ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس

ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس

كانت بصبص هذه جارية مولدة من مولدات المدينة، حلوة الوجه، حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنين، وكان يحيى بن نفيس مولاها-وقيل نفيس بن محمد، والأول أصح- صاحب قيان يغشاه الأشراف، ويسمعون غناء جواريه، وله في ذلك قصص نذكرها بعد، وكانت بصبص هذه أنفسهن وأشدهن تقدما.

وذكر ابن خرداذبه: ان المهدي اشتراها وهو ولي والعهد سراً من أبيه بسبعة عشر ألف دينار، فولدت منه علية بنت المهدي.

وذكر غيره أن ابن خرداذبة غلط في هذا، وأن الذي صح أن المهدي اشترى بهذه الجملة جاريةً غيرها، وولدت علية.

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: ان ابن القداح حدثه قال: كانت مكنونة جارية المروانية-وليست من آل مروان بن الحكم؛ وهي زوجة الحسين بن عبد الله بن العباس-أحسن جارية بالمدينة وجها، وكانت رسحاء ، وكان بعض من يمازحها يعبث بها، ويصيح: طست طست ! وكانت حسنة الصدر والبطن، وكانت توضح بهما ، وتقول: ولكن هذا! فاشتريت للمهدي في حياة أبيه بمائة ألف درهم فغلبت عليه، حتى كانت الخيرزان تقول: ما ملك أمةً أغلظ علي منها. واستتر أمرها على المنصور حتى مات. وولدت من المهدي علية بنت المهدي.

والذي قال ابن خرداذبه غير مردود إذا كان هذا صحيحاً.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غرير بن طلحة قال: اتعد محمد بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مصعب الزبيري، وأبو بكر بن محمد بن عثمان الربعي، ويحيى بن عقبة، أن يأتوا بصبص جارية ابن نفيس، فعجل محمد بن يحيى، وكان من أصحاب عيسى بن موسى، ليخرج إلى الكوفة، فقال عبد الله بن مصعب.

أرائح أنـت أبـا جـعـفـر

 

من قبل أن تسمع من بصبصا

هيهات أن تسمع منـهـا إذا

 

جاوزت العيس بك الأعوصا

فخذ عليها مجـلـسـي لـذة

 

ومجلساً من قبل أن تشخصـا

أحلف بالـلـه يمـينـا ومـن

 

يحلف بالله فقـد أخـلـصـا

لو أنها تـدعـو إلـى بـيعة

 

بايعتها ثم شققت الـعـصـا

قال: وفيها غناء لبصبص.
قال: فاشتراها أبو غسان مولى منيرة للمهدي بسبعة عشر ألف دينار. قال حماد: وحدثني أبي عن الزبير أن عبد الله بن مصعب خاطب بهذا الشعر أبا جعفر المنصور لما حج فاجتاز بالمدينة منصرفاً من الحج، لاأبا جعفر محمد بن يحيى بن زيد.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي إجازة قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن سلام قال: حدثني موسى بن مهران قال: كانت بالمدينة قينة لآل نفيس بن محمد يقال لها بصبص، وكان مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول قيه الشاعر:

شاقني الزائرات قصر نفيس

 

مثقلات الأعجاز قب البطون

قال: وكان عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يأتيها، فيسمع منها، وكان يأتيها فتيان من قريش فيسمعون منها، فقال عبد الله بن مصعب حين قدم المنصور منصرفا من الحج ومر بالمدينة يذكر بصبص:

أراحل أنت أبـا جـعـفـر

 

من قبل أن تسمع من بصبصا

وذكر الأبيات، فبلغت أبا جعفر، فغضب فدعا به؛ فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديماً ما قادتكم النساء، وشققتم معهن العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنيات؛ فدونكم با آل الزبير هذا المرتع الوخيم.

قال: ثم بلغ أبا جعفر بعد ذلك أن عبد الله بن مصعب قد اصطبح مع بصبص وهي تغنيه بشعره:

إذا تمـززت صـراحـيةً

 

كثل ريح المسك أو أطيب

ثم تغنى لي بـأهـزاجـه

 

زيد أخو الأنصار أو أشعب

حسبت أني مالك جـالـس

 

حفت به الأملاك والموكب

فلا أبالـي وإلـه الـورى

 

أشرق العالم أم غـربـوا

الغناء لزيد الأنصاري، هزج مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي وغيره، وذكر غيره أنه لأشعب. فقال أبو جعفر: العالم لايبالون كيف أصبحت وكيف أمسيت.

ثم قال أبو جعفر: ولكن الذي يعجبني أن يحدو بي الحادي الليلة بشعر طريف العنبري، فهو آلف في سمعي من غناء بصبص، وأحرى أن يختاره أهل العقل. قال: فدعا فلاناً الحادي- قد ذكره وسقط اسمه-وكان إذا حدا وضعت الإبل رؤؤسها لصوته وانقادت انقياداً عجيباً ، فسأله المنصور: ما بلغ من حسن حدائه؟ قال: تعطش الإبل ثلاثا أو قال خمسا وتدني من الماء، ثم أحدو فتتبع كلها صوتي، ولا تقرب الماء. فحفظ الشعر، وكان :

إني وإن كان ابن عمي كاشحا

 

لمزاحم مـن دونـه وورائه

وممدة نصري وإن كان أمرأً

 

متزحزحاً في أرضه وسمائه

وأكون مأوى سره وأصونـه

 

حتى يحق عـلـي يوم أدائه

وإذا أتى من غيبه بـطـريفة

 

لم أطلع: ماذا وراء خبـائه

وإذا تحيفت الحوادث مـالـه

 

قرنت صحيحتنا إلى جربائه

وإذا تريش في غناه وفرتـه

 

وإذا تصعلك كنت من قرنائه

وإذا غدا يوماً ليركب مركبـاً

 

صعباً قعدت له على سيسائه

فلما كان الليل حدا به الحادي بهذه الأبيات، فقال: هذا والله أحث على المروءة وأشبه باهل الأدب من غناءبصبص. قال: فحدا به ليلةً، فلما أصبح قال: ياربيع أعطه درهما. فقال له: يا أمير المؤمنين؛ حدوت بهشام بن عبد الملك، فأمر لي بعشرين ألف درهم وتأمر أنت بدرهم! قال: إنا لله! ذكرت مالم نحب أن تذكره؛ ووصفت ان رجلاً ظالماً أهذ مال الله من غير حله؛ وانفقه في غير حقه ياربيع، اشدد، يديك به حتى يرد المال. فبكى الحادي، وقال: يا أمير المؤمنين قد مضت لهذا السنون وقضيت به الديون، وتمزقته النفقات؛ ولا والذي أكرمك بالخلافة ما بقي عندي منه شيء. فلم يزل أهله وخاصته يسألونه حتى كف عنه، وشرط عليه أن يحدو به ذاهباً وراجعاً، ولا يأخذ منه شيئا.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني القاسم بن زيد المديني؛ قال: اجتمع ذات يوم عند بصبص جارية ابن نفيس عبد الله بن مصعب الزبيري ومحمد ابن عيسى الجعفري، في أشراف من أهل المدينة، فتذاكروا مزبداً المديني صاحب النوادر وبخله، فقالت بصبص: أنا اخذ لكم منه درهما.

فقال لها مولاها: أنت حرة لئن فعلت إن لم أشترلك مخنقة بمائة ألف دينار وإن لم أشترلك ثوب وشي بما شئت؛ وأجعل لك مجلساً بالعقيق أنحر لك فيه بدنة لم تقتب ولم تركب. فقالت:جيء به وارفع عني الغيرة. فقال: أنت حرة أن لو رفع برجليك لأعنته على ذلك. فقال عبد الله بن مصعب: فصليت الغداة في مسجد المدينة، فإذا أنا به، فقلت: أبا إسحاق، أما تحب أن ترى بصبص جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأته طالق إن لم يكن الله ساخطاً علي فيها، وإن لم أكن أساله أن يرينيهامنذ سنة فما يفعل. فقلت له: اليوم إذا صليت العصر فوافني ههنا.

قال: امرأته طالق إن برحت من ههنا حتى تجيء صلاة العصر. قال: فتصرفت في حوائجي حتى كان العصر، ودخلت المسجد فوجدته فيه، فأخذت بيده وأتيتهم به، فأكلوا وشربوا، وتساكر القوم وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبد، فقالت: أبا إسحاق، كأن في نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة:

لقد حثوا الجمال ليه

 

ربوا منا فلم يئلـو

فقال: زوجته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ! قال: فغنته ساعةً ثم مكثت ساعةً فقالت: أبا إسحاق كأن في نفسك تشتهي أن تقوم من مجلسك فتجلس إلى جانبي فتقرصني قرصات، وأغنيك.

قالت وقد أبثثتها وجدي فبحـت بـه

 

قد كنت قدماً تحب الستر فاستتـر

ألست تبصر من حولي فقلت لـهـا

 

غطى هواك وما ألقى على بصري

فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غداً، وبأي أرض تموت! فغنته ثم قال: برح الخفاء ، أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني شق التين وأغنيك هزجاً:

أنا أبصرت باللـيل

 

غلاماً حسن الـدل

كغصن البان قد أص

 

بح مسقيا من الطل

لم يذكر صانعه، وهو هزج على ماذكر.
فقال: أنت نبية مرسلة! فغنته ثم قالت: أبا إسحاق، أرأيت أسقط من هؤلاء! يدعونك ويخرجونني إليك ولايشترون ريحاناً بدرهم، أي أبا إسحاق؛ هلم درهما نشتري به ريحاناً! فوثب وصاح: واحرباه ، أي زانية ، أخطات استك الحفرة ، انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحى إليك! وعطعط القوم بها ، وعلموا أن حيلتها لم تنفذ عليه، ثم خرجوا فلم يعد إليها، وعاود القوم مجلسهم، فكان أكثر شغلعم فيه حيدث مزبد معها والضحك منه.

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أنشدني الزبير بن بكار، قال: أنشدني غرير بن طلحة لابن أبي الزوائد- وهو ابن ذي الزوائد- في بصبص:

بصبص أنت الشمس مـزدانةً

 

فإن تبذلت فأنـت الـهـلال

سبحانك اللهـم مـا هـكـذا

 

فيما مضى كان يكون الجمال

إذا دعت بالعود في مشـهـد

 

وعاونت يمنى يديها الشمـال

غنت غناءً يستفز الـفـتـى

 

حذقاً وزان الحذق منها الدلال

قال هارون: قال الزبير: وأنشدني غرير أيضاً لنفسه يهجو مولاها:

ياويح بصبص من يحيى لقد رزقت

 

وجها قبيحاً وأنفاً من جعـامـيس

يمج من فيه في فيها إذا هجعـت

 

ريقاً خبيثاً كأرواح الـكـرابـيس

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال: هوي محمد بن عيسى الجعفري بصبص جارية ابن نفيس، فهام بها وطال ذلك عليه فقال لصديق له: لقد شغلتني هذه عن صنعتي وكل أمري، وقد وجدت مس السلو فاذهب بنا حتى أكاشفها بذلك فأستريح. فأتياها فلما غنت لهما قال لها محمدبن عيسى: أتغنين:

وكنت أحبكم فسلوت عنكم

 

عليكم في دياركم السلام

فقالت: لاولكني أغني:

تحمل أهلها عنها فبـانـوا

 

على آثار من ذهب العفاء

فاستحيا وازداد بها كلفاً، ولها عشقاً، فأطرق ساعةً ثم قال: أتغنين:

وأخضع بالعتبي إذا كنت مذنباً

 

وإن أذنبت كنت الذي أتنصل

قالت: نعم وأغني أحسن منه:

فإن تقبلوا بالود نقبل بمثله

 

وننزلكم منا بأقرب منزل

قال: فتقاطعا في بيتين، وتواصلا في بيتين. وفي هذه الأبيات الأربعة غناء كان محمد قريضي ، وذكاء، وغيرهما ممن شاهدنا من الحذاق يغنونه في الابتداءين لحنين من الثقيل الأول، وفي الجوابين لحنين من خفيف الثقيل، ولا أعرف صانعهما.

أخبرني عمي قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: حدثني أبو أيوب المديني عن مصعب قال: حضر أبو السائب المخزومي مجلساً في بصبص جارية يحيى بن نفيس، فغنت:

قلبي حبيس عليك مـوقـوف

 

والعين عبرى والدمع مذروف

والنفس في حسرة بغصتهـا

 

قد شف أرجاءها التسـاويف

إن كنت بالحسن قد وصفت لنا

 

فإنني بالهوى لمـوصـوف

يا حسرتا حسرة أموت بـهـا

 

إن لم يكن لي لديك معروف

قال: فطرب أبو السائب ونعر ، وقال: لاعرف الله قدره إن لم أعرف لك معروفك. ثم أخذ قناعها عن رأسها وجعله على رأسه وجعل يلطم ويبكي، ويقول لها: بأبي والله أنت، إني لأرجو أن تكوني عند الله أفضل من الشهداء، لما توليناه من السرور، وجعل يصيح، واغوثاه! يا لله لما يلقى العاشقون.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري قال حدثني عمرو بن عبد الله قال: حدثناالحسين بن يحيى عن عثمان بن محمد الليثي قال: كنت يوماً في مجلس ابن نفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، وكان في القوم فتى يحبها، فسألته حاجة، فقام ليأتيها بها، فنسي أن يلبس نعله، ومشى حافيا؛ فقالت: يافلان،نسيت نعلك. فلبسها وقال: أنا والله كما قال الأول:

وحبك ينسيني عن الشيء في يدي

 

ويشغلني عن كل شيء أحاولـه

فأجابته فقالت:

وبي مثل ما تشكوه مني وإنني

 

لاشفق من حب أراك تزاوله

يشتاق قلبي إلى ملـيكة لـو

 

أمست قريبا ممن يطالبـهـا

ما أحسن الجيد من مليكة وال

 

لبات إذ زانهـا تـرائبـهـا

ياليتني لـيلةً إذا هـجـع ال

 

ناس ونام الكلاب صاحبهـا

في ليلة لايرى بـهـا أحـد.

 

يسعى علينا إلا كواكـبـهـا

الشعر لأحيحة بن الجلاح، والغناء لابن سريج. رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيه لحن لمالك من رواية يونس.