ذكر الدرامي وخبره ونسبه

الثالث

ذكر الدرامي وخبره ونسبه

نسبه وكان من الشعراء وأرباب النوادر

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: الدارمي من ولد سويد بن زيد الذي كان جده قتل أسعد بن عمرو بن هند، ثم هربوا إلى مكة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف.

وكان الدرامي في أيام عمر بن عبد العزيز وكانت له أشعار ونوادر، وكان من ظرفاء أهل مكة، وله أصوات يسيرة. وهو الذي يقول:

لمـا رأيتـك أولـيتـنـي ال

 

قبيح وأبعدت عني الجمـيلا

تركت وصالك في جـانـبٍ

 

وصادفت في الناس خلاً بديلا

شبب بذات خمار اسود فنفقت الخمر السود ولم تبق فتاة إلا لبسته:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي، وأخبرني عمي قال حدثنا فضل اليزيدي عن إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعي، وأخبرني عمي قال حدثنا أبو الفضل الرياشي عن الأصمعي، قال وحدثني به النوشجاني عن شيخ له من البصريين عن الأصمعي عن ابن أبي الزناد، ولم يقل عن ابن أبي الزناد”غيره”: أن تاجراً من أهل الكوفة قدم المدينة بخمر فباعها كلها وبقيت السود منها فلم تنفق، وكان صديقاً للدرامي، فشكا ذاك إليه، وقد كان نسك وترك الغناء وقول الشعر؛ فقال له: لاتهتم بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع؛ ثم قال:

صوت

قل للمليحة في الخمار الأسود

 

ماذا صنعت براهبٍ متعبـد

قد كان شمر للصلاة ثـيابـه

 

حتى وقفت له بباب المسجد

وغنى فيه، وغنى فيه أيضاً سنان الكاتب، وشاع في الناس وقالوا: قد فتك الدارمي ورجع عن نسكه؛ فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خماراً أسود حتى نفذ ما كان مع العراقي منها؛ فلما علم بذلك الدارمي رجع إلى نسكه ولزم المسجد.
فأما نسبة هذا الصوت فإن الشعر فيه للدارمي والغناء أيضاً، وهو خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لسنانٍ الكاتب رمل بالوسطى عن حبش. وذكر حبش أن فيه لابن سريج هزجاً بالبنصر. أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني أبو هفان قال: حضرت يوماً مجلس بعض قواد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت، فقال لها: غني صوت الخمار الأسود المليح، فلم ندر ما أراد حتى غنت: ” قل للمليحة في الخمار الأسود” ثم أمسك ساعة” ثم قال لها غني: “إني خريت وجئت أنتقله” فضحكت ثم قالت: هذا يشبهك! فلم ندر أيضاً ما أراد حتى غنت: ” إن الخليط أجد منتقله”

بخله وظرفه

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثني محمد بن أخي سلم الخزاعي قال حدثني الحرمازي قال زعم”لي” ابن مودود قال: كان الدارمي المكي شاعراً ظريفاً وكانت متفتيات أهل مكة لا يطيب لهن متنزه إلا بالدارمي، فاجتمع جماعة منهن في منتزه لهن، وفيهن صديقة له، وكل واحدة منهن قد واعدت هواها، فخرجن حتى أتين الجحفة وهو معهن؛ فقال بعضهن لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارمي؟ فإنا إن فعلنا قطعنا في الأرض! قالت لهن صاحبته: أنا أكفيكنه؛ قلن: أنا نريد إلا يلومنا؛ قالت: علي أن ينصرف حامداً، وكان أبخل الناس، فأتته فقالت: يادارمي، إنا قد تفلنا فاجلب لنا طيباً؛ قال نعم هو ذا، آتي سوق الجحفة آتيكن منها بطيب؛ فأتى المكارين فاكترى حماراً فصار عليه إلى مكة وهو يقول:

أنا بـالـلـه ذي الـعـز

 

وبالركن وبالـصـخـرة

من اللائي يردن الـطـي

 

ب في اليسر وفي العسرة

وما أقـوى عـلـى هـذا

 

ولو كنت على البصـره

فمكث النسوة ماشئن. ثم قدم من مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطواف، فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها، إلى أن قالت له: يادارمي، بحق هذه البنية أتحبني؟ فقال نعم، فبريها أتحبني؟ قالت نعم؛ قال: فيا لك الخير فأنت تحبيني وأنا أحبك، فما مدخل الدراهم بيننا!.

الدارمي وعبد الصمد بن علي

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان الدارمي عند عبد الصمد بن علي يحدثه، فأغفى عبد الصمد فعطس الدارمي عطسة هائلة، ففزع عبد الصمد فزعاً شديداً وغضب غضباً شديداً، ثم استوى جالساً وقال: يا عاض كذا من أمه أتفزعني! قال: لا والله ولكن هكذا عطاسي! قال: والله لأنقعنك في دمك أو تأتيني ببينة على ذلك؛ قال: فخرج ومعه حرسي لا يدري أين يذهب به، فلقيه ابن الريان المكي فسأله؛ فقال: أنا أشهد لك؛ فمضى حتى دخل على عبد الصمد؛ فقال له: بم تشهد لهذا؟ قال: أشهد أني رأيته مرة عطس عطسة فسقط ضرسه؛ فضحك عبد الصمد وخلى سبيله.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد قال حدثنا الزبير قال: قال محمد بن إبراهيم الإمام للدارمي: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك؛ قال: فديتك! إن لم تصلح علي ثيابك صلحت علي دنانيرك.

الدارمي مع نسوة من الأعراب

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير، ونسخت من كتاب هارون بن محمد: حدثنا الزبير قال حدثني يونس بن عبد الله الخياط قال: خرج الدارمي مع السعاة، فصادف جماعة منهم قد نزلوا على الماء فسألهم فأعطوه دراهم، فأتى بها في ثوبه، وأحاط به أعرابيات فجعلن يسألنه وألححن عليه وهو يردهن؛ فعرفته صبية منهن فقالت: يا أخواتي، أتدرين من تسألن منذ اليوم؟ هذا الدارمي السأل. ثم أنشدت:

إذا كنت لابد مستطعـمـاً

 

فدع عنك من كان يستطعم

فولى الدارمي هارباً منهن وهن يتضاحكن به

الدارمي والأوقص القاضي

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا مصعب الزبيري قال: أتى الدارمي الأوقص القاضي بمكة في شيء فأبطأ عليه فيه، وحاكمه إليه خصم له في حق، فحبسه به حتى أداه إليه. فينا الأوقص يوماً في المسجد الحرام يصلي ويدعو ويقول: يارب أعتق رقبتي من النار، إذ قال له الدارمي والناس يسمعون: أولك رقبة تعتق? لا والله ما جعل الله، وله الحمد، لك من عتق ولارقبة? فقال له الأوقص: ويلك? من أنت؟ قال: أنا الدارمي، حسبتني وقتلتني؛ قال: لا تقل ذلك وأتني فإني أعوضك فأتاه ففعل ذلك به.

نادرة له مع عبد الصمد بن علي

أخبرني الحرمي أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: مدح الدارمي عبد الصمد بن علي بقصيدة واستأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشراة؛ فقال لغلامه: أعط هذا مائة دينار واضرب عنق هذا؛ فوثب الدارمي فقال: بأبي أنت وأمي? برك وعقوبتك جميعاً نقد? فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا، فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني? فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك؛ قال: لوم ويلك؟ قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا، والغلط في هذا لايستقال؛ فضحك وأجابه إلى ما سأل.

نادرة له في مرضه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال: أصابت الدارمي قرحة في صدره، فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده. فرآه قد نفث من فيه نفثاً أخضر، فقال له: أبشر، قد اخضرت القرحة وعوفيت؛ فقال: هيهات? والله لو نفثت كل زمردة في الدنيا ما أفلت منها.

صوت من المائة المختارة

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا

 

زدت الفؤاد على علاته وصبـا

ربع تبدل ممن كـان يسـكـنـه

 

عفر الظباء وظلماناً به عصبـا

الشعر لهلال بن الأشعر المازني، أخبرني بذلك وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه. وهكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشيباني. ومن لايعلم ينسبه إلى عمر ابن أبي ربيعة وإلى الحارث بن خالد ونصيب، وليس كذلك. والغناء في اللحن المختار لعزور الكوفي، ومن الناس من يقول عزون بالنون وتشديد الزاي، وهو رجل من أهل الكوفة غير مشهور ولاكثير الصنعة، ولا أعلم أني سمعت له بخبرٍ ولاصنعةٍ غير هذا الصوت. ولحن هذا المختار ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وهكذا في الاختيار الواثقي. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن عائشة لحناً من الثقيل الأول بالبنصر. وفي أخبار الغريض عن حماد أن له فيه ثقيلاً أول. وقال الهشامي: فيه لعبد الله بن العباس لحن من الثقيل الثاني. وذكر حبش أن فيه لحسين بن محرز خفيف رملٍ بالبنصر.