ذكر ابن جامع وخبره ونسبه

ذكر ابن جامع وخبره ونسبه

هو إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد، سعد بن سهم بن عمرو، بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب.

أخبرني الطوسي عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وأخبرنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق قالا جميعاً: مات ضبيرة السهمي وله مائة سنة ولم يظهر في رأسه ولا لحيته شيب. فقال بعض شعراء قريش يرثيه:

حجاج بيت الله إن ض

 

بيرة السهمي مـاتـا

سبقت منيته المشـي

 

ب وكان ميتته افتلاتا

فتزودوا لا تهلـكـوا

 

من دون أهلكم خفاتا

قال: وأسر أبو وداعة كافراً يوم بدر ففداه ابنه المطلب، وكان المطلب رجل صدق.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.

ويكنى ابن جامع أبا القاسم. وأمه امرأة من بني سهم وتزوجت بعد أبيه رجلاً من أهل اليمن.

فذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن حماد عن أبيه عن بعض أصحابه عن عون حاجب معن بن زائدة قال: رأيت أم ابن جامع وابن جامع معها عند معن بن زائدة وهو ضعيف يتبعها ويطأ ذيلها وكانت من قريش، ومعن يومئذ على اليمن.
فقالت: أصلح الأمير، إن عمي زوجني زوجاً ليس بكفء ففرق بيني وبينه.

قال: من هو؟ قالت: ابن ذي مناجب. قال: علي به. قال: فدخل أقبح من خلق الله وأشوهه خلقاً. قال: من هذه منك؟ قال: امرأتي. قال: خل سبيلها، ففعل. فأطرق مغن ساعة ثم رفع رأسه فقال:

لعمري لقد أصبحت غير محبـب

 

ولا حسن في عينها ذا منـاجـب

فما لمتها لما تبـينـت وجـهـه

 

وعيناً له حوصاء من تحت حاجب

وأنفاً كأنف البكر يقـطـر دائبـاً

 

على لحية عصلاء شابت وشارب

أتيت بها مثل المهاة تسـوقـهـا

 

فيا حسن مجلوب ويا قبح جالـب

وأمر لها بمائتي دينار وقال لها: تجهزي بها إلى بلادك.
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني حماد عن أبيه: أن الرشيد سأل ابن جامع يوماً عن نسبه وقال له: أي بني الإنس ولدك يا إسماعيل؟ قال: لا أدري، ولكن سل ابن أخي يعني إسحاق – وكان يماظ إبراهيم الموصلي ويميل إلى ابنه إسحاق قال إسحاق: ثم التفت إلي ابن جامع فقال: أخبره يا بن أخي بنسب عمك. فقال له الرشيد: قبحك الله شيخاً من قريش! تجهل نسبك حتى يخبرك به غيرك وهو رجل من العجم!.

قال هارون حدثني عبد الله بن عمرو قال حدثني أبو هشام محمد بن عبد الملك المخزومي قال أخبرني محمد بن عبد الله بن أبي فروة بن أبي قراد المخزومي قال: كان ابن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله وأعلمه بما يحتاج إليه، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع الشمس، ولا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القران ثم ينصرف إلى منزله.

قال هارون وحدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني صالح بن علي بن عطية وغيره من رجال أهل العسكر قالوا: قدم ابن جامع قدمة له من مكة على الرشيد، وكان ابن جامع حسن السمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته، وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حماراً مريسياً في زي أهل الحجاز. فبينا هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم، أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس؛ فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه ويحادثه، فوقعت عينه على ابن جامع فرأى سمته وحلاوة هيئته، فجاء فوقف إلى جانبه ثم قال له: أمتع الله بك، توسمت فيك الحجازية القرشية؛ قال: أصبت. قال: فمن أي قريش أنت؟ قال: من بني سهم. قال: فأي الحرمين منزلك؟ قال: مكة. قال: ومن لقيت من فقهائهم؟ قال: سل عمن شئت.

ففاتحه الفقه والحديث فوجد عنده ما أحب فاعجب به. ونظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع. فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه! ثم قالوا: لا، لعله لا يعود إلى مواقفته بعد اليوم، فلم نغمه. فلما كان الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس وغدا عليه أبو يوسف، فنظر يطلب ابن جامع فرآه، فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلاً كما فعل في المرة الأولى. فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أتعرف هذا الذي تواقف وتحادث؟ قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء. قالوا: هذا ابن جامع المغني؛ قال: إنا لله!. قالوا: إن الناس قد شهروك بمواقفته وأنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف ونظر إليه فتنكبه، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر به، فجاء فوقف فسلم عليه، فرد السلام عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه. فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيراً فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، ما لك تنحرف عني؟ أي شيء أنكرت؟ قالوا لك: إني ابن جامع المغني فكرهت مواقفتي لك! أسألك عن مسألة ثم اصنع ما شئت؛ ومال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون.

فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه وقال:

يا دار مية بالعلياء فالـسـنـد

 

أقوت وطال عليها سالف الأبد

أكنت ترى بذلك بأسا؟ قال: لا، قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر قول، وروى في الحديث. فال ابن جامع: فإن قلت أنا هكذا، ثم اندفع يتغنى فيه حتى أتى عليه؛ ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أو نقصت منه؟ قال: عافاك الله، أعفنا من ذلك. قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، ما زدته على أن حسنته بألفاظي فحسن في السماع ووصل إلى القلب.
ثم تنحى عنه ابن جامع.

قال: وحدثني عبد الله بن شبيب قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة، ومر به ابن جامع يسحب الخز، فقال لبعض أصحابه: بلغني أن هذا القرشي أصاب مالاً من بعض الخلفاء، فبأي شيء أصابه؟ قالوا: بالغناء. قال: فمن منكم يذكر بعض ذلك؟ فأنشد بعض أصحابه ما يغني فيه:

وأصحب بالليل أهل الطواف

 

وأرفع من مئزري المسبل

قال: أحسن، هيه! قال:

وأسجد بالليل حتى الصباح

 

وأتلو من المحكم المنزل

قال: أحسن، هيه! قال:

عسى فارج الكرب عن يوسف

 

يسخر لي ربة المـحـمـل

قال: أما هذا فدعه.

وحدثني محمد بن الحسن العتابي قال حدثني جعفر بن محمد الكاتب قال حدثني طيب بن عبد الرحمن قال: كان ابن جامع يعد صيحة الصوت قبل أن يصنع عمود اللحن.

وحدث محمد بن الحسن قال حدثني أبو حارثة بن عبد الرحمن بن سعيد بن سلم عن أخيه أبي معاوية بن عبد الرحمن قال: قال لي ابن جامع: لولا أن القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز.

أخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلباً فقال: ما اسمه؟ فقال: لا أدري، فدعا بدفتر فيه أسماء الكلاب فجعل يدعوه بكل اسم فيه حتى أجابه الكلب.

قال هارون بن محمد حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثتني حولاء مولاة ابن جامع قالت: انتبه مولاي يوماً من قائلته فقال: علي بهشام يعني ابنه ادعوه لي عجلوه، فجاء مسرعاً. فقال: أي بني، خذ العود، فإن رجلاً من الجن ألقى علي في قائلتي صوتاً فأخاف أن أنساه.

فأخذ هشام العود وتغنى ابن جامع عليه رملاً لم أسمع له رملاً أحسن منه، وهو:

أمست رسوم الديار غـيرهـا

 

هوج الرياح الزعازع العصف

وكل حنانة لـهـا زجـل

 

مثل حنين الروائم الشغف

             

فأخذه عنه هشام، فكان بعد ذلك يتغناه وينسبه إلى الجن. وفي هذا الصوت للهذلي لحن من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو، وقيل: إن هذا اللحن لعبادل. وفيه لابن جامع الرمل المذكور.

هارون وحدثني أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدثني محمد بن موسى بن فليح الخزاعي قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد المكي قال: قال لي ابن جامع: أخذت من هارون ببيتين غنيته بهما عشرة آلاف دينار:

لا بد للعاشق مـن وقـفة

 

تكون بين الوصل والصرم

يعتب أحياناً وفي عـتـبـه

 

إظهار ما يخفي من السقم

إشفاقه داع إلـى ظـنـه

 

وظنه داع إلى الـظـلـم

حتى إذا ما مضه هجـره

 

راجع من يهوى على رغم

هكذا رويته الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى.

وذكر ابن بانة أن هذا اللحن لسليم. وفيه لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى- قال: ثم قال لي ابن جامع: فمتى تصيب أنت بالمروءة شيئاً! وقال هارون حدثني أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: خرج ابن أبي عمرو الغفاري وعبد الرحمن بن أبي قباحة وغيرهما من القرشيين عماراً يريدون مكة؛ فلما كانوا بفخ نزلوا على البئر التي هناك ليغتسلوا فيها. قال : فبينا نحن نغتسل إذ سمعنا صوت غناء، فقلنا: لو ذهبنا إلى هؤلاء فسمعنا غناءهم! فأتيناهم، فإذا ابن جامع وأصحاب له يغنون وعندهم فضيخ لهم يشربون منه؛ فقالوا: تقدموا يا فتيان، فتقدم ابن أبي عمرو فجلس مع القوم وكان رأسهم، فجلسنا نشرب؛ وطرب ابن أبي قباحة فغنى. فقال ابن جامع: وابأبي وأمي! ابن أبي قباحة وإلا فهو ابن الفاعلة.

فقام ابن أبي عمرو فأخرج من وسطه همياناً فيه ثلثمائة درهم فنثرها على ابن أبي قباحة. فقال ابن جامع: امضوا بنا إلى المنزل، فمضينا فأقمنا عنده شهراً ما نبرح ونحن على إحرامنا ذلك.

قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدثني علي بن سليمان عن محمد بن أحمد النوفلي عن جارية ابن جامع الحولاء قال: – وكانت تتبناني – فتغنت يوماً وطربت وقالت: يا بني، ألا أغنيك هزجاً لسيدي في عشيقة له سوداء؟ قلت: بلى. فتغنت هزجاً ما سمعت أحسن منه، وهو:

أشبهك المسك وأشبهته

 

قائمة في لونه قاعده

لا شك إذ لونكما واحد

 

أنكما من طينة واحده

وقد روي هذا الشعر لأبي حفص الشطرنجي يقوله في دنانير مولاة البرامكه.

ونسب هذا الهزج إلى إبراهيم وابن جامع وغيرهما.

قال عبد الله بن عمرو حدثنا أحمد بن عمر بن إسماعيل الزهري قال حدثني محمد بن جعفر بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام – وكان يلفب الأبله – قال: قال برصوما الزامر، وذكر إبراهيم الموصلي وابن جامع، فقال: الموصلي بستان تجد فيه الحلو والحامض وطريا لم ينضج، فتأكل منه من ذا وذا. وابن جامع زق عسل، إن فتحت فمه خرج عسل حلو، وإن خرقت جنبه خرج عسل حلو، وإن فتحت يده خرج عسل حلو، كله جيد.

أخبرنا يحيى بن على عن أبيه وحماد عن إبراهيم بن المهدي – وكان إبراهيم يفضل ابن جامع ولا يقدم عليه أحداً، وابن جامع يميل إليه – قال: كنا في مجلس الرشيد وقد غلب على ابن جامع النبيذ، فغنى صوتاً فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إلي إبراهيم الموصلي فقال: قد خري فيه؛ وفهمت صدقه قال: فقلت لابن جامع: يا أبا القاسم، أعد الصوت وتحفظ فيه؛ فانتبه وأعاده فأصاب. فقال إبراهيم:

أعلمه الرماية كـل يوم

 

فلما اشتد ساعده رماني

وتنكر لي لميلي مع ابن جامع عليه. فقلت للرشيد بعد أيام: إن لي حاجة إليك. قال: وما هي؟ قلت: تسأل إبراهيم الموصلي أن يرضى عني ويعود إلى ما كان عليه. فقال: إنما هو عبدك، وقال له: قم إليه فقبل رأسه. فقلت : لا ينفعني رضاه في الظاهر دون الباطن، فسله أن يصحح الرضا. فقام إلي ليقبل رأسي كما أمر، فقال لي وقد أكب علي ليقبل رأسي: أتعود؟ قلت لا. قال: قد رضيت عنك رضا صحيحاً. وعاد إلى ما كان عليه.

وقال حماد عن أبي يحيى العبادي قال: قدم حوراء غلام حماد الشعراني وكان أحد المغنين المجيدين قال حدثني بعض أصحابنا قال: كنا في دار أمير المؤمنين الرشيد فصاح بالمغنين: من فيكم يعرف.

وكعبة نجران حتم علي

 

ك حتى تناخي بأبوابها؟

– الشعر للأعشى – فبدرهم إبراهيم الموصلي فقال: أنا أغنيه، وغناه فجاء بشيء عجيب. فغضب ابن جامع وقال لزلزل: دع العود، أنا من جحاش وجرة لا أحتاج إلى بيطار؛ ثم غنى الصوت؛ فصاح إليه مسرور: أحسنت يا أبا القاسم! ثلاث مرات.

وكعبة نجران حتم علي

 

ك حتى تناخي بأبوابها

نزور يزيد وعبد المسيح

 

وقيساً هم خير أربابها

وشاهدنا الجل والياسمي

 

ن والمسمعات بقصابها

وبربطنا دائم معـمـل

 

فأي الثلاثة أزرى بها

تنازعني إذ خلت بردها

 

معطرة غير جلبابهـا

فلما التقينا عـلـى آلة

 

ومدت إلي بأسبابـهـا

الشعر للأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة. وهؤلاء الذين ذكرهم أساقفة نجران، وكان يزورهم ويمدحهم، ويمدح العاقب والسيد، وهما ملكا نجران، ويقيم عندهما ما شاء، يسقونه الخمر ويسمعونه الغناء الرومي، فإذا انصرف أجزلوا صلته.

أخبرنا بذلك محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، وله أخبار كثيرة معهم تذكر في مواضعها إن شاء الله.

والغناء لحنين الحيري خفيف ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق في الأربعة الأول. وذكر عمرو أنه لابن محرز. وذكر يونس أن فيها لحنا لمالك ولم يجنسه. وذكر الهشامي أن في الخامس والسادس ثم الأول والثاني خفيف رمل بالوسطى ليحيى المكي.

وقال حماد عن مصعب بن عبد الله قال حدثني الطراز وكان بريد الفضل بن الربيع قال: لما مات المهدي وملك موسى الهادي أعطاني الفضل دنانير وقال: الحق بمكة فأتني بابن جامع واحمله في قبة ولا تعلمن بذا أحدا: ففعلت فأنزلته عندي واشتريت له جارية، وكان ابن جامع صاحب نساء. فذكره موسى ذات ليلة – وكان هو والحراني منقطعين إلى موسى أيام المهدي فضربهما المهدي وطردهما – فقال لجلسائه: أما فيكم أحد يرسل إلى ابن جامع وقد علمتم موقعه مني! فقال له الفضل بن الربيع: هو والله عندي يا أمير المؤمنين وقد فعلت الذي أردت. وبعث إليه فأتي به في الليل. فوصل الفضل تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته.

قال إسحاق عن بعض أصحابه: كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوماً فقال الغلام الذي على الستارة: يا بن جامع، تغن ببيت السعدي :

فلو سألت سراة الحي سلمى

 

على أن قد تلون بي زماني

لخبرها ذو والأحساب عني

 

وأعدائي فكل قد بـلانـي

بذبي الذم عن حسبي بمالي

 

وزبونات أشوس تـيحـان

وأني لا أزال أخاً حـروب

 

إذا لم أجن كنت مجن جاني

قال: فحرك ابن جامع رأسه – وكان إذا اقترح عليه الخليفة شيئاً قد أحسنه وكمله طار فرحاً – فغنى به؛ فاربد وجه إبراهيم لما سمعه منه، وكذا كان ابن جامع أيضاً يفعل؛ فقال له صاحب الستارة: أحسنت والله يا أميري! أعد فأعاد؛ فقال: أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبداً. ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم: تغن بهذا الشعر فتغنى؛ فلما فرغ قال: مرعى ولا كالسعدان! أخطأت في موضع كذا وفي موضع كذا. فقال: نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين أخطأ حرفاً، وقد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين.

قال إبراهيم: فلما انصرفنا قلت لابن جامع: والله ما أعلم أن أحداً بقي في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين. قال: حق والله، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه.

قال إسحاق: كان ابن جامع إذا تغنى في هذا الشعر:

من كان يبكي لما بي

 

من طول سقم رسيس

فالآن من قبل موتـي

 

لا عطر بعد عروس

بنيتـم فـي فـؤادي

 

أوكار طير النحوس

قلبي فريس المـنـايا

 

يا ويحه من فـريس

– الشعر لرجل من قريش، والغناء لابن جامع في طريقة الرمل – لم يتغن في ذلك المجلس بغيره. وكان إذا أراد أن يتغنى سأل أن يزمر عليه برصوما. فلما كثر ذلك سألوه فيه فقال: لا والله، ولكنه إذا ابتدأت فغنيت في الشعر عرف الغرض الذي يصلح فما يجاوزه، وكنت معه في راحة؛ وذلك أن المغني إذا تغنى بزمر زامر فأكثر العمل على الزامر لأنه لا يقفو الأثر، فإذا زمر برصوما فأنا في راحة وهو في تعب، وإذا زمر علي غيره فهو في راحة وأنا في تعب. فإن شككتم فاسألوا برصوما ومنصور زلزل. فسألوهما عما قال، فقالا: صدق.

قال وحدثني علي بن أحمد الباهلي قال: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: بلغ المهدي أن ابن جامع والموصلي يأتيان موسى، فبعث إليهما فجيء بهما، فضرب الموصلي ضرباً مبرحاً، وقال له ابن جامع: ارحم أمي! فرق له وقال له: قبحك الله! رجل من قريش يغني! وطرده. فلما قام موسى، وجه الفضل خلفه بريداً حتى جاء به؛ فقال له موسى: ما كان ليفعل هذا غيرك.

قال وحدثني الزبير بن بكار قال قال لي فلفلة: تمنى يوماً موسى أمير المؤمنين ابن جامع، فدفع إلي الفضل بن الربيع خمسمائة دينار وقال: امض حتى تحمل ابن جامع، وبعث إليه بما يصلحه، فمضيت فحملته. فلما دخلنا أدخله الفضل الحمام وأصلح من شأنه. ودخل على موسى فغناه فلم يعجبه. فلما خرج قال له الفضل: تركت الخفيف وغنيت الثقيل، قال: فأدخلني عليه أخرى؛ فأدخله فغنى الخفيف؛ فقال: حاجتك فأعطاه ثلاثين ألف دينار.

قال وحدثني عبد الرحمن بن أيوب قال حدثنا أبو يحيى العبادي قال حدثني ابن أبي الرجال قال حدثني زلزل قال: أبطأ إبراهيم الموصلي عن الرشيد، فأمر مسروراً الخادم يسأل عنه – وكان أمير المؤمنين قد صير أمر المغنين إليه – فقيل له: لم يأت بعد. ثم جاء في آخر النهار، فقعد بيني وبين برصوما، فغنى صوتاً له فأطربه وأطرب والله كل من كان في المجلس.

قال: فقام ابن جامع من مجلسه فقعد بيني وبين برصوما ثم قال: أما والله يا نبطي ما أحسن إبراهيم وما أحسن غيركما. قال: ثم غنى فنسينا أنفسنا، والله لكأن العود كان في يده.

قال وحدثني عمر بن شبة قال حدثني يحيى بن إبراهيم بن عثمان بن نهيك قال: دعا أبي الرشيد يوماً، فأتاه ومعه جعفر بن يحيى، فأقاما عنده، وأتاهما ابن جامع فغناهما يومهما. فلما كان الغد انصرف الرشيد وأقام جعفر. قال: فدخل عليهم إبراهيم الموصلي فسأل جعفراً عن يومهم؛ فأخبره وقال له: لم يزل ابن جامع يغنينا إلا أنه كان يخرج من الإيقاع – وهو في قوله يريد أن يطيب نفس إبراهيم الموصلي – قال: فقال له إبراهيم: أتريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب به! لا والله، ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع، فكيف يخرج من الإيقاع!.

قال وحدثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني أبي قال: كان سبب عزل العثماني أن ابن جامع سأل الرشيد أن يأذن له في المهارشة بالديوك والكلاب ولا يحد في النبيذ، فأذن له وكتب له بذلك كتاباً إلى العثماني. فلما وصل الكتاب قال: كذبت! أمير المؤمنين لا يحل ما حرم الله، وهذا كتاب مزور. والله لئن ثقفتك على حال من هذه الأحوال لأؤدبنك أدبك.

قال: فحذره ابن جامع. ووقع بين العثماني وحماد اليزيدي، وهو على البريد، ما يقع بين العمال. فلما حج هارون، قال حماد لابن جامع: أعني. عليه حتى أعزله؛ قال: أفعل. قال: فابدأ أنت وقل: إنه ظالم فاجر واستشهدني. فقال له ابن جامع: هذا لا يقبل في العثماني، ويفهم أمير المؤمنين كذبنا، ولكني أحتال من جهة ألطف من هذه. قال: فسأله هارون ابتداءً فقال له: يا بن جامع، كيف أميركم العثماني؟ قال: خير أمير وأعدله وأفضله وأقومه بحق لولا ضعف في عقله. قال: وما ضعفه؟ قال: قد أفنى الكلاب. قال: وما دعاه إلى إفنائها قال: زعم أن كلباً دنا من عثمان بن عفان يوم ألقى على الكناس فأكل وجهه، فغضب على الكلاب فهو يقتلها. فقال: هذا ضعيف، اعزلوه! فكان سبب عزله.

قال هارون بن محمد وحدثني الحسن بن محمد الغياثي قال حدثني أبي عن القطراني قال: كان ابن جامع بارا بوالدته، وكانت مقيمة بالمدينة وبمكة. فدعاه إبراهيم بن المهدي وأظهر له كتاباً إلى أمير المؤمنين فيه نعي والدته. قال: فجرع لذلك جزعاً شديداً، وجعل أصحابه يعزونه ويؤنسونه؛ ثم جاءوا بالطعام فلم يتركوه حتى طعم وشرب، وسألوه الغناء فامتنع.

فقال له إبراهيم بن المهدي: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك فاندفع يغني:

كم بالدروب وأرض الروم من قدم

 

ومن جماجم صرعى ما بها قبروا

بقندهار ومن تـقـدر مـنـيتـه

 

بقندهار يرجم دونـه الـخـبـر

– الشعر ليزيد بن مفرغ الحميري. والغناء لابن جامع رمل. وفيه لابن سريج خفيف رمل جميعاً عن الهشامي – قال: وجعل إبراهيم يسترده حتى صلح له. ثم قال: لا والله ما كان مما خبرناك شيء إنما مزحنا بك.

قال: ثم قال له: رد الصوت؛ فغناه فلم يكن من الغناء الأول في شيء. فقال له إبراهيم: خذه الآن على، فأداه إبراهيم على السماع الأول.

فقال له ابن جامع: أحب أن تطرحه أنت على كذا.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الحسن الشيباني عن أحمد بن يحيى المكي قال: كان أبي بين يدي الرشيد وابن جامع معه يغني بين يدي الرشيد. فغناه:

خليفة لا يخيب سائلـه

 

عليه تاج الوقار معتدل

قال: وغنى من يتلوه، وهوم ابن جامع سكراً ونعاساً. فلما دار الغناء على أصحابه وصارت النوبة إليه، حركه من بجنبه لنوبته فانتبه وهو يغني:

اسلم وحييت أيها الطلـل

 

وإن عفتك الرياح والسبل

– قال: وهو يتلو البيت الأول – فعجب أهل المجلس من ذكائه وفهمه، وأعجب ذلك الرشيد

واسلم وحييت أيها الطلـل

 

وإن عفتك الرياح والسبل

خليفة لا يخيب سـائلـه

 

عليه تاج الوقار معتـدل

الشعر لأشجع أو لسلم الخاسر يمدح به موسى الهادي. والغناء لابن جامع ثقيل أول بالوسطى، من رواية الهشامي وأحمد بن يحيى المكي.

قال هارون وقد حدثني بهذا الخبر عبد الرحمن بن أيوب قال حدثني أحمد بن يحيى المكي قال: كان ابن جامع أحسن ما يكون غناءً إذا حزن صوته. فأحب الرشيد أن يسمع ذلك على تلك الحال، فقال للفضل بن الربيع: ابعث خريطة فيها نعي أم ابن جامع – وكان باراً بأمه – ففعل. فوردت الخريطة على أمير المؤمنين وهو في مجلس لهوه، فقال: يا بن جامع، جاء في هذه الخريطة نعي أمك. فاندفع ابن جامع يغني بتلك الحرقة والحزن الذي في قلبه:

كم بالدروب وأرض السند من قدم

 

ومن جماجم صرعى ما بها قبروا

بقندهار ومن تكـتـب مـنـيتـه

 

بقندهار يرجم دونـه الـخـبـر

قال: فوالله ما ملكنا أنفسنا، ورأيت الغلمان يضربون برؤوسهم الحيطان والأساطين.- قال هارون: لا أشك أن ابن المكي قد حدث به عن رجل حضر ذلك فأغفله عبد الرحمن بن أيوب- قال: ثم غنى بعد ذلك:

يا صاحب القبر الغريب

وهو لحن قديم. وفيه لحن لابن المكي- فقال له الرشيد: أحسنت! وأمر له بعشرة آلاف دينار.

يا صاحب القبر الغـريب

 

بالشام في طرف الكثيب

بالحجر بـين صـفـائح

 

صم ترصف بالجبـوب

رصفاً ولحد مـمـكـن

 

تحت العجاجة في القليب

فإذا ذكـرت أنـينـــه

 

ومغيبه تحت المـغـيب

هاجت لواعـج عـبـرة

 

في الصدر دائمة الدبيب

أسفاً لـحـسـن بـلائه

 

ولمصرع الشيخ الغريب

أقبلت أطـلـب طـبـه

 

والموت يعضل بالطبيب

الشعر لمكين العذري يرثي أباه، وقيل: إنه لرجل خرج بابنه إلى الشأم هرباً به من جارية هويها فمات هناك.

والغناء لحكم الوادي، رمل في مجرى البنصر. وقيل: إن الشعر لسلامة ترثي الوليد بن يزيد.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني الحسن بن محمد قال حدثنا أحمد بن الخليل بن مالك قال حدثني عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان قال سمعت يزيد يحدث: أن أم جعفر بلغها أن الرشيد جالس وحده ليس معه أحد من الندماء ولا المسامرين؛ فأرسلت إليه: يا أمير المؤمنين، إني لم أرك منذ ثلاث وهذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندي ابن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أني لا أتهنأ بشرب ولا سماع ولا غيرهما إلا أن تشركني فيه، فما كان عليك أن أشركك في الذي أنت فيه! فأرسل إليها: إني سائر إليك الساعة. ثم قام وأخذ بيد ابن جامع، وقال لحسين الخادم: امض إليها فأعلمها أني قد جئت.

وأقبل الرشيد، فلما نظر إلى الخدم والوصائف قد استقبلوه علم أنها قد قامت تستقبله، فوجه إليها: إن معي ابن جامع؛ فعدلت إلى بعض المقاصير. وجاء الرشيد وصير ابن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها ولا يكون حاضراً معهم.

وجاءت أم جعفر فدخلت على الرشيد وأهوت لتنكب على يده؛ فأجلسها إلى جانبه فاعتنقها اعتنقته.
ثم أمر ابن جامع أن يغني فاندفع فغنى:

ما رعدت رعدة ولا برقت

 

لكنها أنشئت لنـا خـلـقة

الماء يجري على نظام لـه

 

لو يجد الماء مخرقاً خرقه

بتنا وباتت على نمارقـهـا

 

حتى بدا الصبح عينها أرقه

أن قيل إن الرحيل بعد غـد

 

والدار بعد الجميع مفترقه

– الشعر لعبيد بن الأبرص. والغناء لابن جامع ثاني ثقيل من أصوات قليلات الأشباه، عن إسحاق. وفيه لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة. وذكر يونس أن فيه لحناً لمعبد ولم يجنسه.

وفيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو والهشامي. ولمخارق في هذه الأبيات رمل بالبنصر عن الهشامي. وذكر حبش أن الثقيل الأول للغريض.

وذكر الهشامي أن لمتيم فيها ثاني ثقيل بالوسطى – قال: فقالت أم جعفر للرشيد: ما أحسن ما اشتهيت والله يا أمير المؤمنين!. ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى ابن جامع لكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتنا يا بنت أبي الفضل وسبقتنا إلى بر ضيفنا وجليسنا.

فلما خرج، حمل إليها مكان كل درهم ديناراً.

أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثني محمد بن ضوين الصلصال التيمي قال حدثني إسماعيل بن جامع السهمي قال: ضمني الدهر ضماً شديداً بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوماً وما أملك إلا ثلاثة دراهم. فهي في كمي إذا أنا بجارية حميراء على رقبتها جرة تريد الركي تسعى بين يدي وترنم بصوت شجي تقول:

شكونا إلى أحبابنا طول لـيلـنـا

 

فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنـا

وذاك لأن النوم يغشى عيونـهـم

 

سراعاً وما يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضر لذي الهوى

 

جزعنا وهم يستبشرون إذا دنـا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثـل مـا

 

نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

قال: فأخذ الغناء بقلبي ولم يدر لي منه حرف. فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك! فلو شئت أعدت؛ قالت: حباً وكرامةً. ثم أسندت ظهرها إلى جدار قرب منها ورفعت إحدى رجليها فوضعتها على الأخرى، ووضعت الجرة على ساقيها ثم انبعثت تغنيه؛ فوالله ما دار لي منه حرف؛ فقلت: أحسنت! فلو شئت أعدتيه مرة أخرى! ففطنت وكلحت وقالت: ما أعجب أمركم! أحدكم لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها! فضربت بيدي إلى الثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، وقلت: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي. قال: فأخذتها كالكارهة وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتا أحسبك ستأخذ به ألف دينار وألف دينار وألف دينار. قال: وابنعثت تغني؛ فأعملت فكري في غنائها حتى دار لي الصوت وفهمته، وانصرفت مسروراً إلى منزلي أردده حتى خف على لساني. ثم إني خرجت أريد بغداد فدخلتها، فنزل بي المكاري على باب محول؛ فبقيت لا أدري أين أتوجه ولا من أقصد. فذهبت أمشي مع الناس، حتى أتيت الجسر فعبرت معهم، ثم انتهيت إلى شارع المدينة، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعاً؛ فقلت: مسجد قوم سراة؛ فدخلته، وحضرت صلاة المغرب وأقمت بمكاني حتى صليت العشاء الآخرة على جوع وتعب. وانصرف أهل المسجد وبقي رجل يصلي، خلفه جماعة خدم وخول ينتظرون فراغه؛ فصلى ملياً ثم انصرف؛ فرآني فقال: أحسبك غريباً؟ قلت: أجل. قال: فمتى كنت في هذه المدينة؟ قلت: دخلتها آنفاً، وليس لي بها منزل ولا معرفة، وليست صناعتي من الصنائع التي يمت بها إلى أهل الخير. قال: وما صناعتك؟ قلت: أتغنى. قال: فوثب مبادراً ووكل بي بعض من معه. فسألت الموكل بي عنه فقال: هذا سلام الأبرش. قال: وإذا رسول قد جاء في طلبي فانتهى بي إلى قصر من قصور الخلافة، وجاوز بي مقصورة إلى مقصورة، ثم أدخلت مقصورة في آخر الدهليز؛ ودعا بطعام فأتيت بمائدة عليها من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني لكذلك إذ سمعت ركضاً في الدهليز وقائلاً يقول: أين الرجل؟ قيل: هو هذا. قال: ادعوا له بغسول وخلعة وطيب، ففعل ذلك بي. فحملت على دابة إلى دار الخلافة – وعرفتها بالحرس والتكبير والنيران فجاوزت مقاصير عدة، حتى صرت إلى دار قوراء فيها أسرة في وسطها قد ضيف بعضها إلى بعض. فأمرني الرجل بالصعود فصعدت، وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في جورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود. فرحب الرجل بي، وإذا مجالس حياله كان فيها قوم قد قاموا عنها. فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر فقال للرجل: تغن، فانبعث يغني بصوت لي وهو:

لم تمش ميلاً ولم تركب على قتب

 

ولم تر الشمس إلا دونها الكلـل

تمشي الهوينى كأن الريح ترجعها

 

مشي اليعافير في جيآتها الوهل

فغنى بغير إصابة وأوتار مختلفة ودساتين مختلفة. ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل فقال لها: تغني، فغنت أيضاً بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، وهو قوله:

يا دار أضحت خلاءً لا أنيس بها

 

إلا الظباء وإلا الناشط الـفـرد

أين الذين إذا ما زرتهم جذلـوا

 

وطار عن قلبي التشواق والكمد

ثم عاد إلى الثانية وأحسبه أغفلها وما تغنت به، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليها فانبعثت تغني بصوت لحكم الوادي وهو:

فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى

 

إذا جد وشك البين أم أنا غالـبـه

فأن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى

 

فمثـل الـذي لاقـيت يغـلـب

قال: ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنت بصوت لحنين وهو قوله:

مررنا على قيسية عـامـرية

 

لها بشر صافي الأديم هجـان

فقالت وألقت جانب الستر دونها

 

من آية أرض أو من الرجلان

فقلت لها أما تميم فأسـرتـي

 

هديت وأما صاحبي فـيمـان

رفيقان ضم السفر بيني وبينـه

 

وقد يلتقي الشتى فيأتـلـفـان

ثم عاد إلى الرجل فغنى صوتا فشبه فيه. والشعر لعمر بن أبي ربيعة وهو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

 

إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

كأن أحور من غزلان ذي بقر

 

أعارها شبه العينين والـجـيدا

بمشرق كشعاع الشمس بهجتـه

 

ومسبكر على لباتـهـا سـودا

ثم عاد إلى الجارية فتغنت بصوت لحكم الوادي:

تعيرنا أنا قلـيل عـديدنـا

 

فقلت لها إن الكرام قلـيل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا

 

عزيز وجار الأكثرين ذليل

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة

 

إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا

 

وتكرهه آجالهم فتطـول

وتغنت الثانية:

وددتك لما كان ودك خـالـصـاً

 

وأعرضت لما صرت نهباً مقسما

ولا يلبث الحوض الجديد بـنـاؤه

 

إذا كثر الـوراد أن يتـهـدمـا

وتغنت الثالثة بشعر الخنساء:

وما كر إلا كان أول طـاعـن

 

ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت

فيدرك ثأراً وهو لم يخطه الغنى

 

فمثل أخي يوماً به العين قرت

فلسـت أرزا بـعـده بـرزية

 

فأذكره إذا سلت وتـجـلـت

وغنى الرجل في الدور الثالث:

لحى الله صعلوكاً منـاه وهـمـه

 

من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما

ينام الضحى حتى إذا ليله انتهـى

 

تنبه مثلوج الـفـؤاد مـورمـا

ولكن صعلوكاً يسـاور هـمـه

 

ويمضي على الهيجاء ليثاً مقدما

 

فذلك إن يلق الكريهة يلـقـهـا

 

كريماً وإن يستغن يوماً فربمـا

           

قال: وتغنت الجارية:

إذا كنت ربا للقلوص فلا يكـن

 

رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتـكـمـا

 

فذاك وإن كان العقاب فعاقـب

قال: وتغنت الجارية بشعر عمرو بن معد يكرب:

ألم تر لما ضمني البلد الـقـفـر

 

سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عـصـبة مـذحـجـية

 

نزار على وقر وليس لنـا وفـر

قال: وتغنت الثالثة بشعر عمر بن أبي ربيعة:

فلما تواقفنا وسلمت أسفـرت

 

وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما عرفننـي

 

وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

ولما تنازعن الأحاديث قلن لي

 

أخفت علينا أن نغر ونخـدع

قال: وتوقعت مجيء الخادم إلي، فقلت للرجل: بأبي أنت! خذ العود فشد وتر كذا وارفع الطبقة وحط دستان كذا؛ ففعل ما أمرته. وخرج الخادم فقال لي: تغن عافاك الله؛ فتغنيت بصوت الرجل الأول على غير ما غناه، فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى استندوا إلى الأسرة وقالوا: ويحك! لمن هذا الغناء؟ قلت: لي؛ فانصرفوا عني بتلك السرعة، وخرج إلي الخادم وقال: كذبت! هذا الغناء لابن جامع. ودار الدور؛ فلما انتهى الغناء إلي قلت للجارية التي تلي الرجل: خذي العود، فعلمت ما أريد فسوت العود على غنائها للصوت الثاني فتغنيت به. فخرجت إلي الجماعة الأولى من الخدم فقالوا: ويحك! لمن هذا؟ قلت: لي؛ فرجعوا وخرج الخادم. فتغنيت بصوت لي فلا يعرف إلا بي، وسقوني فتزيدت، وهو:

عوجي علي فسلمي جبر

 

فيم الصدود وأنتم سفـر

ما نلتقي إلا ثلاث منـى

 

حتى يفرق بيننا الدهـر

قال: فتزلزلت والله الدار عليهم. وخرج الخادم فقال: ويحك! لمن هذا الغناء؟ قلت: لي. فرجع ثم خرج فقال: كذبت! هذا غناء ابن جامع. فقلت: فأنا إسماعيل بن جامع. فما شعرت إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك. فلما صعد السرير وثبت قائماً. فقال لي: أبن جامع؟ قلت: ابن جامع، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. قال: ويحك! متى كنت في هذه البلدة؟ قلت: آنفاً، دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين. قال: اجلس ويحك يا بن جامع! ومضى هو وجعفر فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: أبشر وابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال: غنني يا بن جامع. فخطر بقلبي صوت الجارية الحميراء فأمرت الرجل بإصلاح العود على ما أردت من الطبقة، فعرف ما أردت، فوزن العود وزناً وتعاهده حتى استقامت الأوتار وأخذت الدساتين مواضعها، وانبعثت أغني بصوت الجارية الحميراء. فنظر الرشيد إلى جعفر وقال: أسمعت كذا قط؟ فقال: لا والله ما خرق مسامعي قط مثله. فرفع الرشيد رأسه إلى خادم بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار فجاء به فرمى به إلي، فصيرته تحت فخذي ودعوت لأمير المؤمنين. فقال: يا بن جامع، رد على أمير المؤمنين هذا الصوت، فرددته وتزيدت فيه. فقال له جعفر: يا سيدي، أما تراه كيف يتزيد في الغناء! هذا خلاف ما سمعناه أولاً وإن كان الأمر في اللحن واحداً. قال: فرفع الرشيد رأسه إلى ذلك الخادم فدعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به فصيرته تحت فخذي. وقال: تغن يا إسماعيل ما حضرك. فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري فأغنيه؟ فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت يعني صوت الجارية فتغنيت. فدعا الخادم وأمره فأحضر كيساً ثالثا فيه ألف دينار. قال: فذكرت ما كانت الجارية قالت لي فتبسمت، ولحظني فقال: يا بن الفاعلة، مم تبسمت؟ فجثوت على ركبتي وقلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة. فقال لي بانتهار: قل. فقصصت عليه خبر الجارية. فلما استوعبه قال: صدقت، قد يكون هذا. وقام. ونزلت من السرير ولا أدري أين أقصد. فابتدرني فراشان فصارا بي إلى دار قد أمر بها أمير المؤمنين؛ ففرشت وأعد فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم من الخدم، ومن كل آلة وخول إلى جوار ووصفاء. فدخلتها فقيراً وأصبحت من جلة أهلها ومياسيرهم.

وذكر لي هذا الخبر عبد الله بن الربيع عن أبي حفص الشيباني عن محمد بن القاسم عن إسماعيل بن جامع قال: ضمني الدهر بمكة ضماً شديداً فانتقلت إلى المدينة. فبينا أنا يوماً جالس مع بعض أهلها نتحدث، إذ قال لي رجل حضرنا: والله لقد بلغنا يا بن جامع أن الخليفة قد ذكرك، وأنت في هذا البلد ضائع! فقلت: والله ما بي نهوض. قال بعضهم: فنحن ننهضك. فاحتلت في شيء وشخصت إلى العراق، فقدمت بغداد، ونزلت عن بغل كنت اكتريته. ثم ذكر باقي الحديث نحو الذي قبله في المعاني، ولم يذكر خبر السوداء التي أخذ الصوت عنها. وأحسبه غلط في إدخاله هذه الحكاية هاهنا، ولتلك خبر آخر نذكره هاهنا. قال في هذا الخبر: إن الدور دار مرة أخرى حتى صار إلي؛ فخرج الخادم فقال: غن أيها الرجل! فقلت: ما أنتظر الآن!! ثم اندفعت أغني بصوت لي وهو:

فلو كان لي قلبان عـشـت بـواحـد

 

وخلفت قلـبـاً فـي هـواك يعـذب

ولكـنـمـا أحـيا بـقـلـب مـروع

 

فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب

تعلمت أسباب الرضا خوف سخطهـا

 

وعلمها حبي لها كـيف تـغـضـب

ولي ألف وجه قد عرفـت مـكـانـه

 

ولكن بلا قـلـب إلـى أين أذهـب

فخرج الرشيد حينئذ.

شكونا إلى أحبابنا طول لـيلـنـا

 

فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنـا

وذاك لأن النوم يغشى عيونـهـم

 

سراعاً وما يغشى لنا النوم أعينا

إذا ما دنا الليل المضر بذى الهوى

 

جزعنا وهم يستبشرون إذا دنـا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثـل مـا

 

نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

عروضه من الطويل. وذكر الهشامي أن الغناء لابن جامع هزج بالوسطى، وفي الخبر أنه أخذه عن سوداء لقيها بمكة.
ومنها:

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها

 

إلا الظباء وإلا الناشط الـفـرد

أين الذين إذا ما زرتهم جذلـوا

 

وطار عن قلبي التشواق والكمد

في هذا الصوت لحن لابن سريج خفيف ثقيل أول بالوسطى من رواية حبش. ولحن ابن جامع رمل.
ومنها:

لم تمش ميلاً ولم تركب على جمل

 

ولم تر الشمس إلا دونها الكلـل

أقول للركب في درنا وقد ثملـوا

 

شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل

الشعر للأعشى. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر، وقد كتب فيما يغني فيه من قصيدة الأعشى التي أولها:

ودع هريرة إن الركب مرتحل

ومنها:

مررنا على قيسية عـامـرية

 

لها بشر صافي الأديم هجـان

فقالت وألقت جانب الستر دونها

 

من اية أرض أو من الرجلان

فقلت لها أما تميم فأسـرتـي

 

هديت وأما صاحبي فيمانـي

رفيقان ضم السفر بيني وبينـه

 

وقد يلتقي الشتى فيأتـلـفـان

غناه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.
ومنها:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

 

إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

أجري على موعد منها فتخلفني

 

فما أمل ولا توفي المواعـيدا

كأنني حين أمسي لا تكلمـنـي

 

ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى، وله فيه ثقيل أول بالبنصر وذكر عمرو بن بانة أن لمعبد فيه ثقيلاً أول، بالوسطى على مذهب إسحاق.
ومنها:

فوالله ما أدري أيغلبنـي الـهـوى

 

إذا جد وشك البين أم أنا غالـبـه

فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى

 

فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبـه

عروضه من الطويل. الشعر لابن ميادة، والغناء للحجبي خفيف! ثقيل بالبنصر من رواية حبش.
ومنها:

تعيرنا أنا قلـيل عـديدنـا

 

فقلت لها إن الكرام قلـيل

وما ضرنا أنا قليل وجارنا

 

عزيز وجار الأكثرين ذليل

وإنا لقوم ما نرى القتل سبة

 

إذا ما رأته عامر وسلول

يقرب حب الموت آجالنا لنا

 

وتكرهه آجالهم فتطـول

عروضه من مقبوض الطويل. الشعر للسموءل بن عادياء اليهودي. والغناء لحكم الوادي. ومنها:

وددتك لما كان ودك خالـصـاً

 

وأعرضت لما صار نهباً مقسما

ولن يلبث الحوض الجديد بنـاؤه

 

على كثرة الوراد أن يتهـدمـا

عروضه من الطويل. وفيه خفيف ثقيل قديم لأهل مكة. وفيه لعريب ثقيل أول.
ومنها:

وما كر إلا كان أول طـاعـن

 

ولا أبصرته الخيل إلا اقشعرت

فيدرك ثأراً ثم لم يخطه الغنـى

 

فمثل أخي يوما به العين قرت

فإن طلبوا وتراً بدا بتـراتـهـم

 

ويصبر يحميهم إذا الخيل ولت

عروضه من الطويل. الشعر للخنساء، والغناء لأبن سريج ثقيل أول بالبنصر وذكر علي بن يحيى أنه لمعبد في هذه الطريقة.
ومنها:

لحا الله صعلوكا منـاه وهـمـه

 

من الدهر أن يلقى لبوساً ومطعماً

ينام الضحى حتى إذا ليله انتهـى

 

تنبه مثلوج الـفـؤاد مـورمـا

ولكن صعلوكـاً يسـاور هـمـه

 

ويمضي على الهيجاء ليثاً مصمما

فذلك إن يلق الكـريهة يلـقـهـا

 

كريماً وإن يستغن يوماً فربـمـا

عروضه من الطويل. الشعر يقال إنه لعروة بن الورد، ويقال: إنه لحاتم الطائي وهو الصحيح. والغناء لطويس خفيف رمل بالبنصر.
ومنها:

إذا كنت ربا للقلوص فلا يكـن

 

رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتـكـمـا

 

فذاك وإن كان العقاب فعاقـب

عروضه من الطويل. والشعر لحاتم طيء.
ومنها:

ألم تر لما ضمني البلد الـقـفـر

 

سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عـصـبة مـذحـجـية

 

نزار على وفر وليس لنـا وفـر

عروضه من الطويل. الشعر لعمرو بن معد يكرب. والغناء لحنين رمل بالوسطى عن حبش. ومنها:

فلما تواقفنا وسلمت أقبـلـت

 

وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما رأينـنـي

 

وقلن امرؤ باغ أكل وأوضعا

ولما تنازعن الأحاديث قلن لي

 

أخفت علينا أن نغر ونخدعـا

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم

 

يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعاً

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج والغريض ومالك ومعبد وابن جامع في عدة ألحان، قد كتبت مع الخبر في موضع غير هذا.
ومنها:

عوجي علي فسلمي جبـر

 

فيم الصدود وأنتم سـفـر

ما نلتقي إلا ثـلاث مـنـى

 

حتى يفرق بيننا الـنـفـر

الحول ثم الحول يتـبـعـه

 

ما الدهر إلا الحول والشهر

الشعر للعرجي. والغناء للأبجر ثقيل أول عن الهشامي، ويقال إنه لابن محرز، ويقال بل لحنه فيه غير لحن الأبجر. وفيه رمل يقال إنه لابن جامع، وهو القول الصحيح، وذكر حبش أنه لابن سريج، وأن لحن ابن جامع خفيف رمل.
ومنها:

فلو كان لي قلبان عـشـت بـواحـد

 

وخلفت قلـبـاً فـي هـواك يعـذب

ولكـنـمـا أحـيا بـقـلـب مـروع

 

فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب

تعلمت أسباب الرضا خوف هجرهـا

 

وعلمها حبي لها كـيف تـغـضـب

ولي ألف وجه قد عرفـت مـكـانـه

 

ولكن بلا قـلـب إلـى أين أذهـب

عروضه من الطويل. الشعر لعمرو الوراق. والغناء لابن جامع خفيف رمل، ويقال إنه لعبد الله بن العباس. وفيه لعريب ثقيل أول. وفيه لرذاذ خفيف ثقيل. وفيه هزج يقال إنه لعريب، ويقال إنه لنمرة، ويقال إنه لأبي فارة، ويقال إنه لابن جامع.
حدثني مصعب الزبيري قال: قدم علينا ابن جامع المدينة قدمة في أيام الرشيد؛ فسمعته يوماً يغني في بعض بساتين المدينة:

وما لي لا أبكي وأندب ناقتـي

 

إذا صدر الرعيان ورد المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي رحلتها

 

فسارت بمحزون كثير البلابل

وكان رجلاً صيتاً، فكاد صوته يذهب بي كل مذهب، وما سمعت قبله ولا بعده مثله.

وما لي لا أبكي وأندب ناقتـي

 

إذا صدر الرعيان ورد المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي ركبتها

 

فسارت بمحزون كثير البلابل

الغناء لابن جامع خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن الهشامي وابن المكي.

أخبرني وكيع قال حدثني هارون بن محمد الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: كنت في خمسين وصيفاً اهدوا للمنصور، ففرقنا في خدمته، فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه. فكنت أراه يفعل شيئاً أعلم أنه خطأ: يعطيه الإبريق في آخر المستراح ويقف مكانه لا يبرح. وقال لي يوماً: كن مكاني في آخر المستراح. فكنت أعطيه الإبريق وأخرج مبادراً، فإذا سمعت حركته بادرت إليه.

فقال لي: ما أخفك على قلبي يا غلام! ويحك! ثم دخل قصراً من تلك القصور فرأى حيطانه مملوءة من الشعر المكتوب عليها. فبينا هو يقرأ ما فيه إذا هو بكتاب مفرد، فقرأه فإذا هو:

ومالي لا أبكي وأندب ناقـتـي

 

إذا صدر الرعيان نحو المناهل

وكنت إذا ما اشتد شوقي رحلتها

 

فسارت بمحزون طويل البلابل

وتحته مكتوب: آه آه، فلم يدر ما هو. وفطنت له فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما هو. فقال: قل؟ فقلت: قال الشعر ثم تأوه فقال: آه آه، فكتب تأوهه وتنفسه وتأسفه. فقال: مالك قاتلك الله! قد أعتقتك ووليتك مكان ياسر.

ذكر أخبار هذه الأصوات المتفرقة في الأخبار

وإنما أفردتها عنها لئلا تنقطع خبر

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

أخبرني الحسين بن يحيى قال حماد: قرأت على أبي، وذكر جعفر بن سعيد عن عبد الرحمن بن سليمان المكي قال حدثني المخزومي يعني الحارث بن خالد قال: بلغني أن الغريض خرج مع نشوة من أهل مكة من أهل الشرف ليلاً إلى بعض المتحدثات من نواحي مكة، وكانت ليلة مقمرة؛ فاشتقت إليهن وإلى مجالستهن وإلى حديثهن، وخفت على نفسي لجناية كنت أطالب بها، وكان عمر مهيباً معظماً لا يقدم عليه سلطان ولا غيره، وكان مني قريباً؛ فأتيته فقلت له: إن فلانة وفلانة وفلانة – حتى سميتهن كلهن – قد بعثنني، وهن يقرأن عليك السلام، وقلن: تشوقن إليك في ليلتنا هذه لصوت أنشدناه فويسقك الغريض – وكان الغريض يغني هذا الصوت فيجيده، وكان ابن أبي ربيعة به معجباً، وكان كثيراً ما يسأل الغريض أن يغنيه، وهو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

كأن أحور مـن غـزلان ذي نـفـر

أفدى لها شبه العـينـين والـجـيدا

قامت تراءى وقد جد الرحـيل بـنـا

لتنكأ القرح من قلب قد اصـطـيدا

كأنني يوم أمسـي لا تـكـلـمـنـي

ذو بغية يبتغي ما لـيس مـوجـودا

أجرى على موعد منها فتخلـفـنـي

فما أمل وما توفـي الـمـواعـيدا

قد طال مطلي، لو ان اليأس ينفعنـي

أو أن أصادف من تلقـائهـا جـودا

فليس تبذل لي عفـواً وأكـرمـهـا

من أن ترى عندنا في الحرص تشديدا            

فلما أخبرته الخبر قال: لقد أزعجتني في وقت كانت الدعة أحب فيه إلي؛ ولكن صوت الغريض وحديث النسوة ليس له مترك ولا عنه محيص. فدعا بثيابه فلبسها، وقال: امض؛ فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهن. فقال لي عمر: خفض عليك مشيك ففعلت، حتى وقفنا عليهن وهن في أطيب حديث وأحسن مجلس؛ فسلمنا، فتهيبننا وتخفرن منا. فقال الغريض: لا عليكن! هذا ابن أبي ربيعة والحارث بن خالد جاءا متشوقين إلى حديثكن وغنائي. فقالت فلانة: وعليك السلام يا بن أبي ربيعة، والله ما تم مجلسنا إلا بك، اجلسا. فجلسنا غير بعيد، وأخذن عليهن جلابيبهن وتقنعن بأخمرتهن وأقبلن علينا بوجوههن وقلن لعمر: كيف أحسست بنا وقد أخفينا أمرنا؟ فقال: هذا الفاسق جاءني برسالتكن وكنت وقيذاً من علة وجدتها، فأسرعت الإجابة، ورجوت منكن على ذلك حسن الإثابة. فرددن عليه: قد وجب أجرك، ولم يخب سعيك، ووافق منا الحارث إرادة. فحدثهن بما قلت له، من قصة غناء الغريض؛ فقال النسوة: والله ما كان ذلك كذلك، ولقد نبهتنا على صوت حسن، يا غريض هاته. فاندفع الغريض يغني ويقول:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

 

إذا أقول صحا يعتـاده عـيدا

حتى أتى على الشعر كله إلى آخره، فكل استحسنه. وأقبل علي ابن أبي ربيعة فجزاني الخير، وكذلك النسوة. فلم نزل بأنعم ليلة وأطيبها حتى بدأ القمر يغيب، فقمنا جميعاً، وأخذ النسوة طريقاً ونحن طريقاً وأخذ الغريض معنا.
وقال عمر في ذلك:

هل عند رسم برامة خـبـر

 

أم لا فأي الأشياء تنـتـظـر

قد ذكرتني الديار إذ درسـت

 

والشوق مما يهيجه الـذكـر

ممشى رسول إلي يخبـرنـي

 

عنهم عشاء ببعض ما ائتمروا

ومجلس النسوة الثلاث لدى ال

 

خيمات حتى تبلج السـحـر

فيهن هند والهم ذكـرتـهـا

 

تلك التي لا يرى لها خطـر

ثم انطلقنا وعـنـدنـا ولـنـا

 

فيهن لو طال ليلـنـا وطـر

وقولها للـفـتـاة إذ أزف ال

 

بين أغـاد أم رائح عـمـر

عجلان لم يقض بعض حاجته

 

هلا تأنى يوماً فـينـتـظـر

الله جار لـه وإن نـزحـت

 

دار به أو بـدا لـه سـفـر

غناه الغريض ثقيلا أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيه لابن سريج رمل بالوسطى. وفيه لعبد الرحيم الدفاف ثقيل أول بالبنصر في البيتين الأولين. وبعدهما:

هل من رسول إلي يخبرني

 

بعد عشاء ببعض ما ائتمروا

يوم ظللنا وعنـدنـا ولـنـا

 

فيهن لو طال يومنا وطـر

فلما كانت الليلة القابلة بعث إلي عمر فأتيته وإذا الغريض عنده. فقال له عمر: هات؛ فاندفع يغني:

هل عند رسم برامة خـبـر

 

أم لا فأي الأشياء تنتـظـر

ومجلس النسوة الثلاث لدى ال

 

خيمات حتى تبلج السـحـر

فقلت في نفسي: هذا والله صفة ما كنا فيه، فسكت حتى فرغ الغريض من الشعر كله؛ فقلت: يا أبا الخطاب، جعلت فداك! هذا والله صفة ما كنا فيه البارحة مع النسوة. فقال: إن ذلك ليقال. وذكر أحمد بن الحارث عن المدائني عن علي بن مجاهد قال: إن موسى بن مصعب كان على الموصل، فاستعمل رجلاً من أهل حران على كورة باهذرا وهي أجل كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج؛ فكتب إليه:

هل عند رسم برامة خبر

 

أم لا فأي الأشياء تنتظر

احمل ما عندك يا ماص بظر أمه، وإلا فقد أمرت. رسولي بشدك وثاقاً ويأتي بك. فخرج الرجل وأخذ ما كان معه من الخراج فلحق بحران، وكتب إليه: يا عاض بظر أمه! إلي تكتب بمثل هذا!

وإذا أهل بلدة أنكروني

 

عرفتني الدوية الملساء

فلما قرأ موسى كتابه ضحك وقال: أحسن – يعلم الله – الجواب، ولا والله لا أطلبه أبدا. وفي غير هذه الرواية أنه كتب إليه في آخر رقعة:

إن الخليط الألى تهوى قد ائتمروا

 

للبين ثم أجدوا السير فانشمـروا

يا بن الزانية! والسلام. ثم هرب، فلم يطلبه.
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد قال قال أبي: غناني رجل من أهل المدينة لحن الغريض:

هل عند رسم برامة خبر

 

أم لا فأي الأشياء تنتظر

فسألته أن يلقيه علي، فقال: لا إلا بألف درهم؛ فلم أسمح له بذلك. ومضى فلم ألقه. فوالله يا بني ما ندمت على شيء قط ندمي على ذلك، ولوددت أني وجدته الآن فأخذته منه كما سمعته وأخذ مني ألف دينار مكان الألف الدرهم.

تعيرنا أنا قليل عديدنا

الشعر لشريح بن السموءل بن عادياء. ويقال: إنه للسموءل. وكان من يهود يثرب؛ وهو الذي يضرب به المثل في الوفاء فيقال: أوفى من السموءل.

وكان السبب في ذلك فيما ذكر ابن الكلبي وأبو عبيدة وحدثني به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن السائب الكلبي قال: كان امرؤ القيس بن حجر أودع السموءل بن عادياء أدراعاً؛ فأتاه الحارث بن ظالم- ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني – ليأخذها منه؛ فتحصن منه السموءل؛ فأخذ ابناً له غلاماً وناداه: إما أن تسلم الأدراع وإما أن قتلت ابنك؛ فأبى السموءل أن يسلم الأدراع إليه؛ فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه اثنين. فقال السموءل:

وفيت بأدرع الكندي إنـي

 

إذا ما خان أقوام وفـيت

وأوصى عادياً يومـاً بـألا

 

تهدم يا سموءل ما بنـيت

بنى لي عاديا حصناً حصيناً

 

وماءً كلما شئت استقـيت

وفي هذه القصيدة يقول:

أعـــاذلـــتـــي ألا لا تـــعـــذلـــينـــي

 

فكــم مـــن أمـــر عـــاذلة عـــصـــيت

دعيني وارشدي إن كنت أغوىولا تغوى زعمت كما غويت

 

 

أعاذل قد طلبت اللوم حتى

 

لو انـي مـنـتــه لـــقـــد انـــتـــهـــيت

وصـفـراء الـمـعـاصـم قــد دعـــتـــنـــي

 

إلـى وصـل فـقـــلـــت لـــهـــا أبـــيت

وزق قــد جـــررت إلـــى الـــنـــدامـــى

 

وزق قـــد شـــربـــت وقـــد ســـقـــيت

وحـتـــى لـــو يكـــون فـــتـــى أنـــاس

 

بكـــى مـــن عـــذل عـــاذلة بـــكـــيت

عروضه من الوافر. والشعر للسموءل بن عادياء. والغناء لابن محرز في الأول والثاني والرابع والخامس خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى.

وغنى فيها مالك خفيف ثقيل بالبنصر في الأول والثاني.

وغنى دحمان أيضاً في الأول والثاني والرابع والخامس رملاً بالوسطى.

وغنى عبد الرحيم الدفاف في الأول والثاني رملاً بالبنصر.

وفي هذه الأبيات لابن سريج لحن في الرابع وما بعده. ثم في سائر الأبيات لحن ذكره يونس، ولم ينسبه. ولإبراهيم الموصلي فيها لحن غير منسوب أيضاً.

حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال حدثني محمد بن السائب الكلبي قال: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:

بنو الشهر الحرام فلست منهم

 

ولست من الكرام بني عبيد

ولا من رهط جبار بن قرط

 

ولا من رهط حارثة بن زيد

قال: وهؤلاء كلهم من كلب فقال الكلبي: أنا، لا أبالك، أشرف من هؤلاء. قال: فسبه الناس بعد بهجاء الأعشى، وكان متغيظاً عليه. فأغار الكلبي على قوم قد بات بهم الأعشى فأسر منهم نفراً وأسر الأعشى وهو لا يعرفه؟ فجاء حتى نزل بشريح بن السموءل بن عادياء الغساني صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق. فمر شريح بالأعشى، فنادى به الأعشى بقوله:

شريح لا تتركني بعد ما علـقـت

 

حبالك اليوم بعد القد أظـفـاري

قد جلت ما بين بانقيا إلـى عـدن

 

فطال في العجم تردادي وتسياري

فكان أكرمهم عهداً وأوثـقـهـم

 

عقدا أبوك بعرف غير إنـكـار

كالغيث ما استمطروه جاد وابلـه

 

وفي الشدائد كالمستأسد الضاري

كن كالسموءل إذ طاف الهمام به

 

في جحفل كسواد اللـيل جـرار

إذ سامه خطتي خسف فقـال لـه

 

قل ما تشاء فإني سامـع حـار

فقال غدر وثكل أنت بينـهـمـا

 

فاختر وما فيهما حظ لمختـار

فشك غير طويل ثـم قـال لـه

 

اقتل أسيرك إني مانع جـاري

وسوف يعقبنيه إن ظفـرت بـه

 

رب كريم وبيض ذات أطهـار

لا سرهن لدينـا ذاهـب هـدراً

 

وحافظات إذا استودعن أسراري

فاختار أدراعه كي لا يسب بهـا

 

ولم يكن وعده فيها بـخـتـار

قال: فجاء شريح إلى الكلبي فقال له: هب لي هذا الأسير المضرور؛ فقال: هو لك، فأطلقه. وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك؛ فقال له الأعشى: إن من تمام صنيعك إلي أن تعطيني ناقةً ناجية وتخليني الساعة. قال: فأعطاه ناقة، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إلي بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه؛ فقال: قد مضى. فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.

وأما خبر:

وما كر إلا كان أول طاعن

– والشعر للخنساء – فإنه خبر يطول لذكر ما فيه من الوقائع؛ وهو يأتي فيما بعد هذا مفراد عن المائة الصوت المختارة في أخبار الخنساء.

وأما خبر الجارية التي أخذ عنها ابن جامع الصوت وما حكيناه من أنه وقع في حكاية محمد بن ضوين الصلصال فيها خطأ، فأخبرنا بخبرها الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي محمد العامري قال حدثني عكاشة اليزيدي بجرجان قال حدثني إسماعيل بن جامع قال: بينا أنا في غرفة لي باليمن وأنا مشرف على مشرعة، إذ أقبلت أمة سوداء على ظهرها قربة، فملأتها ووضعتها على المشرعة لتستريح، وجلست فغنت:

فردي مصاب القلب أنت قتلته

 

لا تبعدي فيما تجشمت كلثما

ويروى ولا تتركيه هائم القلب مغرماً-:

إلى الله أشكو بخلها وسماحـتـي

 

لها عسل مني وتبذل علـقـمـا

أبي الله أن أمسي ولا تذكريننـي

 

وعيناي من ذكراك قد ذرفت دما

أبيت فما تنفك لي منـك حـاجة

 

رمى الله بالحب الذي كان أظلما

– غناه سياط خفيف ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة – قال: ثم أخذت قربتها لتمضي. فاستفزني من شهوة الصوت ما لا قوام لي به، فنزلت إليها فقلت لها: أعيديه. فقالت: أنا عنك في شغل بخراجي. قلت: وكم هو؟ قالت: درهمان في كل يوم. قلت: فهذان درهمان، ورديه علي حتى آخذه منك، وأعطيتها درهمين؛ فقالت: أما الآن فنعم. فجلست، فلم تبرح حتى أخذته منها وانصرفت؛ فلهوت يومي به، وأصبحت من غد لا أذكر منه حرفاً، فإذا أنا بالسوداء قد طلعت ففعلت كفعلها بالأمس. فلما وضعت القربة تغنت غيره، فعدوت في أثرها وقلت: يا جارية، بحقي عليك ردي علي الصوت فقد ذهبت عني منه نغمة. فقالت: لا والله، ما مثلك تذهب عنه نغمة، أنت تقيس أوله على آخره، ولكنك قد أنسيته، ولست أفعل إلا بدرهمين آخرين. فدفعتهما إليها وأعادته علي حتى أخذته ثانية.

ثم قالت: إنك تستكثر فيه أربعة دراهم، وكأني بك قد أصبت به أربعة آلاف دينار. فكنت عند هارون يوماً وهو على سريره؛ فقال: من غناني فأطربني فله ألف دينار، وقدامه أكياس في كل كيس ألف دينار. فغنى القوم وغنيت فلم يطرب، حتى دار الغناء إلي ثانية فغنيت صوت السوداء؛ فرمى إلي بكيس فيه ألف دينار، ثم قال: أعده فغنيته؛ فرمى إلي بثان ثم قال: أعده فرمى إلي بثالث وأمسك. فضحكت؛ فقال: ما يضحكك؟ فقلت: لهذا الصوت حديث. عجيب يا أمير المؤمنين. فقال: وما هو؟ فحدثته به وقصصت عليه القصة؛ فرمى إلي برابع وقال: لا نكذب قولها.

عوجي علي فسلمي جبر

الشعر للعرجي وقد ذكرنا نسبة الصوت.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال حدثني محمد بن إسحاق قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: إن بالمدينة مخنثاً قد أفسد نساءها فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحمله. فأدخل عليه، فإذا شيخ خضيب اللحية والأطراف معتجر بسبنية قد حمل دفا في خريطته. فلما وقف بين يدي عمر صعد بصره فيه وصوبه وقال: سوأة لهذه الشيبة وهذه القامة! أتحفظ القرآن؟ قال: لا والله يا أبانا؛ قال: قبحك الله! وأشار إليه من حضره فقالوا: اسكت فسكت. فقال له عمر: أتقرأ من المفصل شيئاً؟ قال: وما المفصل؟ قال: ويلك! أتقرأ من القرآن شيئاً؟ قال: نعم، أقرأ الحمد لله وأخطئ فيها في موضعين أو ثلاثة، وأقرأ قل أعوذ برب الناس وأخطئ فيها، وأقرأ قل هو الله أحد مثل الماء الجاري. قال: ضعوه في الحبس ووكلوا به معلماً يعلمه القرآن وما يجب عليه من حدود الطهاره والصلاة وأجروا عليه في كل يوم ثلاثة دراهم وعلى معلمه ثلاثة دراهم أخر، ولا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع. فكان كلما علم سورة نسي التي قبلها. فبعث رسولاً إلى عمر: يا أمير المؤمنين، وجه إلي من يحمل إليك ما أتعلمه أولاً فأولاً، فإني لا أقدر على حمله جملة واحدة. فيئس عمر من فلاحه وقال: ما أرى هذه الدراهم إلا ضائعة، ولو أطعمناها جائعاً أو أعطيناها محتاجاً أو كسوناها عرياناً لكان أصلح. ثم دعا به، فلما وقف بين يديه قال له: اقرأ قل يأيها الكافرون . قال: أسأل الله العافية! أدخلت يدك في الجراب فأخرجت شر ما فيه وأصعبه. فأمر به فوجئت عنقه ونفاه.

فاندفع يغني وقد توجهوا به:

عوجي علي فسلمي جبر

 

فيم الوقوف وأنتم سفر

ما نلتقي إلا ثلاث منـى

 

حتى بفرق بيننا النفـر

فلما سمع الموكلون به حسن ترنمه خلوه وقالوا له: اذهب حيث شئت مصاحباً بعد استماعهم منه طرائف غنائه سائر يومهم وليلتهم.

أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائني قال: أحج خالد بن عبد الله ابنه محمداً وأصحبه رزاماً مولاه وأعطاه مالاً، وقال: إذا دخلت المدينة فاصرفه فيما أحببت. فلما صرنا بالمدينة سأل محمد عن جارية حاذقة؛ فقيل: عند محمد بن عمران التيمي القاضي. فصلينا الظهر في المسجد ثم. ملنا إليه فاستأذنا عليه فأذن لنا وقد انصرف من المسجد وهو قاعد على لبد ونعلاه في آخر اللبد؛ فسلمنا عليه فرد؛ ونسب محمداً فانتسب له، فقال: خيراً. ثم قال: هل من حاجة؟ فلجلج. فقال: كأنك ذكرت فلانة! يا جارية أخرجي؛ فخرجت فإذا أحسن الناس، ثم تغنت فإذا أحذق الناس؛ فجعل الشيخ يذهب مع حركاتها ويجيء، إلى أن غنت قوله:

عوجي علي فسلمي جبر

فلما بلغت:

حتى يفرق بيننا النفر

وثب الشيخ إلى نعله فعلقها في أذنه وجثا على ركبتيه وأخذ بطرف آذنه والنعل فيها وجعل يقول: أهدوني أنا بدنة، أهدوني أنا بدنة. ثم أقبل عليهم فقال: كم قيل لكم إنها تساوي؟ قالوا: ستمائة دينار. قال: هي وحق القبر خير من ستة آلاف دينار، ووالله لا يملكها علي أحد أبداً، فانصرفوا إذا شئتم.

أخبرنا وسواسة بن الموصلي – وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي – قال حدثني حماد بن إسحاق قال: وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثقفي عن ابن عم لعمارة بن حمزة قال حدثني سليم الحساب عن داود المكي قال: كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده ابن المبارك وجماعة من العراقيين، إذ مر به ابن تيزن – قال حماد: ويقال ابن بيرن – وقد ائتزر بمئزرة على صدره، وهي إزرة الشطار عندنا. فدعاه ابن جريج؛ فقال له: إني مستعجل، وقد وعدت أصحاباً لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم. فأقسم عليه حتى أتاه، فجلس وقال له: ما تريد؟ قال: أحب أن تسمعني. قال: أنا أجيئك إلى المنزل، فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء!. قال: أسألك أن تفعل؛ قال: امرأته طالق إن غناك فوق ثلاثة أصوات. قال: ويحك! ما أعجلك باليمين؟! قال: أكره أن أحتبس عن أصحابي. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: اعقلوا رحمكم الله. ثم قال له: غنني الصوت الذي أخبرتني أن ابن سريج غناه في اليوم الثالث من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب والجائي حتى تكسرت المحامل. فغناه:

عوجي علي فسلمي جبر

فقال ابن جريج: أحسنت والله!- ثلاث مرات – ويحك أعده. قال: أمن الثلاثة؟ فإني قد حلفت. قال: أعده فأعاده؛ فقال: أحسنت! أعده من الثلاثة فأعاده وقام فمضى. فقال ابن جريج لأصحابه: لعلكم أنكرتم ما فعلت! قالوا: إنا لننكره بالعراق. قال: فما تقولون في الرجز؟ يعني الحداء قالوا: لا بأس به. قال: فما الفرق بينهما!.

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المديني قال: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس حلوقاً: ابن تيزن، وابن عائشة، وابن أبي الكنات.

سقاني فرواني كميتـاً مـدامةً

 

على ظمأ مني سلام بن مشكم

تخيرته أهل المـدينة واحـداً

 

سواهم فلم أغبن ولم أتـنـدم

عروضه من الطويل. والشعر لأبي سفيان بن حرب. والغناء لسليمان أخي بابويه الكوفي مولى الأشاعثة خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى.