ذكر أبي دلف ونسبه وأخباره

ذكر أبي دلف ونسبه وأخباره

نسب أبي دلف ومكانته: هو القاسم بن عيسى بن إدريس، أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ومحله في الشجاعة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلٌّ ليس لكبير أحد من نظرائه. وذكر ذلك أجمع مما لا معنى له لطوله، وفي هذا القدر من أخباره مقنع. وله أشعارٌ جيادٌ، وصنعةٌ كثيرة حسنة. فمن جيد شعره وله فيه صنعة قوله: صوت

بنفسي يا جنان وأنت مـنـي

 

محل الروح من جسد الجبان

ولو أني أقول مكان نفسـي

 

خشيت عليك بادرة الزمـان

لإقدامي إذا ما الخيل حامـت

 

وهاب كماتها حر الطعـان

وله فيه لحن. وهذا البيت الأول أخذه من كلام إبراهيم النظام.

أخذ معنى من محاورة إبراهيم النظام لغلام: أخبرني به علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: لقي إبراهيم النظام غلاماً حسن الوجه، فاستحسنه وأراد كلامه فعارضه، ثم قال له: يا غلام، إنك لولا ما سبق من قول الحكماء مما جعلوا به السبيل لمثلي إلى مثلك في قولهم: لا ينبغي لأحد أن يكبرأ عن أن يسأل، كما أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يصغر عن أن يقول، لما أنبت إلى مخاطبتك ولا انشرح صدري لمحادثتك، لكنه سبب الإخاء وعقد المودة، ومحلك من قلبي محل الروح من جسد الجبان. فقال له الغلام – وهو لا يعرفه – لئن قلت ذلك أيها الرجل لقد قال أستاذنا إبراهيم النظام: الطبائع تجاذب ما شاكلها بالمجانسة، وتميل إلى ما قاربها بالموافقة، وكياني مائلٌ إلى كيانك بكليتي. ولو كان الذي انطوى عليه عرضاً لم أعتد به وداً، ولكنه جوهر جسمي، فبقاؤه ببقاء النفس، وعدمه بعدمها، وأقول كما قال الهذلي:

فتيقني أن قد كلفت بـكـم

 

ثم افعلي ما شئت عن علم

فقال له النظام: إنما كلمتك بما سمعت وأنت عندي غلام مستحسن، ولو علمت أن محلك مثل محل معمرٍ وطبقته في الجدل لما تعرضت لك. قال أبو الحسن: ومن هذا أخذ أبو دلف قوله:

أحبك يا جنان وأنت مـنـي

 

محل الروح من جسد الجبان

ومن جيد شعره وله فيه صنعة قوله صوت

في كل يومٍ أبى بيضـاء طـالـعةً

 

كأنما أنبتت في ناظر الـبـصـر

لئن قصصتك بالمقراضٍ عن بصري

 

لما قطعتك عن همي وعن فكـري

بلغه طروق الشراة وهو بالسردان مع جارية له فأسرع لحربهم وردهم: أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال حدثني أبي قال سمعت عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف يقول: حدثتني ظبية جارية أبي قالت: إني لمعه ليلةً بالسرادن وهو جالسٌ يشرب معي وعليه ثيابٌ ممسكة، إذ أتاه الصريخ بطروق الشراة أطراف عسكره، فلبس الجوشن ومضى فقتل وأسر وانصرف إلي في آخر الليل وهو يغني – قالت: والشعر له – : صوت

ليلتي بالـسـرادن

 

كللت بالمحاسـن

وجـوارٍ أوانـسٍ

 

كالظباء الشـوادن

بدلت بالممسـكـا

 

ت ادراع الجواشن

الشعر لأبي دلف. والغناء له رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر.

خرج مع الإفشين لحرب بابك فأراد قتله فأنقذه ابن أبي داود: وقال أحمد بن أبي طاهر: كان أبو دلف القاسم بن عيسى في جملة من كان مع الإفشين خيذر بن كاووس لما خرج لمحاربة بابك، ثم تنكر له، فوجه يوماً بمن جاء به ليقتله. وبلغ المعتصم الخبر، فبعث إليه بأحمد بن بي دواد وقال له: أدركه، وما أراك تلحقه، فاحتل في خلاصه منه كيف شئت. قال ابن أبي دواد: فمضيت ركضاً حتى وافيته، فإذا أبو دلف واقفٌ بين يديه وقد أخذ بيديه غلامان له تركيان، فرميت بنفسي على البساط، وكنت إذا جئته دعا لي بمصلى، فقال لي: سبحان الله! ما حملك على هذا؟ قلت: أنت أجلستني هذا المجلس. ثم كلمته في القاسم وسألته فيه وخضعت له، فجعل لا يزداد إلا غلظةً. فلما رأيت ذلك قلت: هذا عبدٌ وقد أغرقت في الرفق به فلم ينفع، وليس إلا أخذه بالرهبة والصدق؟ فقمت فقلت: كم تراك قدرت! تقتل أولياء أمير المؤمنين واحداً بعد واحد، وتخالف أمره في قائد بعد قائد! قد حملت إليك هذه الرسالة عن أمير المؤمنين، فهات الجواب!. قال: فذل حتى لصق بالأرض وبان لي الاضطراب فيه. فلما رأيت ذلك نهضت إلى أبي دلف وأخذت بيده، وقلت له: قد أخذته بأمر أمير المؤمنين. فقال: لا تفعل يا أبا عبد الله. فقلت: قد فعلت وأخرجت القاسم فحملته على دابة ووافيت المعتصم. فلما بصر بي قال: بك يا أبا عبد الله وريت زنادي، ثم رد علي خبري مع الإفشين حدساً بظنه ما أخطأ فيه حرفاً؟ ثم سألني عما ذكره لي وهو كما قال، فأخبرته أنه لم يخطىء حرفاً.

وقال علي بن محمد حدثني جدي قال: كان أحمد بن أبي دواد ينكر أمر الغناء إنكاراً شديداً. فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك. فستر أحمد بن أبي دواد في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغني، ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبي دواد عليه من موضعه والكراهة ظاهرةٌ في وجهه. فلما رآه أحمد قال له: سوءةً لهذا من فعل! بعد هذه السن وهذا المحل تضع نفسك كما أرى! فحجل أبو دلف وتشور، وقال: إنهم أكرهوني على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أفأكرهوك على الإحسان والإصابة!.

قال علي وحدثني جدي: أن سبب منادمته للمعتصم أنه كان نديماً للواثق، وكان أبو دلف قد وصف للمعتصم فأحب أن يسمعه، وسأل الواثق عنه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا على الفصد غداً وهم عندي. فقال له المعتصم: أحب ألا تخفى علي شيئاً من خبركم. وفصد الواثق، فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا، وأعلمهم الواثق حضور أبي دلف عنده، فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكل من عنده حتى تلقوه حين برز من الدهليز إلى الصحن، فجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردوا إلى مجالسهم. قال حمدون: وخنست عن مجلسي الذي كنت فيه لحداثتي، فنظر المعتصم إلى مكاني خالياً، فسأل عن صاحبه فسميت له، فأمر بإحضاري فرجعت إلى مكاني، وأمر بأن يؤتى برطلٍ من شرابه فأتي به؟ فأقبل على أبي دلف فقال له: يا قاسم، غن أمير المؤمنين صوتاً، فما حصر ولا تثاقل وقال: أغني أمير المؤمنين صوتاً بعينه أو ما اخترته؟ قال: بل غن صنعتك في شعر جرير:

بان الخليط برامتين فودعوا

فغناه إياه. فقال المعتصم: أحسن! أحسن! ثلاثاً، وشرب الرطل، ولم يزل يستعيده ويشرب عليه حتى والى بين سبعة أرطال، ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه، وأمرني بالانصراف معهما، فخرجت أسعى مع ركابه، فثبت في ندمائه من ذلك اليوم، وأمر لأبي دلف بعشرين ألف دينار.

بان الخليط برامتين فودعـوا

 

أو كلما اعتزموا لبينٍ تجزع

كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم

 

قلباً يقر ولا شراباً ينـقـع

عروضه من الكامل. الشعر لجرير، والغناء لأبي دلف ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي وعمرو بن بانة.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس، وكان منقطعاً إليه وله منه منزلةٌ حسنة. فذكر له مطيع بن إياس حماداً الراوية، وكان مطرحاً مجفواً في أيامهم. فقال له: دعني، فإن دولتي كانت في بني أمية وما لي عند هؤلاء خير. فأبى مطيع إلا الذهاب به إليه. فاستعار سواداً وسيفاً، ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم عليه وجلس. فقال له جعفر: أنشدني. فقال: لمن أيها الأمير؟ قال: لجرير. قال حماد: فسلخ الله شعره أجمع من قلبي إلاّ قوله:

بان الخليط برامتين فودعوا

فاندفعت أنشده إياه حتى بلغت إلى قوله:

وتقول بوزع قد دببت على العصا

 

هلا هزئت بغـيرنـا يا بـوزع

قال حماد فقال لي جعفر: أعد هذا البيت فأعدته، فقال: إيش هو بوزع؟ قلت: اسم امرأة. قال: امرأة اسمها بوزع! هو بريءٌ من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولاً من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليل من فزع بوزع! يا غلمان، قفاه. قال: فصفعت والله حتى لم أدر أين أنا. ثم قال: جروا برجله، فجروا برجلي حتى أخرجت من بين يديه وقد تخرق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شراً عظيماً مما جرى من ذلك. وكان أغلظ من ذلك علي غرامتي السواد والسيف. فلما انصرف إلي مطيع جعل يتوجع لي. فقلت له: ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيراً وأن حظي قد مضى مع من مضى من بني أمية!
 

رجع الحديث إلى أخبار أبي دلف.

وكان أبو دلف جواداً ممدحاً، وفيه يقول علي بن جبلة:

إنما الدنيا أبـو دلـفٍ

 

بين مغزاه ومحتضره

وإذا ولى أبـو دلـفٍ

 

ولت الدنيا على أثره

وهي من جيد شعره وحسن مدائحه. وفيها يقول:

ذاد ورد الغي عـن صـدره

 

وارعوى واللهو من وطـره

ندمي أن الشبـاب مـضـى

 

لم أبـلـغـه مـدى أشـره

حسرت عنـي بـشـاشـتـه

 

وذوى المحمود من ثـمـره

ودمٍ أهـدرت مـن رشــأٍ

 

لم يرد عقلاً عـلـى هـدره

فأتت دون الـصـبـا هـنةٌ

 

قلبت فوقي عـلـى وتـره

دع جدا قحطـان أم مـضـرٍ

 

في يمانية وفـي مـضـره

وامتـدح مـن وائلٍ رجـلاً

 

عصر الآفاق من عـصـره

المـنـايا فـي مـقـانـبـه

 

والعطايا فـي ذرا حـجـره

ملـكٌ تـنـدى أنـامـلــه

 

كانبلاج النوء عن مـطـره

مستهـلٌ عـن مـواهـبـه

 

كابتسام الروض عن زهـره

جبـلٌ عـزت مـنـاكـبـه

 

أمنت عدنـان فـي نـفـره

إنـمـا الـدنـيا أبـو دلـفٍ

 

بين مغزاه ومـحـتـضـره

فإذا ولـى أبــو دلـــفٍ

 

ولت الدنـيا عـلـى أثـره

كل من في الأرض من عربٍ

 

بين بـاديه إلـى حـضـره

مستعـيرٌ مـنـه مـكـرمةً

 

يكتسيهـا يوم مـفـتـخـره

وهذان البيتان هما اللذان أحفظا المأمون على عليُّ بن جبلة حتى سل لسانه من قفاه، وقوله في أبي دلف أيضاً:

أنت الذي تنزل الأيام منزلهـا

 

وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال

وما مددت مدى طرفٍ إلى أحدٍ

 

إلا قضيت بـأرزاقٍ وآجـال

وسنذكر ذلك في موضعه من أخبار علي بن جبلة إن شاء الله تعالى، إذ كان القصد ها هنا أمر أبي دلف.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: كنا عند أبي العباس المبرد يوماً وعنده فتىً من ولد أبي البختري وهب بن وهب القاضي أمرد حسن الوجه، وفتًى من ولد أبي دلف العجلي شبيه به في الجمال. فقال المبرد لابن أبي البختري: أعرف لجدك قصةً ظريفة من الكرم حسنةً لم يستق إليها. قال: وما هي؟ قال: دعي رجلٌ من أهل الأدب إلى بعض المواضع، فسقوه نبيذاً غير الذي كانوا يشربون منه؟ فقال فيهم:

نبيذان في مجلـسً واحـدً

 

لإيثار مثرٍ على مـقـتـر

فلو كان فعلك ذا في الطعام

 

لزمت قياسك في المسكر

ولو كنت تطلب شأو الكرام

 

صنعت صنيع أبي البختري

تتبع إخوانه فـي الـبـلاد

 

فأغنى المقل عن المكثـر

فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت: قد فعل جد هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟ قلت: بلغه أن رجلاً أفتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:

إليك عني فقد كلفتني شطـطـاً

 

حمل السلاح وقيل الدارعين قف

تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها

 

فكيف أمشي إليها عاري الكتيف

حسبت أن نفاد المـال غـيرنـي

 

وأن روحي في جنبي أبي دلف

فأحضره أبو دلف ثم قال له: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار. قال: وكم أملت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك علي على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكساراً شديداً.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد قال أخبرني علي بن القاسم قال: قال علي بن جبلة: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من إكرامي وبري والتحفي بي أمراً مفرطاً، حتى تأخرت عنه حيناً حياءً. فبعث إلي معقل بن عيسى، فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عني، وأحسبك استقللت بري بك، فلا يغضبنك ذلك، فسأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعني إلا إفراطه في البر، وكتبت إليه.

هجرتك لم أهجرك من كفر نـعـمةٍ

 

وهل يرتجى نيل الزيادة بالـكـفـر

ولـكـنـنـي لـمـا أتـيتـك زائراً

 

فأفرطت في بري عجزت عن الشكر

فم الان لا آتـيك إلا مـسـلـمـــاً

 

أزورك في الشهرين يوماً أو الشهـر

فإن زدتنـي بـراً تـزايدت جـفـوةً

 

ولم تلقني طول الحياة إلى الحـشـر

فلما قرأها معقل استحسنها جداً وقال: أحسنت والله! أما إن الأمير لتعجبه هذه المعاني. فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: قاتله الله. ما أشعره وأدق معانيه! فأعجبته فأجابني لوقته – وكان حسن البديهة حاضر الجواب -:

ألا رب ضيفٍ طارقٍ قد بسـطـتـه

 

وآنسته قبل الـضـيافة بـالـبـشـر

أتاني يرجـينـي فـمـا حـال دونـه

 

ودون القرى والعرف من نائلي ستري

وجدت له فضلاً عـلـي بـقـصـده

 

إلي وبـراً زاد فـيه عـلـى بـري

فزودتـه مـالاً يقـل بــقـــاؤه

 

وزودني مدحاً يدوم علـى الـدهـر

قال: وبعث إلي بالأبيات مع وصيفٍ له وبعث معه إلي بألف دينار، فقلت حينئذ: إنما الدنيا أبو دلفٍ. الأبيات.
أخبرني علي بن سليمان قال أخبرنا المبرد قال أخبرني إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع معقل، وهما إذ ذاك بالعراق، إذ مرا بقصر، فأشرفت منه جاريتان، فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف الذي يقول فيه الشاعر:

إنما الدنيا أبو دلف

فقالت الأخرى: أو هذا! قد والله كنت أحب أن أراه منذ سمعت ما قيل فيه. فالتفت أبو دلف إلى معقل فقال: ما أنصفنا علي بن جبلة ولا وفيناه حقه، وإن ذلك لمن كبير همي. قال: وكان أعطاه ألف دينار.

أما القطاة فإني سوف أنعتـهـا

 

نعتاً يوافق منها بعض ما فيها

سكاء مخطوبةٌ في ريشها طرق

 

صهبٌ قوادمها كدرٌ خوافيهـا

عروضه من البسيط. والشعر مختلف في قائله، ينسب إلى أوس بن غلفاء الهجيمي وإلى مزاحم العقيلي وإلى العباس بن يزيد بن الأسود الكندي وإلى العجير السلولي وإلى عمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي وهو أصح الأقوال، رواه ثعلب عن أبي نصر عن الأصمعي. وعلى أن في هذه الروايات أبياتاً ليست مما يغنى فيه وأبياتاً ليست في الرواية. وقد روي أيضاً أن الجماعة المذكورة تساجلوا هذه الأبيات فقال كل واحد منهم بعضاً. وأخبار ذلك وما يحتاج إليه في شرح غريبه يذكر بعد هذا. والغناء في اللحن المختار لمعبد خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى. في هذين البيتين مع أبيات أخر من القصيدة اشتراك كثيرٌ بين المغنين يتقدم بعض الأبيات فيه بعضاً ويتأخر بعضها عن بعض على اختلاف تقديم ذلك وتأخيره. والأبيات تكتب ها هنا ثم تنسب صنعة كل صانع في شيء منها إليه، وهي بعد البيتين الأولين، إذ كانا قد مضيا واستغني عن إعادتهما،:

لما تبدى لها طارت وقد علمت

 

أن قد أظل وأن الحي غاشيها

تشتق في حيث لم تبعد مصـعـدةً

 

ولم تصوب إلى أدنى مهـاويهـا

تنتاش صفراء مطروقاً بقـيتـهـا

 

قد كاد يأزي عن الدعموص آزيها

ما هاج عينك أم قد كاد يبكـيهـا

 

من رسم دار كسحق البرد باقيها

فلا غنيمةٌ توفي بالـذي وعـدت

 

ولا فؤادك حتى الموت ناسـيهـا

بسيط مولى عبد الله بن جعفر خفيف ثقيلٍ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق في أما القطاة والذي بعده، وتنتاش صفراء خفيف ثقيل نصر عن عمرو. ولإبراهيم الموصلي في لما تبدى لها وأما القطاة خفيف رمل عن الهشامي. ولعمر الوادي في أما القطاة ثقيلٌ بالوسطى. ولابن جامع في لما تبدى لها وبعده أما القطاة خفيف رملٌ. ولسياط في الأول والثاني وبعدهما تشتق في حيث لم تبعد خفيف ثقيل بالبنصر، ومن الناس من ينسب لحنه إلى عمر الوادي وينسب لحن عمر إليه. ولعلويه في أما القطاة والذي بعده رملٌ هو من صدور أغانيه ومقدمها. فجميع ما وجدتة في هذه الأبيات من الصنعة أحد عشر لحناً.

فأما خبر هذا الشعر، فإن ابن الكلبي زعم أن السبب فيه أن العجير السلولي أوس بن غلفاء الهجيمي ومزاحماً العقيلي والعباس بن يزيد بن الأسود الكندي وحميد بن ثور الهلالي اجتمعوا فتفاخروا بأشعارهم وتناشدوا وادعى كل واحد منهم أنه أشعر من صاحبه. ومر بهم سرب قطاً، فقال أحدهم: تعالوا حتى نصف القطا ثم نتحاكم إلى من نتراضى به، فأينا كان أحسن وصفاً لها غلب أصحابه، فتراهنوا على ذلك. فقال أوس بن غلفاء الأبيات المذكورة وهي أما القطاة. وقال حميد أبياتاً وصف ناقته فيها، ثم خرج إلى صفة القطاة فقال:

كما انصلتت كدراء تسقي فراخها

 

بشمظة رفهاً والمياه شـعـوب

غدت لم تباعد في السماء ودونها

 

إذا ما علت أهويةٌ وصـبـوب

قرينة سبعٍ إن تـواتـرن مـرةً

 

ضربن فصفت أرؤس وجنـوب

فجاءت وما جاء القطا ثم قلصت

 

بمفحصها والواردات تـنـوب

وجاءت ومسقاها الذي وردت به

 

إلى الصدر مشدود العصام كتيب

تبادر أطفالاً مساكـين دونـهـا

 

فلاً لا تخطاه العـيون رغـيب

وصفن لها مزناً بأرض تـنـوفةٍ

 

فما هـي إلا نـهـلةٌ وتـؤوب

وقال العباس بن يزيد بن الأسود – هكذا ذكر ابن الكلبي وغيره يرويها لبعض بني مرة – :

حذاء مدبرةً سـكـاء مـقـبـلةً

 

للماء في النحر منها نؤطةٌ عجب

تسقى أزيغب ترويه مجاجتـهـا

 

وذاك من ظمأة من ظمئها شرب

منهرت الشدق لم تنبت قـوادمـه

 

في حاجب العين من تسبيده زبب

تدعو القطا بقصير الخطو ليس له

 

قدام منحرهـا ريشٌ ولا زغـب

تدعو القطا وبه تدعى إذا انتسبت

 

يا صدقها حين تدعوه وتنتـسـب

وقال مزاحم العقيلي:

أذلك أم كـدريةٌ هـاج وردهـا

 

من القيظ يومٌ واقـدٌ وسـمـوم

غدت كنواة القسب لا مضمحـلةٌ

 

وناةٌ ولا عجلى الفـتـور سـئوم

تواشك رجع المنكبين وترتـمـى

 

إلى كلكل لـلـهـاديات قـدوم

فما انخفضت حتى رأت ما يسرها

 

وفيء الضحى قد مال فهو ذميم

أباطح وانتصت على حيث تستقي

 

بها شركٌ لـلـواردات مـقـيم

سقتها سيول المدجنات فأصبحـت

 

علاجيم تـجـري مـرةً وتـدوم

فلما استقت من بارد الماء وانجلى

 

عن النفس منها لوحةٌ وهـمـوم

دعت باسمها حين استقت فاستقلها

 

قوادم حجنٌ ريشـهـن مـلـيم

بجؤزٍ كحق الـهـاجـرية زانـه

 

بأطراف عود الفارسـي وشـوم

يعني حق الطيب. شبه حوصلتها به. والوشوم يعني الشية التي في صدرها:

لتسقي زغباً بالتنوفة لـم يكـن

 

خلاف مولاها لهن حـمـيم

ترائك بالأرض الفلاة ومن بدع

 

بمنزلها الأولاد فهـو مـلـيم

إذا استقبلتها الريح طمت رفيقةً

 

وهن بمهرى كالكرات جثـوم

يراطن وقصاء القفا وحشة الشوى

 

بدعوى القطا لحنٌ لـهـن قـديم

فبتن قريرات العيون وقد جـرى

 

عليهن شرب فاستقـين مـنـيم

صبيب سقاءٍ نيط قد بركـت بـه

 

معاودةٌ سقـي الـفـراخ رءوم

وقال العجير فيما روى ابن الكلبي، وقد تروى لغيره:

سأغلب والسماء ومن بناهـا

 

قطاة مزاحمٍ ومن انتحاهـا

قطاة مزاحمٍ وأبي المثـنـى

 

على حوزيةٍ صلبٍ شواهـا

غدت كالقطرة السفواء تهوي

 

أمام مجلجلٍ زجلٍ نفـاهـا

تكفأ كالجمانة لا تـبـالـي

 

أبالموماة أضحت أم سواها

نبت منها العجيزة فاحزألـت

 

ونبس للتقتل منـكـبـاهـا

كأن كعوبها أطراف نـبـلٍ

 

كساها الرازقية من براهـا

قال: واحتكموا إلى ليلى الأخيلية، فحكمت لأوس بن غلفاء.
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل عن قعنب بن محرز الباهلي قال حدثني رجل عن أبي عبيدة قال أخبرنا حميد بن ثور والعجير السلولي ومزاحم العقيلي وأوس بن غلفاء الهجيمي أنهم تحاكموا إلى ليلى الأخيلية لما وصفوا القطاة أيهم أحسن وصفاً لها، فقالت:

ألا كل ما قال الرواة وأنشـدوا

 

بها غير ما قال السلولي بهرج

وحكمت له. فمال حميد بن ثور يهجوها:

كأنك ورهاء العنانين بـغـلةٌ

 

رأت حصناً فعارضتهن تشحج

ووجدت هذه الحكاية عن أبي عبيدة مذكورةً عن دماذ عنه وأنه سأله عن أبيات العجير فأنشده:

تجوب الدجى سكاء من دون فرخها

 

بمطلى أريك نفنـفٌ وسـهـوب

فجاءت وقرن الشمس بادٍ كـأنـه

 

هجانٌ بصحراء الخبيب شـبـوب

لتسقي أفراخاً لها قد تـبـلـلـت

 

حلاقيم أسماطٌ لـهـا وقـلـوب

قصار الخطا زغب الرؤوس كأنها

 

كراتٌ تلظـى مـرةً وتـلـوب

فأما ما ذكرت من رواية ثعلب في الأبيات التي فيها الغناء فإنه أنشدها عن أبي حاتم عن الأصمعي أن أبا الحضير أنشده لعمرو بن عقيل بن الحجاج الهجيمي:

أما القطاة فإني سوف أنعـتـهـا

 

نعتاً يوافق نعتي بعض ما فـيهـا

صفراء مطروقةٌ في ريشها خطبٌ

 

صفرٌ قوادمها سود خـوافـيهـا

منقارها كنواة القسب قـلـمـهـا

 

بمبرد حاذق الكـفـين يبـريهـا

تمشي كمشي فتاة الحي مسـرعةً

 

حذار قومٍ إلى سـتـرٍ يواريهـا

قال الأصمعي: مطروقة يعني أن ريشها بعضه فوق بعض. والخطب: لون الرماد، يقال للمشبه به أخطب:

تنتاش صفراء مطروقاً بقـيتـهـا

 

قد كاد يأزي عن الدعموص آزيها

تنتاش: تتناول بقية من الماء. والمطروق: الماء الذي قد خالطه البول. وقوله: يأزى أي يقل عن الدعموص فيخرج منه لقلته. والدعموص: الصغير من الضفادع وجمعه دعاميص

تسقي رذيين بالموماة قوتهـمـا

 

في ثغرة النحر من أعلى تراقيها

الرذي: الساقط من الضعف. يعني فرخيها

كأن هيدبةً من فوق جؤجئهـا

 

أو جرو حنظلةٍ لم يعد راميها

جرو الحنظل: صغاره. وقوله: لم يعد من العداء، أي لم يعد عليها فيكسرها

تشتق من حيث لم تبعد مصـعـدة

 

ولم تصوب إلى أدنى مهـاويهـا

حتى إذا استأنسا للوقت واحتضرت

 

توجسا الوحي منها عند غاشيهـا

ويروى: حتى إذا استأنسا للصوت. وتوجسا: تسمعا. وحيها أي سرعة طيرانها. وغاشيها أي حين تغشاهما وتنتهي إليهما

ترفعا عن شؤون غير ذاكـيةٍ

 

على لديدي أعالي المهد أدحيها

الذاكية: الشديدة الحركة. والمهد: أفحوصها. ولديداه: جانباه

مدا إلـيهـا بـأفـواهٍ مــزينةٍ

 

صعداً ليستنزلا الأرزاق من فيها

كأنها حين مداها لـجـنـأتـهـا

 

طلى بواطنها بالورس طاليهـا

جنأتها أي جنأت عليهما بصدرها لتزقهما

حثلين رضا رفاض البيض عن زغبٍ

 

ورقٌ أسافلهـا بـيضٌ أعـالـيهـا

حثلين: دقيقين ضاويين. رضا: كسرا. والرفاض: ما ارفض وتفرق

ترأدا حين قاما ثمت احتطبا

 

على نحائف منآدٍ محانيها

ترأدا: تثنيا. واحتطبا: دلوا. والمنآد: المنعطف. ومحانيها: حيث انحنت

تكاد من لينها تنآد أسؤقهـا

 

تأود الربل لم تعرم نواميها

تعرم: تشتد. ونواميها: أعاليها:

لا أشتكي نوشة الأيام من ورقي

 

إلا إلى من أن سوف يشكيهـا

لدلهم مأثراتٌ قـد عـددن لـه

 

إن المآثر معدودٌ مساعـيهـا

تنمي به في بني لأيٍ دعائمهـا

 

ومن جمانة لم نخضع سواريها

بنى له في بيوت المجد والـده

 

وليس من ليس يبنيها كبانيهـا

وأنشدني هذه الأبيات الحسن بن محمد الضبعي الشاعر المعروف بابن الحداد قال: وجدتها بخط محمد بن داود بن الجراح عن إسماعيل بن يونس الشيعي شيخنا رحمه الله عن أخيه عن أبي محلم مثل رواية ثعلب وزاد فيها: قال أبو محلم: جمانة ابن جرير بن عبد ثعلبة بن سعد بن الهجيم، وهم أخوال دلهم هذا الممدوح. ودلهم من بني لأي ثم من بني يزيد بن هلال بن بذل بن عمرو بن الهيثم، وكان أحد الشجعان، وهو قتل الضحاك بن قيس الخارجي بيده مع مروان بن محمد ليلة كفرتوثا.

أيها القلـب لا أراك تـفـيق

 

طالما قد تعلقتك العـلـوق

من يكن من هوى حبيبٍ قريباً

 

فأنا النازح البعيد السـحـيق

قدر الحب بيننا فالـتـقـينـا

 

وكلانا إلى اللقاء مـشـوق

الشعر لعمر بن أبي ربيعة وقد مضت أخباره. والغناء في اللحن المختار لبابويه الكوفي خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه أيضاً لمخارق خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشامي. وفيه لعلويه رملٌ بالبنصر عنه وعن الهشامي. وبابويه رجل من أهل الكوفة قليل الصنعة، ليس ممن خدم الخلفاء ولا الأكابر، ولا أعلم له خبراً فأذكره.

من القلب أضحى بكم مستهاما

 

خائفاً للوشاة يخفي الكـلامـا

إن طرفي رسول نفسي ونفسي

 

عن فؤادي تقرا عليك السلاما

لم يقع إلينا قائل الشعر فنذكر خبره. والغناء لرياض جارية أبي حماد خفيف ثقيل بالوسطى. وكان أبو حماد هذا أحد القواد الخراسانية ومن أولاد الدعاة، وكان يعاشر إسحاق ويبره ويهاديه، فأخذت رياض عنه غناءً كثيراً، وكانت محسنةً ضاربةً كثيرة الرواية، وأحب إسحاق أن ينوه باسمها ويرفع من شأنها، فذكر صنعتها في هذا الصوت فيما اختاره للواثق قضاءً لحق مولاها. وليس فيما قلته في هذا لأن الصوت غير مختار ولكن في الغناء ما هو أفضل منه بكثير ولم يذكره، وقد فعل ذلك بجماعة ممن كان يوده ويتعصب له مثل متيم وأبي دلف وغيرهم. ومن يعلم هذه الصناعة يعرف صحة ما قلناه. وماتت رياض هذه مملوكةً لمولاها لم تخرج من يده ولا شهرت ولا روي لها خبر.

راح صحبي وعاود القلب داء

 

من حبيبٍ طلابه لي عنـاء

حسن الرأي والمواعيد لا يل

 

فى لشيء مما يقول وفـاء

من تعزى عمن يحب فإنـي

 

ليس لي ما حييت عنه عزاء

أم عثمان قد قتلـت قـتـيلاً

 

عمد عينٍ قتلته لا خـطـاء

لم يقع إلينا قائل هذا الشعر فنذكره. والغناء لنافع بن طنبورة، ولحنه المختار خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفي هذا الشعر لحنٌ لعبد الله بن طاهر ثاني ثقيلٍ من جيد صنعته، وكان نسبه إلى لميس جاريته، وله خبر سنذكره في أخباره إذا انتهينا. وكان نافع بن طنبورة يكنى أبا عبد الله، مغٍّن محسنٌ من أهل المدينة، حسن الوجه نظيف الثوب، يلقب نقش الغضار لحسن وجهه. وجعلته جميلة في المرتبة، لما اجتمع المغنون إليها، بعد نافع وبديح وقبل مالك بن أبي السمح. وغناها يومئذ:

يا طول ليلي وبـت لـم أنـم

 

وسادي الهم مبطنٌ سقـمـي

أن قمت يوماً على البلاط وأب

 

صرت رقاشاً فليت لـم أقـم

فقالت جميلة: أحسنت والله يا نقش الغضار ويا حلو اللسان ويا حسن البيان!. ولم يفارق ابن طنبورة الحجاز ولا خدم الخلفاء ولا انتجعهم بصنعة فخمل ذكره.

عتق الفؤاد من الـصـبـا

 

ومن السفاهة والـعـلاق

وحططت رحلي عن قلـو

 

ص الغي في قلص عتاق

ورفعت فضـل إزاري ال

 

مجرور عن قدمي وساقي

وكففت غرب النفس حت

 

ى ما تتوق إلى متـاق

الشعر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. والغناء لابن عباد الكاتب. ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل، وقيل: إنه لغيره.