نسبة هذا الصوت صوت

عوجي علينا ربة الـهـودج

 

إنك إلا تفعلي تـحـرجـي

إني أتيحـت لـي يمـانـيةٌ

 

إحدى بني الحارث من مذحج

نلبث حولاً كـامـلاً كـلـه

 

لا نلتقي إلا على مـنـهـج

في الحج إن حجت وماذا مني

 

وأهله إن هي لم تـحـجـج

أيسر ما نال مـحـب لـدى

 

بين حبـيبٍ قـولـه عـرج

عروضه من السريع. والشعر للعرجي. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه للغريض ثقيل أول بالوسطى عن حبس. ولإسحاق في الأول والثالث ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وللأبجر فيه ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن ابن المكي. ولعلوية خفيف ثقيلٍ عن الهشامي. ولحكم خفيف رملٍ عنه أيضاً.

غنى عطاء بشعر العرجي فرده عليه

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن بشر قال حدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن عبد الوهاب بن مجاهد أو غيره قال: كنت مع عطاء بن ابي رباح فجاءه رجل فأنشده قول العرجي:

إني أتيحت لي يمانيةٌ

وذكر الأبيات وختمها بقوله:

في الحج إن حجت وماذا منى

 

وأهله إن هي لم تحـجـج

قال فقال عطاء: بمنى والله وأهله خيرٌ كثيرٌ إذ غيبها الله وإياه عن مشاعره.

قصة الأوقص المخزومي مع سكران يغني

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: ولي قضاء مكة الأوقص المخزومي فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله، فإنه لنائم ليلة في جناح له إذ مر به سكران يتغنى:

عوجي علينا ربة الهودج

فأشرف عليه فقال: يا هذا شربت حراماً! وأيقظت نياماً! وغنيت خطأ! خذه عني! فأصلحه له وانصرف.

عطاء بن رباح والأبجر المغني

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق عن حمزة بن عتبة اللهبي قال: مر الأبجر بعطاء وهو سكران فعذله وقال: شهرت نفسك بالغناء واطرحتها وأنت ذو مروءة، فقال: امرأته طالقٌ ثلاثاً إن برحت أو أغنيك صوتاً، فإن قلت لي: هو قبيحٌ تركته؛ فقال له عطاء: هات ويحك! فقد أضررت بي، فغناه:

في الحج إن حجت وماذا مني

 

وأهله إن هي لم تحـجـج

فقال له عطاء: الخير والله كله هناك حجت أو لم تحج، فاذهب الآن راشداً فقد برت يمينك.

ابن أبي عتيق والغريض

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني المغيرة بن محمد قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال حدثني بعض المدنيين قال: خرج ابن أبي عتيق على نجيبٍ له من المدينة قد أوقره من طرف المدينة المشارب وغير ذلك، فلقي فتىً من بني مخزوم مقبلاً من بعض ضياعه، فقال: يابن أخي، أتصحبني؟ قال: نعم؛ قال المخزومي: فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جنبنا عنها حتى جزناها فصرنا إلى قصرٍ، فاستأذن ابن أبي عتيق فأذن له، فدخلنا فإذا رجل جالسٌ كأنه عجوزٌ بربرية مختضبة، لا أشك في ذلك، وإذا هو الغريض وقد كبر، فقال له ابن أبي عتيق: تشوقنا إليك، وأهدى له ما كان معه، ثم قال له: نحب أن نسمع؛ قال: أدع فلانة – جاريةً له – فجاءت فغنت، فقال: ما صنعت شيئاً، ثم حل خضابه وغنى:

عوجى علينا ربة الهودج

فما سمعت أحسن منه قط، فأقمنا عنده أياماً كثيرة وخبازه وطعامه كثير.

ثم قال له ابن أبي عتيق: إني أريد الشخوص، فلم يبق بمكة تحفة عدني ولا يمانٍ ولا عودٌ إلا أوقر به راحلته. فلما ارتحلنا وبرزنا صاح به الغريض: هيا هيا، فرجعنا إليه؛ فقال: ألم ترووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفاً على صورة القمر ليلة البدر”! فقال له ابن أبي عتيق: بلى، فقال: هذه سن لي انتزعت فأحب أن تدفنها بالبقيع، فخرجنا والله أخسر اثنين لم نعتمر ولم ندخل مكة، حاملين سن الغريض حتى دفناها بالبقيع.

غنى بعض أهل المدينة فطربوا لغنائه

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن بعض أهل المدينة قال: خرج الغريض مع قوم فغناهم هذا الصوت:

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قتلي

فاشتد سرور القوم، وكان معهم غلام أعجبه، فطلب إليهم أن يكلموا الغلام في الخلوة معه ساعةً ففعلوا، فانطلق مع الغلام حتى توارى بصخرة، فلما قضى حاجته أقبل الغلام إلى القوم، وأقبل الغريض يتناول حجراً حجراً يقرع به الصخرة، ففعل ذلك مراراً، فقالوا له: ما هذا يا غريض؟ قال: كأني بها قد جاءت يوم القيامة رافعةً ذيلها تشهد علينا بما كان منا إلى جانبها، فأردت أن أجرح شهادتها علي ذلك اليوم.

نسبة هذا الصوت صوت

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينـهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي

فقالت وأرخت جانب الستر إنمـا

 

معي فتحدث غير ذي رقبةٍ أهلي

فقلت لها ما بي لهم منه ترقـبٍ

 

ولكن سري ليس يحمله مثـلـي

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رملٌ بإطلاق الوتر مجرى البنصر عن إسحاق في الثلاثة الأبيات. وذكر يونس أن فيه لحناً لمالك، وفيه للغريض خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن حبشٍ والهشامي وعلي بن يحيى وحماد بن إسحاق. ولمعبد فيه ثقيل أول بالبنصر عن حبش. ولابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عنه.

كان عمر وجميل يتعارضان في الشعر

حدثني علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن المسيبي والمدائني وابن سلام: أن عمر بن أبي ربيعة كان يعارض جميلاً، إذا قال هذا قصيدةً قال هذا مثلها، فيقال: إن عمر في الرائية والعينية أشعر من جميل، وإن جميلاً أشعر منه في اللامية. وقال الزبير فيما أخبرني به الحرمي بن أبي العلاء عنه: من الناس من يفضل قصيدة جميل اللامية على قصيدة عمر، وأنا لا أقول هذا، لأن قصيدة جميل مختلفة غير مؤتلفة، فيها طوالع النجد وخوالد المهد، وقصيدة عمر بن أبي ربيعة ملساء المتون، مستوية الأبيات، آخذٌ بعضها بأذناب بعض، ولو أن جميلاً خاطب في قصيدته مخاطبة عمر لأرتج عليه وعثر كلامه به.
أخبرني الحريم قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني شيخ من أهلي عن أبي الحارث بن نابتة مولى هشام بن الوليد المخزومي وهو الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طـائرٌ

 

فاستمع قول رشيدٍ مؤتمن

قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميلاً بالأبطح، فأنشد جميلٌ قصيدته التي يقول فيها:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي

 

بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

ثم قال: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الوزن شيئاً؟ قال: نعم؛ فأنشده قوله:

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينها

فقال جميلٌ: هيهات يا أبا الخطاب، والله لا أقول مثل هذا سجيس الليالي، والله ما خاطب النساء مخاطبتك أحدٌ! وقام مشمراً.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: رأيت علماءنا جميعاً لا يشكون في أن أحسن ما يروى في تعظيم السر قول عمر:

ولكن سري ليس يحمله مثلي

قال الزبير: وحدثني محمد بن إسماعيل قال حدثني ابن أبي الزناد قال: إنما اجتمع عمر بن أبي ربيعة وجميل بالجناب.

سمع الفرزدق شعر ابن أبي ربيعة فمدحه

أخبرني محمد بن أحمد الطلاس قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني: أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة، فلما بلغ إلى قوله:

فقمن وقد أفهمن ذا اللـب أنـمـا

 

فعلن الذي يفعلن من ذاك من أجلي

صاح الفرزدق وقال: هذا والله الشعر الذي أرادته الشعراء فأخطأته وبكت الديار.
نسبة ما في قصيدة عمر وسائر هذه الأخبار من الأغاني سوى قصيدة جميل فإن لها أخباراً تذكر مع أخباره فمن ذلك قصيدة عمر التي أولها:

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينها

صوت

قفي البغلة الشهباء بالله سلـمـي

 

عزيزة ذات الدل والخلق الجزل

فلما تواقفنا عرفت الـذي بـهـا

 

كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

فقلن لها هذا عشـاءٌ وأهـلـنـا

 

قريبٌ ألما تسأمي مركب البغـل

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد في الأول والثاني ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة وعلي بن يحيى، وقيل إنه لمالك. ولابن محرز في الثاني والثالث خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي. ولابن سريج في الأول ثقيل والثاني خفيف آخر بالوسطى وهو الذي فيه استهلال. ولمالك في الثاني والثالث ثاني ثقيل بالبنصر. ولإبراهيم فيهما خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن ابن المكي.

صوت

يا أبا الحارث قلبي طـائرٌ

 

فاستمع قول رشيدٍ مؤتمن

ليس حب فوق ما أحببتكـم

 

غير أن أقتل نفسي أو أجن

حسن الوجه نقـي لـونـه

 

طيب النشر لذيذ المحتضن

عروضه من الرمل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه لابن عائشة: وذكر ابن المكي أنه للغريض في الثاني والثالث، وفيهما رملٌ يقال إنه لأهل مكة، ويقال: إنه لعبد الله بن يونس صاحب أيلة. وفيه ثقيلٌ أول ذكر حبشٌ أنه لابن سريج، وذكر غيره أنه لمحمد ابن السندي المكي، وأنه غناه بحضرة إسحاق فأخذه عنه.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمربن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: كان ابن عائشة يغني الهزج والخفيف؛ فقيل له: إنك لا تستطيع أن تغني غناءً شجياً ثقيلاً؛ فغنى:

يا أبا الحارث قلبي طائرٌ

رجع الحديث إلى أخبار الغريض

قيل إنه كان يتلقى غناءه عن الجن أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال: حدثني بعض مولياتي وقد ذكرن الغريض فترحمن عليه وقلن: جاءنا يوماً يحدثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفنا بعد ذلك حقيقته، وكان من أحسن الناس وجهاً صغيراً وكبيراً، وكنا نلقى من الناس عنتاً بسببه، وكان ابن سريج في جوارنا فدفعناه إليه فلقن الغناء، وكان من احسن الناس صوتاً ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته، فلما رأى ذلك ابن سريج نحاه عنه، وكانت بعض مولياته تعلمه النياحة فبرز فيها، فجاءني يوماً فقال: نهتني الجن أن أنوح وأسمعتني صوتاً عجيباً فقد ابتنيت عليه لحناً فاسمعيه مني، واندفع فغنى بصوت عجيب في شعر المرار الأسدي.

حلفت لها بالله ما بين ذي الغضـا

 

وهضب القنان من عيان ولا بكر

أحب إلينا منـك دلاً ومـا نـرى

 

به عند ليلى من ثوابٍ ولا أجـر

فكذبناه وقلنا: شيء فكر فيه وأخرجه على هذا اللحن، فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتاً من الجن بترجيع وتقطيع قد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه؛ فإنا لكذلك ليلةً وقد اجتمع جماعةٌ من نساء مكة في جمع لنا سهرنا فيه ليلتنا والغريض يغنينا بشعر عمر بن أبي ربيعة:

أمن آل زينب جد البكور

 

نعم فلأي هواها تصير

إذ سمعنا في بعض الليل عزيفاً عجيباً وأصواتاً مختلفةً ذعرتنا وأفزعتنا، فقال لنا الغريض: إن في هذه الأصوات صوتاً إذا نمت سمعته، وأصبح فأبني عليه غنائي، فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها فصدقناه تلك الليلة.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

حلفت لها……………. البيتان

عروضه من الطويل. غناه الغريض ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى عن حبشٍ. قال: ولعلويه فيه ثقيل أول آخر بالبنصر ومنها:

صوت

أمن آل زينب جد البكـور

 

نعم فلأي هواها تصـير

أبالغور أم أنجدت دارهـا

 

وكانت حديثاً بعهدي تغور

نظرت بخيف منىً نظـرةً

 

إليها فكاد فـؤادي يطـير

هي الشمس تسري بها بغلةٌ

 

وما خلت شمساً بليلٍ تسير

ألم تر أنك مسـتـشـرفٌ

 

وأن عدوك حولي حضور

عروضه من المتقارب. الشعر للنميري، وقيل: إنه ليزيد بن معاوية. والغناء لسياط خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج فيه خفيف ثقيلٍ بالوسطى، أوله:

هي الشمس تسري بها بغلةٌ

وفيه للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وحماد، وذكر غيرهما أنه لابن جامع. وذكر حبشٌ أن فيها لابن محرز ثقيلاً أول بالبنصر.

أرسله ابن أبي ربيعة إلى سكينة فغناها ونسوة معها بشعره

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال قال أبو عبد الله مصعب الزبيري: اجتمع نسوةٌ فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه وتشوقن إليه وتمنينه؛ فقالت سكينة: أنا لكن به، فبعثت إليه رسولاً ووعدته الصورين لليلةٍ سمتها، فوافاها على رواحله ومعه الغريض، فحدثهن حتى وافى الفجر وحان انصرافهن، فقال لهن: إني والله لمشتاقٌ إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئاً، ثم انصرف إلى مكة وقال:

ألمم بزينب إن البين قـد أفـدا

 

قل الثواء لئن كان الرحيل غدا

قال: وانصرف عمر بالغريض معه، فلما كان بمكة قال عمر: يا غريض، إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه ويبقى لك ذكره، فهل لك فيه؟ قال: افعل من ذلك ما شئت وما أنت أهله، قال: إني قد قلت في هذه الليلة التي كنا فيها شعراً فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك فيه قاصداً؛ قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي، إن أبا الخطاب – أبقاه الله – وجهني إليك قاصداً، فقالت: أو ليس في خيرٍ وسرور تركته؟ قال: نعم؛ قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب حفظه الله؟ قال: جعلت فداك، إن ابن أبي ربيعة حملني شعراً وأمرني أن أنشدك إياه؛ قالت: فهاته، قال فأنشدها:

ألمم بزينب إن البين قـد أفـدا

 

قل الثواء لئن كان الرحيل غدا

الشعر كله، قالت: فيا ويحه! فما كان عليه ألا يرحل في غده! فوجهت إلى النسوة فجمعتهن وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئاً؟ قال: قد غنيته ابن أبي ربيعة؛ قالت: فهاته، فغناه الغريض؛ فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة، لولا أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك، يا بنانة، أعطيه بكل بيت ألف درهم، فأخرجت إليه بنانة أربعة آلاف درهم فدفعتها إليه وقالت سكينة: لو زادنا عمر لزدناك.

نسبة هذا الغناء صوت

ألمم بزينب إن البـين قـد أفـدا

 

قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا

قد حلفت ليلة الصورين جاهـدةً

 

وما على الحر إلا الصبر مجتهدا

لأختها ولأخرى من مناصفـهـا

 

لقد وجدت به فوق الذي وجـدا

لعمرها ما أراني إن نوى نزحت

 

وهكذا الحب إلا ميتـاً كـمـدا

عروضه من البسيط. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج، وله فيه لحنان: أحدهما رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر خفيف رملٍ بالوسطى عن عمرو. وفيه لحنٌ للغريض خفيف ثقيلٍ بالبنصر عن الهشامي وحماد، وذكر عمرو: أنه لمالك، أوله الرابع ثم الأول، ومن الناس من ينسب هذا إلى معبد، وأوله:

يا أم طلحة إن البين قد أفدا

وذلك خطأ، اللحن الذي عمله معبد غير هذا هو:

صوت

يا أم طلحة إن البـين قـد أفـدا

 

قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا

أمسى العراقي لا يدري إذا برزت

 

من ذا تطوف بالأركان أو سجدا

عروضه من البسيط. الشعر للأحوص، ويقال: إنه لعمر أيضاً. والغناء لمعبد، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن عمرو والهشامي.

غنى عائشة بنت طلحة فأجزلت صلته

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام قال: حجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله فجاءتها الثريا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض فيمن جاء، فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيئها، فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت لها به عائشة والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف؛ فقال الغريض: فأين نصيبي من عائشة؟ فقلن له: أغفلناك وذهبت عن قلوبنا؛ فقال: ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمةٌ بنت كرام، واندفع يغني بشعر جميل:

تذكرت ليلى فالفؤاد عمـيد

 

وشطت نواها فالمزار بعيد

فقالت: ويلكم! هذا مولى الصلات بالباب يذكر بنفسه هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت وقالت: لم أعلم بمكانك، ثم دعت له بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن أنت غنيتني صوتاً في نفسي فلك كذا وكذا “شيءٌ سمته له ذهب عن ابن سلام” قال: فغناها في شعر كثير:

ومازلت من ليلى لدن طر شارب

 

إلى اليوم أخفي حبهـا وأداجـن

وأحمل في ليلى لقومٍ ضـغـينةً

 

وتحمل في ليلى علي الضغـائن

فقالت له: ما عدوت ما في نفسي، ووصلته فأجزلت. قال إسحاق: فقلت لأبي عبد الله: وهل علمت حديث هذين البيتين؟ ولم سالت الغريض ذلك؟ قال: نعم.

الشعبي عند مصعب وزوجه عائشة حدثني أبي قال قال الشعبي: دخلت المسجد فإذا أنا بمصعب بن الزبير على سرير جالسٌ والناس عنده، فسلمت ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال: إذا قمت فاتبعني، فجلس قليلاً ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته، فلما طعن في الدارالتفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه ومضى نحو حجرته وتبعته، فالتفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه، فإذا حجلة، وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير، فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف، فإذا جارية قد خرجت فقالت: يا شعبي، إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة، فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة، قال: فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما: مصعب وعائشة، فقال مصعب: يا شعبي، هل تعرف هذه؟ فقلت: نعم أصلح الله الأمير، قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة؛ قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيها الشاعر:

وما زلت من ليلى لدن طر شاربي

وذكر البيتين. ثم قال: إذا شئت فقم، فقمت. فلما كان العشي رحت وإذا هو جالس على سريره في المسجد فسلمت، فلما رآني قال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، فأصغى إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك لإنسانٍ قط؟ قلت: لا والله؛ قال: أفتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت. ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوباً، فما انصرف يومئذٍ أحدٌ بمثل ما انصرفت به، بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة القصار ثياباً وبنظرةٍ من عائشة بنت طلحة.

عائشة بنت طلحة وأزواجها

قال: وكانت عائشة عند عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبا عذرتها ثم هلك، فتزوجها مصعب فقتل عنها، ثم تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر فبنى بالحيرة، ومهدت له يوم عرسه فرش لم ير مثلها: سبع أذرع في عرض أربع، فانصرف تلك الليلة عن سبع مرات؛ فلقيته مولاة لها حين أصبح فقالت: يا أبا حفص، كملت في كل شيء حتى في هذا. فلما مات ناحت عليه وهي قائمةٌ، ولم تنح على أحد منهم قائمةً – وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده – فقيل لها: يا عائشة، ما صنعت هذا بأحد من أزواجك! قالت: إنه كان فيه خلال ثلاث لم تكن في أحد منهم: كان سيد بني تيم، وكان أقرب القوم بي قرابة، وأردت ألا أتزوج بعده!!.

وأخبرني بخبر مصعب والشعبي وعائشة أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال أخبرنا محمد بن الحكم عن عوانة قال: خرج مصعب بن الزبير من دار الإمارة يريد دار موسى بن طلحة، فمر بالمسجد فأخذ بيد الشعبي. ثم ذكر باقي الحديث مثله، ولم يذكر شيئاً من حديث المغنين. قال ابن عمار: وأخبرني به داود بن جميل بن محمد بن جميل الكاتب عن ابن الأعرابي: قال ابن عمار وأخبرني به أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني أن الشعبي قال: دخلت المسجد وفيه مصعب بن الزبير فاستدناني فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، فأصغى إلي وقال: إذا قمت فاتبعني. ثم ذكر باقي الحديث أيضاً مثل الذي تقدمه.

نسبة هذا الصوت صوت

وما زلت من ليلى لدن طر شاربي

 

إلى اليوم أخفي حبهـا وأداجـن

وأحمل في ليلى ضغائن معـشـرٍ

 

وتحمل في ليلى علي الضغـائن

عروضه من الطويل. والشعر لكثير بن عبد الرحمن. والغناء لمعبد ثقيل أول بالبنصر عن حبش. وفيه لحن للغريض.

كان اذا غنى بشعر لكثير قال أنا سريجي

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان الغريض إذا غنى بيتين لكثير قال: أنا السريجي حقاً، ولم يكن يقول ذلك في شيء من غنائه وكان من جيد غنائه.

قدم يزيد مكة فغناه الغريض

وقدم يزيد بن عبد الملك مكة فبعث إلى الغريض سراً فأتاه فغناه بهذا اللحن وهو فيهما:

وإني لأرعى قومها من جـلالـهـا

 

وإن أظهروا غشا نصحت لهم جهدي

ولو حاربوا قومي لكنت لقـومـهـا

 

صديقاً ولم أحمل على قومها حقدي

فأشير إلى الغريض أن اسكت؛ وفطن يزيد فقال: دعوا أبا يزيد حتى يغنيني بما يريد، فأعاد عليه الصوت مراراً، ثم قال: زدني مما عندك فغناه بشعر عمرو بن شأس الأسدي:

فواندمي على الشبـاب ووانـدم

 

ندمت وبان اليوم مني بغير ذم

أردت عراراً بالهوان ومن يرد

 

عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم

قال: فطرب يزيد وأمر له بجائزة سنية. قال إسحاق: فحدثت أبا عبد الله هذا الحديث. وقد أخذنا في أحاديث الخلفاء ومن كان منهم يسمع الغناء أيضاً، فقال أبو عبد الله: كان قدوم يزيد مكة وبعثته إلى الغريض سراً قبل أن يستخلف، فقلت له: فلم أشير إلى الغريض أن يسكت حين غناه بشعر كثير:

وإني لأرعى قومها من جلالها

وما السبب في ذلك؟ فقال أبو عبد الله: أنا أحدثكه:

غضب عاتكة على زوجها عبد الملك بن مروان احتيال عمر بن بلال على الصلح بينهما

حدثني أبي قال: كان عبد الملك بن مروان من أشد الناس حباً لعاتكة امرأته، وهي ابنة يزيد بن معاوية وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وهي أم يزيد بن عبد الملك، فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فحجبته وأغلقت ذلك الباب، فشق غضبها على عبد الملك وشكا إلى رجل من خاصته يقال له: عمر بن بلال الأسدي، فقال له: ما لي عندك إن رضيت؟ قال: حكمك. فأتى عمر بابها وجعل يتباكى، وأرسل إليها بالسلام، فخرجت إليه حاضنتها ومواليها وجواريها فقلن: ما لك؟ قال: فزعت إلى عاتكة ورجوتها، فقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده، قلن: ومالك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما فقتل أحدهما صاحبه، فقال أمير المؤمنين: أنا قاتلٌ الآخر به، فقلت: أنا الولي وقد عفوت؛ قال: لا أعود الناس هذه العادة، فرجوت أن ينجي الله ابني هذا على يدها؛ فدخلن عليها فذكرن ذلك لها؛ فقالت: وكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له؟ قلن إذاً والله يقتل، فلم يزلن حتى دعت بثيابها فأجمرتها ثم خرجت نحو الباب، فأقبل حديج الخصي قال أمير المؤمنين: هذه عاتكة قد أقبلت؛ قال: ويلك! ما تقول؟ قال: قد والله طلعت! فأقبلت وسلمت فلم يرد عليها، فقالت: أما والله لولا عمر ما جئت، إن أحد ابنيه تعدى على الآخر فقتله فأردت قتل الآخر وهو الولي وقد عفا؛ قال: إني أكره أن أعود الناس هذه العادة؛ قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية ومن أمير المؤمنين يزيد، وهو ببابي؛ فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها؛ فقال: هو لك، ولم يبرحا حتى اصطلحا؛ ثم راح عمر بن بلال إلى عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، كيف رأيت؟ قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك؛ قال: مزرعة بعدتها وما فيها، وألف دينار وفرائض لولدي وأهل بيتي وعيالي؛ قال: ذلك لك. ثم اندفع عبد الملك يتمثل بشعر كثير:

وإني لأرعى قومها من جلالها

البيتين؛ فعلمت عاتكة ما أراد. فلما غني يزيد بهذا الشعر كرهته مواليه إذ كان عبد الملك تمثل به في أمه، ولم يكرهه يزيد وقال: لو قيل هذا الشعر فيها ثم غني به لما كان عيباً، فكيف وإنما هو مثلٌ تمثل به أمير المؤمنين في أجمل العالمين!

رأس ابن الأشعث و عبد الملك

قال أبو عبد الله: وأما خبره فلما غنى بشعر عمرو بن شأس فإن ابن الأشعث لما قتل بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شأس، فلما ورد به وأوصل كتاب الحجاج جعل عبد الملك يقرؤه، فكلما شك في شيء سأل عراراً عنه فأخبره، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته من سواده، فقال متمثلاً:

وإن عراراً إن لم يكن غير واضح

 

فإني أحب الجون ذا المنكب العمم

فضحك عرار من قوله ضحكاً غاظ عبد الملك؛ فقال له: مم ضحكت ويلك! قال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر؟ قال: لا؛ قال: فأنا والله هو؛ فضحك عبد الملك وقال: حظ وافق كلمة، ثم أحسن جائزته وسرحه.
قال أبو عبد الله: وإنما أراد الغريض أن يغني يزيد بمتمثلات عبد الملك في الأمور العظام، فلما تبين كراهة مواليه غناءه فيما تمثل به في عاتكة أراد أن يعقبه ما تمثل به في فتح عظيم كان لعبد الملك، فغناه بشعر عمرو بن شأس في عرار.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

وإني لأرعى قومها من جـلالـهـا

 

وإن أظهروا غشاً نصحت لهم جهدي

ولو حاربوا قومي لكنت لقـومـهـا

 

صديقاً ولم أحمل على قومها حقدي

عروضه من الطويل. الشعر لكثير. والغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبشٌ أن فيه لقفاً النجار ثاني ثقيلٍ بالوسطى، وفيه لعلويه ثقيل أول.

خرج إليه معبد بمكة وسمع غناءه

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني إبراهيم عن يونس الكاتب قال حدثني معبد قال: خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض وقد بلغني حسن غنائه في لحنه:

وما أنس الأشياء لا أنس شادناً

 

بمكة مكحولاً أسيلا مدامعه

وقد كان بلغني أنه أول لحن صنعه وأن الجن نهته أن يغنيه لأنه فتن طائفةً منهم، فانتقلوا عن مكة من أجل حسنه، فلما قدمت مكة سألت عنه فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب فما كلمني أحد، فسألت بعض الجيران فقلت: هل في الدار أحدٌ؟ قالوا لي: نعم، فيها الغريض، فقلت: إني قد أكثرت دق الباب، فما أجابني أحدٌ! قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب فلم يجبني أحد، فقلت: إن نفعني غنائي يوماً نفعني اليوم، فاندفعت فغنيت لحني في شعر جميل:

علقت الهوى منها وليداً فلم يزل

 

إلـى الـيوم ينـمــي ويزيد

فوالله ماسمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري وضاع سفري وجئت أطلب ما هو عسيرٌ علي، واحتقرت نفسي وقلت: لم يتوهمني لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح: يا معبد المغني، افهم وتلق عني شعر جميل الذي تغني فيه يا شقي البخت، وغنى:

للغريض ولم تذكر طريقته صوت

وما أنس من الأشياء لا أنس قولها

 

وقد قربت نضوي أمصر تـريد

ولا قولها لولا العيون التي تـرى

 

أتيتك فاعذرني فـدتـك جـدود

خليلي ما أخفي من الوجد باطـن

 

ودمعي بما قلت الغداة شـهـيد

يقولون جاهد يا جميل بـغـزوة

 

وأي جـهـادٍ غـيرهـن أريد

لكل حديثٍ عنـدهـن بـشـاشةٌ

 

وكل قتيلٍ بـينـهـن شـهـيد

عروضه من الطويل. قال: فلقد سمعت شيئاً لم أسمع أحسن منه، وقصر إلي نفسي وعلمت فضيلته علي بما أحس من نفسه، وقلت: إنه لحري بالاستتار من الناس تنزيهاً لنفسه وتعظيماً لقدره، وإن مثله لا يستحق الابتذال، ولا أن تتداوله الرجال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعاً، فلما كنت غير بعيد إذا بصائح يصيح بي: يا معبد، انتظر أكلمك، فرجعت، فقال لي: إن الغريض يدعوك؛ فأسرعت فرحاً فدنوت من الباب؛ فقال لي: أتحب الدخول؟ فقلت: وهل إلى ذلك من سبيل؟ فقرع الباب ففتح، فقال لي: ادخل ولا تطل الجلوس؛ فدخلت فإذا شمس طالعةٌ في بيت، فسلمت فرد السلام، ثم قال: اجلس فجلست، فإذا أنبل الناس وأحسنهم وجهاً وخلقاً وخلقاً، فقال: يا معبد، كيف طرأت إلى مكة؟ فقلت: جعلت فداءك! وكيف عرفتني؟ فقال: بصوتك؛ فقلت: وكيف وأنت لم تسمعه قط! قال: لما غنيت عرفتك به وقلت: إن كان معبدٌ في الدنيا فهذا؛ فقلت: جعلت فداءك، فكيف أجبتني بقولك:

وما أنس م الأشياء لا أنس قولها

 

وقد قربت نضوي أمصر تريد

فقال: قد علمت أنك تريد أن أسمعك صوتي:

وما أنس م الأشياء لا أنس شادناً

 

بمكة مكحولاً أسيلاً مدامعـه

ولم يكن إلى ذلك سبيلٌ لأنه صوتٌ قد نهيت أن أغنيه فغنيتك هذا الصوت جواباً لما سألت وغنيت، فقلت: والله ما عدوت وما أردت، فهل لك حاجةٌ؟ فقال لي: يا أبا عباد، لولا ملالة الحديث وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك، فاعذر؛ فخرجت من عنده، وإنه لأجل الناس عندي، ورجعت إلى المدينة فتحدثت بحديثه وعجبت من فطنته وقيافته، فما رأيت إنساناً إلا وهو أجل منه في عيني.

خبر جميل وبثينة وتوسيطه رجلاً من بني حنظلة في لقائها

وذكرت جميلاً وبثينة فقلت: ليتني عرفت إنساناً يحدثني بقصة جميل وخبر الشعر فأكون قد أخذت بفضيلة الأمر كله في الغناء والشعر. فسألت عن ذلك فإذا الحديث مشهورٌ، وقيل لي: إن أردت أن تخبر بمشاهدته فأت بني حنظلة، فإن فيهم شيخاً منهم يقال له فلان يخبرك الخبر؛ فأتيت الشيخ فسألته فقال: نعم، بينا أنا في إبلي في الربيع إذا أنا برجل منطوٍ على رحله كأنه جانٌ فسلم علي ثم قال: ممن أنت يا عبد الله؟ فقلت: أحد بني حنظلة؛ قال: فانتسب، فانتسبت حتى بلغت إلى فخذي الذي أنا منه؛ ثم سألني عن بني عذرة أين نزلوا؛ فقلت له: هل ترى ذلك السفح؟ فإنهم نزلوا من ورائه؛ قال: يا أخا بني حنظلة، هل لك في خير تصطنعه إلي؟ فوالله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق من هذه الإبل ما كنت بأشكر مني لك عليه؛ فقلت نعم، ومن أنت أولاً؟ قال: لا تسألني من أنا ولا أخبرك غير أني رجلٌ بيني وبني هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم فإنك تجد القوم في مجلسهم فتنشدهم بكرةً أدماء تجر خفيها غفلاً من السمة، فإن ذكروا لك شيئاً فذاك، وإلا استأذنتهم في البيوت وقلت: إن المرأة والصبي قد يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم ولا تدع أحداً تصيبه عينك ولا بيتاً من بيوتهم إلا نشدتها فيه؛ فأتيت القوم فإذا هم على جزور يقتسمونها، فسلمت وانتسبت لهم ونشدتهم ضالتي، فلم يذكروا لي شيئاً؛ فاستأذنتهم في البيوت وقلت: إن الصبي والمرأة يريان ما لا ترى الرجال، فأذنوا؛ فأتيت أقصاها بيتاً ثم استقريتها بيتاً بيتاً أنشدهم فلا يذكرون شيئاً، حتى إذا انتصف النهار وآذاني حر الشمس وعطشت وفرغت من البيوت وذهبت لأنصرف حانت مني التفاتةٌ فإذا بثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم قلت لنفسي: سوءةً! وثق بي رجلٌ وزعم أن حاجته تعدل مالي ثم آتيه فأقول: عجزت عن ثلاثة أبيات! فانصرفت عامداً إلى أعظمها بيتاً، فإذا هو قد أرخي مؤخرة ومقدمه، فسلمت فرد علي السلام، وذكرت ضالتي، فقالت جارية منهم: يا عبد الله، قد أصبت ضالتك وما أظنك إلا قد اشتد عليك الحر واشتهيت الشراب، قلت: أجل، قالت: ادخل، فدخلت فأتتني بصحفة فيها تمرٌ من تمر هجر، وقدحٍ فيه لبنٌ، والصحفة مصرية مفضضةٌ والقدح مفضض لم أر إناءً قط أحسن منه، فقالت: دونك فتجمعت وشربت من اللبن حتى رويت، ثم قلت: يا أمة الله، والله ما أتيت اليوم أكرم منك ولا أحق بالفضل، فهل ذكرت من ضالتي شيئاً؟ فقالت: هل ترى هذه الشجرة فوق الشرف؟ قلت: نعم؛ قالت: فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها ثم حال الليل بيني وبينها؛ فقمت وجزيتها الخير وقلت: والله لقد تغذيت ورويت! فخرجت حتى أتيت الشجرة فأطفت بها فوالله ما رأيت من أثرٍ، فأتيت صاحبي فإذا هو متشحٌ في الإبل بكسائه ورافعٌ عقيرته يغني، قلت: السلام عليك؛ قال: وعليك السلام ما وراءك؟ قلت؛ ما ورائي من شيء؛ قال: لا عليك! فأخبرني بما فعلت، فاقتصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة وأخبرته بالذي صنعت؛ فقال: قد أصبت طلبتك؛ فعجبت من قوله وأنا لم أجد شيئاً، ثم سألني عن صفة الإناءين: الصحفة والقدح فوصفتهما له، فتنفس الصعداء وقال: قد أصبت طلبتك ويحك! ثم ذكرت له الشجرة وأنها رأتها تطيف بها؛ فقال: حسبك! فمكث حتى إذا أوت إبلي إلى مباركها دعوته إلى العشاء فلم يدن منه، وجلس مني بمزجر الكلب، فلما ظن أني قد نمت رمقته فقام إلى عيبة له فاستخرج منها بردين فأتزر بأحدهما وتردى بالآخر، ثم انطلق عامداً نحو الشرجة. واستبطنت الوادي فجعلت أخفي نفسي حتى إذا خفت أن يراني انبطحت، فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريبٍ من تلك الشجرة بحيث أسمع كلامهما فاستترت بهن، وإذا صاحبته عند الشجرة، فأقبل حتى كان منها غير بعيدٍ، فقالت: اجلس، فوالله لكأنه لصق بالأرض، فسلم عليها عن حالها أكرم سؤال سمعت به قط وأبعده من كل ريبة، وسألته مثل مسئلته، ثم أمرت جاريةً معها فقربت إليه طعاماً، فلما أكل وفرغ، قالت أنشدني ما قلت، فأنشدها:

علقت الهوى منها وليداً فلم يزل

 

إلى اليوم ينمي حبـهـا ويزيد

فلم يزالا يتحدثان، ما يقولان فحشاً ولا هجراً، حتى التفتت التفاتة فنظرت إلى الصبح، فودع كل واحد منهما صاحبه أحسن وداع ما سمعت به قط ثم انصرفا، فقمت فمضيت إلى إبلي فاضطجعت وكل واحد منهما يمشي خطوة ثم يلتفت إلى صاحبه، فجاء بعد ما أصبحنا فرفع برديه ثم قال: يا أخا بني تميم، حتى متى تنام! فقمت وتوضأت وصليت وحلبت إبلي وأعانني عليها وهو أظهر الناس سروراً، ثم دعوته إلى الغداء فتغدى، ثم قام إلى عيبته فافتتحها فإذا فيها سلاحٌ وبردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما وقال: أما والله لو كان معي شيء ما ذخرته عنك، وحدثني حديثه وانتسب لي، فإذا هو جميل بن معمر والمرأة بثينة، وقال لي: إني قد قلت أبياتاً في منصرفي من عندها، فهل لك إن رأيتها أن تنشدها؟ قلت: نعم! فأنشدني:

وما أنس م الأشياء لا أنس قولها

 

وقد قربت نضوي أمصر تريد

الأبيات، ثم ودعني وانصرف، فمكثت حتى أخذت الإبل مراتعها، ثم عمدت إلى دهنٍ كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبرد وأتيت المرأة فقلت: السلام عليكم، إني جئت أمس طالباً واليوم زائراً، أفتأذنون؟ قالت: نعم، فسمعت جويرية تقول لها: يا بثينة، عليه والله برد جميلٍ؛ فجعلت أثني على ضيفي وأذكر فضله، وقلت: إنه ذكرك فأحسن الذكر، فهل أنت بارزةٌ لي حتى أنظر إليك؟ قالت: نعم، فلبست ثيابها ثم برزت ودعت لي بطرفٍ ثم قالت: يا أخا بني تميم، والله ما ثوباك هذان بمشتبهين، ودعت بعيبتها فأخرجت لي ملحفة مروية مشبعة من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومن إلى كسر البيت ولتخلعن مدرعتك ثم لتأتزرن بهذه الملحفة فهي أشبه ببردك؛ ففعلت ذلك وأخذت مدرعتي بيدي فجعلتها إلى جانبي، وأنشدتها الأبيات فدمعت عيناها، وتحدثتا طويلاً من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبرد جميل ونظرةٍ من بثينة. قال معبد: فجزيت الشيخ خيراً وانصرفت من عنده وأنا والله أحسن الناس حالاً بنظرة من الغريض واستماعٍ لغنائه، وعلمٍ بحديث جميل وبثينة فميا غنيت أنا به وفيما غنى به الغريض على حق ذلك وصدقه، فما رأيت ولا سمعت بزوجين قط أحسن من جميل وبثينة، ومن الغريض ومني.
?نسبة هذه الأصوات التي ذكرت في هذا الخبر وهي كلها من قصيدة واحدة.
ومنها:

?صوت

علقت الهوى منها وليداً فـلـم يزل

 

إلى اليوم ينمـي حـبـهـا ويزيد

وأفنيت عمري في انتظاري نوالهـا

 

وأفنت بذاك الدهـر وهـو جـديد

فلا أنا مـردودٌ جـئت طـالـبـاً

 

ولا حـبـهـا فـيمـا يبـيد يبـيد

وما أنس م الأشياء لا أنس قولـهـا

 

وقد قربت نضوي أمصـر تـريد

ولا قولها لولا العيون التـي تـرى

 

لزرتك فاعذرني فـدتـك جـدود

إذا قلت ما بي يا بثـينة قـاتـلـي

 

من الحب قـالـت ثـابـتٌ ويزيد

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به

 

تولت وقالت ذاك مـنـك بـعـيد

عروضه من الطويل. الشعر لجميل بن معمر. والغناء لمعبد في الأول والثاني والثالث والسادس والسابع. ولحنه ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وعمرو بن بانة. وذكر عمرو والهشامي أن فيه ثقيلاً أول آخر للهذلي، وأن فيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد وإلى الغريض وإلى إبراهيم، أوله: “وما أنس م الأشياء”. وفي الأربعة الأبيات الأول ثاني ثقيل بالبنصر لابن أبي قباحة. ولإسحاق في الثالث والسادس ثاني ثقيل آخر بالوسطى عن الهشامي. وأول هذه القصيدة فيه غناءٌ أيضاً، وهو موصول بأبيات أخر:

صوت

ألا ليت ريعان الشبـاب جـديد

 

ودهراً تولى يا يا بثـين يعـود

فنغنى كما كنا نكـون وأنـتـم

 

قريبٌ وما قد تبـذلـين زهـيد

ألا ليت شعري هل أبيتن لـيلةً

 

بوادي القرى إني إذاً لسـعـيد

وهل ألقين سعدى من الدهر ليلةً

 

وما رث من حبل الصفاء جديد

فقد تلتقي الأهواء بعد تـفـاوتٍ

 

وقد تطلب الحاجات وهي بعيد

في البيتين الأولين خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى البنصر، ذكر حبش أنه لإسحاق؛ وليس يشبه أن يكون له. وفي الثالث وما بعده لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر عن حبش أيضاً.

قال ابن أبي ربيعة في شعر له القريض فغيره الغريض باسمه لما غناه

أخبرني إسماعيل بن يونس إجازةً قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال حدثني الوليد بن هشام عن محمد بن معن عن خالد بن سلمة المخزومي قال: خرجت مع أعمامي وأنا على نجيب ومعنا شيخٌ، فلما أسحرنا قال لي أعمامي: انزل عن نجيبك واحمل عليه هذا الشيخ واركب جمله، ففعلت؛ فإذا الشيخ قد أخرج عوداً له من غلاف، ثم ضرب به وغنى:

هاج الغريض الذكر

 

لما غدوا فانشمروا

فقلت لبعض أصحابنا: من هذا؟ قال: الغريض.

نسبة هذا الصوت ?صوت

هاج الغريض الذكر

 

لما غدوا فانشمروا

على بغالٍ شـحـج

 

قد ضمهن السفـر

فيهن هندٌ ليتـنـي

 

ما عمرت أعمـر

حتى إذا ما جاءهـا

 

حتف أتاني القـدر

عروضه من الرجز. الذي قال عمر:

هاج القريض الذكر

بالقاف، فجعله الغريض لما غنى فيه: “الغريض” يعني نفسه. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج. ذكر يونس أن له فيه لحنين. وذكر إسحاق أن أحدهما رملٌ مطلق في مجرى البنصر ولم يذكر الآخر، وذكر الهشامي أن الآخر خفيف رملٍ. وفيه للغريض ثقيلٌ أول بالبنصر، وقيل: إنه لحن ابن سريج، وإن خفيف الرمل للغريض. وأول هذا الصوت في كتاب يونس:

هاج فؤادي محضر

 

بذي عكاظٍ مقفـر

حتى إذا ما واونوا ال

 

مروة حين ائتمروا

قيل انزلوا فعرسـوا

 

من ليلكم وانشمروا

وقولها لأخـتـهـا

 

أمطمـئنٌ عـمـر

الوليد وابن أبي ربيعة والغريض

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال وذكر السعدي: أن الوليد بن عبد الملك قدم مكة، فأراد أن يأتي الطائف، فقال: هل من رجلٍ عالمٍ يخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة؛ قال: لا حاجة لي به، ثم عاد فسأل، فذكروه فأباه، ثم عاد فذكروه فقال: هاتوه، وركب معه فجعل يحدثه، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه، فرأى الوليد على ظهره أثراً، فقال: ما هذا الأثر؟ قال: كنت عند جاريةٍ لي إذ جاءتني جاريةٌ برسالة من عند جاريةٍ أخرى وجعلت تسارني بها، فغارت التي كنت عندها فعضت منكبي، فما وجدت ألم عضتها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين؟ قال: مازلنا في حديث الزنا حتى رجع. وكان قد حمل الغريض معه، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن عندي أجمل الناس وجهاً وأحسنهم حديثاً، فهل لك أن تسمعه؟ قال: هاته فدعا به فقال: أسمع أمير المؤمنين أحسن شيء قلته، فاندفع يغني بشعر عمر – ومن الناس من يرويه لجميل -:

صوت

إني لأحفظ سركـم ويسـرنـي

 

لو تعلمين بصالح أن تذكـري

ويكون يومٌ لا أرى لك مرسـلاً

 

أو نلتقي فيه علي كـأشـهـر

يا ليتني ألقى المـنـية بـغـتةً

 

إن كان يوم لقائكـم لـم يقـدر

ما كنت والوعد الذي تعدينـنـي

 

إلا كبرق سحابةٍ لم تـمـطـر

تقضى الديون وليس ينجز عاجلاً

 

هذا الغريم لنا وليس بمعـسـر

– عروضه من الكامل. وذكر حبش أن الغناء للغريض، ولحنه ثقيل أول بالبنصر – قال: فاشتد سرور الوليد بذلك وقال له: يا عمر، هذه رقيتك، ووصله وكساه وقضى حوائجه.

وصف نصيب لنفسه وللشعراء الثلاثة جميل وكثير وابن أبي ربيعة

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عوانة قال حدثني رجل من أهل الكوفة قال: قدم نصيبٌ الكوفة، فأرسلني أبي إليه، وكان له صديقاً، فقال: أقرئه مني السلام وقل له: إن رأيت أن تهدي لنا شيئاً مما قلت! فأتيته في يوم جمعة وهو يصلي، فلما فرغ أقرأته السلام وقلت له: فقال قد علم أبوك أني لا أنشد في يوم الجمعة ولكن تلقاني في غيره فأبلغ ما تحب، فلما خرجت وانتهيت إلى الباب رددت إليه؛ فقال: أتروي شيئاً من الشعر؟ قلت نعم؛ قال: فأنشدني، فأنشدته قول جميل:

إني لأحفظ غيبكم ويسرنـي

 

لو تعلمين بصالحٍ أن تذكري

الأبيات المتقدمة، فقال نصيبٌ: أمسك! أمسك! لله دره! ما قاله أحدٌ إلا دون ما قال، ولقد نحت للناس مثالاً يحتذون عليه. ثم قال: أما أصدقنا في شعره فجميل، وأما أوصفنا لربات الحجال فكثير، وأما أكذبنا فعمر بن أبي ربيعة، وأما أنا فأقول ما أعرف.

سمع أصوات رهبان فصنع لحناً عليها

وقال هارون بن محمد الزيات حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه: أن الغريض سمع أصوات رهبان بالليل في دير لهم فاستحسنها، فقال له بعض من معه: يا أبا يزيد، صغ على مثل هذا الصوت لحناً؛ فصاغ مثله في لحنه:

يا أم بكرٍ حبك الـبـادي

 

لا تصرميني إنني غادي

فما سمع بأحسن منه.

نسبة هذا الصوت ?صوت

يا أم بكرٍ حبك الـبـادي

 

لا تصرميني إنني غادي

جد الرحيل وحثني صحبي

 

وأريد إمتاعاً من الـزاد

عروضه من مزاحف الكامل. الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري. والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى. وفيه لابن المكي ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش. وفيه لإبراهيم بن أبي الهيثم هزج.

إبراهيم بن أبي الهيثم والرجل الناسك

وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أيوب بن عباية عن عمرو بن عقبة – وكان يعرف بابن الماشطة – قال: خرجت أنا وأصحابٌ لي فيهم إبراهيم بن أبي الهيثم إلى العقيق، ومعنا رجلٌ ناسك كنا نحتشم منه، وكان محموماً نائماً، وأحببنا أن نسمع من معنا من المغنين ونحن نهابه ونحتشمه، فقلت له: إن فينا رجلاً ينشد الشعر فيحسن، ونحن نحب أن نسمعه، ولكنا نهابك؛ قال: فما علي منكم! أنا محموم نائم، فاصنعوا ما بدا لكم، فاندفع إبراهيم بن “أبي” الهيثم فغنى:

يا أم بكرٍ حبك الـبـادي

 

لا تصرميني إنني غادي

جد الرحيل وحثني صحبي

 

وأريد إمتاعاً من الـزاد

فأجاده وأحسنه. قال: فوثب الناسك فجعل يرقص ويصيح: أريد إمتاعاً من الزاد، والله أريد إمتاعاً من الزاد، ثم كشف عن أيره وقال: أنا أنيك أم الحمى! قال: يقول لي ابن الماشطة: اعتقت ما أملك إن كان ناك أم الحمى أحدٌ قبله.
أخبرني به الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب فذكر الخبر ولم يذكر فيه كشف الناسك عن سوءته وما قاله بعد ذلك.

هروبه إلى اليمن خوفاً من ابن علقمة

وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز لم يتجاوزها. والأشبه أنه مات في خلافة سليمان، لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض وأقام باليمن واستوطنها مدة ثم مات بها. وأخبرني بخبره الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المسيبي قال أخبرني بعض المخزوميين أيضاً بخبره.

وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان: أن نافع بن علقمة لما ولي مكة خافه الغريض – وكان كثيراً ما يطلبه فلم يجئه – فهرب منه واستخفى في بعض منازل إخوانه. قال: فحدثني رجلٌ من اهل مكة كان يخدمه: أنه دفع إليه يوماً ربعةً له وقال له: صر بها إلى فلان العطار يملؤها لي طيباً، قال: فصرت بها إليه، فلقيني نافعٌ بن علقمة فقال: هذه ربعة الغريض والله! فلم أقدر أن أكتمه، فقلت: نعم؛ قال: ما قصته؟ فأخبرته الخبر؛ فضحك وقال: سر معي إلى المنزل ففعلت، فملأها طيباً وأعطاني دنانير، وقال: أعطه وقل له يظهر فلا بأس عليه؛ فسرت إليه مسروراً فأخبرته بذلك فجزع وقال: الآن ينبغي أن أهرب، إنما هذه حيلةٌ احتالها علي لأقع في يده، ثم خرج من وقته إلى اليمن فكان آخر العهد به.

قال إسحاق فحدثني هذا المخزومي: أن الغريض له صار إلى اليمن وأقام به اجتزنا به بعض أسفارنا؛ قال: فلما رآني بكى؛ فقلت له: ما يبكيك؟ قال: بأبي أنت وأمي! وكيف يطيب لي أن أعيش بين قوم يرونني أحمل عودي فيقولون لي: يا هناه، أتبيع آخرة الرحل! فقلت له: فارجع إلى مكة ففيها أهلك، فقال: يابن أخي، إنما كنت أستلذ مكة وأعيش بها مع أبيك ونحوه، وقد أوطنت هذا المكان ولست تاركه ما عشت؛ قلنا له: فغننا بشيء من غنائك فتأبى، ثم أقسمنا عليه فأجاب، وعمدنا إلى شاةٍ فذبحناها وخرطنا من مصرانها أوتاراً، فشدها على عوده واندفع فغنى في شعر زهير:

جرى دمعي فهيج لي شجونا

 

فقبلي يستجن به جنـونـا

فما سمعنا شيئاً أحسن منه؛ فقلنا له: ارجع إلى مكة، فكل من بها يشتاقك. ولم نزل نرغبه في ذلك حتى أجاب إليه. ومضينا لحاجتنا ثم عدنا فوجدناه عليلاً، فقلنا: ما قصتك؟ قال: جاءني منذ ليالٍ قومٍ، وقد كنت أغني في الليل، فقالوا: غننا؛ فأنكرتهم وخفتهم، فجعلت أغنيهم، فقال لي بعضهم غنني:

لقد حثوا الجمال ليه

 

ربوا منا فلم يئلوا

ففعلت، فقام إلي “هن” منهم أزب فقال لي: أحسنت والله! ودق رأسي، حتى سقطت لا أدري أين أنا، فأفقت بعد ثالثةٍ وأنا عليل كما ترى، ولا أراني إلا سأموت. قال: فأقمنا عنده بقية يومنا ومات من غدٍ فدفناه وانصرفنا.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن أبي غسان قال: زعم المكيون أن الغريض خرج إلى بلاد عك فغنى ليلاً:

هم ركبٌ لقوا ركباً

 

كما قد تجمع السبل

فصاح به صائحٌ: أكفف يا أبا مروان، فقد سفهت حلماءنا، وأصبيت سفهاءنا، قال: فأصبح ميتاً.
?رواية أخرى في وفاته أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن الخطاب قال حدثنا رجل من آل أبي قبيلٍ – يقال له محرز – عن أبي قبيل قال: رأيت الغريض، وقال إسحاق في خبره المذكور: حدثني محمد بن سلام عن أبي قبيل – وهو مولى لآل الغريض – قال: شهدت مجمعاً لآل الغريض إما عرساً أو ختاناً، فقيل له: تغن؛ فقال: هو ابن زانية إن فعل؛ فقال له بعض مواليه: فأنت والله كذلك! قال: أو كذلك أنا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم بي والله! ثم أخذ الدف فرمى به وتمشى مشيةً لم أر أحسن منها، ثم تغنى:

تشرب لون الرازقـي بـياضـه

 

أو الزعفران خالط المسك رادعه

فجعل يغنيه مقبلاً ومدبراً حتى التوت عنقه وخر صريعاً، وما رفعناه إلا ميتاً، وظننا أن فالجاً عاجله. قال إسحاق وحدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين قال: إنما نهته الجن أن يتغنى بهذا الصوت، فلما أغضبه مواليه تغناه فقتلته الجن في ذلك.

نسبة هذه الأصوات صوت

منها

جرى دمعي فهيج لي شجونا

 

فقلبي يستجن به جنـونـا

أأبكي للفراق وكـل حـي

 

سيبكي حين يفتقد القرينـا

فإن تصبح طليحة فارقتنـي

 

ببينٍ فالرزية أن تـبـينـا

فقد بانت بكرهي يوم بانـت

 

مفارقةً وكنت بها ضنينـا

الشعر لزهير، والغناء للغريض عن حبش. وقيل: إنه لدحمان. وفيه لأبي الورد خفيف رملٍ بالوسطى “عن حبش والهشامي”.
انقضت أخبار الغريض.
ومنها:

صوت من المائة المختارة في رواية جحظة

لقد حثوا الجمال لـيه

 

ربوا منا فلـم يئلـوا

على آثـارهـن مـق

 

لص السربال معتمل

وفيهم قلبك المـتـبـو

 

ل بالحسناء مختـبـل

مخففة بحمل حـمـا

 

ئل الديباج والحـلـل

أسائل عاصماً في السر

 

أين تراهـم نـزلـوا

فقال هم قـريبٌ مـن

 

ك لو نفعوك إذ رحلوا

الشعر للحكم بن عبدل الأسدي. والغناء في اللحن المختار للغريض، ولحنه خفيف ثقيل “أول” بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى في الأول والثاني من الأبيات. وذكر الهشامي أن فيهما لحناً لمعبد من الثقيل الأول. وفي الثالث وما بعده من الأبيات لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيها لإبراهيم ثقيلٌ أول بالوسطى عن حبش. وذكر أحمد بن عبيد أن الذي صح فيه أربعة ألحان: منها لحنان في خفيف الثقيل للغريض ومالك، ولحنان في الرمل لابن سريج ومخارق. وذكر ابن الكلبي أن فيها لعريب رملاً ثالثاً، وذكر حبشٌ أن فيها لابن سريج خفيف رمل بالبنصر، ولابن مسجح رملاً بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. هذه الألحان كلها في لقد حثوا والذي بعده.