ذكر أخبار الفرزدق في هذا الشعر خاصة دون غيره

ذكر أخبار الفرزدق في هذا الشعر خاصة دون غيره

لأن أخباره كثيرة جداً، فكرهت أن أثبتها ها هنا في غناء مشكوك فيه، فذكرت نسبه وخبره في هذا الشعر خاصة، وأخباره تأتي بعد هذا في موضع مفرد يتسع لطول أحاديثه نسبه: الفرزدق لقبٌ غلب عليه. واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

هو وجرير والأخطل أشعر طبقات الإسلاميين: وهو وجرير والأخطل أشعر طبقات الإسلاميين والمقدم في الطبقة الأولى منهم. وأخباره تذكر مفردةً في موضع آخر يتسع لها، ونذكر ها هنا في هذا المعنى. فأخبرني خبره في ذلك جماعة. فممن أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني به أبو خليفة إجازةً عن محمد بن سلام، وأخبرني به محمد بن العباس اليزيدي عن السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة وابن الأعرابي، قال عمر بن شبة خاصة في خبره حدثني محمد بن يحيى قال حدثني أبي: حديث الفرزدق والنوار وذمه بني قيس وزهيراً وبني أم النسير لمعاونتهم إياها: أن عبد الله بن الزبير تزوج تماضر بنت منظور بن زبان، وأمها مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة، فخاصم الفرزدق امرأته النوار إلى ابن الزبير. هكذا ذكر محمد بن يحيى ولم يذكر السبب في الخصومة، وذكرها عمر بن شبة ولم يروها عن أحد، وذكرها ابن حبيب عن أصحابه، وذكرها أبو غسان دماذٌ عن أبي عبيدة: أن رجلاً من بني أمية خطب النوار بنت أعين المجاشعية، فرضيته وجعلت أمرها إلى الفرزدق. فقال: أشهدي لي بذلك على نفسك شهوداً ففعلت، واجتمع الناس لذلك. فتكلم الفرزدق ثم قال: اشهدوا أني قد تزوجتها وأصدقتها كذا وكذا، فأنا ابن عمها وأحق بها. فبلغ ذلك النوار فأبته واستترت من الفرزدق وجزعت ولجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقري. فقال فيها:

بني عاصمٍ لا تلجئوها فإنكـم

 

ملاجئ للسوءات دسم العمائم

بني عاصمٍ لولا كان حياً أبوكم

 

للام بنيه اليوم قيس بن عاصم

فقالوا: والله لئن زدت على هذين البيتين لتقتلنك غيلةً. فنافرته إلى عبد الله بن الزبير وأرادت الخروج إليه؛ فتحامى الناس كراءها. ثم إن رجلاً من بني عدي يقال له زهير بن ثعلبة وقوماً يعرفون ببني أم النسير أكروها؛ فقال الفرزدق:

ولولا أن تقول بني عدي

 

أليست أم حنظلة النوار

أتتكم يابني ملكان عنـي

 

قوافٍ لا تقسمها التجار

يعني بالنوار ها هنا بنت جل بن عدي بن عبد مناة وهي أم حنظلة بن مالك بن زيد مناة وهي إحدى جداته. وقال فيها أيضاً:

سرى بالنوار عوهجيٌ يسـوقـه

 

عبيدٌ قصير الشبر نائي الأقارب

تؤم بلاد الأمـن دائبة الـسـرى

 

إلى خير والٍ من لؤي بن غالب

فدونك عرسي تبتغي نقض عقدتي

 

وإبطال حقي باليمين الـكـواذب

وقال أيضاً:

ولولا أن أمـي مـن عـديٍ

 

وأني كارهٌ سخط الربـاب

إذاً لأتى الدواهي من قريبٍ

 

جزاءً غير منصرف العقاب

وصلت على بني ملكان مني

 

بجيش غير منتظـر الإياب

وقال لزهير أيضاً:

لبئس العبء يحمله زهيرٌ

 

على أعجاز صرمته نوار

لقد أهدت وليدتنا إلـيكـم

 

عوائر لا تقسمها التجـار

وقال لبني أم النسير:

لعمري لقد أردى النوار وسـاقـهـا

 

إلى الغور أحلامٌ خفافٌ عقولـهـا

أطاعت بني أم النسير فأصـبـحـت

 

على قتبٍ يعلو الـفـلاة دلـيلـهـا

وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى

 

به قبلها الأزواج خاب رحـيلـهـا

وإن امرأً أمسى تحبـب زوجـتـي

 

كماش إلى أسد الشرى يستبـيلـهـا

ومن دون أبـوال الأسـود بـسـالةٌ

 

وبسطة أيدٍ يمنع الضيم طـولـهـا

وإن أمير الـمـؤمـنـين لـعـالـمٌ

 

بتأويل ما أوصى العباد رسـولـهـا

فدونكها يابـن الـزبـير فـإنـهـا

 

مولعةٌ يوهي الحجـارة قـيلـهـا

استشفعت النوار إلى ابن الزبير امرأته فاستشفع هو بابنه حمزة: فلما قدمت مكة نزلت على بنت منظور بن زبان، واستشفعت بها إلى زوجها عبد الله. وانضم الفرزدق إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير وأمه بنت منظورٍ هذه، ومدحه فقال:

أصبحت قد نزلت بحمزة حاجتي

 

إن المنوه باسمه الـمـوثـوق

الأبيات. وقال فيه أيضاً:

يا حمز هل لك في ذي حاجة غرضت

 

أنضاؤه بمكـانٍ غـير مـمـطـور

فأنت أحرى قريشٍ أن تكـون لـهـا

 

وأنت بين أبي بـكـر ومـنـظـور

بين الحواري والصديق في شـعـبٍ

 

نبتنا في طـيب الإسـلام والـخـير

هذه الأبيات كلها من رواية أبي زيد خاصةً. قالوا جميعاً: وقال في النوار:

هلمي لابن عمك لا تكونـي

 

كمختارٍ على الفرس الحمارا

وقال فيها ايضاً:

تخاصمني النوار وغاب فيها

 

كرأس الضب يلتمس الجرادا

قال أبو زيد في خبره خاصة: فجعل أمر الفرزدق يضعف وأمر النوار يقوى. وقال الفرزدق:

أما بنوه فلم تقبل شفاعتـهـم

 

وشفعت بنت منظور بن زبانا

صوت

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً

 

مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

– غنت في هذا البيت عريب خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر – فبلغ ابن الزبير هذا فدعا النوار فقال: إن شئت فرقت بينكما وقتلته فلا يهجونا أبداً، وإن شئت سيرته إلى بلاد العدو. فقالت: ما أريد واحدةً منهما. قال: فإنه ابن عمك وهو فيك راغب، أفأزوجه إياك؟ قالت نعم. فزوجه إياها. فكان الفرزدق يقول: خرجنا متباغضين فرجعنا متحابين.

هدده ابن الزبير وعيره جلاء قومه تميم عن البيت فقال في ذلك شعراً: أخبرني أحمد قال حدثني عمرو بن شبة قال قال عثمان بن سليمان: شهدت الفرزدق يوم نازع النوار فتوجه القضاء عليه، فأشفق من ذلك وتعرض لابن الزبير بكلام أغضبه، وكان ابن الزبير حديداً. فقال له ابن الزبير: أيا ألأم الناس ! وهل أنت وقومك إلا جالية العرب ! وأمر به فأقيم. واقبل علينا فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة فاستلبوه؛ وأجمعت العرب عليها لما انتهكت ما لم ينتهكه أحد قط فأجلتها من أرض تهامة. فلما كان في طائفة من ذلك اليوم لقيني الفرزدق فقال: هيه ! أيعيرنا ابن الزبير جلاءنا عن البيت ! اسمع ! ثم قال:

فإن تغضب قريشٌ ثم تغضب

 

فإن الأرض ترعاها تمـيم

هم عدد النجوم وكـل حـيٍ

 

سواهم لا تعد لهم نـجـوم

فلولا بنت مـرٍ مـن نـزارٍ

 

لما صح المنـابـت والأديم

بها كثر العديد وطاب منكـم

 

وغيركم أحذ الـريش هـيم

فمهلاً عن تذلل من عززتـم

 

بخولته وعز به الـحـمـيم

أعبد الله مهلاً عـن أذاتـي

 

فإني لا الضعيف ولا السؤوم

ولكني صفـاةٌ لـم تـؤبـس

 

تزل الطير عنها والعصـوم

أنا ابن العاقر الخور الصفايا

 

بصوءر حيث فتحت العكوم

وذكر الزبير بن بكار عن عمه أن عبد الله بن الزبير لما حكم على الفرزدق قال: إنما حكمت علي بهذا لأفارقها فتثب عليها؛ وأمر به فأقيم، وقال له ما قال في بني تميم. قال: ثم خرج عبد الله بن الزبير إلى المسجد فرأى الفرزدق في بعض طرق مكة وقد بلغته أبياته التي قالها، فقبض ابن الزبير على عنقه فكاد يدقها، ثم قال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

قال الزبير: وهذا الشعر لجعفر بن الزبير.

ماكان بينه وبين ابن الزبير بعد ما قال له ما حاجتك بالنوار وقد كرهتك: أخبرنا أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلام قال أخبرنا إبراهيم بن حبيب الشهيد قال: قال ابن الزبير للفرزدق: ما حاجتك بها وقد كرهتك ! كن لها أكره وخل سبيلها. فخرج وهو يقول: ما أمرني بطلاقها إلا ليثب عليها. فبلغ ذلك ابن الزبير فخرج وقد استهل هلال ذي الحجة ولبس ثياب الإحرام يريد البيت الحرام، فألفى الفرزدق بباب المسجد عند الباعة، فأخذ بعنقه فغمزها حتى جعل رأسه بين ركبتيه وقال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

قال الزبير: وهذا البيت لجعفر بن الزبير.
هجاه جعفر بن الزبير فنهاه أخوه عن ذلك: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى عن أبيه قال: لما قال الفرزدق في ابن الزبير:

أما بنوه فلم تقبل شفاعتـهـم

 

وشفعت بنت منظور بن زبانا

قال جعفر بن الزبير:

ألا تلكم عرس الفرزدق جامحـاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

فقال عبد الله بن الزبير: أتجزرنا كلباً من كلاب بني تميم ! لئن عدت لم أكلمك أبداً.

قال: وتماضر التي عناها الفرزدق أم خبيب وثابتٍ ابني عبد الله بن الزبير. وماتت عند عبد الله، فتزوج أختها أم هاشم فولدت له هاشماً وحمزة وعباداً.

قال: وفي أم هاشم يقول الفرزدق يستعينها على ابن الزبير ويشكو طول مقامه:

تروحت الركبان يا أم هاشم

 

وهن مناخاتٌ لهن حـنـينٌ

وخيسن حتى ليس فيهن نافقٌ

 

لبيعٍ ولا مركوبهن سمـين

قال: وهذا يدل على أن النوار كانت استعانت بأم هاشم لا بتماضر.

فلما أذنت النوار في تزويجها منه استعان في مهرها سلم بن زيد فأعانه: فما أذنت النوار لعبد الله في تزويجها بالفرزدق حكم لها عليه بمهر مثلها عشرة آلاف درهم. فسأل: هل بمكة أحد يعينه؟ فدل على سلم بن زياد، وكان ابن الزبير حبسه، فقال فيه:

دعي مغلقي الأبواب دون فعالهمومري تمشي بي هبلت إلى سلم

 

إلى من يرى المعروف سهلاً سبيله

 

ويفـعـل أفـعـال الـكـرام الـتــي تـــنـــمـــي

ثم دخل على سلمٍ فأنشده. فقال له: هي لك ومثلها نفقتك، ثم أمر له بعشرين ألفاً فقبضها. فقالت له زوجته أم عثمان بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاصي الثقفية: أعطي عشرين ألفاً وأنت محبوس ! فقال:

ألا بكرت عرسي تلـوم سـفـاهةً

 

على ما مضى مني وتأمر بالبخـل

فقلت لها و الجود مـنـي سـجـيةٌ

 

وهل يمنع المعروف سؤاله مثلـي

ذريني فإني غير تارك شـيمـتـي

 

ولا مقصر عن السماحة والـبـذل

ولا طاردٍ ضيفي إذا جاء طـارقـاً

 

فقد طرق الأضياف شيخي من قبلي

أأبخل ! إن البخل ليس بـمـخـلـدٍ

 

ولا الجود يدنيني إلى الموت والقتل

أبيع بـنـي حـربٍ بـآل خـويلـد

 

وما ذاك عند الله في البيع بالعـدل

وأشري ابن مروان الخليفة طـائعـاً

 

بنجل بني العوام ! قبح من نـجـل

فإن تظهروا لي البخل آل خـويلـدٍ

 

فما دلكم دلي ولا شكلكم شكـلـي

وإن تقهروني حيث غابت عشيرتـي

 

فمن عجب الأيام أن تقهروا مثلـي

لم تحسن النوار عشرته فتزوج عليها حدراء بنت زيق ومدحها وذم النوار: قال دماذٌ في خبره: ثم اصطلحا ورضيت به، وساق إليها مهرها ودخل بها وأحبلها قبل أن تخرج من مكة ثم خرج بها وهما عديلان في محملٍ. فكانت لا تزال تشاوره وتخالفه، لأنها كانت صالحةً حسنة الدين وكانت تكره كثيراً من أمره. فتزوج عليها حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، فتزوجها على مائة من الإبل. فقالت له النوار: ويلك ! تزوجت أعرابيةٌ دقيقة الساقين بوالة على عقبيها على مائة بعير !. فقال الفرزدق يفضلها عليها ويعيرها إنها كانت تربيها أمةٌ:

لجاريةٌ بين السلـيل عـروقـهـا

 

وبين أبي الصهباء من آل خـالـد

أحق بإغلاء المهور مـن الـتـي

 

ربت وهي تنزو في حجور الولائد

ومدحها أيضاً فقال:

عقيلةٌ من بني شيبان ترفعـهـا

 

دعائمٌ للعلا مـن آل هـمـام

من آل مرة بين المستضاء بهـم

 

من رهط صيدٍ مصاليتٍ وحكام

بين الأحاوص من كلبٍ مركبها

 

وبين قيسٍ بن مسعود وبسطـام

وقال أيضاً يمدحها ويعرض بالنوار:

لعمري لأعرابيةٌ في مظـلـمة

 

تظل بأعلى بيتها الريح تخفـق

كأم غـزالٍ أو كـدرةٍ غـائصٍ

 

إذا ما أنت مثل الغمامة تشـرق

أحب إلينا من ضنـاكٍ ضـفـنةٍ

 

إذا وضعت عنها المراوح تعرق

فقال بعض باهلة يجيبه:

أعوذ بالله من غـولٍ مـغـولةً

 

كأن حافرها في الحد ظنبـوب

تستروح الشاة من ميل إذا ذبحت

 

حب اللحام كما يستروح الذيب

هاجاه جرير بإغراء النوار: وأغضب الفرزدق النوار بمدحه إياها، فقالت: والله لأخزينك يا فاسق ! وبعثت إلى جرير فجاءها؛ فقالت: ألا ترى ما قال لي الفاسق ! وشكت إليه. فقال:

فلا أنا معطي الحكم عن شف منصبٍ

 

ولا عن بنات الحنظـلـيين راغـب

وهن كماء المزن يشفى به الصـدى

 

وكانت ملاحاً غيرهن المـشـارب

لقد كنت أهلاً أن تـسـوق دياتـكـم

 

إلـى آل زيق أن يعـيبـك عـائب

وما عدلت ذات الصلـيب ظـعـينةً

 

عتيبة والردفان منـهـا وحـاجـب

ألا ربما لم نعط زيقـاً بـحـكـمـه

 

وأدى إلينا الحكـم والـغـل لازب

حوينـا أبـا زيق وزيقـاً وعـمـه

 

وجده زيقٍ قد حوتها الـمـقـانـب

فأجابه الفرزدق بقصيدة منها:

ألست إذ القعساء أنسل ظهرها

 

إلى آل بسطام بن قيس بخاطب

فنل مثلها من مثلهم ثم لمـهـم

 

بملكك من مالٍ مراحٍ وعازب

فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلم

 

على دارمي بين ليلى وغالـب

وإني لأخشى إن خطبت إليهـم

 

عليك التي لاقى يسار الكواعب

– يسارٌ كان عبداً لبني غدانة، فأراد مولاته على نفسها، فنهته مرةً بعد مرة، وألح فوعدته، فجاء فقالت له: إني أريد أن أبخرك فإن رائحتك متغيرة، فوضعت تحته مجمرةً وقد أعدت له حديدة حادة، فأدخلت يدها فقبضت على ذكره وهو يرى أن ذلك لشيء، فقطعته بالموسى؛ فقال: ” صبراً على مجامر الكرام ” فذهبت مثلاً – عاد الشعر:

ولو قبلوا مني عطية سـقـتـه

 

إلى آل زيق من وصيف مقارب

هم زوجوا قبلي ضراراً وأنكحوا

 

لقيطاً وهم أكفاؤنا في المناسـب

ولو تنكح الشمس النجوم بناتـهـا

 

إذا لنكحناهن قبل الـكـواكـب

وقال جرير:

يا زيق أنكحت قيناً بـاسـتـه حـمـمٌ

 

يا زيق ويحك من أنـكـحـت يا زيق

غاب المثنى فلم يشـهـد نـجـيكـمـا

 

والحوفزان ولم يشـهـدك مـفـروق

أين الألى أنزلوا النعمان مـقـتـسـراً

 

أم أين أبنـاء شـيبـان الـغـرانـيق

يارب قـائلةٍ بـعـد الـبـنـاء بـهـا

 

لا الصهر راضٍ و لا ابن القين معشوق

وقال الفرزدق لجرير في هذا:

إن كان أنفك قد أعياك محمـلـه

 

فأركب أتانك ثم اخطب إلى زيق

قال: ولامه الحجاج وقال: أتزوجت ابنة نصراني على مائة ناقة؟ ! قال: وما هي في جود الأمير ! قال: فاشترى الإبل وساقها.

رأى في طريقه إلى حدراء كبشاً مذبوحاً فتشاءم بموتها وشعره حين أخبر بوفاتها: فلما كان في بعض الطريق ومعه أوفى بن خنزير أحد بني التيم بن شيبان بن ثعلبة دليله رأى كبشاً مذبوحاً، فقال: يا أوفى، هلكت والله حدراء !. قال: ما لك بذلك من علم !. فلما بلغ قال له بعض قومها: هذا البيت فانزل، وأما حدراء فهلكت. وقد عرفنا الذي يصيبكم في دينكم من ميراثها وهو النصف فهو لك عندنا. فقال: لا والله لا أرزأ منه قطميراً، وهذه صدقتها فاقبضوها. فقال: يا بني دارم ! والله ما صاهرنا أكرم منكم. قال: وفي هذه القصة يقول الفرزدق:

عجبت لحادينا المقـحـم سـيره

 

بنا موجفاتً من كلال وظلعـا

ليدنينا مـمـن إلـينـا لـقـاؤه

 

حبيبُ ومن دارٍ أردنا لتجمعـا

ولو يعلم الغيب الذي من أمامنـا

 

لكر بنا حادي المطي فأسرعـا

يقولون زر حدراء والترب دونها

 

وكيف بشيءٍ وصله قد تقطعـا

وما مات عند ابن المراغة مثلها

 

ولا تبعته ظاعناً حـيث ودعـا

يقول ابن خنزيرٍ بكيت ولم تكـن

 

على امرأةٍ عينا أخيك لتدمعـا

وأهون رزءٍ لامرئٍ غير جازع

 

رزية مرتج الروادف أفرعـا

استعان الحجاج في مهر حدراء فعذله فشفع له عنبسة بن سعيد: وقال ابن سلام فيما أخبرنا به أبو خليفة عنه قال حدثني حاجب بن زيد وأبو الغراف قالا: تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين وهو عبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان على حكم أبيها فاحتكم مائة من الإبل. فدخل على الحجاج فعذله فقال: أتزوجتها على حكمها وحكم أبيها مائة بعير وهو نصرانية وجئتنا متعرضاً أن نسوقها عنك ! أخرج ما لك عندنا شيء !. فقال عنبسة بن سعيد بن العاصي وأراد نفعه: أيهل الأمير، إنها من حواشي إبل الصدقة؛ فأمر له بها. فوثب عليه جرير فقال:

يا زيق قد كنت من شيبان في حسبٍ

 

يا زيق ويحك من أنكحـت يا زيق

أنكحت ويحك قيناً باستـه حـمـمٌ

 

يازيق ويحك هل بارت بك السوق

ثم ذكر باقي القصيدة بمثل رواية دماذ.

أراد أن تحمل حدراء فاعتلوا بموتها وشعر لجرير في ذلك: قال ابن سلام: وأراد الفرزدق أن تحمل؛ فاعتلوا عليه وقالوا: ماتت، كراهة أن يهتك جريرٌ أعراضهم. فقال جرير:

وأقسم ما ماتت ولكنه الـتـوى

 

بحدراء قومٌ لم يروك لها أهلاً

رأوا أن صهر القين عارٌ عليهم

 

وأن لبسطام على غالبٍ فضلا

إذا هي حلت مسحلان وحاربـت

 

بشيبان لاقى القوم من دونها شغلا

وحدراء هذه هي التي ذكرها الفرزدق في أشعاره. ومن ذلك قوله:

صوت

عزفت بأعشاشٍ وما كـدت تـعـزف

 

وأنكرت من حدراء ما كانت تعـرف

ولج بك الهجران حـتـى كـأنـمـا

 

ترى الموت في البيت الذي كنت تألف

عروضه من الطويل. عزفت عن الشيء انصرفت عنه، عزف يعزف عزوفا. الشعر للفرزدق. والغناء لسلسل، ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وفيه لحن للغريض من الثقيل الأول بالبنصر من رواية حبش.

قصة ما كان بينه وبين ابن أبي بكر بن حزم حين أنشده من شعر حسان في المسجد: أخبرني علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن العباس اليزيدي قالا حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا محمد بن حبيب وأبو غسان دماذٌ عن أبي عبيدة قال اليربوعي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري:قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان. قال: فإني والفرزدق وكثيرا لجلوسٌ في المسجد نتناشد الأشعار، إذ طلع علينا غلامٌ شختٌ آدم في ثوبين ممصرين ” أي مصبوغين بصفرة غير شديدة ” ثم قصد نحونا حتى جاء إلينا فلم يسلم، فقال: أيكم الفرزدق؟ فقلت مخافة أن يكون من قريش: أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها ! فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا له. فقال له الفرزدق: ومن أنت لا أم لك؟ ! قال: رجل من بني الأنصار ثم من بني النجار ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم. بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب وتزعم مضر ذلك لك، وقد قال صاحبنا حسان شعراً فأردت أن أعرضه عليك وأؤجلك سنةً؛ فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب وإلا فأنت كذاب منتحل.
ثم أنشده قول حسان:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

 

وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دمـا

متى ما تزرنا من معدً عصـابةٌ

 

وغسان نمنع حوضنا أن يهدما

– قيل إن قوله: ” وغسان ” ها هنا قسمٌ أقسم به، لأن غسان لم تكن تغزوهم مع معد –

أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا

 

وقائلنا بالعـرف إلا تـكـلـمـا

ولدنا بني العنقاء وابني مـحـرقٍ

 

فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنـمـا

فأنشده القصيدة إلى آخرها وقال له: إني قد أجلتك فيها حولاً، ثم انصرف. وانصرف الفرزدق مغضباً يسحب رداءه ما يدري أي طريقٍ يسلك، حتى خرج من المسجد. قال: فأقبل كثير علي فقال: قاتل الله الأنصاري ! ما أفصح لهجته، وأوضح حجته، وأجود شعره !. قال فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري بقية يومنا. حتى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس؛ وأتاني كثير فجلس معي. فإنا لنتذاكر الفرزدق ونقول: ليت شعري ما فعل، إذ طلع علينا في حلة أفواف يمانيةٍ موشاةٍ، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال: ما فعل الأنصاري؟ قال: فنلنا منه وشتمناه. فقال: قاتله الله ! ما رميت بمثله ولا سمعت بمثل شعره ! فارقتكما فأتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوب في كل فنً من الشعر، فلكأني مفحمٌ أو لم أقل قط شعراً حتى ناد المنادي بالفجر، فرحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت ذباباً ، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أبا لبنى – وقال سعدان : أبا ليلى ! – فجاش صدري كما يجيش المرجل، ثم عقلت ناقتي وتوسدت ذراعها؛ فما قمت حتى قلت مائةً وثلاثة عشر بيتاً. فبينا هو ينشدنا، إذ طلع علينا الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم ثم قال: أما إني لم آتك لأعجلك عن الأجل الذي وقته لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك عما صنعت. فقال: اجلس، ثم أنشده:

عزفت بأعشاشٍ وما كدت تعزف

فلما فرغ الفرزدق من إنشاده قام الأنصاري كئيباً. فلما توارى طلع أبوه وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مشيخة من الأنصار، فسلموا علينا وقالوا: يا أبا فراس، قد عرفت حللنا ومكاننا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته بنا. وقد بلغنا أن سفيهاً من سفهائنا تعرض لك، فنسألك بالله لما حفظت فينا وصية النبي صلى الله عليه وسلم ووهبتنا له ولم تفضحنا.

قال إبراهيم بن محمد: فأقبلت أكلمه أنا وكثير؛ فلما أكثرنا عليه قال: اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشي.
قال: وقد كان جرير قال:

ألا أيها القلب الطروب المكلف

 

أفق ربما ينأى هواك ويسعف

ظللت وقد خبرت أن لست جازعاً

 

لربع بسلمانين عـينـك تـذرف

فجعل الفرزدق هذه القصيدة نقيدة لها نسبة ما في الخبر من الأصوات منها: صوت

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

 

وأسيافنا يقطرن من نحدةٍ دمـا

ولدنا بني العنقاء وابني محـرقٍ

 

فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنمـا

عروضه من الطويل. الشعر لحسان بن ثابت. والغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر عن عمرو بن بانة.

ما كان بين النابغة وحسان بسوق عكاظ حين مدح النابغة الخنساء: أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثني محمد بن سعد الكراني عن أبي عبد الرحمن الثقفي، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب الصائغ عن ابن قتيبة: أن نابغة بني ذبيان كان تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء؛ فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره وأنشدته الخنساء قولها:

قذى بعينك أما بالعين عوار

حتى انتهت إلى قولها:

وإن صخراً لتأتم الهداة بـه

 

كأنه علمٌ في رأسه ثـار

وإن صحراً لمولانا وسيدنا

 

وإن صخراً إذا نشتو لنحار

فقال: لولا أن أبا بصيرٍ أنشدني قبلك لقلت: إنك أشعر الناس ! أنت والله أشعر من كل ذات مثانة . قالت: والله ومن كل ذي خصيتين. فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومنها. قال: حيث تقول ماذا؟ قال: حيث أقول:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

 

وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دمـا

ولدنا بني العنقاء وابني محـرقٍ

 

فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنمـا

فقال: إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. وفي رواية أخرى: فقال له: إنك قلت ” الجفنات ” فقللت العدد ولو قلت ” الجفان ” لكان أكثر. وقلت ” يلمعن في الضحى ” ولو قلت ” يبرقن بالدجى “. لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً. وقلت: ” يقطرن من نجدة دماً ” فدللت على قلت القتل ولو قلت ” يجرين ” لكان أكثر لانصباب الدم. وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. فقام حسان منكسراً منقطعاً.

مما يغني فيه من قصيدة الفرزدق الفائية قوله: صوت

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فيه رملٌ بالوسطى، يقال: إنه لابن سريج، وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى المكي.

انتحل بيتاً لجميل: أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابي قال: وقف الفرزدق على جميلٍ والناس مجتمعون عليه وهو ينشد:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فأشرع إليه رأسه من وراء الناس وقال: أنا أحق بهذا البيت منك. قال: أنشدك الله يا أبا فراس !. فمضى الفرزدق وانتحله.

عرض هو وكثير كل منهما للآخر أنه سرق بيتاً من جميل: أخبرني الحرمي ابن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني أبي عن جدي: أن الفرزدق لقي كثيراً فقال له: ما أشعرك يا كثير في قولك:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

 

تمثل لي ليلى بكل سبيل

فعرض له بسرقته إياه من جميل:

أريد لأنسى ذكرها فكأنـمـا

 

تمثل لي ليلى على كل مرقب

فقال له كثير: أنت يا فرزدق أشعر مني في قولك:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

– قال: وهذا البيت لجميل سرقه الفرزدق – فقال الفرزدق لكثير: هل كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا ! ولكن نزيلاً لأمك.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: لقي الفرزدق كثيراً بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي؛ فقال له الفرزدق: يا أبا صخر ! أنت أنسب العرب حيث تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

 

تمثل لي ليلى بكل سبيل

قال: وأنت يا أبا فراس أفخر العرب حيث تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

-قال عبد العزيز: وهذان البيتان جميعاً لجميل، سرق أحدهما الفرزدق، وسرق الآخر كثير – فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، هل كانت أمك ترد البصرة؟ قال: لا ! ولكن أبي كان كثيراً يردها. قال طلحة: فوالذي نفسي بيده لقد تعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت أحداً قط أحمق منه؛ لقد دخلت عليه يوماً في نفر من قريش، وكنا كثيراً نهزأ به، وكان يتشيع تشيعاً قبيحاً، فقلنا له: كيف تجدك يا أبا صخر ! فقال: بخير. هل سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ قلت: نعم ! يتحدثون أنك الدجال. قال: والله إن قلت ذلك إني لأجد في عيني هذه ضعفاً منذ أيام !.

ولجرير قصيدةً يناقض بها هذه القصيدة في أولها غناء نسبته:

ألا أيها القلب الطروب المكلـف

 

أفق ربما ينأى هواك ويسعـف

ظللت وقد خبرت أن لست جازعاً

 

لربع بسلمانين عـينـك تـذرف

الشعر لجرير. والغناء لمحمد بن الأشعث الكوفي ثاني ثقيل بالبنصر، عن عمرو بن بانة. وقال حبش: فيه ثقيلٌ أول بالوسطى. وليس ذلك بصحيح.

رجع الحديث إلى سياقه حديث الفرزدق والنوار: تزوج رهيمة بنت غنيم اليربوعية: قال دماذ: وتزوج الفرزدق على النوار امرأةً من اليرابيع، وهم بطن من النمر بن قاسط حلفاء لبني الحارث بن عباد القيني، وقد انتسبوا فيه. فقالت له النوار: وما عسى أنت تكون القينية؟ ! فقال:

أرتك نجوم الليل والشمس حـيةٌ

 

زحام بنات الحارث بن عـبـاد

نساءٌ أبوهن الأغر ولم تـكـن

 

من الحت في أجبالهـا وهـداد

ولم يكن الجوف الغموض محلها

 

ولا في الهجاريين رهـط زياد

أبوها الذي أدنى النعامة بعدمـا

 

أبت وائلٌ في الحرب غير تماد

-يعني بأبيها الذي أدنى النعامة الحارث بن عباد، وأراد قوله:

قربا مربط النعامة منـي

 

عدلت بها ميل النوار فأصبحت

 

مقاربةً لي بعد طول بعاد

وليست وإن أنبأت أني أحبها

 

إلى دارميات النجار جـياد

وقال أبو عبيدة حدثني أعين بن لبطة قال: تزوج الفرزدق، مضارةً للنوار، امرأة يقال لها رهيمة بنت غنيم بن درهم من اليرابيع، قوم من النمر بن قاسط في بني الحارث بن عباد. وأمها الحميضة من بني الحارث. فنافرته الحميضة فاستعدت عليه. فأنكرها الفرزدق وقال: أنا بريء منها، وطلق ابنتها وقال:

إن الحميضة كانت لي ولابنتها

 

مثل الهراسة بين النعل والقدم

إذا أتت أهلها مني مطـلـقةً

 

فلن أرد عليها زفرة الـنـدم

مضى الحديث. ولم أجد لأحدٍ من الخلفاء الذين ذكرتهم والذين لم أذكرهم، بعد الواثق، صنعة يعتد بها إلى المعتضد، فإنه صنع صنعةً متقنة عجيبة، أبرت على صنعة سائر الخلفاء سوى الواثق، وفضل فيها أكثر أهل الزمان الذي نشأ فيه. وإنما ذكرت صنعة من بينهما، لأنها قد رويت، فأما حقيقة الغناء الجيد فليس بينهما مثلهما. وذكر عبيد الله بن عبد الله بن طاهر صنعة المعتضد فقرظها، وقال: لم أجد لحناً قديماً قد جمع من النغم ما جمعه لحن ابن محرز في شعر مسافر بن أبي عمرو وهو:

يا من لقلبٍ مقصرٍ

 

ترك المنى لفواتها

فإنه جمع من النغم العشر ثمانياً، ولحن ابن محرز ايضاً في شعر كثير:

توهمت بالخيف رسماً محيلا

 

لعزة تعرف منه الطلـولا

وهو أيضأ يجمع ثمانياً من النغم. وقد تلطف بعض من له دربةٌ وحذقةٌ بهذه الصناعة حتى جمع النغم العشر في هذا الصوت الأخير متوالية، وجمعها في صوت آخر غير متوالية، وهو في شعر ابن هرمة:

فإنك إذ أطمعتني منك بالرضا

 

وأيأستني من بعد ذلك بالغضب

وأعجب من ذلك ما عمله أمير المؤمنين المعتضد بالله؛ فإنه صنع في رجز دريد بن الصمة ” يا ليتني فيها جذع ” لحناً من الثقيل الأول يجمع النغم العشر، فأتى به مستوفى الصنعة محكم البناء، صحيح الأجزاء والقسمة، مشبع المفاصل، كثير الأدوار، لاحقاً بجيد صنعة الأوائل، وإنما زاد فضله على من تقدمه لأنه عمله في ضرب من الرجز قصيراً جداً، واستوفى فيه الصنعة كلها على ضيق الوزن، فصار أعجب مما تقدمه؛ إذ تلك عملت في أوزان تامة وأعاريض طوال يتمكن الصانع فيها من الصنعة ويقتدر على كثرة التصرف؛ وليس هذا الوزن في تمكنه من ذلك فيه مثل تلك.

نسبة هذا اللحن صوت

يا ليتني فيها جذع

 

أخب فيها وأضع

أقود وطفاء الزمع

 

كأنها شاةٌ صـدع

الشعر لدريد بن الصمة. والغناء للمعتضد، ولحنه ثقيلٌ أول يجمع النغم العشر.