ذكر الأخطل وأخباره ونسبه

ذكر الأخطل وأخباره ونسبه

هو غياث بن غوث بن الصلت بن الطارقة، ويقال ابن سيحان بن عمرو بن الفدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمر بن غنم بن تغلب. ويكنى أبا مالك. وقال المدائني: هو غياث بن غوث بن سلمة بن طارقة، قال: ويقال لسلمة سلمة اللحام. قال: وبعث النعمان بن المنذر بأربعة أرماح لفرسان العرب، فأخذ أبو براء عامر بن مالك رمحاً، وسلمة بن طارقة اللحام رمحاً وهو جد الأخطل، وأنس بن مدرك رمحاً، وعمرو بن معد يكرب رمحا.

والأخطل لقبٌ غلب عليه. ذكر هارون بن الزيات عن ابن النطاح عن أبي عبيدة أن السبب فيه أنه هجا رجلاً من قومه، فقال له: يا غلام، إنك لأخطل، فغلبت عليه. وذكر يعقوب بن السكيت أن عتبة بن الزعل بن عبد الله بن عمر بن عمرو بن حبيب بن الهجرس بن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب حمل حمالةً، فأتى قومه يسأل فيها، فجعل الأخطل يتكلم وهو يومئذ غلام. فقال عتبة: من هذا الغلام الأخطل؟! فلقب به.

قال يعقوب وقال غير أبي عبيدة: إن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب، وكان لا يأتي منهم قوماً إلا أكرموه وضربوا له قبة، حتى إنه كان تمد له حبالٌ بين وتدين فتملأ له غنما. فأتى في مالك بن جشم ففعلوا ذلك به، فجاء الأخطل وهو غلام فأخرج الغنم وطردها، فسبه عتبة ورد الغنم إلى مواضعها، فعاد وأخرجها وكعبٌ ينظر إليه، فقال: إن غلامكم هذا لأخطل – والأخطل: السفيه – فغلب عليه. ولج الهجاء بينهما، فقال الأخطل فيه:

سميت كعباً بشر العـظـام

 

وكان أبوك يسمى الجعـل

وإن مـحـلـك مـن وائلٍ

 

محل القراد من است الجمل

فقال كعب: قد كنت أقول لا يقهرني إلا رجل له ذكرٌ ونبأ، ولقد أعددت هذين البيين لأن أهجى بهما منذ كذا وكذا، فغلب عليهما هذا الغلام.
وقال هارون بن الزيات حدثني قبيصة بن معاوية المهلبي قال حدثني عيسى بن إسماعيل قال حدثني القحذمي قال: وقع بين ابني جعيل وأمهما ذرءٌ من كلام، فأدخلوا الأخطل بينهم، فقال الأخطل:

لعمرك إنني وابني جعيلٍ

 

وأمهما لإستـارٌ لـئيم

فقال ابن جعيل: يا غلام، إن هذا لخطلٌ من رأيك، ولولا أن أمي سمية أمك لتركت أمك يحدو بها الركبان، فسمي الأخطل يذلك. وكان اسم أمهما وأمم الأخطل ليلى. وقال هارون حدثني إسماعيل بن مجمع عن ابن الكلبي عن قومٍ من تغلب في قصة كعب بن جعيل والأخطل بمثل ما ذكره يعقوب عن غير أبي عبيدة ممن لم يسمه، وقال فيها: وكان الأخطل يومئذ يقرزم – والقرزمة: الابتداء بقول الشعر – فقال له أبوه: أبقرزمتك تريد أن تقاوم ابن جعيل! وضربه. قال: وجاء ابن جعيل على تفئة ذلك فقال: من صاحب الكلام؟ فقال أبوه: لا تحفل به فإنه غلام أخطل. فقال له كعب:

شاهد هذا الوجه غب الحمة

فقال الأخطل:

فناك كعب بن جعيلٍ أمة

فقال كعب: ما اسم أمك؟ قال: ليلى. قال: أردت أن تعيذها باسم أمي. قال: لا أعاذها الله إذاً. وكان اسم أم الأخطل ليلى، وهي امرأة من إياد، فيسمي الأخطل يومئذ، وقال:

هجا الناس ليلى أم كعبٍ فمزقت

 

فلم يبق إلا نفنفٌ أنـا رافـعة

وقال فيه أيضاً:

هجاني المنتنان ابنا جعـيلٍ

 

وأي الناس يقتله الهجـاء

ولدتم بعد إخوتكم من استٍ

 

فهلا جئتم من حيث جاؤوا

فانصرف كعب، ولج الهجاء بينهما.
وكان نصرانياً من أهل الجزيرة. ومحله في الشعر أكبر من أن يحتاج إلى وصف. وهو وجرير والفرزدق طبقةٌ واحدة، فجعلها ابن سلام أول طبقات الإسلام. ولم يقع إجماع على أحدهم أنه أفضل، ولكل واحدٍ منهم طبقةٌ تفضله عن الجماعة.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي الفضل قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن أبي عبيدة قال: جاء رجلٌ إلى يونس فقال له: من أشعر الثلاثة؟ قال: الأخطل. قلنا: من الثلاثة؟ قال: أي ثلاثة ذكروا فهو أشعرهم. قلنا: عمن تروي هذا؟ قال: عن عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق الحضرمي وأبي عمرو بن العلاء وعنبسة الفيل وميمون الأقرن الذين ماشوا الكلام وطرقوه. أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز قال قال أبو عبيدة عن يونس، فذكر مثله وزاد فيه: لا كأصحابك هؤلاء لا بدويون ولا نحويون. فقلت للرجل: سله وبأي شيء فضلوه؟ قال: بأنه كان أكثرهم عدد طوالٍ جيادٍ ليس فيها سقطٌ ولا فحش وأشدهم تهذيباً للشعر. فقال أبو وهب الدقاق: أما إن حماد وجناداً كانا لا يفضلانه. فقال: وما حماد وجناد! لا نحويان ولا بدويان ولا يبصران الكسور ولا يفصحان، وأنا أحدثك عن أبناء تسعين أو كثر أدوا إلى أمثالهم ماشوا الكلام وطرقوه حتى وضعوا أبنيته فلم تشذ عنهم زنة كلمة، وألحقوا السليم بالسليم والمضاعف بالمضاعف والمعتل بالمعتل والأجوف بالأجوف وبنات الياء بالياء وبنات الواو بالواو، فلم تخف عليهم كلمةٌ عربية، وما علم حمادٍ وجناد!.

قال هارون حدثني القاسم بن يوسف عن الأصمعي: أن الأخطل كان يقول تسعين بيتاً ثم يختار منها ثلاثين فيطيرها.

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال أخبرنا محمد بن سلام قال سمعت سلمة بن عياش وذكر أهل المجلس جريراً والفرزدق والأخطل ففضله سلمة عليهما. قال: وكان إذا ذكر الأخطل يقول: ومن مثل الأخطل وله في كل بيت، شعرٍ بيتان! ثم ينشد قوله:

ولقد علمت إذا العشار تروحت

 

هدج الرئال تكبهن شـمـالا

أنا نعجل بالعبيط لضـيفـنـا

 

قبل العيال ونضرب الأبطالا

ثم يقول ولو قال:

ولقد علمت إذا العشـا

 

ر تروحت هدج الرئال

كان شعراً، وإذا زدت فيه تكبهن شمالاً، كان أيضاً شعراً من رويٍّ آخر.

أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال: كعب بن جعيل لقبه الأخطل، سمعه ينشد هجاءً فقال: يا غلام إنك لأخطل اللسان، فلزمته.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري فال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية قال حدثنا بعض أصحابنا عن رجل من بني سعد قال: كنت مع نوح بن جرير في ظل شجرة، فقلت له: قبحك الله وقبح أباك! أما أبوك فأفنى عمره في مديح عبد ثقيف يعني الحجاج. وأما أنت فامتدحت قثم بن العباس فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى امتدحته بقصرٍ بناه. فقال: والله لئن سؤتني في هذا الموضع لقد سؤت فيه أبي: بينا أنا آكل معه يوماً وفي فيه لقمةٌ وفي يده أخرى، فقلت: يا أبت، أنت أشعر أم الأخطل؟ فجرض باللقمة التي في فيه ورمى بالتي في يده وقال: يا بني، لقد سررتني وسؤتني. فأما سرورك إياي فلتعهدك لي مثل هذا وسؤالك عنه. وأما ما سؤتني به فلذكرك رجلاً قد مات. يا بني أدركت الأخطل وله نابٌ واحد، ولو أدركته وله ناب آخر لأكلني به، ولكني أعانتني عليه خصلتان: كبر سن، وخبث دين.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد وقال: سئل حماد الراوية عن الأخطل، فقال: ما تسألوني عن رجلٍ قد حبب شعره إلى النصرانية! قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة قال قال أبو عمرو: لو أدرك الأخطل يوماً واحداً من الجاهلية ما قدمت عليه أحداً.

قال إسحاق وحدثني الأصمعي أن أبا عمرو أنشد بيت شعر، فاستجاده وقال: لو كان للأخطل ما زاد.

وذكر يعقوب بن السكيت عن الأصمعي عن أبي عمرو: أن جريراً سئل أي الثلاثة أشعر؟ فقال: أما الفرزدق فتكلف مني ما لا يطيق. وأما الأخطل فأشدنا اجتراءً وأرمانا للفرائض. وأما أنا فمدينة الشعر.

وقال ابن النطاح حدثني الأصمعي قال: إنما أدرك جريرٌ الأخطل وهو شيخٌ قد تحطم. وكان الأخطل أسنٌ من جرير، وكان جرير يقول: أدركته وله نابٌ واحد، ولو أدركت له نابين لأكلني. قال: وكان أبو عمرو يقول: لو أدرك الأخطل يوماً واحداً من الجاهلية ما فضلت عليه أحداً.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: قال العلاء بن جرير: إذا لم يجيء الأخطل سابقاً فهو سكيتٌ، والفرزدق لا يجيء سابقاً ولا سكيتاً، وجرير يجيى سابقاً ومصلياً وسكيتاً.

وقال يعقوب بن السكيت قال الأصمعي: قيل لجرير: ما تقول في الأخطل؟ قال: كان أشدنا اجتراء بالقليل وأنعتنا للحمر والخمر.
وروى إسماعيل عن عبيد الله عن مؤرج عن شعبة عن سماك بن حرب: أن الفرزدق دخل الكوفة، فلقيه ضوء بن اللجلاج، فقال له: من أمدح أهل الإسلام؟ فقال له: وما تريد إلى ذلك؟ قال: تمارينا فيه. قال: الأخطل أمدح العرب.

وقال هارون بن الزيات حدثني هارون بن مسلم عن حفص بن عمر قال: سمعت شيخاً كان يجلس إلى يونس كان يكنى أبا حفص، فحدثه أنه سأل جريراً عن الأخطل فقال: أمدح الناس لكريمٍ وأوصفه للخمر. قال: وكان أبو عبيدة يقول: شعراء الإسلام الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق. قال أبو عبيدة: وكان أبو عمرو يشبه الأخطل بالنابغة لصحة شعره.

وقال ابن النطاح حدثني عبد الله بن رؤبة بن العجاج قال: كان أبو عمرو يفضل الأخطل.

وقال ابن النطاح حدثني عبد الرحمن بن برزج قال: كان حماد يفضل الأخطل على جرير والفرزدق. فقال له الفرزدق: إنما تفضله لأنه فاسق مثلك. فقال: لو فضلته بالفسق لفضلتك.

قال ابن النطاح قال لي إسحاق بن مرار الشيباني: الأخطل عندنا أشعر الثلاثة. فقلت: يقال إنه أمدحهم! فقال: لا والله! ولكن أهجاهم. من منهما يحسن أن يقول:

ونحن رفعنا عن سلول رماحنـا

 

وعمداً رغبنا عن دماء بني نصر

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال: قال الأخطل: أشعر الناس قبيلةً بنو قيس بن ثعلبة، وأشعر الناس بيتاً آل أبي سلمى وأشعر الناس رجل في قميصي.

أخبرني الحسن قال حدثني محمد قال حدثني الخراز عن المدائني عن علي بن حماد – هكذا قال، وأظنه علي بن مجاهد – قال: قال الأخطل لعبد الملك: يا أمير المؤمنين، زعم ابن المراغة أنه يبلغ مدحتك في ثلاثة أيام وقد أقمت في مدحتك:

خف القطين فراحوا منك أو بكروا

سنةً فما بلغت كل ما أردت. فقال عبد الملك: فأسمعناها يا أخطل، فأنشده إياها، فجعلت أرى عبد الملك يتطاول لها، ثم قال: ويحك يا أخطل! أتريد أن أكتب إلى الآفاق أنك أشعر العرب؟ قال: أكتفي بقول أمير المؤمنين. وأمر له بجفنةٍ كانت بين يديه فملئت دراهم وألقى عليه خلعاً، وخرج به مولى لعبد الملك على الناس يقول: هذا شاعر أمير المؤمنين، هذا أشعر العرب. وقال ابن الزيات حدثني جعفر بن محمد بن عيينة بن المنهال عن هشام عن عوانة قال: أنشد عبد الملك قول كثير فيه:

فما تركوها عنوةً عن مودةٍ

 

ولكن بحد المشرفي استقالها

فأعجب به. فقال له الأخطل: ما قلت لك والله يا أمير المؤمنين أحسن منه. قال: وما قلت؟ قال قلت:

أهلوا من الشهر الحرام فأصبحوا

 

موالي ملكٍ لا طريفٍ ولا غصب

جعلته لك حقاً وجعلك أخذته غصباً، قال: صدقت.

قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال أخبرنا عمر بن شبة قال أخبرنا أبو دقاقة الشامي مولى قريش عن شيخ من قريش قال: رأيت الأخطل خارجاً من عند عبد الملك، فلما انحدر دنوت منه فقلت: يا أبا مالك، من أشعر العرب؟ قال: هذان الكلبان المتعاقران من بني تميم. فقلت: فأين أنت منهما؟ قال: أنا واللات أشعر منهما. قال: فحلف باللات هزؤاً واستخفافاً بدينه.

وروى هذا الخبر أبو أيوب المديني عن المدائني عن عاصم بن شنل الجرمي أنه سأل الأخطل عن هذا، فذكر نحوه، وقال: واللات والعزى.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال ذكر الحرمازي: أن رجلاً من بني شيبان جاء إلى الأخطل فقال له: يا أبا مالك، إنا، وإن كنا بحيث تعلم من افتراق العشيرة واتصال الحرب والعداوة، تجمعنا ربيعة، وإن لك عندي نصحاً. فقال: هاته، فما كذبت. فقلت: إنك قد هجوت جريراً ودخلت بينه وبين الفرزدق وأنت غنيٌّ عن ذلك ولا سيما أنه يبسط لسانه بما ينقبض عنه لسانك ويسب ربيعة سباً لا تقدر على سب مضر بمثله والملك فيهم والنبوة قبله، فلو شئت أمسكت عن مشارته ومهارته. فقال: صدقت في نصحك وعرفت مرادك، وصلتك رحمٌ! فو الصليب والقربان لأتخلصن إلى كليب خاصةً دون مضر بما يلبسهم خزيه ويشملهم عاره. ثم اعلم أن العالم بالشعر لا يبالي وحق الصليب إذا مر به البيت المعاير السائر الجيد، أمسلمٌ قاله أم نصراني.

أخبرني وكيع قال حدثني أبو أيوب المديني عن أبي الحسن المدائني قال: أصبح عبد الملك يوماً في غداةٍ باردة، فتمثل قول الأخطل:

إذا اصطبح الفتى منها ثلاثاً

 

بغير الماء حاول أن يطولا

مشى قرشيةً لا شك فـيهـا

 

وأرخى من مآزره الفضولا

ثم قال: كأني أنظر إليه الساعة مجلل الإزار مستقبل الشمس في حانوت من حوانيت دمشق، ثم بعث رجلاً يطلبه فوجده كما ذكره.
وقال هارون بن الزيات حدثني طائع عن الأصمعي قال: أنشد أبو حية النميري يوماً أبا عمرو:

يا لمعدٍّ ويا للناس كلـهـم

 

ويا لغائبهم يوماً ومن شهدا

كأنه معجبٌ بهذا البيت، فجعل أبو عمرو يقول له: إنك لتعجب بنفسك كأنك الأخطل.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الغلابي عن عبد الرحمن التيمي عن هشام بن سليمان المخزومي: أن الأخطل قدم على عبد الملك، فنزل على ابن سرحون كاتبه. فقال عبد الملك: على من نزلت؟ قال: على فلان. قال: قاتلك الله! ما أعلمك بصالح المنازل! فما تريد أن ينزلك؟ قال: درمكٌ من درمككم هذا ولحمٌ وخمر من بيت رأس. فضحك عبد الملك ثم قال له: ويلك! وعلى أي شيء اقتتلنا إلا على هذا!. ثم قال: ألا تسلم فنفرض لك في الفيء ونعطيك عشرة آلاف؟ قال: فكيف بالخمر؟ فال: وما تصنع بها وإن أولها لمر وإن آخرها لسكر! فقال: أما إذ قلت ذلك فإن فيما بين هاتين لمنزلةً ما ملكك فيها إلا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع. فضحك ثم قال: ألا تزور الحجاج! فإنه كتب يستزيرك. فقال: أطائعٌ أم كاره؟ قال: بل طائع. قال: ما كنت لأختار نواله على نوالك ولا قربه على قربك، إنني إذاً لكما فال الشاعر:

كمبتاعٍ ليركبه حـمـاراً

 

تخيره من الفرس الكبير

فأمر له بعشرة آلاف درهم وأمره بمدح الحجاج؟ فمدحه بقوله:

صرمت حبالك زينبٌ ورعوم

 

وبدا المجمجم منهما المكتوم

ووجه بالقصيدة مع ابنه إليه وليست من جيد شعره.
وقال هارون بن الزيات حدثني محمد بن إسماعيل عن أبي غسان قال: ذكروا الفرزدق وجريراً في حلقة المدائني، فقلت لصباح بن خاقان: أنشدك بيتين للأخطل وتجيء لجرير والفرزدق بمثلهما؟ قال: هات، فأنشدته:

ألم يأتها أن الأراقـم فـلـقـت

 

جماجم قيسٍ بين راذان والحضر

جماجم قومٍ لم يعافـوا ظـلامةً

 

ولم يعرفوا أين الوفاء من الغدر

قال: فسكت.
قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة أن يونس سئل عن جرير والفرزدق والأخطل: أيهم أشعر؟ قال: أجمعت العلماء على الأخطل. فقلت لرجل إلى جنبه: سله ومن هم؟ فقال: من شئت، ابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن، هؤلاء طرقوا الكلام وماشوه لا كمن تحكمون عنه لا بدويين ولا نحويين. فقلت !لرجل: سله: وبأي شيء فضل على هؤلاء؟ قال: بأنه كان أكثرهم عدد قصائد طوالٍ جيادٍ ليس فيها فحش ولا سفط. قال أبو عبيدة: فنظرنا في ذلك فوجدنا للأخطل عشراً بهذه الصفة وإلى جانبها عشراً إن لم تكن مثلها فليست بدونها، ووجدنا لجرير بهذه الصفة ثلاثاً. قال إسحاق: فسألت أبا عبيدة عن العشر فقال:

عفا واسطٌ من آل رضوى فنبتل

وتأبد الربع من سلمى بأحفار

وخف القطين فراحوا منك وابتكروا

وكذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ

ودع المعمر لا تسأل بمصرعه

ولمن الديار بحائلٍ فوعال

قال إسحاق: ولم أحفظ بقية العشر. قال: وقصائد جرير:

حي الهدملة من ذات المواعيس

وألا طرقتك وأهلي هجود

وأهوى أراك برامتين وقودا

قال وقال أبو عبيدة: الأخطل أشبه بالجاهلية وأشدهم أسر شعرٍ وأقلهم سقطا وأخبرنا الجوهري عن عمر بن شبة عن أبي عبيدة مثله. وفي بعض هذه القصائد التي ذكرت للأخطل أغانٍ هذا موضع ذكرها.
منها:

تأبد الربع من سلمى بأحـفـار

 

وأقفرت من سليمى دمنة الدار

وقد تحل بها سلمى تجاذبـنـي

 

تساقط الحلي حاجاتي وأسراري

غناه عمر الوادي هزجاً بالسبابة في مجرى الوسطى. وسنذكر خبر هذا الشعر في أخبار عبد الرحمن بن حسان لما هجاه الأخطل وهجا الأنصار، إذ كان هذا الشعر قيل في ذلك.
ومنها:

خف القطين فراحوا منك وابتكروا

 

وأزعجتهم نوىً في صرفها غير

كأنني شارب يوم استـبـد بـهـم

 

من قهوةٍ ضمنتها حمص أو جدر

جادت بها من ذوات القار مترعةٌ

 

كلفاء ينحت عن خرطومها المدر

غناه إبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر. ولابن سريج فيه رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه رمل آخر يقال: إنه لعلوية، ويقال: إنه لإبراهيم. وفيه لعلوية خفيف ثقيل آخر لا يشك فيه.

وقال هارون بن الزيات حدثني ابن النطاح عن أبي عمرو الشيباني عن رجل من كلب يقال له مهوش عن أبيه: أن عمر بن الوليد بن عبد الملك سأل الأخطل عن أشعر الناس، قال: الذي كان إذا مدح رفع، وإذا هجا وضع. قال: ومن هو؟ قال: الأعشى. قال: ثم من؟ قال: ابن العشرين يعني طرفة. قال: ثم من؟ قال: أنا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أخبرنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثنا أبو قحافة المري عن أبيه قال: دخل الأخطل على بشر بن مروان وعنده الراعي، فقال له بشرٌ: أنت أشعر أم هذا؟ قال: أنا أشعر منه وأكرم.

فقال للراعي: ما تقول! قال: أما أشعر مني فعسى، وأما أكرم فإن كان في أمهاته من ولدت مثل الأمير فنعم. فلما خرج الأخطل قال له رجلٌ: أتقول لخال الأمير أنا أكرم منك!. قال: ويلك! إن أبا نسطوس وضع في رأسي أكؤساً ثلاثاً، فوالله ما أعقل معها.

قال: ودخل الأخطل على عبد الملك بن مروان، فاستنشده، فقال: قد يبس حلقي، فمر من يسقيني. فقال: اسقوه ماء. فقال: شراب الحمار، وهو عندنا كثير. قال: فاسقوه لبناً. قال: عن اللبن فطمت. قال: فاسقوه عسلاً. قال: شراب المريض. قال: فتريد ماذا؟ قال: خمراً يا أمير المؤمنين. قال: أو عهدتني أسقي الخمر لا أم لك! لولا حرمتك بنا لفعلت بك وفعلت!. فخرج فلقي فراشاً لعبد الملك فقال: ويلك! إن أمير المؤمنين استنشدني وقد صحل صوتي، فاسقني شربة خمر فسقاه، فقال: اعدله بآخر فسقاه آخر. فقال: تركتهما يعتركان في بطني، إسقني ثالثاً فسقاه ثالثاً. فقال: تركتني أمشي على واحدة، إعدل ميلي برابع فسقاه رابعاً، فدخل على عبد الملك فأنشده:

خف القطين فراحوا منك وابتكروا

 

وأزعجتهم نوًى في صرفها غير

فقال عبد الملك: خذ بيده يا غلام فأخرجه، ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره، وأحسن جائزته، وقال: إن لكل قوم شاعراً وإن شاعر بني أمية الأخطل. أخبرني أبو خليفة إجازةً عن محمد بن سلام قال قال أبان بن عثمان حدثني سماك بن حرب عن ضوء بن اللجلاج قال: دخلت حماماً بالكوفة وفيه الأخطل، قال فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني ذهل. قال: أتروي للفرزدق شيئاً؟ قلت نعم. قال: ما أشعر خليلي! على أنه ما أسرع ما رجع في هبته. قلت: وما ذاك؟ قال قوله:

أبنى غدانة إنني حررتـكـم

 

فوهبتكم لعطية بن جـعـال

لولا عطية لاجت دعت أنوفكم

 

من بين ألام آنفٍ وسـبـال

وهبهم في الأول ورجع في الآخر. فقلت: لو أنكر الناس كلهم هذا ما كان ينبغي أن تنكره أنت. قال: كيف؟ قلت: هجوت زفر بن الحارث ثم خوفت الخليفة منه فقلت:

بني أمية إني ناصحٌ لـكـم

 

فلا يبيتن فيكم آمنـا زفـر

مفترشاً كافتراش الليث كلكله

 

لوقعةٍ كائنٍ فيها له جـزر

ومدحت عكرمة بن ربعي فقلت:

قد كنت أحسبه قيناً وأخبـره

 

فاليوم طير عن أثوابه الشرر

قال: لو أردت المبالغة في هجائه ما زدت على هذا. فقال له الأخطل: والله لولا أنك من قوم سبق لي منهم ما سبق لهجوتك هجاءً يدخل معك قبرك. ثم قال:

ما كنت هاجي قومٍ بعد مدحهم

 

ولا تكدر نعمى بعد ما تجب

أخرج عني.

وقال هارون بن الزيات حدثني أحمد بن إسماعيل الفهري عن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن ميمون عن معن بن خلاد عن أبيه قال: لما استنزل عبد الملك زفر بن الحارث الكلابي من قرقيسيا، أقعده معه على سريره، فدخل عليه ابن ذي الكلاع. فلما نظر إليه مع عبد الملك على السرير بكى. فقال له: ما يبكيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك، ثم هو معك على السرير وأنا على الأرض! قال: إني لم أجلسه معي أن يكون أكرم علي منك، ولكن لسانه لساني وحديثه يعجبني. فبلغت الأخطل وهو يشرب فقال: أما والله لأقومن في ذلك مقاماً لم يقمه ابن ذي الكلاع! ثم خرج حتى دخل على عبد الملك. فلما ملأ عينه منه قال:

وكأسٍ مثل عين الديك صرفٍ

 

تنسي الشاربين لها العقـولا

إذا شرب الفتى منها ثـلاثـاً

 

بغير الماء حاول أن يطـولا

مشى قرشية لا شك فـيهـا

 

وأرخى من مآزره الفضولا

فقال له عبد الملك: ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطةٌ في رأسك. قال: أجل والله يا أمير المؤمنين حين تجلس عدو الله هذا معك على السرير وهو القائل بالأمس:

وقد ينبت المرعى على دمن الثرى

 

وتبقى حزازات النفوس كما هـيا

قال: فقبض عبد الملك رجله ثم ضرب بها صدر زفر فقلبه عن السرير وقال: أذهب الله حزازات تلك الصدور. فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين والعهد الذي أعطيتني!. فكان زفر يقول: ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال.

وقال هارون بن الزيات حدثني هارون بن مسلم عن سعيد بن الحارث عن عبد الخالق بن حنظلة الشيباني قال: قال الأخطل: فضلت الشعراء في المديح والهجاء والنسيب بما لا يلحق بي فيه. فأما النسيب فقولي:

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بـدر

 

وإن كان حيانا عدًى آخر الدهـر

من الخفرات البيض أما وشاحهـا

 

فيجري وأما القلب منها فلا يجري

تموت وتحيا بالضجيع وتـلـتـوي

 

بمطرد المتنين منبتر الـخـصـر

وقولي في المديح:

نفسي فداء أمير المؤمنـين إذا

 

أبدى النواجذ يوماً عارمٌ ذكـر

الخائض الغمرة الميمون طائره

 

خليفة الله يستسقى به المطـر

وقولي في الهجاء:

وكنت إذا لقيت عبـيد تـيمٍ

 

وتيماً قلت أيهم العـبـيد

لئيم العالمين يسود تـيمـاً

 

وسيدهم وإن كرهوا مسود

قال عبد الخالق: وصدق لعمري، لقد فضلهم.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة عن أحمد بن معاوية عن محمد بن داود قال: طلق أعرابيٌّ امرأته فتزوجها الأخطل، وكان الأخطل قد طلق امرأته قبل ذلك. فبينا هي معه إذ ذكرت زوجها الأول فتنفست، فقال الأخطل:

كلانا على هم يبيت كـأنـمـا

 

بجنبيه من مس الفراش قروح

على زوجها الماضي تنوح وإنني

 

على زوجتي الأخرى كذلك أنوح

أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش: أن الأخطل قال لعبد الملك بن المهلب: ما نازعتني نفسي قط إلى مدح أحدٍ ما نازعتني إلى مدحكم، فأعطني عطيةً تبسط بها لساني، فوالله لأردينكم أرديةً لا يذهب صقالها إلى يوم القيامة. فقال: أعلم والله يا أبا مالك أنك بذلك ملىء، ولكني أخاف أن يبلغ أمير المؤمنين أني أسأل في غرم وأعطى الشعراء فأهلك ويظن ذلك مني حيلةً. فلما قدم على إخوته لاموه كل اللوم فيما فعله. فقال: قد أخبرته بعذري.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال أبو الخطاب حدثني نوح بن جرير قال: قلت لأبي: أنت أشعر أم الأخطل؟ فنهرني وقال: بئس ما قلت! وما أنت وذاك لا أم لك! فقلت: وما أنا وغيره! قال: لقد أعنت عليه بكفر وكبر سن، وما رأيته إلا خشيت أن يبتلعني.

أخبرني عمي عن الكراني عن دماذ عن أبي عبيدة قال: قال رجل لأبي عمرو: يا عجباً للأخطل! نصراني كافر يهجو المسلمين!. فقال أبو عمرو: يالكع! لقد كان الأخطل يجيء وعليه جبة خز وحرز خز، في عنقه سلسلة ذهب فيها صليب ذهب تنفض لحيته خمراً حتى يدخل على عبد الملك بن مروان بغير إذن.

وقال هارون حدثني أحمد بن إسماعيل الفهري عن أحمد بن عبد الله بن علي الدوسي عن معقل بن فلان عن أبيه عن أبي العسكر قال: كنا بباب مسلمة بن عبد الملك، فتذاكرنا الشعراء الثلاثة، فقال أصحابي: حكمناك وتراضينا بك. فقلت: نعم، هم عندي كأفراسٍ ثلاثةٍ أرسلتهن في رهانٍ، فأحدها سابقٌ الدهر كله، وأحدها مصلٍّ، وأحدها يجيء أحياناً سابق الريح وأحياناً سكيتاً وأحياناً متخلفاً. فأما السابق في كل حالاته فالأخطل. وأما المصلى في كل حالاته فالفرزدق. وأما الذي يسبق الريح أحياناً ويتخلف أحياناً فجرير، ثم أنشد له:

سرى لهم ليلٌ كأن نجومه

 

قناديل فيهن الذبال المفتل

وقال: أحسن في هذا وسبق. ثم أنشد:

التغلبية مهرها فلسـان

 

والتغلبي جنازة الشيطان

وقال: تخلف في هذه. فخرجنا من عنده على هذا.
وقال هارون بن الزيات حدثني محمد بن عمرو الخرجاني عن أبيه: أن الفرزدق والأخطل، بينا هما يشربان وقد اجتمعا بالكوفة في إمارة بشر بن مروان إذ دخل عليهما فتى من أهل اليمامة، فقالا له: هل تروي لجرير شيئاً؟ فأنشدهما:

لو قد بعثت على الفرزدق ميسمي

 

وعلى البعيث لقد نكحت الأخطلا

فأقبل الفرزدق فقال: يا أبا مالك، أتراه إن وسمني يتوركك على كبر سنك! ففزع الفتى فقام وقال!: أنا عائذٌ بالله من شركما. فقالا: اجلس لا بأس عليك! ونادماه بقية يومهما.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال أخبرنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو يعلى قال حدثني عبد السلام بن حرب قال: نزل الفرزدق على الأخطل ليلاً وهو لا يعرفه، فجاءه بعشاءٍ ثم قال له: إني نصراني وأنت حنيفٌ، فأي الشراب أحب إليك؟ قال: شرابك. ثم جعل الأخطل لا ينشد بيتاً إلا أتم الفرزدق القصيدة. فقال الأخطل: لقد نزل بي الليلة شر، من أنت؟ قال: الفرزدق بن غالب. قال: فسجد لي وسجدت له. فقيل للفرزدق في ذلك، فقال: كرهت أن يفضلني. فنادى الأخطل: يا بني تغلب هذا الفرزدق. فجمعوا له إبلاً كثيرة. فلما أصبح فرقها ثم شخص.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان مما يقدم به الأخطل أنه كان أخبثهم هجاءً في عفافٍ عن الفحش. وقال الأخطل: ما هجوت أحداً قط بما تستحي العذراء أن تنشده أباها.
أخبرني أحمد وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا بن شبة قال حدثني محمد بن عباد الموصلي قال: خرج يزيد بن معاوية معه عام حج بالأخطل. فاشتاق يزيد أهله فقال:

بكى كل ذي شجوٍ من الشأم شاقه

 

تهامٍ فأنى يلتقـي الـشـجـيان

أجز يا أخطل، فقال:

يغور الذي بالشأم أو ينجد الذي

 

بغور تهاماتٍ فـيلـتـقـيان

أخبرني أحمد وحبيب قالا حدثنا عمر بن شبة قال: قيل لأبي العباس أمير المؤمنين: إن رجلاً شاعراً قد مدحك، فتسمع شعره؟ قال: وما عسى أن يقول في بعد قول ابن النصرانية في بني أمية:

شمس العداوة حتى يستقاد لهـم

 

وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا

أخبرني به وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي بمثله.

قال هارون وحدثني هارون بن سليمان عن الحسن بن مروان التميمي عن أبي بردة الفزاري عن رجل من تغلب قال: لحظ الأخطل شكوةً لأمه فيها لبن وجراباً فيه تمر وزبيب، وكان جائعاً وكان يضيق عليه، فقال لها: يا أمه، آل فلان يزورونك ويقضون حقك وأنت لا تأتينهم وعندهم عليلٌ، فلو أتيتهم لكان أجمل وأولى بك. قالت: جزيت خيراً يا بني! لقد نبهت على مكرمةٍ. وقامت فلبست ثيابها ومضت إليهم. فمضى الأخطل إلى الشكوة ففرغ ما فيها وإلى الجراب فأكل التمر والزبيب كله. وجاءت فلحظت موضعها فرأته فارغاً، فعلمت أنه قد دهاها، وعمدت إلى خشبة لتضربه بها، فهرب وقال:

ألم على عنبات العجوز

 

وشكوتها من غياثٍ لمم

فظلت تنادي ألا ويلهـا

 

وتلعن واللعن منها أمم

وذكر يعقوب بن السكيت هذه القصة، فحكى أنها كانت مع امرأةٍ لأبيه لها منه بنون، فكانت تؤثرهم باللبن والتمر والزبيب وتبعث به يرعى أعنزاً لها. وسائر القصة والشعر متفق. وقال في خبره: وهذا أول شعر قاله الأخطل.
أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن علي بن فيروز عن الأصمعي عن أمامة ورعوم اللتين قال فيهما الأخطل:

صرمت أمامة حبلها ورعوم

ورعوم وأمامة بنتا سعيد بن إياس بن هانىء بن قبيصة، وكان الأخطل نزل عليه فأطعمه وسقاه خمراً وخرجتا وهما جويريتان فخدمتاه. ثم نزل عليه ثانيةً وقد كبرتا فحجبتا عنه، فسأل عنهما وقال: فأين ابنتاي؟ فأخبر بكبرهما، فنسب بهما. قال: والرعوم هي التي كانت عند قتيبة بن مسلم وكان يقال لها أم الأخماس، تزوجت في أخماس البصرة محمد بن المهلب وعامر بن مسمع وعباد بن الحصين وقتيبة بن مسلم، وكان يقال لها الجارود.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال قال أبو عبد الملك: كانت بكر بن وائل إذا تشاجرت في شيء رضيت بالأخطل، وكان يدخل المسجد فيقدمون إليه. قال: فرأيته بالجزيرة وقد شكي إلى القس وقد أخذ بلحيته وضربه بعصاه وهو يصيء كما يصيء الفرخ. فقلت له: أين هذا مما كنت فيه بالكوفة؟ فقال: يا بن أخي، إذا جاء الدين ذللنا.
وقال يعقوب بن السكيت زعم غيلان عن يحيى بن بلال عن عمر بن عبد الله عن داود بن المساور قال: دخلت إلى الأخطل فسلمت عليه، فنسبني فانتسبت، واستنشدته فقال: أنشدك حبة قلبي، ثم أنشدني:

لعمري لقد أسريت لا لـيل عـاجـز

 

بسلهبة الخـدين ضـاوية الـقـرب

إليك أمير المؤمـنـين رحـلـتـهـا

 

على الطائر الميمون والمنزل الرحب

فقلت: من أشعر الناس؟ قال: الأعشى. قلت: ثم من؟ قال: ثم أنا.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه عن أبي أيوب المديني عن المدائني قال: إمتدح الأخطل هشاماً فأعطاه خمسمائة درهم، فلم يرضها وخرج فاشترى بها تفاحاً وفرقه على الصبيان. فبلغ ذلك هشاماً فقال: قبحه الله! ما ضر إلا نفسه.
وقال يعقوب بن السكيت حدثني سلمة النميري – وتوفي وله مائةٌ وأربعون سنة – أنه حضر هشاماً وله يومئذ تسع عشرة سنة وحضر جريرٌ والفرزدق والأخطل عنده، فأحضر هشامٌ ناقةً له فقال متمثلاً:

أنيخها ما بدا لي ثم أرحلها

ثم قال: أيكم أتم البيت كما أريد فهي له. فقال جرير:

كأنها نقنقٌ يعدو بصحراء

فقال: لم تصنع شيئاً. فقال الفرزدق:

كأنها كاسرٌ بالدو فتخاء

فقال: لم تغن شيئاً. فقال الأخطل:

ترخي المشافر واللحيين إرخاء

فقال: اركبها لا حملك الله!.

وقال هارون بن الزيات حدثني الخراز عن المدائني قال: هجت الأخطل جاريةٌ من قومه، فقال لأبيها: يا أبا الدلماء، إن ابنتك تعرضت لي فاكففها. فقال له: هي امرأةٌ مالكةٌ لأمرها. فقال الأخطل.

ألا أبلغ أبا الدلماء عـنـي

 

بأن سنان شاعركم قصير

فإن يطعن فليس بذي غناءٍ

 

وإن يطعن فمطعنه يسير

متى ما ألقه ومعي سلاحي

 

يخر على قفاه فلا يحـير

فمشى أبوها في رجال من قومه إلى الأخطل فكلموه، فقال: أما ما مضى فقد مضى ولا أزيد.

أخبرنا أبو خليفة إجازةً عن محمد بن سلام قال: لما حضرت الأخطل الوفاة قيل له: يا أبا مالك، ألا توصي؟ فقال:

أوصي الفرزدق عند الممات

 

بأم جـريرٍ وأعـيارهــا

وزار القبور أبـو مـالـكٍ

 

برغم العـداة وأوتـارهـا

أخبرنا أبو خليفة إجازةً عن محمد بن سلام قال قال لي معاوية بن أبي عمرو بن العلاء: أي البيتين عندك أجود: قول جرير:

ألستم خير من ركب المطايا

 

وأندى العالمين بطون راح

أم قول الأخطل:

شمس العداوة حتى يستفاد لهـم

 

وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا

فقلت: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل وأرزن. فقال: صدقت، وهكذا كانا في أنفسهما عند الخاصة والعامة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الحلبي وجعفر بن سعيد أن رجلاً سأل حمادا الراوية عن الأخطل فقال: ويحكم! ما أقول في شعر رجلٍ قد والله حبب إلي شعره النصرانية!.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو عثمان الأشنانداني عن أبي عبيدة قال: كان يونس بن حبيب وعيسى بن عمر وأبو عمرو يفضلون الأخطل على الثلاثة.

وقال هارون بن الزيات حدثني أبو عثمان المازني عن العتبي عن أبيه: أن سليمان بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز: أجريرٌ أشعر أم الأخطل؟ فقال له: أعفني. قال: لا والله لا أعفيك. قال: إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريراً وسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل منه حيث رأيت. فقال له سليمان: فضلت والله الأخطل.

قال هارون وحدثني أبو عثمان عن الأصمعي عن خالد بن كلثوم قال: قال عبد الملك للفرزدق: من أشعر الناس في الإسلام؟ قال: كفاك بابن النصرانية إذا مدح.

أخبرنا أحمد وحبيب قالا حدثنا عمر بن شبة قال: حدثت أن الحجاج بن يوسف أوفد وفداً إلى عبد الملك وفيهم جريرٌ. فجلس لهم ثم أمر بالأخطل فدعي له، فلما دخل عليه قال له: يا أخطل، هذا سبك – يعني جريراً – وجريرٌ جالسٌ- فأقبل عليه جريرٌ فقال: أين تركت خنازير أمك؟! قال: راعيةً مع أعيار أمك، وإن أتيتنا قريناك منها. فأقبل جرير على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إن رائحة الخمر لتفوح منه. قال: صدق يا أمير المؤمنين، وما اعتذاري من ذلك!.

تعيب الخمر وهي شراب كسرى

 

ويشرب قومك العجب العجيبـا

مني العبد عـبـد أبـي سـواج

 

أحق من المدامة أن تـعـيبـا

فقال عبد الملك: دعوا هذا، وأنشدني يا جرير، فأنشده ثلاث قصائد كلها في الحجاج يمدحه بها، فأحفظ عبد الملك، وقال له: يا جرير، إن الله لم ينصر الحجاج وإنما نصر خليفته ودينه. ثم أقبل على الأخطل فقال:

شمس العداوة حتى يستقاد لهـم

 

وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا

فقال عبد الملك: هذه المزمرة، والله لو وضعت على زبر الحديد لأذابتها. ثم أمر له بخلعٍ فخلعت عليه حتى غاب فيها، وجعل يقول: إن لكل قومٍ شاعراً، وإن الأخطل شاعر بني أمية فأما قول الأخطل:

مني العبد عبد أبي سواجٍ

فأخبرني بخبر أبي سواجٍ علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي قالا حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا محمد بن حبيب وأبو غسان دماذ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أن أبا سواج وهو عباد بن خلف الضبي جاور بني يربوع، وكانت له فرسٌ يقال لها بذوة، وكان لصرد بن جمرة اليربوعي فرس يقال لها القضيب، فتراهنا عشرين بعشرين، فسبقت بذوة فظلمه ابن جمرة حقه ومنعه سبقه، وجعل يفجر بامرأته. ثم إن أبا سواج ذهب إلى البحرين يمتار، فلما أقبل راجعاً، وكان رجلاً شديداً معجباً بنفسه، جعل يقول وهو يحدو:

يا ليت شعري هل بغت من بعدي

فسمع قائلاً يقول من خلفه:

نعم بمكوي قفاه جعدي

فعاد إلى قوله فأجابه بمثل ذلك. وقدم إلى منزله فأقام به مدةً، فتغاضب صرد على امرأة أبي سواج وقال: لا أرضى أو تقدي من است أبي سواج سيراً. فأخبرت زوجها بذلك فقام إلى نعجةٍ له فذبحها وقد من باطن أليتيها سيراً فدفعه إليها، فجعله صرد بن جمرة في نعله، فقال لقومه: إذا أقبلت وفيكم أبو سواج فسلوني من أين أقبلت ففعلوا، فقال: من ذي بليان وأريد ذابليان، وفي نعلي شراكان، من است إنسان. فقام أبو سواج: فطرح ثوبه وقال: أنشدكم الله! هل ترون بأساً؟ ثم أمر أبو سواج غلامين له راعيين أن يأخذا أمةً له فيتراوحاها، ودفع إليهما عساً وقال: لئن قطرت منكما قطرةٌ في غير العس لأقتلنكما. فباتا يتراوحانها ويصبان ما جاء منهما في العس، وأمرهما أن يحلبا عليه فحلبا حتى ملأاه، ثم قال لامرأته: والله لتسقنه صرد أو لأقتلنك: واختبأ وقال: ابعثي إليه حتى يأتيك ففعلت. وأتاها لعادتها كما كان يأتيها، فرحبت به واستبطأته ثم قامت إلى العس فناولته إياه. فلما ذاقه رأى طعماً خبيثاً وجعل يتمطق من اللبن الذي يشرب وقال: إني أرى لبنكم خاثراً، أحسب إبلكم رعت السعدان.

فقالت: إن هذا من طول مكثه في الإناء، أقسمت عليك إلا شربته. فلما وقع في بطنه وجد لموت، فخرج إلى أهله ولا يعلم أصحابه بشيء من أمره. فلما جن على أبي سواج الليل أتى أهله وغلمانه فانصرفوا إلى قومه وخلف الفرس وكلبه في الدار، فجعل الكلب ينبح والفرس يصهل، وذلك ليظن القوم أنه لم يرتحل. فساروا ليلتهم والدار ليس فيها غيره وكلبه وفرسه وعسه. فلما أصبح ركب فرسه وأخذ العس فأتى مجلس بني يربوع فقال: جزاكم الله من جيرانٍ خيراً! فقد أحسنتم الجوار، وفعلتم ما كنتم له أهلاً. فقالوا له: يا أبا سواج، ما بدا لك في الانصراف عنا؟ قال: إن صرد بن جمرة لم يكن فيما بيني وبينه محسناً، وقد قلت في ذلك:

إن المـنـي إذا سـرى

 

في العبد أصبح مسمغدا

أتنال سلمـى بـاطـلاً

 

وخلقت يوم خلقت جلدا

صرد بن جمرة هل لقي

 

ت رثيئة لبناً وعصـدا

واعلموا أن هذا القدح قد أحبل منكم رجلاً وهو صرد بن جمرة. ثم رمى بالعس على صخرةٍ فانكسر وركض فرسه. وتنادوا: عليكم الرجل، فأعجزهم ولحق بقومه. وقال في ذلك عمر بن لجأ التيمي:

تمسح يربـوعٌ سـبـالاً لـئيمةً

 

بها من مني العبد رطبٌ ويابس

وإياه عنى الأخطل بقوله:

ويشرب قومك العجب العجيبا

??أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال زعم محمد بن حفص بن عائشة التيمي عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب قال: قدمت الشام وأنا شاب مع أبي، فكنت أطوف في كنائسها ومساجدها؛ فد خلت كنيسة دمشق، وإذا الأخطل فيها محبوس، فجعلت. أنظر إليه. فسأل عني فأخبر بنسبي، فقال: يا فتى، إنك لرجل شريف، وإنى أسألك حاجة.

فقلت: حاجتك مقضيه. قال إن القس حبسني هاهنا فتكلمه ليخلي عني. فأتيت القس فانتسبت له، فرحب وعظم، قلت: إن لي إليك حاجة. قال: ما حاجتك؟ قلت: الأخطل تخلي عنه. قال: أعيذك بالله من هذا! مثلك لا يتكلم فيه، فاسق يشتم أعراض الناس ويهجوهم! فلم أزل أطلب إليه حتى مضى معي متكئا على عصاه، فوقف عليه ورفع عصاه وقال: يا عدو الله! أتعود تشتم الناس وتهجوهم وتقذف المحصنات! وهو يقول: لست بعائد ولا أفعل، ويستخذي له. قال: فقلت له: يا أبا مالك، الناس يهابونك والخليفة يكرمك وقدرك في الناس قدرك، وأنت تخضع لهذا هذا الخضوع وتستخذي له!. قال: فجعل يقول لي: إنه الدين! إنه الدين!.
أخبرنا اليزيدي عن عمه عبيد الله عن ابن حبيب عن الهيثم بن عدي قال: كانت امرأة الأخطل حاملا، وكان متمسكا بدينه. فمر به الأسقف يوما. فقال لها: الحقيه فتمسحي به؛ فعدت فلم تلحق إلا ذ نب حماره فتمسحت به ورجعت. فقال لها: هو وذنب حماره سواء.
أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال حدثني يونس قال قال أبو الغراف. سمع هشام بن عبد الملك الأخطل وهو يقول:

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد

 

ذخرا يكون كصالح الأعمـال

فقال: هنيئا لك أبا مالك هذا الإسلام!. فقال له: يا أمير المؤمنين ، مازلت مسلماً في ديني. أخبرني أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال حدثني يونس وعبد الملك وأبو الغراف فألفت ما قالوا، قالوا: أتى الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثري الشيباني فسأله في حمالة، فقال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين. قال: وما بال الألفين وما بال الدرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين لم يعطكها إلا قليل، وإن أعطيتك درهمين لم يبق في الكوفة بكري إلا أعطاك درهمين؛ وكتبنا إلى إخواننا بالبصرة فلم يبق بكري بها إلا أعطاك درهمين، فخفت عليهم المئونة وكثر لك النيل. فقال: فهذه إذاً. فقال: نقسمها لك على أن ترد علينا. فكتب بالبصرة إلى سويد بن منجوف السدوسي فقدم البصرة – فقال يونس في حديثه – فنزل على آل الصلت بن حريث الحنفي فأخبر من سمعه يقول : والله لا أزال أفعل ذلك. ثم رجع الحديث الأول: فأتى سويداً فأخبره بحاجته. فقال نعم! وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد أتاكم يسألكم أن تجمعوا له، وهو الذي يقول:

إذا ما قلت قد صالحت بكراً

 

أبى البغضاء والنسب البعيد

وأيام لنـاولـهـم طـوال

 

يعض الهام فيهن الحـديد

ومهراق الدماء بـواردات

 

تبيد المخزيات ولا تـبـيد

هما أخوان يصطليان نـاراً

 

رداء الحرب بينهما جـديد

فقالوا: فلا والله لا نعطيه شيئا. فقال الأخطل:

فإن تبخل سدوس بدرهميها

 

فإن الريح طـيبة قـبـول

تواكلني بنو العلات منهـم

 

وغالت مالكاً ويزيد غـول

صريعاً وائل هلكاً جميعـاً

 

كأن الأرض بعدهما محول

وقال في سويد بن منجوف – وكان رجلا ليس بذي منظر -:

وما جذع سوء خرب السوس أصله

 

لما حملـتـه وائل بـمـطـيق

أخبرنا أبو خليفة قال قال محمد بن سلام: كان الأخطل مع مهارته وشعره يسقط أحيانا: كان مدح سماكاً الأسدي، وهو سماك الهالكي من بني عمرو بن أسد، وبنو عمرو يلقبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها؛ فخرج أيام علي هارباً فلحق بالجزيرة، فمدحه الأخطل فقال:

نعم المجير سماك من بني أسد

 

بالقاع إذ قتلت جيرانها مضـر

قد كنت أحسبه قيناً وأخـبـره

 

فاليوم طيرعن أثوابه الشـرر

إن سماكاً بني مجداً لأسـرتـه

 

حتى الممات وفعل الخير يبتدر

فقال سماك: يا أخطل: أردت مدحي فهجوتني، كان الناس يقولون قولا فحققته. فلما هجا سويداً قال له سويد: والله يا أبا مالك، ما تحسن تهجو ولا تمدح؛ لقد أردت مدح الأسدي فهجوته- يعني قوله:

قد كنت أحسبه قينـا وأنـبـؤه

 

فاليوم طير عن أثوابه الشـرر

إن سماكاً بني مجداً لأسـرتـه

 

حتى الممات وفعل الخير يبتدر

– وأردت هجائي فمدحتني، جعلت وائلاً حملتني أمورها، وما طمعت في بني تغلب فضلاً عن بكر.
أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبان البجلي قال: مر الأخطل بالكوفة في بني رؤاس ومؤذنهم ينادي بالصلاة. فقال له بعض فتيانهم: ألا تدخل يا أبا مالك فتصلي؟ فقال:

أصلي حيث تدركني صلاتي

 

وليس البر عند بني رؤاس

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو الحصين الأموي قال: بينا الأخطل قد خلا بخميرة له في نزهة مع صاحب له، وطرأ عليهما طارىء لا يعرفانه ولا يستخفانه، فشرب شرابهما وثقل عليهما. فقال الأخطل في ذلك:

وليس القذى بالعود يسقط في الإنـا

 

ولا بذباب خطبـه أيسـر الأمـر

ولكن شخصاً لا نسـر بـقـربـه

 

رمتنا به الغيظان من حيث لا ندري

يروي:

ولكن قذاها زائر لا نحبه

وهو الجيد. الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وقد أخبرنا بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري قال حدثنا الهيثم بن عدي عن ابن عياش قال: بينا الأخطل جالس عند امرأة من قومه، وكان أهل البدو إذ ذاك يتحدث رجالهم إلى النساء لا يرون بذلك بأساً، وبين يديه باطية شراب والمرأة تحدثه وهو يشرب، إذ دخل رجل فجلس، فثقل على الأخطل وكره أن يقول له قم استحياءً منه. وأطال الرجل الجلوس إلى أن أقبل ذباب فوقع في الباطية في شرابه؛ فقال الرجل: يا أبا مالك، الذباب في شرابك. فقال:

وليس القذى بالعود يسقط في الخمر

 

ولا بذباب نزعـه أيسـر الأمـر

ولكن قـذاهـا زائر لا نـحـبـه

 

رمتنا به الغيطان من حيث لا ندري

قال: فقام الرجل فانصرف.
وأخبرني عمي رحمه الله بهذا الحديث عن الكراني عن الزيادي عن علي بن الحفار أخي أبي الحجاج : أن الأخطل جاء إلى معبد في قدمة قدمها إلى الشأم. فقال له معبد: إني أحب محادثتك. فقال له: وأنا أحب ذلك. وقاما يتصبحان الغدران-حتى وقفا على غدير فنزلا وأكلا؛ فتبعهما أعرابي فجلس معهما. وذكر الخبر مثل الذي قبله.

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال قال أبان بن عثمان حدثني أبي قال: دعا الأخطل شاب من شباب أهل الكوفة إلى منزله. فقال له: يا بن أخي، أنت لا تحتمل المئونة وليس عندك معتمد؛ فلم يزل به حتى انتجعه، فأتى الباب فقال: يا شقراء، فخرجت إليه امرأة، فقال لأمه: هذا أبو مالك قد أتاني؛ فباعت غزلاً لها واشترت له لحماً ونبيذاً و ريحاناً. فدخل خصاً لها فأكل معه وشرب، وقال في ذلك:

وبيت كظهر الفيل جل متاعـه

 

أباريقه و الشارب المتقـطـر

ترى فيه أثلام الأصيص كأنهـا

 

إذا بال فيها الشيخ جفر معـور

لعمرك ما لاقيت يوم مـعـيشة

 

من الدهر إلا يوم شقراء أقصر

حوارية لا يدخل الذم بـيتـهـا

 

مطهرة يأوي إليها مـطـهـر

وذكر هارون بن الزيات هذا الخبر عن حماد عن أبيه أنه كان نازلاً على عكرمة الفياض وأنه خرج من عنده يوماً، فمر بفتيان يشربون ومعهم قينة يقال لها شقراء. وذكر الخبر مثل ما قبله، وزاد فيه: فأقام عندهم أربعة أيام. وظن عكرمة أنه غضب فانصرف عنه. فلما أتاه أخبره بخبره، فبعث إلى الفتيان بألف درهم وأعطاه خمسة آلاف، فمضى بها إليهم وقال: إستعينوا بهذه على أمركم. ولم يزل ينادمهم حتى رحل.

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو يحيى الضبي قال: اجتمع الفرزدق وجرير والأخطل عند بشر بن مروان، وكان بشر يغري بين الشعراء. فقال للأخطل: أحكم بين الفرزدق وجرير. فقال: أعفني أيها الأمير. قال: أحكم بينهما، فاستعفاه بجهده فأبى إلا أن يقول؛ فقال: هذا حكم مشئوم؛ ثم قال: الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر. فلم يرض بذلك جرير، وكان سبب الهجاء بينهما. فقال جرير في حكومته:

يا ذا الغباوة إن بشراً قد قضى

 

ألا تجوز حكومة النـشـوان

فدعوا الحكومة لستم من أهلها

 

إن الحكومة في بني شيبـان

قتلوا كليبكم بلقحة جـارهـم

 

يا خزر تغلب لستم بهجـان

فقال الأخطل يرد على جرير:

ولقد تناسبتم إلى أحـسـابـكـم

 

وجعلتم حكماً من السلـطـان

فإذا كليب لا تـسـاوي دارمـاً

 

حتى يساوي حـزرم بـأبـان

و إذا جعلت أباك في ميزانهـم

 

رجحوا وشال أبوك في الميزان

وإذا وردت الماء كـان لـدارم

 

عفواته و سهولة الأعـطـان

ثم استطارا في الهجاء.
أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا أبو الغراف فال: لما قال جرير:

إذا أخذت قيس عليك وخنـدف

 

بأقطارها لم تدر من أين تسرح

قال الأخطل. لا أين! سد والله علي الدنيا. فلما أنشد قوله:

فما لك في نجد حصاة تعدهـا

 

وما لك من غوري تهامة أبطح

قال الأخطل: لا أبالي والله ألا يكون فتح لي والصليب القول؛ ثم قال:

ولكن لنا بر الـعـراق و بـحـره

 

وحيث ترى القرقور في الماء يسبح

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني محمد بن الحجاج الأسيدي قال: خرجت إلى الصائفة فنزلت منزلاً ببني تغلب فلم أجد به طعاماً و لا شراباً ولا علفاً لدوابي شرى ولا قرى و لم أجد ظلاً؛ فقتل لرجل منهم: ما في داركم هذه مسجد يستظل فيه؟ فقال: ممن أنت؟ قلت: من بني تميم. قال: ما كنت أرى عمك جريراً إلا قد أخبرك حين قال:

فينا المساجد و الإمام ولا ترى

 

في آل تغلب مسجداً معمورا

أخبرني أبو خليفة قال أنبأنا محمد بن سلام قال حدثني شيخ من ضبيعة قال: خرج جرير إلى الشام فنزل منزلاً ببني تغلب فخرج متلثما عليه ثياب سفره، فلقيه رجل لا يعرفه. فقال: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم. قال: أما سمعت ما قلت لغاوي بني تميم؟! فأنشده مما قال لجرير. فقال: أما سمعت ما قال لك غاوي بني تميم؟! فأنشده. ثم عاد الأخطل وعاد جرير في نقضه حتى كثر ذلك بينهما. فقال التغلبي: من أنت؟ لا حياك الله! والله لكأنك جرير. قال: فأنا جرير. قال: وأنا الأخطل.

أخبرني عمي قال أنبأنا الكراني قال أنبأنا أبو عبد الرحمن عن المدائني قال: دخل الأخطل على عبد الملك وقد شرب، فكلمه فخلط في كلامه. فقال له: ما هذا؟ فقال:

إذا شرب الفتى منها ثـلاثـاً

 

بغير الماء حاول أن يطـولاً

مشى قرشية لا عيب فـيهـا

 

وأررخى من مآزره الفضولا

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قال أخبرني إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال أخبرني أبو محمد اليزيدي قال: خرج الفرزدق يؤم بعض الملوك من بني أمية، فرفع له في طريقه بيت أحمر من أدم، فدنا منه وسأل فقيل له: بيت الأخطل. فأتاه فقال: انزل. فلما نزل قام إليه الأخطل وهو لا يعرفه إلا أنه ضيف؛ فقعدا يتحدثان. فقال له الأخطل: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم. قال: فإنك إذا من رهط أخي الفرزدق. فقال: تحفظ من شعره شيئا؟ قال: نعم كثيراً. فما زالا يتناشدان ويتعجب الأخطل من حفظه شعر الفرزدق إلى أن عمل فيه الشراب،- وقد كان الأخطل قال له قبل ذلك: أنتم معشر الحنفية لا ترون أن تشربوا من شرابنا. فقال له الفرزدق: خفض قليلاً وهات من شرابك فاسقنا. فلما عملت الراح في أبي فراس قال: أنا والله الذي أقول في جرير فأنشده. فقام إليه الأخطل فقبل رأسه وقال: لا جزاك الله عني خيراً! لم كتمتني نفسك منذ اليوم! وأخذا في شرابهما وتناشدهما، إلى أن قال له الأخطل: والله إنك وإياي لأشعر منه ولكنه أوتي من سير الشعر ما لم نؤته؛ قلت أنا بيتا ما أعلم أن أحداً قال أهجى منه، قلت:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم

 

قالوا لأمهم بولي على النار

فلم يروه إلا حكماء أهل الشعر. وقال هو:

و التغلبي إذا تنحنح للقرى

 

حك استه وتمثل الأمثالا

فلم تبق سقاة ولا أمثالها إلا رووه. فقضيا له أنه أسير شعراً منهما.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال قال المدائني: كان للأخطل الشاعر دار ضيافة، فمر به عكرمة الفياض وهو لا يعرفه، فقيل له: هذا رجل شريف قد نزل بنا. فلما أمسى بعث إليه فتعشى معه، ثم قال له: أتصيب من الشراب شيئا؟ قال: نعم. قال: أيه؟ قال: كله إلا شرابك. فدعا له بشراب يوافقه، وإذا عنده قينتان هما خلفه وبينه وبينهما ستر، وإذا الأخطل أشهب اللحية له ضفيرتان؛ فغمز الستر بقضيب في يده وقال: غنياني بأردية الشعر، فغنتاه بقول عمرو بن شأس:

وبيض تطلى بالعبير كـأنـمـا

 

يطأن وإن أعنقن في جدد وحلا

لهونا بها يوماً و يوماً بشـارب

 

إذا قلت مغلوباً وجدت له عقلا

فأما السبب في مدح الأخطل عكرمة بن ربعي الفياض فأخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: قدم الأخطل الكوفة فأتى حوشب بن رويم الشيباني، فقال: إني تحملت حمالتين لأحقن بهما دماء قومي فنهره، فأتى سيار بن البزيعة، فسأله فاعتذر إليه، فأتى عكرمة الفياض، وكان كاتباً لبشر بن مروان، فسأله وأخبره بما أراد عليه الرجلان؛ فقال: أما إني لا أنهرك ولا أعتذر إليك، ولكني أعطيك إحداهما عيناً والأخرى عرضاً. قال: وحدث أمر بالكوفة فاجتمع له الناس في المسجد، فقيل له: إن أردت أن تكافىء عكرمة يوماً فاليوم. فلبس جبة خز وركب فرساً وتقلد صليباً من ذهب وأتى باب المسجد ونزل عن فرسه. فلما رآه حوشب وسيار نفساً عليه ذلك وقال له عكرمة: يا أبا مالك، فجاء فوقف وابتدأ ينشد قصيدته:

لمن الديار بحائل فوعال

حتى انتهى إلى قوله:

إن ابن ربعي كفانـي سـيبـه

 

ضغن العدو وغدرة المحتـال

أغليت حين تواكلتـنـي وائل

 

إن المكارم عنـد ذاك غـوال

ولقد مننت على ربيعة كلـهـا

 

وكفيت كل مـواكـل خـذال

كابن البزيعة أو كآخر مثـلـه

 

أولى لك ابن مسيمة الأجمال

إن اللئيم إذا سألت بـهـرتـه

 

وترى الكريم يراح كالمختال

وإذا عدلت به رجالاً لم تـجـد

 

فيض الفرات كراشح الأوشال

قال: فجعل عكرمة يبتهج ويقول: هذه والله أحب إلي من حمر النعم. ومما في شعر الأخطل من الأصوات المختارة:

أراعك بالخابور نوق وأجمال

 

ودار عفتها الريح بعدي بأذيال

ومبنى قباب المالكية حولـنـا

 

وجرد تغادى بين سهل وأجبال

عروضه من الطويل. الشعر للأخطل. والغناء لابن محرز، ولحنه المختار من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه خفيف رمل في هذا الوجه نسبه يحيى المكي إلى ابن محرز، وذكر الهشامي أنه منحول. وفيه لحنين الحيري ثقيل أول عن الهشامي