ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد ونسبه

ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد ونسبه

ولاؤه، وكان مغنياً وشاعراً

أبو سعيد مولى فائد، وفائد مولى عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن خرداذبة أن اسم أبي سعيد إبراهيم. وهو يعرف بين الشعراء باسم ابن سنة مولى بني أمية، وفي المغنين بأبي سعيد مولى فائد. وكان شاعراً مجيداً ومغنياً، وناسكاً بعد ذلك، فاضلاً مقبول الشهادة في المدينة معدلاً. وعمر إلى خلافة الرشيد، ولقيه إبراهيم بن المهدي وإسحاق الموصلي وذووهما. وله قصائد جياد في مراثي بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله بن العباس، يذكر هاهنا في موضعه منها ما تسوق الأحاديث ذكره.

طائفة من أخباره

أخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله بن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن ابن أبي الأزهر بن حماد عن أبيه، واخبرنا به يحيى بن علي عن أخيه أحمد بن علي عن عافيه بنم شبيب عن أبي جعفر الأسدي عن إسحاق، قال يحيى خاصةً في خبره: قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلما قربت من مكة استأذنته في التقدم فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي: هو في المسجد الحرام. فأتيت المسجد فسألت عنه، فدللت عليه، فإذا هو قائمٌ يصلي، فجئت فجلست قريباً منه. فلما فرغ قال لي: يا فتى، ألك حاجة؟ قلت: نعم، تغنيني: ” لقد طفت سبعاً “. هذه رواية يحيى بن علي. وأما الباقون فإنهم ذكروا عن إسحاق أن المهدي قال هذا لأبي سعيد وأمره أن يغني له:

لقد طفت سبعاً قلت لما قضيتها

 

ألا ليت هذا لا على ولا لـيا

ورفق به وأدنى مجلسه، وقد كان نسك؛ وقد كان نسك؛ فقال: أو أغنيك يا أمير المؤمنين أحسن منه؟ قال: أنت وذاك. فغنى:

إن هذا الطويل من آل حفص

 

نشر المجد بعد ما كان ماتـا

وبناه علـى أسـاسٍ وثـيقٍ

 

وعمادٍ قد أثبتـت إثـبـاتـا

مثل ما قد بنى لـه أو لـوه

 

وكذا يشبه البناة البـنـانـا

-الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد – فأحسن، فقال له المهدي: أحسنت يا أبا سعيد! فغنني ” لقد طفت سبعاً”. قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: أنت وذاك. فغناه:

قدم الطويل فأشرقت واستبشرت

 

أرض الحجاز وبان في الأشجار

إن الطويل من آل حفصٍ فاعلموا

 

ساد الحضور وساد في الأسفار

فأحسن فيه. فقال: غنني ” لقد طفت سبعاً ” قال: أو أغنيك أحسن منه؟ قال: فغنني. فغناه:

أيهـا الـــســـائل الـــذي يخـــبـــط الأر

 

ض دع الـنــاس أجـــمـــعـــين وراكـــا

وأتٍ هذا الطويل من آل حفصٍ إن تخوفت عيلة أو هلاكا

 

 

فأحسن فيه. فقال له: غنني “لقد طفت سبعاً “، فقد أحسنت فيما غنيت، ولكنا نحب أن تغني ما دعوناك إليه. فقال: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وفد يده شيءٌ لا أدري ما هو، وقد رفعه ليضربني به وهو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعاً، لقد طفت سبعاً سبعاً طفت! ما صنعت بأمتي في هذا الصوت! فقلت له: بأبي أنت وأمي واغفر لي، فو الذي بعثك بالحق واصطفاك بالنبوة لا غنيت ذا الصوت أبداً؛ فرد يده ثم قال: عفا الله عنك إذاً! ثم انتبهت. وما كنت لأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في منامي فأرجع عنه في يقظتي. فبكى المهدي وقال: أحسنت يا أبا سعيد أحسن الله إليك! لا تعد في غنائه، وحباه وكساه وأمر برده إلى الحجاز. فقال له أبو سعيد: ولكن اسمعه يا أمير المؤمنين من منة جارية البرامكة. وأظن حكاية من حكى ذلك عن المهدي غلطاً؛ لأن منة جارية البرامكة لم تكن في أيام المهدي، وإنما نشأت وعرفت أيام الرشيد.

وقد حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه أنه هو الذي لقي أبا سعيد مولى فائد وجاراه هذه القصة. وذكر ذلك أيضاً حماد بن إسحاق عن إبراهيم بن المهدي. وقد يجوز أن يكون يكون إبراهيم بن المهدي وإسحاق سألاه عن هذا الصوت فأجابهما فيه بمثل ما أجاب المهدي. وإما خبر إبراهيم بن المهدي خاصةً فله معانٍ غير هذه، والصوت الذي سأله عنه غير هذا؛ وسيذكر بعد قضاء هذه الأخبار لئلا تنقطع.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة: أن إبراهيم بن المهدي لقي أبا سعيد مولى فائدٍ؛ وذكر الخبر بمثل الذي قبله، وزاد فيه: فقال له: أشخص معي إلى بغداد، فلم يفعل. فقال: ما كنت لآخذك بما لا تحب، ولو كان غيرك لأكرهته على ما أحب، ولكن دلني على ما ينوب عنك. فدله على ابن جامع، وقال له: عليك بغلامٍ من بني سهمٍ قد أخذ عني وعن نظرائي وتخرج، وهو كما تحب. فأخذه إبراهيم معه فأقدمه بغداد؛ فهو الذي كان سبب وروده إياها.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني

صوت من المائة المختارة

لقد طفت سبعاً قلت لما قضيتها

 

ألا ليت هذا لا على ولا لـيا

يسائلني صحبي فما أعقل الذي

 

يقولون من ذكر لليلى اعترانيا

عروضه من الطويل. ذكر يحيى بن علي أن الشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد، وذكر غيره أن الشعر للمجنون. ولحنه خفيف رملٍ بالبنصر وهو المختار. وذكر حبشٌ أن فيه لإبراهيم خفيف رملٍ آخر. والذي ذكر يحيى بن علي من أن الشعر لأبي سعيد مولى فائد هو الصحيح. أخبرني عمي عن الكراني عن عيسى بن إسماعيل عن القحذفي أنه أنشده لأبي سعيد مولى فائد. قال عمي: وأنشدني هذا الشعر أيضاً أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة لأبي سعيد. وبعد هذين البيتين اللذين مضيا هذه الأبيات:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر

 

فأقرئ غزال الشعب مني سلامـيا

وقل لغزال الشعب هل أنت نـازلٌ

 

بشعبك أم هل يصبح القلـب ثـاويا

لقد زادني الحجاج شـوقـاً إلـيكـم

 

وقد كنت قبل اليوم للحـج قـالـيا

وما نظرت عيني إلى وجـه قـادمٍ

 

من الحج إلا بـل دمـعـي ردائيا

في البيت الأول من هذه الأبيات، هو:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر

لحن لابن جامع خفيف رملٍ عن الهشامي.
ومنها:

صوت

إن هذا الطويل من آل حفص

 

نشر المجد بعد ما كان ماتـا

وبناه علـى أسـاسٍ وثـيقٍ

 

وعمادٍ قد اثبتـت إثـبـاتـا

مثل ما قد بنى لـه أو لـوه

 

وكذا يشبه البناة البـنـانـا

عروضه من الخفيف. والشعر والغناء لأبي سعيد مولى فائد. ولحنه رملٌ مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
ومنها:

صوت

قدم الطويل فأشرقت واستبشرت

 

أرض الحجاز وبان في الأشجار

إن الطويل من آل حفصٍ فاعلموا

 

ساد الحضور وساد في الأسفار

الشعر والغناء لأبي سعيد.
ومنها:

صوت

أيهـا الـطــالـــب الـــذي يخـــبـــط الأر

 

ض دع الـنــاس أجـــمـــعـــين وراكـــا

وأتٍ هذا الطويل من آل حفصٍ إن تخوفت عيلة أو هلاكا

 

 

عروضه من الخفيف. الشعر لأبي سعيد مولى فائد، وقيل: إنه للدارمي. والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيلٍ.

وفيه للدارمي ثاني ثقيل.

الطويل من آل حفص الذي عناه الشعراء في هذه الأشعار، وهو عبد الله بن عبد الحميد بن حفص، وقيل: ابن أبي حفص بن المغيرة المخزومي؛ وكان ممدحاً.

فأخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازة عن أبي أيوب المديني قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه: أن عبد الله بنعلي بن عبد الحميد المخزومي، كان يعطي الشعراء فيجزل، وكان موسراً، وكان سبب يساره ما صار إليه من أم سلمة المخزومية امرأة أبي العباس السفاح، فإنه تزوجها بعده، فصار إليه منها مالٌ عظيم، فكان يتسمح به ويتفتى ويتسع بالعطايا. وكان أم سلمة مائلة إليه، فأعطته ما لا يدرى ما هو، ثن إنها اتهمته بجاريةٍ لها فاحتجبت عنه، فلم تعد إليه حتى مات. وكان جميل الوجه طويلاً. وفيه يقول أبو سعيدٍ مولى فائد:

إن هذا الطويل من آل حفصٍ

 

نشر المجد بعد ما كان ماتـا

وفيه يقول الدرامي:

أيها السائل الذي يخـبـط الأر

 

ض دع الناس أجمعين وراكا

وأت هذا الطويل من آل خفصٍ

 

إن تخوفت عليةً أو هـلاكـا

وفيه يقول الدرامي أيضاً:

إن الطويل إذا حللت به

 

يوماً كفاك مؤونة الثقل

– ويروى:

ابن الطويل إذا حللت به

 

وحللت في دعةٍ وفي كنفٍ

 

رحب الفناء ومنزلٍ سهل

غناء ابن عباد الكاتب، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر عن ابن المكي.

فأما خبر إبراهيم بن المهدي مع أبي سعيد مولى فائد الذي قلنا إنه يذكر ها هنا، فأخبرني به الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني القطراني المغني قال حدثني ابن جبر قال: سمعت إبراهيم بن المهدي يقول: كنت بمكة بالمسجد الحرام، فإذا بشيخ قد طلع وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى وقام يصلي؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا أبو سعيد مولى فائد. فقلت لبعض الغلمان: احصبه فحصبه؛ فأقبل عليه وقال: ما يظن أحدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له. فقلت للغلام: قل له: يقول لك مولاي: ابلغني؛ فقال ذلك له. فقال له أبو سعيد: من مولاك حفظه الله؟ قال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فمن أنت؟ قال: أنا أبو سعيد مولى فائد؛ وقام فجلس بين يدي، وقال: لا والله – بأبي أنت وأمي – ما عرفتك! فقلت: لا عليك! أخبرني عن هذا الصوت:

أفاض المدامع قتلى كدى

 

وقتلى بكثوةً لم ترمـس

قال: هو لي. قلت: ورب هذه البنية لا تبرح حتى تغنيه. قال: ورب هذه البنية لا تبرح حتى تسمعه. قال: ثم قلب إحدى نعليه وأخذ بعقب الأخرى، وجعل يقرع بحرفها على الأخرى ويغنيه حتى أتى عليه، فأخذته منه. قال ابن جبر: وأخذته أنا من إبراهيم بن المهدي.

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثني دنية المدني صاحب العباسة بنت المهدي، وكان آدب من قدم علينا من أهل الحجاز: أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة لأبي جعفر، وكان مقدماً لأبي سعيد. فقال له ابن عمران التيمي: يا أبا سعيد أنت القائل:

لقد طفت سبعاً قلت لما قضيتها

 

ألا ليت هذا لا علي ولا لـيا

فقال: أي لعمر أبيك، وأني لأدمجه إدماجاً من لؤلؤ. فرد محمد بن عمران شهادته في لذك المجلس. وقام أبو سعيد من مجلسه مغضباً وحلف أن لا يشهد عنده أبداً. فأنكر أهل المدينة على ابن عمران رده شهادته. وقالوا: عرضت حقوقنا للتوى وأموالنا للتلف؛ لأنا كنا نشهد هذا الرجل لعلمنا بما كنت عليه والقضاة قبلك من الثقة به وتقديمه وتعديله، فندم ابن عمران بعد ذلك على رد شهادته، ووجه إليه يسأله حضور مجلسه والشهادة عنده ليقضى بشهادته؛ فامتنع، وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمينٍ لزمته إن حضره حنث. قال: فكان ابن عمران بعد ذلك، إذا ادعى أحدٌ عنده شهادة أبو سعيدٍ، صار إليه إلى منزله أو مكانه من المسجد حتى يسمع منه ويسأله عما يشهد به فيخبره. وكان محمد بن عمران كثير اللحم، عظيم البطن، كبير العجيزة، صغير القدمين، دقيق الساقين، يشتد عليه المشي، فكان كثيراً ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت ” لقد طفت سبعاً ” وأضر بي ضرراً طويلاً شديداً، وأنا رجل ثقالٌ، بترددي إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا النصر بن عمرو عن الهيثم بن عدي قال: كان المطلب بن عبد الله بن حنطبٍ قاضياً على مكة، فشهد عنده أبو سعيد مولى فائد بشهادة؛ فقال له المطلب: ويحك! ألست الذي يقول:

لقد طفت سبعاً قلت لما قضيتها

 

ألا ليت هذا لا علي ولا لـيا

لا قبلت لك شهادة أبداً. فقال له أبو سعيد: أنا والله الذي يقول:

كأن وجوه الحنطبيين في الدجى

 

قناديل تسقيها السليط الهياكـل

فقال الحنطبي: إنك ما علمتك إلا دبابا حول البيت في الظلم، مدمناً للطواف به في الليل والنهار؛ وقبل شهادته.

نسبة الصوت المذكور قبل هذا،

الذي في حديث إبراهيم بن المهدي وخبره

صوت

أفاض المدامع قتلـي كـدى

 

وقتلي بكثـوة لـم تـرمـس

وقتلي بـوج وبـالـلابـتـب

 

ن من يثربٍ خير ما أنفـس

وبالزابـيين نـفـوسٌ ثـوت

 

وأخرى بنهر أبي فـطـرس

أولئك قومي أناخـت بـهـم

 

نوائب من زمنٍ مـتـعـس

إذا ركبوا زينوا المـوكـبـين

 

وإن جلسوا الزين في المجلس

هم أضرعوني لريب الزمـان

 

وهم ألصقوا الرغم بالمعطس

عروضه من المتقارب. الشعر للعبلي، واسمه عبد الله بن عمر، ويكنى أبا عدي، وله أخبار تذكر مفردةً في موضعها إن شاء الله. والغناء لأبي سعيدٍ مولى فائد، ولحنه من الثقيل الثاني بالسبابة في مجرى البنصر. وقصيدة العبلي أولها:

تقـول أمـامة لـمـا رأت

 

نشوزي عن المضجع النفس

نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار، وأخبرني الخفش عن المبرد عن المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير عن سليمان عن عياش السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس؛ وذلك بعقب أيام بني أمية وابتداء خروج ملكهم إلى بني العباس، فقصد عبد الله وحسناً ابني الحسن بن حسنٍ بسويقة؛ فاستنشده عبد الله بن حسنٍ شيئاً من شعره فأنشده؛ فقال له: أريد أن تنشدني شيئاً مما رثيت به قومك؛ فأنشده قوله:

تقـول أمـامة لـمـا رأت

 

نشوزي عن المضجع الأنفس

وقلة نومي على مضجـعـي

 

لدى هجعة الأعين النـعـس

أبي ما عراك؟ فقلت الهمـوم

 

عرون أباك فلا تبـلـسـي

عرون أباك فـحـبـسـنـه

 

من الذل في شر ما محبس

لفقـد الأحـبة إذ نـالـهـا

 

سهامٌ من الحدث المـبـئس

رمتها المنـون بـلا نـكـل

 

ولا طائشـاتٍ ولا نـكـس

بأسهمها المتلفات النـفـوس

 

متى ما تصب مهجة تخلس

فصرعنهم في نواحي البـلاد

 

ملقى بأرضٍ ولـم يرسـس

تقـيٌ أصـيب وأثـوابــه

 

من العيب والعار لم تدنـس

وآخر قد دس فـي حـفـرةٍ

 

وآخر قد طار لم يحـسـس

إذا عن ذكـرهـم لـن ينـم

 

أبوك وأوحش في المجلـس

فذاك الذي غالني فأعلـمـي

 

ولا تسألي بامرئٍ متـعـس

أذلوا قناتي لمـن رامـهـا

 

وقد ألصقوا الرغم بالمعطس

قال: فرأيت عبد الله بن حسنٍ وإن دموعه لتجري على خده.

وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن إبراهيم بن رباح قال: عمر أبو سعيد بن أبي سنة مولى بني أمية وهو مولى فائد مولى عمرو بن عثمان إلى أيام الرشيد؛ فلما أحضره فقال: أنشدني قصيدتك:

تقول أمامة لما رأت

فاندفع فغناه قبل أن ينشده الشعر لحنه في أبيات منها، أولها:

أفاض المدامع قتلى كدى

وكان الرشيد مغضباً فسكن غضبه وطرب، فقال: أنشدني القصيدة. فقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم موالي وأنعموا علي، فرثيتهم ولم أهج أحداً؛ فتركه.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا الحزنبل قال: كنا عند ابن الأعرابي وحضر معنا أبو هفان، فأنشدنا ابن الأعرابي عمن أنشده قال: قال ابن أبي سبة العبلي:

أفاض المدامع قتلى كذا

 

وقتلى بكبوة لم ترمس

فغمز أبو هفان رجلاً وقال له: ما معنى ” كذا “؟ قال: يريد كثرتهم. فلما قمنا قال لي أبو هفان: أسمعت إلى هذا المعجب الرقيع! صحف اسم الرجل. هو ابن أبي سبة، فقال: ابن أبي سبة؛ وصحف في بيت واحدٍ موضعين؛ فقال: ” قتلى كذا ” وهو كدى، و ” قتلى بكبوة ” وهو بكثوة. وأغلظ علي من هذا أنه يفسر تصحيفه بوجهٍ وقاحٍ.
وهذا الشعر الذي غناه أبو سعيد يقوله أبو عدي عبد الله بن عمر العبلي فيمن قتله عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس أبو العباس السفاح أمير المؤمنين بعدهم من بني أمية. وخبرهم والوقائع التي كانت بينهم مشهورةٌ يطول ذكرها جداً. ونذكر ها هنا ما يستحسن منها. ذكر من قتل أبو العباس السفاح من بني أمية

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني مسبح بن حاتم العكلي قال حدثني الجهم بن السباق عن صالح بن ميمون مولى عبد الصمد بن علي قال: لما استمرت بمروان، أقام عبد الله بن علي بالرقة، وأنفذ أخاه عبد الصمد في طلبه فصار إلى دمشق، وأتبعه جيشاً عليهم أبو إسماعيل عامرٌ الطويل من قواد خراسان، فلحقه وقد جاز مصر في قرية تدعى بوصير، فقتله، وذلك يوم الأحد ثلاثٍ بقين من ذي الحجة، ووجه برأسه إلى عبد الله بن علي، فأنفذه عبد الله بن علي إلى أبي العباس. فلما وضع بين يديه خر لله ساجداً، ثم رفع رأسه وقال: الحمد لله الذي أظهر عليك وأظفرن بك ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين؛ ثم تمثل قول ذي الإصبع العدواني:

لو يشربون دمي لم يرو شاربهم

 

ولا دماءهم للغيظ تـروينـي

أخبرني محمد بن خلفٍ بن وكيعٌ قال حدثني محمد بن يزيد قال: نظر عبد الله بن علي إلى فتى عليه أبهة الشرف وهو يقاتل مستنتلاً، فناداه: يا فتى، لك الأمان ولو كنت مروان بن محمد. فقال: إلا أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان من كنت. فأطرق ثم قال:

أذل الحياة وكره الممات

 

وكلا أرى لك شراً وبيلا

– ويروى:

وكلاً أراه طعـامـاً وبـيلا

 

فإن لم يكن غير إحداهما

 

فسيراً إلى الموت سيراً جميلا

ثم قاتل حتى قتل. قال: فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك بن مروان.

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثني النضر بن عمرو عن المعيطي، وأخبرنا محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال قال أبو السائب سلم بن جنادة السوائي سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول:  دخل سديفٌ – وهو مولى لآل أبي لهبٍ – على أبي العباس بالحيرة. هكذا قال وكيع. وقال الكراني في خبره واللفظ له: كان أبو العباس جالساً في مجلسه على سريره وبنو هاشم دونه على الكراسي، وبنو أمية على الوسائد قد ثنيت لهم، وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هو والخلفاء منهم على السرير، ويجلس بنو هاشم على الكراسي؛ فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجلٌ حجازي أسود راكبٌ على نجيبٍ متلثمٌ يستأذن ولا يحبر باسمه، ويحلف ألا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك. قال: هذا مولاي سديف، يدخل، فدخل. فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حوله، حدر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول:

أصبح الملك ثابـت الأسـاس

 

بالبهاليل من بني العـبـاس

بالصدور المقدمـين قـديمـاً

 

والرؤوس القماقم الـرواس

يا أمير المطهرين من الـذم

 

ويا رأس منتهى كـل راس

أنت مهدي هاشم وهـداهـا

 

كم أناسٍ رجوك بعـد إياس

لا تقيلن بعد شمسٍ عـثـاراً

 

واقطعن كل رقلةٍ وغـراسٍ

أنزلوها بحيث أنزلهـا الـل

 

ه بدار الهوان والإتـعـاس

خوفهم أظهر التودد منـهـم

 

وبهم منكم كحز المـواسـي

أقصهم أيها الخليفة واحسـم

 

عنك بالسيف شأفة الأرجاس

وأذكرن مصرع الحسين وزيدٍ

 

وقتيلٍ بجانب الـمـهـراس

والإمام الذي بحران أمسـى

 

رهن قبرٍ في غزيةٍ وتناسي

فلقد ساءني وسـاء سـوائي

 

قربهم من نمارق وكراسـي

نعم كلب الهراش مولاك لولا

 

أودٌ من حـبـائل الإفـلاس

فتغير لون أبي العباس وأخذه زمع ورعدة؛ فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى رجل منهم، وكان إلى جنبه، فقال: قتلنا والله العبد. ثم أقبل أبو العباس عليهم فقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا وأنتم أحياءٌ تتلذذون في الدنيا! خذوهم! فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات، فأهمدوا، إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي وقال له: إن أبي لم يكن كأبائهم وقد علمت صنيعته إليكم؛ فأجاره واستوهبه من السفاح، وقال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنع أبيه إلينا. فوهبه له وقال له: لا تريني وجهه، وليكن بحيث تأمنه؛ وكتب إلى عماله في النواحي بقتل بني أمية.
سبب قتل السفاح لبني أمية وتشفيه فيهم أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه: أن سبب قتل بني أمية: أن السفاح أنشد قصيدةً مدح بها، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به! ففقال: هيهات! لا يقول والله أحدٌ فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:

ما نقموا من بني أمية إلا

 

أنهم يحملون إن غضبوا

وأنهم معدن الملوك ولا

 

تصلح إلا عليهم العرب

فقال له: يا ماص كذا من أمه! أو أن الخلافة لفي نفسك بعد! خذوهم! فأخذوا وقتلوا.

أخبرني عمي عن الكراني عن النصر بن عمرو عن المعيطي: أن أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا، وأمر ببساطٍ فبسط عليهم، وجلس وجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته. فلما فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلةً قط أهنأ ولا أطيب لنفسي منها. فلما فرغ قال: جروا بأرجلهم؛ فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتاً كما لعنوهم أحياء. قال: فرأيت الكلاب تجر بأرجلهم تجر بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشى حتى أنتنوا؛ ثم حفرت لهم بئرٌ فألقوا فيها: دور ابن هرمة فيما أصاب بني أمية أخبرني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن معنٍ الغفاري عن أبيه قال: لما أقبل داود بن علي من مكة أقبل معه بنو حسنٍ جميعاً وحسين بن علي بن حسين وعلي بن عمر بن علي بن حسين وجعفر بن محمد والأرقط محمد بن عبد الله وحسين بن زيد ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاصي وعروة وسعيد ابنا خالد بن سعيد بن عمرو بن عثمان، فعمل لداود مجلسٌ بالرويثة؛ فجلس عليه هو والهاشميون، وجلس الأمويون تحتهم؛ فأنشده إبراهيم بن هرمة قصيدةً يقول فيها.

فلا عفا الله عن مروان مظلمةً

 

ولا أمية بئس المجلس النادي

كانوا كعادٍ فأمسى الله أهلكهم

 

بمثل ما أهلك الغاوين من عاد

فلن يكذبني من هاشـمٍ أحـدٌ

 

فيما أقول ولو أكثرت تعدادي

قال: فنبذ داودد نحو ابن عنبسة ضحكة كالكشرة. فلما قام عبد الله ابن حسن لأخيه حسن: أما رأيت ضحكته إلى ابن عنبسة! الحمد لله الذي صرفها عن أخي يعني العثماني، قال: فما هو إلا أن قدم المدينة حتى قتل ابن عنبسة.

قال محمد بن معنٍ حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: استحلف أخي عبد الله بن حسن داود بن علي، وقد حج معه سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بطلاق آمراته ملكية بنت داود بن حسن ألا يقتل أخويه محمداً والقاسم ابني عبد الله. قال: فكنت أختلف إليه آمناً وهو يقتل بني أمية، وكان يكره أن يراني أهل خراسان ولا يستطيع إلي سبيلاً ليمينه. فاستدناني يوماً فدنوت منه، فقال: ما أكثر الغفلة وأقل الحزمة! فأخبرت بها عبد الله بن حسن؛ فقال: يا بن أم، تغيب عن الرجل؛ فتغيبت عنه حتى مات.

خبر سديف مع السفاح أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى قالا حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن الهيثم بن بشر مولى بن علي قال: أنشد سديفٌ أبا العباس، وعنده رجالٌ من بني أمية قوله:

يا بن عم النبي أنت ضياءٌ

 

استبنا بك اليقين الجلـيا

فلما بلغ قوله:

جرد السيف وارفع العفو حتى

 

لا ترى فوق ظهرهـا أمـويا

لا يغرنك ما ترى من رجـالٍ

 

إن تحت الضـلـوع داء دوياً

بطن البغض في القديم فأضحى

 

ثاوياً في قلوبـهـم مـطـوياً

وهي طويلة قال: يا سديف، خلق الإنسان من عجلٍ، ثم قال:

أحيا الضغائن أباء لنا سلفوا

 

فلن تبيد وللأباء أبـنـاء

ثم أمر بمن عنده منهم فقتلوا.

أخبرني أحمد بن عبيد اله بن عمار قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه عن عمومته: أنهم حضروا سليمان بن علي بالبصرة، وقد حضر جماعةٌ من بني أمية عليهم الثياب الموشية المرتفعة، فكأني أنظر إلى أحدهم وقد اسود شيبٌ في عارضيه من الغالية، فأمر بهم فقتلوا وجروا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، وإن عليهم لسراويلات الوشي والكلاب تجر بأرجلهم.

عمرو بن معاوية يسأل الأمان أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال: جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن كثير العيال منتشر المال، فما أكون في قبيلة إلا شهر أمري وعرفت، وقد اعتزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ وأنا صائرٌ إلى باب الأمير سليمان بن علي، فصر إلي. فوافيته فإذا عليه طيلسانٌ مطبقٌ أبيض وسراويل وشيٍ مسدول، فقلت: يا سبحان الله! ما تصنع الحداثة بأهلها! أبهذا اللباس تلقى القوم لما تريد لقاءهم فيه! فقال: لا والله، ولكنه ليس عندي ثوبٌ إلا أشهر مما ترى. فأعطيته طيلساني وأخذت طيلسانه ولويت سراويله إلى ركبتيه؛ فدخل ثم خرج مسروراً. فقلت له: حدثني ما حرى بينك وبين الأمير. قال: دخلت عليه ولم نتراء قط، فقلت: أصلح الله الأمير! لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك؛ فإما قتلتني غانماً، وإما رددتني سالماً. فقال: ومن أنت؟ فقلت: إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن معنا وأولى الناس بهن بعدنا، قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه. فوالله ما أجابني إلا بدموع على خديه؛ ثم قال يا بن أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك. ووالله لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت، فكن متوارياً كظاهر، وآمناً كخائف، ولتأتني رقاعك. قال: فكنت والله أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه وعمه. قال: فلما فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه؛ فقال: مهلاً، فإن ثيابنا إذا فارقتنا لن ترجع إلينا.

شعر لسديف في تحريض السفاح أخبرني أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: قال سديفٌ لأبي العباس يحضه على بني أمية ويذكر من قتل مروان وبنو أمية من قومه:  

كيف بالعفو عنهم وقـديمـاً

 

قتلوكم وهتكوا الحرمـات

أين زيدٌ وأين يحيى بـن زيد

 

يا لها من مصيبة وتـرات

والإمام الذي أصيب بحـرا

 

ن إمام الهدى ورأس الثقات

قتلوا آل أحمدٍ لا عفا الـذن

 

ب لمروان غافر السـيئات

شعر لرجل من شيعة بني العباس

في التحريض على بني أمية: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمد بن يزيد لرجل من شيعة بن العباس يحرضهم على بني أمية:

إياكـم أن تـلـينـوا لاعـتـذارهـم

 

فليس ذلك إلا الخوف والـطـمـع

لو أنهم أمـنـوا أبـدوا عـدواتـهـم

 

فليس قمعوا بالذل فـانـقـمـعـوا

أليس في ألف شهرٍ قد مضت لـهـم

 

سقوكم جرعاً من بـعـدهـا جـرع

حتى إذا ما انقضـت أيام مـدتـهـم

 

متوا إليكم بالأرحام التي قـطـعـوا

هيهات لا بد أن يسقوا بـكـأسـهـم

 

ريا وأن يحصدوا الزرع الذي زرعوا

إنا وإخواننا الأنصـار شـيعـتـكـم

 

إذا تفـرقـت الأهـواء والـشـيع

إياكم أن يقـولـوا الـنـاس إنـهـم

 

قد ملكوا ثم ما ضروا ولا نـفـعـوا

رواية أخرى في تحريض سديف للسفاح

وذكر ابن المعتز: أن جعفر بن إبراهيم حدثه عن إسحاق بن منصور عن أبي الخصيب في قصة سديف بمثل ما ذكره الكراني عن النضر بن عمرو عن المعيطي، إلا أنه قال فيها: فلما أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال: يا ماص بظر أمه! اتجبهنا بهذا ونحن سروات الناس! فغضب أبو العباس؛ وكان سليمان بن هشام صديقه قديماً وحديثاً يقضي حوائجه في أيامهم ويبره؛ فلم يلتفت إلى ذلك، وصاح بالخراسانية: خذوهم؛ فقتلوا جميعاً إلا سليمان بن هشام، فأقبل عليه السفاح فقال: يا أبا الغمر، ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيراً. قال: لا والله. فقال: اقتلوه، وكان إلى جنبه، فقتل، وصلبوا في بستانه، حتى تأذى جلساؤه بروائحهم، فكلموه في ذلك، فقال: والله لهذا ألذ عندي من شم المسك والعنبر، غيظاً عليهم وحنقاً.

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء صوت

أصبح الدين ثابت الآساس

 

بالبهاليل من بني العبـاس

بالصدور المقدمين قديمـاً

 

والرؤوس القماقم الرؤاس

عروضه من الخفيف، والشعر لسديف. والغناء لعطرد رملٌ بالبنصر عن حبشٍ. قال: وفيه لحكمٍ الوادي ثاني ثقيلٌ. وفيه ثقيلٌ أول مجهول.

ومما قاله أبو سعيد مولى فائد في قتلى بني أمية وغنى فيه:

صوت

بكيت ومـاذا يرد الـبـكـاء

 

وقل البكاء لقـتـلـى كـداء

أصيبوا معاً فتـولـوا مـعـاً

 

كذلك كانوا معاً فـي رخـاء

بكت لهم الأرض من بعدهـم

 

وناحت عليهم نجوم السـمـاء

وكانوا الضياء فلما انقضى الزم

 

ان بقومي تولـى الـضـياء

عروضه من المتقارب. الشعر والغناء لأبي سعيدٍ مولى فائد، ولحنه من الثقيل الأول بالبنصر من رواية عمرو بن بانة وإسحاق وغيرهما. ومما قاله فيهم وغنى فيه على أنه قد نسب إلى غيره:

صوت

أثر الدهر في رجالي فقـلـوا

 

بعد جمعٍ فراح عظمي مهيضا

ما تذكرتهم فتمـلـك عـينـي

 

فيض غربٍ وحق لي أن تفيضا

الشعر والغناء لأبي سعيد خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن ابن المكي والهشامي. وروى الشيعي عن عمر بن شبة عن إسحاق أن الشعر لسديف والغناء للغريض. ولعله وهمٌ.
ومنها:

صوت

أولئك قومي بعد عـز ومـنـعةٍ

 

تفانوا فإلا تذرف العين أكـمـد

كأنهم لا ناس للمـوت غـيرهـم

 

وإن كان فيهم منصفاً غير معتدي

الشعر والغناء لأبي سعيد. وفيه لحنٌ لمتيم.

المأمون وعلوية يندب بني أمية

أخبرني عبد الله بن الربيع قال حدثنا أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني عمي طياب بن إبراهيم قال:  ركب المأمون بدمشق يتصيد حتى بلغ جبل الثلج، فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات لم ير أحسن منها ولا أعظم، فنزل المأمون وجعل ينظر إلى آثار بني أمية ويعجب منها ويذكرهم، ثم دعا بطبق عليه بزماورد ورطل نبيذ؛ فقام علويه فغنى:

أولئك قومي بعد عز ومنعةٍ

 

تفانوا فإلا تذرف العين أكمد

قال: فغضي المأمون وأمر برفع الطبق، وقال: يا بن الزانية! ألم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلا هذا الوقت! قال: نعم أبكي عليهم! مولاكم زرياب يركب معهم في مائة غلامٍ، وأنا مولاهم معكم أموت جوعاً! فقام المأمون فركب وانصرف الناس، وغضب على علويه عشرين يوماً؛ فكلمه فيه عباس أخو بحرٍ؛ فرضي عنه، ووصله بعشرين ألف درهم.

صوت من المائة المختارة

مهاةٌ أن الذر تمشي ضعافـه

 

على متنها بضت مدارجه دما

فقلن لها قومي فديناك فاركبي

 

فأومت بلالاً غير أن تتكلمـا

عروضه من الطويل. بضت: سالت. يقول: لو مشى الذر على جلدها لجرى الدم من رقته. وروى الأصمعي:

منعة لو يصبح الـذر سـارياً

 

على متنها بضت مدارجه دما

الشعر لحميد بن ثور الهلالي. والغناء في اللحن لفليح بن أبي العوراء، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أن لحن فليح من خفيف الثقيل الأول بالوسطى، وأن الثقيل الأول للهذلي.
ومما يغنى فيه من هذه القصيدة:

صوت

إذا شـئت بـأجـزاع بــيشةٍ

 

أو النخل من تثليث أو من يلملما

مطوقةٌ طوقاً وليس بـحـلـيةٍ

 

ولا ضرب صواغٍ بكفيه درهما

تبكي على فرح لها ثم تغـتـدي

 

مولهةً تبغي لها الدهر مطمعـا

تؤمل منه مؤنساً لانـفـرادهـا

 

وتبكي عليه إن زقا أو ترنمـا

وغناه محمد الرف خفيف رملٍ بالوسطى.