ذكر أخبار دنانير وأخبار عقيد

ذكر أخبار دنانير وأخبار عقيد

كانت مولاة ليحيى بن خالد البرمكي

كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكي وكانت صفراء مولدة وكانت من أحسن الناس وجهاً وأظرفهن وأكملهن أدباً وأكثرهن رواية للغناء والشعر وكان الرشيد لشغفه بها يكثر مصيره إلى مولاها ويقيم عندها ويبرها ويفرط حتى شكته زبيدة إلى أهله وعمومته فعاتبوه على ذلك.

لها كتاب في الأغاني

ولها كتابٌ مجرد في الأغاني مشهور وكان اعتمادها في غناءها على ما أخذته من بذل وهي خرجتها وقد أخذت أيضاً عن الأكابر الذين أخذت بذل عنهم مثل: فليح وإبراهيم وابن جامع وإسحاق ونظرائهم.
أخبرني جحظه قال: حدثني المكي عن أبيه قال: كنت أنا وابن جامع نعايي دنانير جارية البرامكة فكثيراً ما كانت تغلبنا.

عرضت على الموصلي صوتاً لها فأعجبه

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي عن ابن شبة قال: حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي أبي: قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتاً اختارته وأعجبت به فقلت لها: لا يشتد إعجابك حتى تعرضيه على شيخك فإن رضيه فارضيه لنفسك وإن كرهه فاكرهيه فامض حتى تعرضه عليك. قال: فقال لي أبي: فقلت له: أيها الوزير فكيف إعجابك أنت به فإنك والله ثاقب الفطنة صحيح التمييز قال: أكره أن أقول لك: أعجبني فيكون عندك غير معجب إذ كنت عندي رئيس صناعتك تعرف منها ما لا أعرف وتقف من لطائفها على ما لا أقف وأكره أن أقول لك: لا يعجبني وقد بلغ من قلبي مبلغاً محموداً وإنما يتم السرور به إذا صادف ذلك منك استجادةً وتصويباً. قال: فمضيت إليها وقد تقدم إلى خدمه يعلمهم أنه سيرسل بي إلى داره وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فاعرضي عليه الصوت الذي صنعته واستحسنته فإن قال لك: أصبت سررتني بذلك وإن كره فلا تعلميني. لئلا يزول سروري بما صنعت. قال إسحاق: قال أبي: فحضرت الباب فأدخلت وإذا الستارة قد نصبت فسلمت على الجارية من وراء الستارة فردت السلام وقالت: يا أبت أعرض عليك صوتاً قد تقدم لاشك إليك خبره وقد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم وكذلك يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحس وقد صوت

نفسي أكنت عليك مدعياً أم حين أزمع بينهم خنت!

إن كنت مولعةً بذكرهم فعلى فراقهـم ألا مـت!

قال: فأعجبني والله غاية العجب واستخفني الطرب حتى قلت لها: أعيديه فأعادته وأنا أطلب لها فيه موضعاً أصلحه وأغيره عليها لتأخذه عني فلا والله ما قدرت على ذلك ثم قلت لها: أعيديه الثالثة فأعادته فإذا هو كالذهب المصفى فقلت: أحسنت يا بنية وأصبت وقد قطعت عليك بحسن إحسانك وجودة إصابتك أنك قائدةٌ للمعلمين إذ قد صرت تحسنين الاختيار وتجيدين الصنعة قال: ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد فقال: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير قال: أعز الله الوزير والله ما يحسن كثيرٌ من حذاق المغنين مثل هذه الصنعة ولقد قلت لها: أعيديه وأعادته علي مرات كل ذلك أريد إعناتها لأجتلب لنفسي مدخلاً يؤخذ عني وينسب إلي فلا والله ما وجدته فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إياها وقد – والله – سررتني وسأسرك فوجه إلي بمال عظيم.

اشتراها يحيى بن خالد

وذكر محمد بن الحسن الكاتب قال: حدثني ابن المكي قال: كانت دنانير لرجل من أهل المدينة وكان خرجها وأدبها وكانت أروى الناس للغناء القديم وكانت صفراء صادقة الملاحة فلما رآها يحيى وقعت بقلبه فاشتراها.

الرشيد يعجب بها فتعلم أم جعفر وتشكوه إلى عمومته

وكان الرشيد يسير إلى منزله فيسمعها حتى ألفها واشتد عجبه بها فوهب لها هبات سنيةً منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقداً قيمته ثلاثون ألف دينار فرد عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. وعلمت أم جعفر خبره فشكته إلى عمومته فصاروا جميعاً إليه فعاتبوه فقال: ما لي في هذه الجارية من أربٍ في نفسها وإنما أربى في غنائها فاسمعوها فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم فأقاموا عنده ونقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فعذروه وعادوا إلى أم جعفر فأشاروا عليها ألا تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت إلى الرشيد عشر جوارٍ منهن: ماردة أم المعتصم ومراجل أم المأمون وفاردة أم صالح.

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أخبرني محمد بن عبد الله الخزاعي قال: حدثني عباد البشري قال: مررت بمنزل من منازل طريق مكة يقال له النباج فإذا كتاب على حائط في المنزل فقرأته فإذا هو: النيك أربعة فالأول شهوة والثاني لذة والثالث شفاء والرابع داء وحرٌ إلى أيرين أحوج من أير إلى حرين وكتبت دنانير مولاة البرامكة بخطها.

أخبرني إسماعيل بن يونس عن ابن شبة: أن دنانير أخذت عن إبراهيم الموصلي حتى كانت تغني غناءه فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقية فما فقدتني.

دنانير تصاب بالعلة الكلبية

قال: وأصابتها العلة الكلبية فكانت لا تصبر على الأكل ساعة واحدة فكان يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لأنها كانت لا تصومه وبقيت عند البرامكة مدة طويلة.

الرشيد يأمر بصفع دنانير حتى تغني

أخبرني ابن عمار وابن عبد العزيز وابن يونس عن ابن شبة عن إسحاق: وأخبرني جحظة عن أحمد بن الطيب: أن الرشيد دعا بدنانير البرمكية بعد قتله إياهم فأمرها أن تغني فقالت: يا أمير المؤمنين إني آليت ألا أغني بعد سيدي أبداً فغضب وأمر بصفعها فصفعت وأقيمت على رجليها وأعطيت العود وأخذته وهي تبكي أحر بكاء واندفعت فغنت: صوت

يا دار سلمى بنازح السند بين الثنايا ومسقط اللبد

لما رأيت الديار قد درست أيقنت أن النعيم لم يعد

الغناء للهذلي خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى وذكر علي بن يحيى المنجم وعمرو أنه لسياط في هذه الطريقة.

قال: فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها وانصرفت ثم التفت إلى إبراهيم بن المهدي فقال له: كيف رأيتها قال: رأيتها تختله برفق وتقهره بحذق.

خطبها عقيد فردته وبقيت على حالها إلى أن ماتت

قال علي بن محمد الهشامي: حدثني أبو عبد الله بن حمدون أن عقيداً مولى صالح بن الرشيد خطب دنانير البرمكية وكان هويها وشغف بذكرها فردته واستشفع عليها مولاه صالح بن الرشيد وبذل والحسين بن محرز فلم تجبه وأقامت على الوفاء لمولاها فكتب إليها عقيد قوله:

يا دنانير قد تنكر عقلي وتحيرت بين وعـد ومـطـل

شفعي شافعي إليك وإلا فاقتليني إن كنت تهوين قتلـي

أنا بالله والأمير وما آ مل من موعد الحـسـين وبـذل

ما أحب الحياة يا حب إن لم يجمع الله عاجلاً بك شملي

فلم يعطفها ذلك على ما يحب ولم تزل على حالها إلى أن ماتت.
وكان عقيدٌ حسن الغناء والضرب قليل الصنعة ما سمعنا منه بكبير صنعة ولكنه كان بموضع من الحذق والتقدم.
قال محمد بن الحسين: حدثني أبو حارثة عن أخيه أبي معاوية قال: شهدت إسحاق يوماً وعقيدٌ يغنيه: صوت

هلا سألت ابنة العبسي ما حسبي عند الطعان إذا ما احمرت الحدق

وجالت الخيل بالأبطال عابسةً شعث النواصي عليها البيض تأتلـق

الشعر يقال: إنه لعنترة ولم يصح له والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالوسطى. قال: فجعل إسحاق يستعيده ويشرب ويصفق حتى والى بين أربعة أرطال وسأله بعض من حضر: من أحسن الناس غناء قال: من سقاني أربعة أرطال.

أبو حفص الشطرنجي يقول فيها شعراً يغنيه ابن جامع وفي دنانير يقول أبو حفص الشطرنجي.
صوت

أشبهك المسك وأشبهته قائمةً في لونه قاعده

لاشك إذ لونكما واحدٌ أنكما من طينةٍ واحده

غناه ابن جامع هزجاً بالبنصر وقيل: إنه لأبي فارة.

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات عن علي بن محمد النوفلي عن مولاة بن جامع أن مولاها كان يهوى جارية صفراء. فقال فيها هذا الشعر وغنى فيه وأظن هذا وهماً لأنا لم نسمع لابن جامع بشعر قط ولعله غناه في شعر أبي حفص الشطرنجي. فظننته له.

ومما غناه عقيد في دنانير والشعر للموصلي إلا البيت الأول فليس له.
صوت

هذي دنانير تنساني فأذكرها وكيف تنسى محباً ليس ينساها!

والله والله لو كانت إذا برزت نفس المتيم في كفيه ألقاهـا

والشعر والغناء لعقيد ولحنه من الرمل المطلق في مجرى الوسطى وفيه هزج خفيف محدث.

المغنون والجواري يغنون بشعر عقيد فيها قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني علي بن محمد قال: حدثني جابر بن مصعب عن مخارق قال: مرت بي ليلةٌ ما مر بي قط مثلها. جاءني رسول محمد الأمين وهو خليفة فأخذني وركض بي إليه ركضاً فحين وافيت أتي بإبراهيم بن المهدي على مثل حالي فنزلنا وإذا هو في صحن لم أر مثله قد ملىء شمعاً من شمع محمد الأمين الكبار وإذا به واقف ثم دخل في الكرح والدار مملوءة بالوصائف يغنين على الطبول والسرنايات ومحمد في وسطهن يرتكض في الكرح فجاءنا رسوله فقال: قوماً في هذا الباب مما يلي الصحن فارفعا أصواتكما مع السرناي أين بلغ وإياكما أن أسمع في أصواتكما تقصيراً عنه قال: فأصغينا فإذا الجواري والمخنثون يزمرون ويضربون:

هذي دنانير تنساني وأذكرها وكيف تنسى محباً ليس ينسـاهـا!

قد أكمل الحسن في تركيب صورتها فارتج أسفلها واهتز أعلاها

قامت تمشي فليت الله صيرني ذاك التراب الذي مسته رجلاهـا

والله والله لو كانت إذا برزت نفس المتيم في كفيه ألقاها

فما زلنا نشق حلوقنا مع السرناي ونتبعه حذراً من أن نخرج عن طبقته أو نقتصر عنه إلى الغداة ومحمد يجول في الكرح ما يسأمه يدنو إلينا مرة في جولانه ويتباعد مرة وتحول الجواري بيننا وبينه حتى أصبحنا.

صوت

ألا طرقت أسماءٌ لا حين مطرق وأنى إذا حلت بنجران نلتقي

بوج وما بالي بوج وبالها ومن يلق يوماً جدة الحب يخـلـق

عروضه من الطويل الشعر لخفاف بن ندبة والغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسباب في مجرى البنصر عن إسحاق أيضاً وذكر عمرو بن بانة أن فيه لحناً لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى وفيه لعلويه خفيف رمل بالوسطى وفيه للقاسم بن زرزور خفيف رمل آخر صحيح في غنائه وفيه لابن مسجح ثقيل اول عن إبراهيم ويحيى المكي والهشامي وفيه لمخارق رمل بالبنصر.

أخبار خفاف ونسبه

هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهئة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار وندبة أمه وهي أمةٌ سوداء وكان خفاف أسود أيضاً وهو شاعر من شعراء الجاهلية وفارسٌ من فرسانهم وجعله ابن سلام في الطبقة الخامسة من الفرسان مع مالك بن نويرة ومع ابني عمه صخر ومعاوية ابني عمرو بن الشريد ومالك بن حمار الشمخي.

أحد فرسان العرب وأغربتهم

أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام قال: كان خفاف بن ندبة – وهي أمه – فارساً شجاعاً شاعراً وهو أحد أغربة العرب وكان هو ومعاوية بن الحارث بن الشريد أغار على بني ذبيان يوم حوزة فلما قتلوا معاوية بن عمرو قال خفاف: والله لا أريم اليوم أو أقيد به سيدهم فحمل على مالك بن حمار وهو يومئذ فارس بني فزارة وسيدهم فطعنه فقتله وقال:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمداً على عيني تيممت مالكا

أقول له والرمح يأطر متنه: تأمل خفافاً إنـنـي أنـا ذلـكـا

قال ابن سلام: وهو الذي يقول:

يا هند يا أخت بني الصارد ما أنا بالباقي ولا الخالد

إن أمس لا أملك شيئاً فقد أملك أمر المنسر الحارد

في هذين البيتين لعبيد الله بن أبي غسان خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي.

ينال من العباس بن مرداس والعباس يرد عليه

أخبرني عمي عن عبد الله بن سعد عن أحمد بن عمر عن عمر بن خالد بن عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن الحجاج السلمي قال: كان بدء ما كان بين خفاف بن ندبة والعباس بن مرداس أن خفافاً كان في ملأ من بني سليم فقال لهم: إن عباس بن مرداس يريد أن يبلغ فينا ما بلغ عباس بن أنس ويأبى ذلك عليه خصالٌ قعدن به فقال له فتى من رهط العباس: وما تلك الخصال يا خفاف قال: اتقاؤه بخيله عند الموت واستهانته بسبايا العرب وقتله الأسرى ومكالبته للصعاليك على الأسلاب ولقد طالت حياته حتى تمنينا موته فانطلق الفتى إلى العباس فأخبره الخبر فقال العباس: يابن أخي إن لم يكن كالأصم في فضله فلست كخفافٍ في جهله وقد مضى الأصم بما في أمس وخلفني بما في غدٍ فلما أمسى تغنى وقال:

خفافٌ ما تزال تجر ذيلاً إلى الأمر المفارق للرشاد

إذا ما عاينتك بنو سليمٍ ثنيت لـهـم بـداهـيةٍ نـاد

وقد علم المعاشر من سليم بأني فيهم حسـن الأيادي

فأورد يا خفاف فقد بليتم بني عوف بحية بطن وادي

قال: ثم أصبح فأتى خفافاً. وهو في ملأ من بني سليم فقال: قد بلغني مقالتك يا خفاف والله لا أشتم عرضك ولا أسب أباك وأمك ولكني رامٍ سوادك بما فيك وإنك لتعلم أني أحمي المصاف وأتكرم على السلب وأطلق الأسير وأصون السبية. وأما زعمك أني أتقي بخيلي الموت فهات من قومك رجلاً اتقيت به. وأما استهانتي بسبايا العرب فإني أحذو القوم في نسائهم بفعالهم في نسائنا وأما قتلي الأسرى فإني قتلت الزبيدي بخالك إذ عجزت عن ثأرك. وأما مكالبتي الصعاليك على الأسلاب فوالله ما أتيت على مسلوب قط إلا لميت سالبه. وأما تمنيك موتي. فإن مت قبلك فأغن غنائي وإن سليماً لتعلم أني أخف عليهم مؤونة وأثقل على عدوهم وطأة منك وإنك لتعلم أني أبحت حمى بني زبيد وكسرت قرني الحارث وأطفأت جمرة خثعم وقلدت بني كنانة قلائد العار ثم انصرف. فقال خفافٌ أبياتاً لم يحفظ الشيخ منها إلا قوله:

ولم تقتل أسيرك من زبيد بخالي بل غدرت بمستفاد

فزندك في سليم شر زندٍ وزادك في سليم شر زاد

فأجابه العباس بقوله:

ألا من مبلغٌ عني خفافاً فإني لا أحاشي مـن خـفـاف

نكحت وليدةً ورضعت أخرى وكان أبوك تحمله قطاف

فلست لحاصنٍ إن لم نزرها تثير النقع من ظهر النعاف

سراعاً قد طواها الأين دهماً وكمتاً لونها كالورس صاف

ابن عم للعباس يحرضه على الحرب

قال: ثم كف العباس وخفاف حتى أتى ابن عم للعباس يكنى أبا عمرو بن بدر وكان غائباً فقال: يا عباس! ما نقول فيك خيراً إلا وهو باطل قال: وكيف ذلك ويحك! قال: أخبرني عنك أكل الذي أقررت به من خفاف في نفيه أباك وتهجينه عرضك ليأس من نصر قومك أو ضعف من نفسك قال: لا ولا واحدة منهما ولكني أحببت البقيا قال: فاسمع ما قلته قال: هات فأنشأ يقول:

أرى العباس ينفض مذرويه دهين الرأس تقليه النساء

وقد أزرى بوالده خفافٌ ويحسب مثله الداء العـياء

فلا تهد السباب إلى خفاف فإن السب تحسنه الإمـاء

ولا تكذب وأهد إليه حرباً معجلةً فإن الـحـرب داء

أذل الله شر كما قبيلاً ولا سقت له رسمـاً سـمـاء

العباس وخفاف يلتقيان ويقتتلان

قال العباس: قد آذنت خفافاً بحرب ثم أصبحا فالتقيا بقومهما فاقتتلوا قتالاً شديداً يوماً إلى الليل وكان الفضل للعباس على خفاف فركب إليه مالك بن عوف ودريد بن الصمة الجشمي في وجوه هوازن فقام دريد خطيباً فقال: يا معشر بني سليم إنه أعجلني إليكم صدرٌ وادٌ ورأيٌ جامع وقد ركب صاحباكم شر مطية وأوضعا إلى أصعب غاية فالآن قبل أن يندم

دريد ومالك بن عوف يحذرانهما عاقبة الحرب

فقام مالك بن عوف فقال: يا معشر بني سليم إنكم نزلتم منزلاً بعدت فيه هوازن وشبعت منكم فيه بنو تميم وصالت عليكم فيه بكر بن وائل ونالت فيه منكم بنو كنانة فانزعوا وفيكم بقية قبل أن تلقوا عدوكم بقرنٍ أعضب وكف جذماء قال: فلما أمسينا تغنى دريد بن الصمة فقال:

سليم بن منصور ألما تخبروا بما كان من حربي كليبٍ وداحـس

وما كان في حرب اليحابر من دم مباحٍ وجذعٍ مؤلمٍ للمعاطـس

وما كان في حربي سليم وقبلهم بحرب بعاثٍ من هلاك الفوارس

تسافهت الأحلام فيها جهالةً وأضرم فيها كـل رطـب ويابـس

فكفوا خفافاً عن سفاهة رأيه وصاحبه العباس قبل الـدهـارس

وإلا فأنتم مثل من كان قبلكم ومن يعقل الأمثال غـير الأكـايس

وقال مالك بن عوف النضري:

سليم بن منصور دعوا الحرب إنما هي الهلك للأقصين أو للأقارب

تفرقت الأحياء منهم لجاجةً وهم بين مغـلـوبٍ ذلـيلٍ وغـالـب

فما لسليم ناصرٌ من هوازنٍ ولو نصروا لم تغن نـصـرةُ غـائب

دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب وتهادي الشعر من غير شتم قال: ثم أصبحنا فاجتمعت بنو سليم وجاء العباس وخفافٌ فقال لهما دريد بن الصمة ولمن حضر من قومهما: يا هؤلاء! إن أولكم كان خير أول وكل حي سلف خيرٌ من الخلف فكفوا صاحبيكم عن لجاج الحرب وتهاجي الشعر قال: فاستحيا العباس فقال: فإنا نكف عن الحرب ونتهادى الشعر قال: فقال دريد: فإن كنتما لابد فاعلين فاذكرا ما شئتما ودعا الشتم فإن الشتم طريق الحرب فانصرفا على ذلك. فقال العباس بن مرداس:

فأبلغ لديك بني مالكٍ فأنتم بـأنـبـائنـا أخـبـر

فأما النخيل فليست لنا نخيلٌ تسـقـى ولا تـؤبـر

ولكن جمعاً كجذل الحكا ك فيه المقنع والحـسـر

مغاوير تحمل أبطالنا إلى الموت ساهمةٌ ضـمـر

وأعددت للحرب خيفانةً تديم الجراء إذا تخـطـر

صنيعاً كقارورة الزعفرا ن مما تصان ولا تؤثـر

أعباس إن استعار القصي د في غير معشره منكر

علام تناول ما لا تنال فتقطع نفسك أو تـخـسـر

فإن الرهان إذا ما أريد فصاحبه الشامخ المخطـر

تخاوص لم تستطع عدة كأنك من بغضنـا أعـور

فقصرك مأثورةٌ إن بقي ت أصحو بهالك أو أسكر

لساني وسيفي معاً فانظرن إلى تلك أيهما تـبـدر

قال: فلما طال الأمر بينهما من الحرب والتهاجي قال عباس: إني والله ما رأيت لخفافٍ مثلاً إلا شبام بني زبيد فإنه كان يلقى من ابن عمه ثروان بن مرة من الشتم والأذى ما ألقى من خفاف فلما لج في شتمه تركه وما هو فيه فقال:

وهبت لثروان بن مرة نفسه وقد أمكنتني من ذؤابته يدي

وأحمل ما في اليوم من سوء رأيه رجاء التي يأتي بها الله في غد

فقال خفاف: إني والله ما وجدت لعباس مثلاً إلا ثروان بني زبيد فإنه كان يلقي من شبام ما ألقى من العباس من الأذى فقال ثروان:

رأيت شباماً لا يزال يعيبني فلله ما بالـي وبـال شـبـام!

فتقصر عني يا شبام بن مالكٍ وما عض سيفي شاتمي بحرام

فقال عباس: جزاك الله عني يا خفاف شراً فقد كنت أخف بني سليم من دمائها ظهراً وأخمصها بطناً فأصبحت العرب تعيرني بما كنت أعيب عليها من الاحتمال وأكل الأموال وصرت ثقيل الظهر من دمائها منفضج البطن من أموالها وأنشأ يقول:

ألم تر أني تركت الحروب وأني ندمت على ما مضى

ندامة زارٍ على نفسه لتلك التـي عـارهـا يتـقـى

فلم أوقد الحرب حتى رمى خفافٌ بأسهمه من رمى

فإن تعطف القوم أحلامهم فيرجع من ودهم ما نـأى

فلست فقيراً إلى حربهم وما بي عن سلمهم من غنى

فقال خفاف:

أعباس إما كرهت الحروب فقد ذقت من عضها ما كفى

أألقحت حرباً لها شدة زماناً تسعـرهـا بـالـلـظـى

فلما ترقيت في غيها دحضت وزل بك الـمـرتـقـى

فلا زلت تبكي على زلة وماذا يرد عـلـيك الـبـكـا

وإن كنت تطمع في سلمنا فزوال ثبيراً وركنـي حـرا

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني مسعود بن عيسى العبدي عن يحيى بن عبد الله بن الفضل الفزاري وكان علامة بأمر قيس قال: كان خفاف بن ندبة في جماعة من قومه فقال: إن عباس بن مرداس ليريد أن يبلغ فينا مبلغ عباس بن أنس وتأبى عليه خصالٌ قعدن به عن ذلك فقال فتىً من رهط عباس: ما تلك الخصال يا خفاف فقال: اتقاؤه بخيله عند الموت ومكالبة الصعاليك على الأسلاب وقتله الأسرى واستهانته بسبايا العرب وايم الله لقد طالت حياته حتى تمنينا موته فانطلق الفتى إلى العباس فحدثه الحديث فقال العباس: يابن أخي إلا أكن كالأصم في فضله فلست كخفافٍ في جهله وقد مضى الأصم بما في أمس وخلفني لما في غد فلما أمسى تغنى فقال:

خفاف أما تزال تجر ذيلاً إلى الأمر المقرب للفـسـاد

وقد علم المعاشر من سليم بأني فيهم حـسـن الأيادي

وأني يوم جمع بني عطيفٍ حملت بحالك وهج المرادي

وأني لا أعير في سليم برد الخيل سالـمة الـهـوادي

وأني في ملمة كل يوم أقي صحبي وفي خيلي تعـادي

في القلب يقدح والحشا فالقلب مجروح الـنـواحـي

قال: صدقت والله قال: فما يمنعك عن منادمته يا أمير المؤمنين قال: يمنعني قوله:

قلت لساقينا على خلوةٍ أدن كذا رأسك من راسـي

ونم على صدرك لي ساعةً إني امرؤٌ أنكح جلاسي

أفتريد أن نكون من جلاسه على هذه الشريطة!.

قال شعراً في أبي نواس

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازة: حدثني عبد الله بن مسلم بن قتيبة ووجدته في بعض الكتب عن ابن قتيبة وروايته أتم فجمعتهما قال: حدثني الدعلجي غلام أبي نواس قال: أنشدت يوماً بين يدي أبي نواس قوله:

يا شقيق النفس من حكم نمت عن ليلي ولم أنم

وكان قد سكر فقال: أخبرك بشيء على أن تكتمه قلت: نعم قال: أتدري من المغني بقوله: يا شقيق النفس من حكم قلت: لا قال: أنا والله المعني بذلك والشعر لوالبة بن الحباب قال: وما علم بذلك غيرك وأنت أعلم فما حدثت بهذا حتى مات.

قال: وقال الجاحظ: كان والبة بن الحباب ومطيع بن إياس ومنقذ بن عبد الرحمن الهلالي وحفص بن أبي وردة وابن المقفع ويونس بن أبي فروة وحماد بن عجرد وعلي بن الخليل وحماد بن أبي ليلى الراوية وابن الزبرقان وعمارة بن حمزة ويزيد بن الفيض وجميل بن محفوظ وبشار المرعث وأبان اللاحقي ندماء يجتمعون على الشراب وقول الشعر ولا يكادون يفترقون ويهجو بعضهم بعضاً هزلاً وعمداً وكلهم متهمٌ في دينه.

والبة وأبو العتاهية يتهاجيان

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثني محمد بن القاسم قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن محمد السالمي الكوفي التيمي قال: حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: رأيت أبا العتاهية جاء إلى أبي فقال له: إن والبة بن الحباب قد هجاني ومن أنا منه أنا جرار مسكين وجعل يرفع من والبة ويضع من نفسه فأحب أن تكلمه أن يمسك عني. قال: فكلم أبي والبة وعرفه أن أبا العتاهية جاءه وسأله ذلك فلم يقبل وجعل يشتم أبا العتاهية فتركه ثم جاء أبو العتاهية فسأله عما عمل في حاجته فأخبره بما رد عليه والبة فقال لأبي: لي الآن إليك حاجة قال: وما هي قال: لا تكلمني في أمره قال: قلت له: هذا أول ما يجب ذلك قال: فقال أبو العتاهية يهجوه:

أوالب أنت في العرب كمثل الشيص في الرطب

هلم إلى الموالي الصي د في سعةٍ وفي رحـب

فأنت بنا لعمر الل ه أشبه مـنـك بـالـعـرب

غضبت عليك ثم رأي ت وجهك فانجلى غضبي

لما ذكرتني مـن لـون أج دادي ولـون أبـي

فقل ما شئت أقبله وإن أطنبـت فـي الـكـذب

لقد أخبرت عنك وعن أبيك الخالص العـربـي

فقال العارفون به مصاصٌ غـير مـؤتـشـب

أتانا من بلاد الرو م معتجـراً عـلـى قـتـب

خفيف الحاذ كالصمصا م أطلس غير ذي نشـب

أوالب ما دهاك وأن ت في الأعراب ذو نسـب

فجئت أقيشر الخدي ن أزرق عـارم الـذنـب

لقد أخطأت في شتمي فخبـرنـي ألـم أصـب

وقال في والبة أيضاً:

نطقت بنو أسدٍ ولم تجهر وتكلمت خفياً ولم تظـهـر

وأما ورب البيت لو نطقت لتركتها وصباحها أغـبـر

أيروم شتمي منهم رجلٌ في وجهه عبرٌ لمن فـكـر

وابن الحباب صليبةً زعموا ومن المحال صليبةٌ أشقر

ما بال من آباؤه عرب الأل وان يحسب من بني قيصر

أترون أهل البدو قد مسخوا شقراً أما هذا من المنكـر

وقال: وأول هذه القصيدة:

صرح بما قد قلته واجهر لابن الحباب وقل ولا تحصر

ما لي رايت أباك أسود غر بيب القذال كأنـه

وكأن وجهك حمرةً رئةٌ وكأن رأسك طائرٌ اصـفـر

قال: وبلغ الشعر والبة فجاء إلى أبي فقال: قد كلمتني في أبي العتاهية وقد رغبت في الصلح قال له أبي: هيهات إنه قد أكد علي إن لم تقبل ما طلب أن أخلي بينك وبينه وقد فعلت فقال له والبة: فما الرأي عندك فإنه فضحني قال: تنحدر إلى الكوفة فركب زورقاً ومضى من بغداد إلى الكوفة وأجود ما قاله والبة في أبي العتاهية قوله:

كان فينا يكنى أبا إسحاق وبها الركب سار في الآفاق

فتكنى معتوهنا بعتاهٍ يا لها كنـيةً أتـت بـاتـفـاق

خلق الله لحيةً لك لا تن فك معقودةً لدى الـحـلاق

وله فيه وهو ضعيف سخيف من شعره:

قل لابن بائعة القصار وابن الدوارق والجرار

تهوى عتيبة ظاهراً وهواك في أير الحمـار

تهجو مواليك الألى فكوك مـن ذل الإسـار

والبة وعلي بن ثابت

أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني ابن أبي فنن قال: كان والبة بن الحباب خليلاً لعلي بن ثابت وصديقاً ودوداً وفيه يقول:

وقاسماً نفسي فدت قاسماً من حدث الموت وريب الزمان

قال: ولما مات والبة رثاه فقال:

بكت البرية قاطبه جزعاً لمصرع والبـه

قامت لموت أبي أسا مة في الرفاق النادبه

يقصد أبا بجير الأسدي بالأهواز ويلتقي بأبي نواس قال: وكان والبة أستاذ أبي نواس وعنه أخذ ومنه اقتبس قال: وكان والبة قد قصد أبا بجير الأسدي وهو يتولى للمنصور الأهواز فمدحه وأقام عنده فألفى أبا نواس هناك وهو أمرد فصحبه وكان حسن الوجه فلم يزل معه فيقال: إنه كشف ثوبه ليلةً فرأى حمرة أليتيه وبياضهما فقبلهما فضرط عليه أبو نواس فقال له: لم فعلت هذا ويلك قال: لئلا يضيع قول القائل: ما جزاء من يقبل الإست إلا ضرطة.

والبة وأبو سلهب الشاعر أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي الفضل قال: حدثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب صديقي وكان ماجناً طبعاً خفيف الروح خبيث الدين وكنا ذات يوم

شربت وفاتكٌ مثلي جموحٌ بغمى بالكؤوس وبالبواطـي

يعاطيني الزجاجة أريحي رخيم الدل بورك من معاطي

أقول له على طرب: ألطني ولو بمؤاجرٍ علجٍ نباطـي

فما خير الشراب بغير فسقٍ يتابع بالزناء وبالـلـواط

جعلت الحج في غمى وبنا وفي قطربلٍ أبداً رباطـي

فقل للخمس آخر ملتقانا إذا ما كان ذاك على الصراط

يعني الصلوات.

قال: وحدثني أنه كان ليلة نائماً وأبو نواس غلامه إلى جانبه نائم إذ أتاه آت في منامه فقال له: أتدري من هذا النائم إلى جانبك قال: لا قال: هذا أشعر منك وأشعر من الجن والإنس أما والله لأفتتن بشعره الثقلين ولأغرين به أهل المشرق والمغرب قال: فعلمت أنه إبليس فقلت له: فما عندك قال: عصيت ربي في سجدة فأهلكني ولو أمرني أن أسجد له ألفاً لسجدت.

حكم الوادي يغني شعر والبة

أخبرني الحسين بن يحيى قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: قرأت على أبي عن أبيه أن حكم الوادي أخبره أنه دخل على محمد بن العباس يوماً بالبصرة وهو يتململ خماراً وبيده كأس وهو يجتهد في شربها فلا يطيقه وندماؤه بين يديه في أيديهم أقداحهم وكان يوم نيروز فقال لي: يا حكم غنني فإن أطربتني فلك كل ما أهدي إلي اليوم قال: وبين يديه من الهدايا أمر عظيم فاندفعت أغني في شعر والبة بن الحباب: صوت

قد قابلتنا الكؤوس ودابرتنا النـحـوس

واليوم هرٌ مزروز قد عظمته المجوس

لم نخطه في حسابٍ وذاك مما نسوس

فطرب واستعاده فأعدته ثلاث مرات فشمرت قدحه واستمر في شربه وأمر بحمل كان ما كان بين يديه إلي فكانت قيمته ثلاثين ألف درهم.

لحن حكم الوادي في هذا الشعر هزج بالبنصر عن الهشامي وإبراهيم وغيرهما.

صوت

لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنـهـن مـن الـضـعـاف

مخافة أن يذقن البؤس بعدي وأن يشربن رنقاً بعد صـاف

وأن يرين إن كسي الجواري فيبدي الصر عن هزلٍ عجاف

ولولاهن قد سومت مهري وفي الرحمان للضعفاء كـاف

الشعر لعمران بن حطان فيما ذكر أبو عمرو الشيباني وذكر المدائني أنه لعيسى الحبطي وكلاهما من الشراة والغناء لمحمد بن الأشعث الكوفي خفيف رمل بالوسطى من رواية عمرو بن بانة.