ذكر الخبر في حروب الفجار وحروب عكاظ

ذكر الخبر في حروب الفجار وحروب عكاظ

ونسب أميمة بنت عبد شمس

نسب أميمة

أميمة بنت عبد شمي بن عبد مناف، وأمها تفخر بنت عبيد بن رواس بن كلاب، وكانت عند حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالح بن ذكوان السلمي، فولدت له أمية بن حارثة.

وكانت هذه الحرب بين قريش وقيس عيلان في أربعة أعوام متواليات، ولم يكن لقريش في أولها مدخل، ثم التحقت بها.
فأما الفجار الأول فكانت الحرب فيه ثلاثة أيام، ولم تسم باسم لشهرتها.

وأما الفجار الثاني فإنه كان أعظمهما؛ لأنهم استحلوا فيه الحرم، وكانت أيامه يوم نخلة، وهو الذي لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وشهد سائرها، وكان الرساء فيه حرب بن أمية في القلب، وعبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة في المجنبتين ثم يوم شمطة، ثم يوم العبلاء، ثم يوم عكاظ، ثم يوم الحرة.

الشرارة الأولى في حرب الفجار قال أبو عبيدة: كان أول أمر الفجار أن بدر بن معشر الغفاري أحد بني غفار بن مالك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة كان رجلاً منيعاً مستطيلاً بمنعته على من ورد عكاظ، فاتخذ مجلسا بسوق عكاظ، وقعد فيه وجلع يبذخ على الناس ويقول:

نحن بنو مدركة بـن خـنـدف

 

من يطعنوا في عينه لا يطرف

ومن يكونوا قومه يغـطـرف

 

كأنهم لجة بـحـر مـسـدف

وبدر بن معشر باسط رجليه يقول: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضرب هذه بالسيف، فهو أعز مني، فوثب رجل من بني نصر بن معاوية، يقال له الأحمر، بمازن بن أوس بن النابغة، فضربه بالسيف على ركبته، فأندرها، ثم قال: خذها إليك أيها المخندف، وهو ماسك سيفه، وقام أيضاً رجل من هوازن، فقال:

أنا ابن همدان ذوي التغطرف

 

بحر بحور زاخر لم ينـزف

نحن ضربنا ركبة المخنـدف

 

إذ مدها في أشهر المعرف

وفي هذه الضربة أشعار لقيس كثيرة لا معنى لذكرها.

اليوم الثاني من أيام الفجار الأول  ثم كان اليوم الثاني من أيام الفجار الأول، وكان السبب في ذلك أن شبابا من قريش وبني كنانة كانوا ذوي غرام، فرأوا امرأة من بني عامر جميلة وسيمة، وهي جالسة بسوق عكاظ في درع وهي فضل عليها برقع لها، وقد اكتنفها شباب من العرب، وهي تحدثهم، فجاء الشباب من بني كنانة وقريش، فأطافوا بها، وسألوها أن تسفر، فأبت، فقام أحدهم، فجلس خلفها، وحل طرف ردائها، وشده إلى فوق حجزتها بشوكة، وهي لا تعلم، فلما قامت أنكشف درعها عن دبرها، فضحكوا، وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهك، وجدت لنا بالنظر إلى دبرك، فنادت: يا آل عامر! فثاروا، وحملوا السلاح، وحملته كنانة، واقتتلوا قتالاً شديداً، ووقعت بينهم دماء، فتوسط حرب بن أمية، واحتمل دماء القوم، وأرضى بني عامر من مثلة صاحبتهم.

اليوم الثالث من أيام الفجار الأول ثم كان اليوم الثالث من الفجار الأول، وكان سببه أنه كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من بني كنانة فلواه به، وطال اقتضاؤه إياه، فلم يعطه شيئاً، فلما أعياه، وافاه الجشمي في سوق عكاظ بقرد، ثم جعل ينادي: من يبيعني مثل هذا لارباح بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ من يعطيني مثل هذا بما لي على فلان بن فلان الكناني؟ رافعاً صوته بذلك، فلما طال نداؤه بذلك وتعييره به كنانة مر به رجل منهم، فضرب القرد بسيفه، فقتله، فهتف به الجشمي: يا آل هوازن، وهتف الكناني: يا آل كنانة، فتجمع الحيان فاقتتلوا، حتى تحاجزوا، ولم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا، وقالوا: أفي رباح تريقون دماءكم، وتقتلون أنفسكم؟ وحمل ابن جدعان ذلك في ماله بين الفريقين.

اليوم الأول من أيام الفجار الثاني قال: ثم كان يوم الفجار الثاني، وأول يوم حروبه يوم نخلة، وبينه وبين مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ست وعشرون سنة، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم مع قومه، لوه أربع عشرة سنة، وكان يناول عمومته النبل، هذا قول أبي عبيدة. وقال غيره: بل شهدها، وهو ابن ثمان وعشرين سنة.

قال أبو عبيدة: كان الذي هاج هذه الحرب يوم الفجار الآخر، أن البراض بن قيس بن رافع، أحد بني ضمرة ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة كان سكيراً فاسقاً، خلعه قومه، وتبرءوا منه فشرب في بني الديل، فخلعوه، فأتى مكة، وأتى قريشاً، فنزل على حرب بن أمية، فحالفه فأحسن حرب جواره، وشرب بمكة، حتى هم حرب أن يخلعه، فقال لحرب: إنه لم يبق أحد، ممن يعرفني إلا خلعني سواك، وإنك إن خلعتني لم ينظر إلي أحد بعدك، فدعني على حلفك، وأنا خارج عنك، فتركه. وخرج، فلحق بالنعمان بن المنذر بالحيرة.

من يجيز لطيمة النعمان وكان النعمان يبعث إلى سوق عكاظ في وقتها بلطيمة يجيزها له سيد مضر، فتباع، ويشترى له بثمنها الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشي والمسير والعدني، وكانت سوق عكاظ في أول ذي القعدة، فلا تزال قائمة يباع فيها ويشترى إلى حضور الحج، وكان قيامها فيما بين النخلة والطائف عشرة أميال، وبها نخل وأموال لثقيف، فجهز النعمان لطيمة له، وقال: من يجيزها فقال البراض: أنا أجيزها على بني كنانة، فقال النعمان: إنما أريد رجلاً يجيزها على أهل نجد، فقال عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ رجل من هوازن: أنا أجيزها – أبيت اللعن – فقال له البراض: من بني كنانة تجيزها يا عروة؟ قال: نعم، وعلى الناس جميعاً أفكلب خليع يجيزها!.

قال: ثم شخص بها، وشخص البراض، وعروة يرى مكانه، لا يخشاه على ما صنع، حتى إذا كان بين ظهري غطفان إلى جانب فدك، بأرض يقال لها أوارة قريب من الوادي الذي يقال له تيمن نام عروة في ظل شجرة، ووجد البراض غفلته، فقتله وهرب في عضاريط الركاب، فاستاق الركاب، وقال البراض في ذلك:

وداهية يهال الناس مـنـهـا

 

شددت لها بني بكر ضلوعي

هتكت بها بيوت بني كـلاب

 

وأرضعت الموالي بالضروع

جمعت لها يدي بنصل سـيف

 

أفل فخر كالجذع الصـريع

وقال أيضاً في ذلك:

نقمت على المرء الكلابي فخره

 

وكنت قديماً لا أقـر فـخـارا

علوت بحد السيف مفرق رأسه

 

فأسمع أهل الـواديين خـوارا

قال: وأم عروة الرحال نفيرة بنت أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة، فقال لبيد بن ربيعة يحض على الطلب بدمه:

فأبلغ إن عرضت بني نمير

 

وأخوال القتيل بني هـلال

بأن الوافد الرحال أضحـى

 

مقيما عند تيمن ذي الظلال

قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء، قال: لقي البراض بشر بن أبي خازم، فقال له: هذه القلانص لك على أن تأتي حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان وهشاماً والوليد ابني المغيرة، فتخبرهم أن البراض قتل عروة، فإني أخاف أن يسبق الخبر إلى قيس أن يكتموه. حتى يقتلوا به رجلاً من قومك عظيما. فقال له: وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل؟ قال: إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلاً خليعاً طريداً من بني ضمرة، قال: ومر بهما الحليس بن يزيد أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد الأحابيش من بني كنانة والأحابيش من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهو نفاثة بن الديل، وبنو لحيان من خزاعة، والقارة، وهو أثيع ابن الهون بن خزيمة، وعضل بن دمس بن محلم بن عائذ بن أثيع بن الهون كانوا تحالفوا على سائر بني بكر بن عبد مناة، فقال لهم الحليس: مالي أراكم نجياً؟ فأخبروه الخبر، ثم ارتحلوا، وكتموا الخبر على اتفاق منهم.

وفاء ابن جدعان قال: وكانت العرب إذا قدمت عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان، حتى يفرغوا من أسواقهم وحجهم ثم يردها عليهم إذا ظعنوا، وكان سيداً حكيماً مثرياً من المال. فجاءه القوم، فأخبروه خبر البراض وقتله عروة، وأخبروا حرب بن أمية وهشاما والوليد ابني المغيرة، فجاء حرب إلى عبد الله بن جدعان، فقال له: احتبس قبلك سلاح هوازن، فقال له ابن جدعان: أبالغدر تأمرني يا حرب؟ والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به، ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئاً، ولكن لكم مائة درع، ومائة رمح، ومائة سيف في مالي تستعينون بها، ثم صاح ابن جدعان في الناس: من كان له قبلي سلاح فليأت، وليأخذه، فأخذ الناس أسلحتهم.

يخدعون هوازن فلا تجدي الخديعة وبعث ابن جدعان وحرب بن أمية وهشام والوليد إلى أبي براء: إنه قد كان بعد خروجنا حرب، وقد خفنا تفاقم الأمر، فلا تنكروا خروجنا، وساروا راجعين إلى مكة، فلما كان آخر النهار بلغ أبا براء قتل البراض عروة، فقال: خدعني حرب وابن جدعان، وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن في أثر القوم، فأدركوهم بنخلة، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجن عليهم الليل، فكفوا، ونادى الأدرم بن شعيب، أحد بني عامر بن ربيعة بن صعصعة: يا معشر قريش، ميعاد ما بيننا هذه الليلة من العام المقبل بعكاظ، وكان يومئذ رؤساء قريش حرب بن أمية في القلب، وابن جدعان في إحدى المجنبتين، وهشام بن المغيرة في الأخرى، وكان رؤساء قيس عامر بن مالك، ملاعب الأسنة على بني عامر، وكدام بن عمير على فهم وعدوان، ومسعود بن سهم على ثقيف، وسبيع بن ربيعة النصري على بني نصر بن معاوية، والصمة بن الحارث، وهو أبو دريد بن الصمة على بني جشم، وكانت الراية مع حرب بن أمية، وهي راية قصي التي يقال لها العقاب.
شعر خداش بن زهير في هذه الحرب فقال في ذلك خداش بن زهير:

نيا شدة ما شـددنـا غـير كـاذبة

 

على سخينة لولا الليل والـحـرم

إذ يتقينا هشـام بـالـولـيد ولـو

 

أنا ثقفنا هشاماً شـالـت الـخـدم

بين الأراك وبين المرج تبطحهـم

 

زرق الأسنة في أطرافها السهـم

فإن سمعتم بجيش سالـك سـرفـاً

 

وبطن مر فأخفوا الجرس واكتتموا

عبد الملك يستنشد شعر خداش وزعموا أن عبد الملك بن مروان استنشد رجلاً من قيس هذه الكلمة، فجعل يحيد عن قوله: “سخينة”، فقال عبد الملك: إنا قوم لم يزل يعجبنا السخن، فهات، فلما فرغ قال: يا أخا قيس، ما أرى صاحبك زاد على التمني والاستنشاء.

البراض يقدم باللطيمة قال: وقدم البراض باللطيمة مكة، وكان يأكلها، وكان عامر بن يزيد بن الملوح بن يعمر الكناني نازلا في أخواله من بني نمير بن عامر، وكان ناكحاً فيهم، فهمت بنو كلاب بقتله، فمنعته بنو نمير، ثم شخصوا به حتى نزل في قومه، واستغوت كنانة بني أسد وبني نمير واستغاثوا بهم، فلم تغثهم، ولم يشهد الفجار أحد من هذين الحيين.
اليوم الثاني في الفجار الثاني: ثم كان اليوم الثاني من الفجار الثاني؛ وهو يوم شمطة، فتجمعت كنانة وقريش بأسرها وبنو عبد مناة، والأحابيش، وأعطت قريش رؤوس القبائل أسلحة تامة وأعطى عبد الله بن جدعان خاصة من ماله مائة رجل من كنانة أسلحة تامة وأداة، وجمعت هوازن، وخرجت، فلم تخرج معهم كلاب ولا كعب، ولا شهد هذان البطنان من أيام الفجار إلا يوم نخلة مع أبي براء عامر بن مالك، وكان القوم جميعاً متساندين، على كل قبيلة سيدهم.

قواد قريش ومن معهم فكان على بني هاشم وبني المطلب ولفهم الزبير بن عبد المطلب، ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن بني المطلب – وإن كانوا مع بني هاشم – كان يرأسهم الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ورجل منهم، وهو عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف، وأم الزبير الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف، وكان على بني عبد شمس ولفها حرب بن أمية ومعه أخواه أبو سفين وسفيان، ومعهم بنو نوفل بن عبد مناف، يرأسهم بعد حرب مطعم بن عدي بن نوفل، وكان على بني عبد الدار ولفها خويلد بن أسد وعثمان بن الحويرث، وكان على بني زهرة ولفها مخرمة بن نوفل بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة وأخوه صفوان، وكان على بني تيم بن مرة ولفها عبد الله بن جدعان، وعلى بني مخزوم هشام بن المغيرة، وعلى بني سهم العاصي بن وائل، وعلى بني جمح ولفها أمية بن خلف، وعلى بني عدي زيد بن عمرو بن نفيل، والخطاب بن نفيل عمه، وعلى بني عامر بن لؤي عمرو بن عبد شمس بن عبد ود أبو سهل ابن عمرو، وعلى بني الحارث بن فهر عبد الله بن الجراح أبو أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وعلى بني بكر بلعاء بن قيس، ومات في تلك الأيام، وكان جثامة بن قيس أخوه مكانه، وعلى الأحابيش الحليس بن يزيد.

قواد هوازن ومن معهم وكانت هوازن متساندين كذلك، وكان عطية بن عفيف النصري على بني نصر بن معاوية، وقيل: بل كان عليهم أبو أسماء بن الضريبة، وكان الخنيسق الجشمي على بني جشم وسعد ابني بكر، وكان وهب بن معتب على ثقيف، ومعه أخوه مسعود، وكان على بني عامر بن ربيعة وحلفائهم من بني جسر بن محارب سلمة ابن إسماعيل: أحد بني البكاء، ومعه خالد بن هوذة: أحد بني الحارث بن ربيعة، وعلى بني هلال بن عامر بن صعصعة ربيعة بن أبي ظبيان بن ربيعة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر.

هوازن تسبق قريشاً وترجح كفتها قال: فسبقت هوازن قريشا، فنزلت شمطة من عكاظ، وظنوا أن كنانة لم توافهم، وأقبلت قريش، فنزلت من دون المسيل، وجعل جرب بني كنانة في بطن الوادي، وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم، ولو أبيحت قريش، فكانت هوازن من وراء المسيل.

قال أبو عبيدة: فحدثني أبو عمرو بن العلاء: قال: كان ابن جدعان في إحدى المجنبتين، وفي الأخرى هشام بن المغيرة، وحرب في القلب، وكانت الدائرة في أول النهار لكنانة، فلما كان آخر النهار تداعت هوازن، وصبروا واستحر القتل في قريش، فلما رأى ذلك بنو الحارث بن كنانة – وهم في بطن الوادي – مالوا إلى قريش، وتركوا مكانهم، فلما استحر القتل بهم قال أبو مساحق بلعاء بن قيس لقومه: ألحقوا برخم – وهو جبل – ففعلوا، وانهزم الناس.

الرسول صلى الله عليه وسلم يحضر هذه الحرب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصير في فئة إلا انهزم من يحاذيها، فقال حرب بن أمية وعبد الله بن جدعان: ألا ترون إلى هذا الغلام ما يحمل على فئة إلا انهزمت؟ خداش يسجل المعركة بشعره وفي ذلك يقول خداش بن زهير في كلمة له:

فأبلغ أن عرضت بنا هشـامـا

 

وعبد اللـه أبـلـغ والـولـيدا

أولئك إن يكن في الناس خـير

 

فإن لديهم حـسـبـاً وجـودا

هم خير المعاشر مـن قـريش

 

وأوراها إذا قـدحـت زنـودا

بأنا يوم شمـطة قـد أقـمـنـا

 

عمود المجد إن لـه عـمـودا

جلبنا الخيل سـاهـمة إلـيهـم

 

عوابس يدرعن النـقـع قـودا

فبتنا نعقد الـسـيمـا وبـاتـوا

 

وقلنا: صبحوا الأنس الـحـديدا

فجاءوا عارضا بـرداً وجـئنـا

 

كما أضرمت في الغاب الوقودا

ونادوا: يا لعمـرو لا تـفـروا

 

فقلنـا: لا فـرار ولا صـدودا

قوله: نعقد السيما أي العلامات:

فعاركنا الكماة وعاركـونـا

 

عراك النمر عاركت الأسودا

فولوا نضرب الهامات منهـم

 

بما انتهكوا المحارم والحدودا

تركنا بطن شمطة من علاء

 

كأن خلالها معـزاً شـريدا

ولم أر مثلهم هزموا وفلـوا

 

ولا كذيادنا عنـقـاً مـذودا

قوله: يا لعمرو، يعني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

اليوم الثالث يوم العبلاء ثم كان اليوم الثالث من أيام الفجار، وهو يوم العبلاء، فجمع القوم بعضهم لبعض، والتقوا على قرن الحول بالعبلاء – وهو موضع قريب من عكاظ – ورؤساؤهم يومئذ على ما كانوا عليه يوم شمطة، وكذلك من كان على المجنبتين، فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزت كنانة، فقال خداش بن زهير في ذلك: خداش يستمر في التسجيل بشعره

ألم يبلغك بالعـبـلاء أنـا

 

ضربنا خندقاً حتى استقادوا

نبني بالمنازل عـز قـيس

 

وودوا لو تسيخ بنا البـلاد

وقال أيضاً:

ألم يبلغك ما لاقت قريش

 

وحي بني كنانة إذ أثيروا

دهمناهم بأرعن مكفهـر

 

فظل لنا بعقوتهـم زئير

تقوم مارن الخطي فيهـم

 

يجيء على أسنتنا الجزير

اليوم الرابع يوم عكاظ ثم كان اليوم الرابع من أيامهم، يوم عكاظ، فالتقوا في هذه المواضع على رأس الحول، وقد جمع بعضهم لبعض، واحتشدوا، والرؤساء بحالهم، وحمل عبد الله بن جدعان يومئذ ألف رجل من بني كنانة على ألف بعير. وخشيت قريش أن يجري عليها مثل ما جرى يوم العبلاء، فقيد حرب وسفيان وأبو سفيان بنو أمية بن عبد شمس أنفسهم، وقالوا: لا نبرح حتى نموت مكاننا، وعلى أبي سفيان يومئذ درعان قد ظاهر بينهما، وزعم أبو عمرو بن العلاء أن أبا سفيان بن أمية خاصة قيد نفسه، فسمي هؤلاء الثلاثة يومئذ: العنابس – وهي الأسود واحدها عنبسة – فاقتتل الناس قتالا شديداً، وثبت الفريقان، حتى همت بنو بكر بن عبد مناة وسائر بطون كنانة بالهرب، وكانت بنو مخزوم تلي كنانة، فحافظت حفاظاً شديداً، وكان أشدهم يومئذ بنوا لامغيرة، فإنهم صبروا، وأبلوا بلاء حسنا، فلما رأت ذلك بنو عبد مناة من كنانة تذامروا فرجعوا وحمل بلعاء بن قيس وهو يقول:

إن عكاظ مأوانا فخلـوه

 

وذا المجاز بعد أن تحلوه

مبارزة بهزم فيها رئيس الأحابيش وخرج الحليس بن يزيد: أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة – وهو رئيس الأحابيش يومئذ – فدعا إلى المبارزة فبرز إليه الحدثان بن سعد النصري، فطعنه الحدثان، فدق عضده وتحاجزا.

الدائرة تدور على قيس واقتتل القوم قتالا شديدا، وحملت قريش وكنانة على قيس من كل وجه، فانهزمت قيس كلها إلا بني نصر فإنهم صبروا، ثم هربت بنو نصر وثبت بنو دهمان، فلم يغنوا شيئاً، فانهزموا، وكان عليهم سبيع بن أبي ربيعة – أحد بني دهمان، فعقل نفسه ونادى: يا آل هوازن، يا آل هوازن، يا آل نصر! فلم يعرج عليه أحد، وأجفلوا منهزمين، فكر بنو أمية خاصة في بني دهمان ومعهم الخنيسق وقشعة الجشميان، فقاتلوا فلم يغنوا شيئاً، فانهزموا.

من المستجير بخباء سبيعة وكان مسعود بن معتب الثقفي قد ضرب على امرأته سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء، وقال لها: من دخله من قريش فهو آمن، فجعلت توصل في خبائها؛ ليتسع، فقال لها: لا يتجاوزني خباؤك فإني لا أمضي لك إلا من أحاط به الخباء، فأحفظها فقالت: أما والله إني لأظن أنك ستود أن لو زدت في توسعته، فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية جيرانها، وقال لها: يا عمة، من تمسك بأطناب خبائك، أو دار حوله فهو آمن، فنادت بذلك، فاستدارت قيس بخبائها، حتى كثروا جداً، فلم يبق مأحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها فقيل لذلك الموضع: مدار قيس، وكان يضرب به المثل، فتغضب قيس منه، وكان زوجها مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس – وهو من ثقيف – قد أخرج معه يومئذ بنيه من سبيعة، وهم عروة ولوحة، ونويرة، والأسود، فكانوا يدورون – وهم غلمان – في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم، ليجيروهم، فيسودوا، بذلك أمرتهم أمهم أن يفعلوا.

رواية أخرى لخبر خباء سبيعة فأخبرني الحرمي والطوسي: قالا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الحسن، عن المحرز بن جعفر وغيرره: أن كنانة وقيسا لما توافوا من العام المقبل من مقتل عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب ضرب مسعود الثقفي على امرأته سبيعة بنت عبد شمس أم بنيه خباء، فرآها تبكي حين تدانى الناس، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: لما يصاب غدا من قومي، فقال لها: من دخل خباءك فهو آمن، فجعلت توصل فيه القطعة بعد القطعة والخرقة والشيء ليتسع، فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها، وقال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربطت به رجلاً من بني كنانة، فلما صف القوم بعضهم لبعض خرجت سبيعة فنادت بأعلى صوتها: إن وهبا يأتلي ويحلف ألا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من كنانة، فالجد الجد، فلما هزمت قيس لجأ نفر منهم إلى خباء سبيعة بنت عبد شمس، فأجارهم حرب بن أمية قيس تلجأ إلى خباء سبيعة فيجيرهم حرب بن أمية أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: لما هزمت قيس لجأت إلى خباء سبيعة، حتى أخرجوها منه، فخرجت، فنادت من تعلق بطنب من أطناب بيتي فهو آمن في ذمتي، فداروا بخبائها، حتى صاروا حلقة، فأمضى ذلك كله حرب بن أمية لعمته، فكان يضرب في الجاهلية بمدار قيس المثل، ويعيرون بمدارهم يومئذ بخباء سبيعة بنت عبد شمس، قال: شاعران يسجان الموقعة وقال ضرار بن الخطاب الفهري قوله:

ألم تسأل الناس عن شأنـنـا

 

ولم يثبت الأمر كالخـابـر

غداة عكاظ إذا استكمـلـت

 

هوازن في كفها الحاضر

وجاءت سليم تهز الـقـنـا

 

على كل سلهبة ضـامـر

وجئنا إليهم على المضمرات

 

بأرعن ذي لجـب زاخـر

فلما التقـينـا أذقـنـاهـم

 

طعاناً بسمر القنا الـعـائر

ففرت سليم ولم يصـبـروا

 

وطارت شعاعاً بنو عامـر

وفرت ثقيف إلـى لآتـهـا

 

بمنقلب الخائب الخـاسـر

وقاتلت العنس شطر النهـا

 

ر ثم تولت مع الـصـادر

على أن دهمانها حافظـت

 

أخيراً لـدى دارة الـدائر

وقال خداش بن زهير:

أتتنا قريش حافلين بجمـعـهـم

 

عليهم من الرحمن واق وناصر

فلما دنونا للقبـاب وأهـلـهـا

 

أتيح لنا ريب مع الليل نـاجـر

أتيحت لنا بكر وحـول لـوائهـا

 

كتائب يخشاها العزيز المكاثـر

جئت دونهم بكر فلم تستطعـهـم

 

كأنهم بالمـشـرفـية سـامـر

وما برحت خيل تثور وتـدعـى

 

ويلحق منهـم أولـون وآخـر

لدن غدوة حتى أتى وانجلى لنـا

 

عماية يوم شره مـتـظـاهـر

ومازال ذاك الدأب حتى تخاذلت

 

هوازن وارفضت سليم وعامر

وكانت قريش يفلق الصخر حدها

 

إذا أوهن الناس الجدود العواثر

اليوم الخامس يوم حريرة ثم كان اليوم الخامس، وهو يوم الحريرة، وهي حرة إلى جانب عكاظ، والرؤساء بحالهم إلا بلعاء بن قيس؛ فإنه قد مات فصار أخوه مكانه على عشيرته، فاقتتلوا، فانهزمت كنانة وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية وثمانية رهط من بني كنانة، قتلهم عثمان بن أسد من بني عمرو بن عامر بن ربيعة، وقتل ورقاء بن الحارث: أحد بني عمرو بن عامر من بني كنانة وخمسة نفر.

خداش يسجل هذه الموقعة وقال خداش بن زهير، في ذلك:

لقد بلوكم فأبلوكـم بـلاءهـم

 

يوم الحريرة ضرباً غير تكذيب

إن توعدوني فإني لابن عمكـم

 

وقد أصابوكم منه بشـؤبـوب

وإن ورقاء قد أردى أبا كنـف

 

وابني إياس وعمراً وابن أيوب

وإن عثمان قد أردى ثمـانـية

 

منكم وأنتم على خبر وتجريب

خداش يفقد أباه فيسجل ذلك الشويعر الليثي ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقى الرجل، والرجلان يلقيان الرجلين، فيقتل بعضهم بعضاً. فلقي ابن محمية ابن عبد الله الدبلي زهير بن ربيعة أبا خداش، فقال زهير: إني حرام جئت معتمرا، فقال له: ما تلقى طوال الدهر إلا قلت: أنا معتمر، ثم قتله، فقال الشويعر الليثي، واسمه ربيعة بن علس:

تركنا ثاوياً يزقـو صـداه

 

زهيراً بالعوالي والصفاح

أتيح له ابن محمية بن عبد

 

فأعجله التسوم بالبطـاح

صلح لا يتم  ثم تداعوا إلى الصلح على أن يدي من عليه فضل في القتلى، الفضل إلى أهله، فأبى ذلك وهب بن معتب، وخالف قومه، واندس إلى هوازن، حتى أغارت على بني كنانة، فكان منهم بنو عمرو بن عامر بن ربيعة، عليهم سلمة بن سعدى البكائي، وبنو هلال عليهم ربيعة بن أبي ظبيان الهلالي، وبنو نصر بن معاوية، عليهم مالك بن عوف، وهو يومئذ أمرد، فأغاروا على بني ليث بن بكر بصحراء الغميم، فكانت لبنى ليث أول النهار، فقتلوا عبيد بن عوف البكائي، قتله بنو مدلج وسبيع بن المؤمل الجسري حليف بني عامر، ثم كانت على بني ليث آخر النهار، فانهزموا، واستحر القتل في بني الملوح بن يعمر بن ليث، وأصابوا نعماً ونساء حينئذ، فكان ممن قتل في حروب الفجار من قريش العوام بن خويلد، قتله مرة بن معتب، وقتل حزام بن خويلد، وأحيحة بن أبي أحيحة، ومعمر ابن حبيب الجمحي، وجرح حرب بن أمية، وقتل من قيس الصمة أبو دريد بن الصمة، قتله جعفر بن الأحنف.

صلح يتم برهائن ثم تراضوا بأن يعدوا القتلى، فيدوا من فضل، فكان الفضل لقيس على قريش وكنانة، فاجتمعت القبائل على الصحل، وتعاقدوا ألا يعرض بعضهم لبعض، فرهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان بن حرب، ورهن الحارث بن كلدة العبدي ابنه النضر، ورهن سفيان بن عوف أحد بني الحارث بن عبد مناة ابنه الحارث، حتى وديت الفضول، ويقال: إن عتبة بن ربيعة تقدم يومئذ، فقال: يا معشر قريش، هلموا إلى صلة الأرحام والصلح، قالوا: وما صلحكم هنا، فإنا موتورون؟ فقال: على أن ندي قتلاكم، ونتصدق عليكم بقتلانا فرضوا بذلك، وساد عتبة مذ يومئذ، قال: فلما رأت هوازن رهائن قريش بأيديهم رغبوا في العفو، فأطلقوهم.

النبي يشهد الفجار قال أبو عبيدة: ولم يشهد الفجار من بني هاشم غير الزبير بن عبد المطلب، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم وآله سائر الأيام إلا يوم نخلة، وكان يناول عمه وأهله النبل، قال: وشهدها صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة، وطعن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أبا براء ملاعب الأسنة، وسئل صلى الله عليه وآله عن مشهده يومئذ، فقال: ما سرني أني لم أشهده، إنهم تعدوا على قومي، عرضوا عليهم أن يدفعوا إليهم البراض صاحبهم، فأبوا.
كشف حساب القتلى قال: وكان الفضل عشرين قتيلا من هوازن، فوداهم حرب بن أمية فيما تروي قريش، وبنو كنانة تزعم أن القتلى الفاضلين قتلاهم، وأنهم هم ودوهم.

هل شهد أعمام النبي هذه الموقعة وزعم قوم من قريش أن أبا طالب وحمزة والعباس بني عبد المطلب – رضي الله عنهما – شهدوا هذه الحروب، ولم يرد ذلك أهل العلم بأخبار العرب.

سبيعة تجير بعلها قال أبو عبيدة: ولما انهزمت قيس خرج مسعود بن معتب لا يعرج على شيء حتى أتى سبيعة بنت عبد شمس زوجته، فجعل أنفه بين ثدييها، وقال: أنا بالله وبك، فقالت: كلا، زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومي، اجلس فأنت آمن.

عود إلى الصوت وبقيته وقالت أميمة بنت عبد شمس ترثي ابن أخيها أبا سفيان بن أمية ومن قتل من قومها، والأبيات التي فيها الغناء منها:

أبـي لـــيلـــك لا يذهـــب

 

ونـيط الـطـرف بـالـكـوكـب

ونـجـــم دونـــه الأهـــوا

 

ل بـين الـدلـو والـعـقــرب

وهـذا الـصـبـــح لا يأتـــي

 

ولا يدنـــو ولا يقــــــرب

بعـقـر عـشـيرة مـــنـــا

 

كرام الـخـيم والـمـنـصــب

أحـال عـلــيهـــم دهـــر

 

حديد الـنـاب والـمـخـلـــب

فحـل بـبـهـم وقـد أمـنـــوا

 

ولـم يقـصـر ولـم يشـطــب

ومـا عـنـه إذا مـــا حـــل

 

من مـنـجـى ولا مـهـــرب

ألا يا عـين فـابــكـــيهـــم

 

بدمـع مـنـك مـسـتـغــرب

فإن أبـك فــهـــم عـــزي

 

وهـم ركـنـي وهـم مـنـكـب

وهـم أصـلـي وهـم فـرعــي

 

وهـم نـسـبـي إذا أنـســـب

وهـم مـجـدي وهـم شـرفــي

 

وهـم حـصـنـي إذا أرهـــب

وهـم رمـحـي وهـم تـرســي

 

وهـم سـيفـي إذا أغـضـــب

فكـم مـن قـائل مـنـــهـــم

 

إذا مـا قــال لـــم يكـــذب

وكـم مـن نـاطـق فــيهـــم

 

خطـيب مـصـقـع مـعــرب

وكـم مـن فـارس فـــيهـــم

 

كمـي مـعـلـم مــحـــرب

وكم من مدرة فيهم أريب حول قلب

 

 

وكم من جحفل فيهم

 

عظـيم الـنـار والـمـوكـــب

وكـم مـن خـضـرم فـيهـــم

 

نجـيب مـاجـد مـنــجـــب

صوت

قوله. أرب فيها أي أقام فيها وثبت، والولي: الثاني من أمطار السنة، أولها الوسمي، والثاني الولي، ويروى.

جرت عليها رياح الصيف فاطرقت

واطرقت: تلبدت.

الشعر لعبيد بن الأبرص، والغناء لإبراهيم هزج بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه لابن جامع رمل بالوسطى، وقد نسب لحنه هذا إلى إبراهيم ولحن إبراهيم إليه.