دور الجمعيات التعاونية في النهوض بالريف المصري

دور الجمعيات التعاونية في النهوض بالريف المصري

د. حسن بغدادي

وزير الاصلاح الزراعي التنفيذي

مقابلة نشرت في حزيران / يونيو 1961 ، العدد الثامن ، الرائد العربي

وجهت مجلة ” الرائد العربي ” الى الدكتور حسن بغدادي وزير الاصلاح الزراعي التنفيذي في الاقليم المصري طائفة من الاسئلة حول الجمعيات الزراعية التعاونية وأثرها في حياة الاقليم الجنوبي في الجمهورية العربية المتحدة ، فأجاب عليها بما يلي :

هل حقق التعاون الزراعي أهدافه في المجتمع الريفي ؟ وهل نجح نظام المزارع التعاونية ؟ .

ليس من شك ان النظام التعاوني الزراعي في جمهوريتنا قد حقق أهدافه . فعندما تولت الجمعيات التعاونية مهمة تنفيذ سياسة الدولة للعمل على زيادة الانتاج الزراعي اعتبرت عوامل الانتاج وحدة لا تتجزأ ، وصارت مهمة الجمعية الاشراف على العمليات الزراعية المختلفة في منطقة عمل الجمعية ، اشرافاً عملياً فعالاً . فهي تقوم بتوريد البذور والتقاوى المنتقاة للاعضاء من احسن صنف يوجد في منطقة عملها ويعطي اكبر محصول واحسن صنف او رتبة او تصافي ، وترشد الاعضاء عن أنسب مواعيد الزراعة وطرقها ، وغير ذلك من العمليات الزراعية ، كما تحضر للاعضاء الاسمدة المناسبة بالكميات الكافية وفي المواعيد الملائمة ،و تشتري الجرارات والآلات اللازمة لخدمة الارض بانتظام . وتقيم المراوي الجديدة عند الحاجة وتنشيء المصارف اذا لزم الامر . وتقوم كذلك بتطهير الترع والمساقي والمصارف الموجودة . كما تقوم الجمعيات بمقاومة الآفات والحشرات والامراض النباتية بأحدث الطرق الفنية باستعمال احدث المبيدات الحشرية والفطرية . كل هذه العمليات التي ترتبط بها عوامل الانتاج أدت الى زيادة المحصول وزيادة الدخل . ومن الاحصاءات الموجودة لدينا يظهر بوضوح ان المالك الجديد قد ارتفع مستواه المادي وزاد انتاجه سنة بعد اخرى . فبينما كان متوسط انتاج الفدان عام 1955 حوالى 3.5 قنطاراً من القطن ، بلغ عام 1959 حوالى ستة قناطير . وهناك بعض اراضي الاصلاح الزراعي بلغ فيها متوسط انتاج الفدان 10 قناطير . ومع هذا الارتفاع في الانتاجية زاد دخل الفلاح زيادة لا بأس بها اطلاقاً . فقد كان متوسط دخل الفلاح من الفدان قبل صدور قانون الاصلاح الزراعي لا يزيد عن 10 جنيهات ،اصبح متوسط الدخل من الفدان بعد صدور القانون 38 جنيهاً . ويرجع هذا الارتفاع الى اسباب كثيرة أذكر منها ان الفلاح كان يدفع قيماً ايجارية عالية عندما كان يستأجر الارض قبل القانون ، ولم تكن حينها قوانين تنظم العلاقة بين مالك الارض ومستأجرها ، فأصبح الفلاح الآن ، وبعد ان ملك الارض ، لا يؤدي عن ارضه سوى قسط تمليك متواضع القيمة ، خاصة بعد صدور القانون الاخير الذي حدد اجل تقسيط ثمن الاراضي الموزعة ، باربعين عاماً وبفائدة بسيطة قدرت على أساس 1.5 % من ثمن الارض . والى جانب ذلك أمكن للجمعيات التعاونية للاصلاح الزراعي تنفيذ الدورة الزراعية بنجاح تام، وذلك بأن وزعت الملكية على الفلاحين في ثلاث قطع متقاربة تقع كل قطعة في احد اجزاء الدورة . وبذلك تمكن الفلاح الصغير الذي يملك بين ثلاثة وخمسة أفدنة ان يتعاون مع زملائه في تخصيص مساحات متسعة للقطن والقمح ، وبهذا أمكن العمل على زيادة الانتاج باستخدام الآلات وغيرها من العمليات التي تحتاج الى مساحات متسعة للقيام بها ، وأمكن تنفيذ نظام الدورة الزراعية في قرية نواج فنجحت التجربة نجاحاً تاماً ، مما أدى الى رفع منسوب انتاج القطن فيها فبلغ متوسط انتاج الفدان بعد هذه التجربة 8.7 قنطاراً ، بينما كان كان متوسط انتاج الفدان في السابق 6.8 قنطاراً . وبذلك ثبت ان الجمعيات التعاونية هي الهيئة الوحيدة في الدولة التي يمكن بواسطتها تنفيذ السياسة الزراعية الجديدة المتمثلة بتجميع الاستغلال الزراعي .

تقوم الجمعيات التعاونية ، الى جانب ذلك ، بتسويق محاصيل الاعضاء تعاونياً . والغرض من ذلك هو ضمان البيع بأسعار مرتفعة وتأمين دخل مجزي للمنتج الزراعي . وقد أقبل الفلاحون على نظام التسويق التعاوني اقبالاً كبيراً والدليل على ذلك ان الكميات التي تم تسويقها تعاونياً في بداية هذا النظام عام 1953 لم يزد عن 27666 قنطاراً من القطن ، بينما بلغت الكمية التي تم تسويقها عام 1959 ، 398705 قنطاراً وفي عام 1960 تم تسويق 442855 قنطاراً .

تهتم الجمعيات التعاونية كذلك بالناحية العمرانية . فقد قامت حتى آخر سنة 1959 ببناء 1796 مسكناً للفلاحين و161 منزلاً للموظفين و101 مخزناً للمحاصيل و95 مأوى للري . وقد بلغت تكاليف هذه المشاريع 1193413 جينهاً . وتوالي هذه الجمعيات جهودها في الميدان العمراني عن طريق بناء دور الجمعيات التعاونية والنوادي الريفية والمساجد وغير ذلك .

تقوم الجمعيات التعاونية في مناطق الاصلاح الزراعي بتوزيع فائض الانتاج على الفلاحين المشاركين ، وهو دخل الفلاح الصافي من أرضه بعد حسم كل المصاريف ، أي الفرق بين ثمن انتاجه وما صرف على هذا الانتاج . ويتراوح الفائض عن الفدان الواحد في بعض الجمعيات التعاونية بين 40 و 75 جينها . كما تقوم الجمعيات ايضاً بتوزيع العائد على اعضائها وهو نسبة من ربح الجمعية الصافي في نهاية العام . ويوزع هذا العائد على الاعضاء بعد صدور الميزانية السنوية بنسبة معاملاتهم مع الجمعية من دون النظر الى رأس المال .
هذا موجز لبعض ما تقدمه جمعياتنا التعاونية . وليس هناك من ينكر ان نظامنا التعاوني قد حقق الكثير من اهدافه وقطع شوطاً بعيداً وحقق نتائج باهرة .

اما في ما يتعلق بالفقرة الاخرى من سؤالكم والتي تدور حول نجاح نظام المزارع التعاونية ، أستطيع ان أقول إن ما قصده الاصلاح الزراعي في جمهوريتنا بالمزرعة التعاونية انما هو امتلاك الفرد لقطعة ارض امتلاكاً كاملاً ومحددة الحدود ويحصل على ما تنتجه هذه المساحة المحددة . وجاءت صفة التعاون بعد ان ربط القانون انضمام الملاك الجدد الى جمعية تعمل عن طريق مجلس ادارتها بتحديد الخدمات التي تؤديها الجمعية. فالمزرعة التعاونية هي ملكية تبعث في نفس المالك كل الرغبة في ان يخدم ارضه لكي يحصل على أفضل محصول وأكبر كسب نتيجة لمجهوده وكده . وقد ثبت لنا ان نسبة الانتاج في هذه المزرعة الصغيرة تفوق نسبة الانتاج في المزرعة الكبيرة ، وبالتالي فان دخل الفلاح الذي يعتبر حجر الزاوية في تكوين مجتمعنا الريفي ، قد تحسن كثيراً . والآن ، بعد مرور تسع سنوات على تطبيق قانون الاصلاح الزراعي فاننا على يقين ان نظام المزارع التعاونية ، وهو نظام مستمد أساساٍ من بيئتنا وتقاليدنا ، قد نجح في جمهوريتنا نجاحاً كاملاً .

لماذا ارتبط التعاون بالاصلاح الزراعي ؟ .

صدر قانون الاصلاح الزراعي في جمهوريتنا كاملاً محتاطاً لكل شيء ، موضحاً الطريق بأن لا حياة للاصلاح الزراعي ما لم يظهر نظام تعاوني ثابت الأسس ، متين الاركان . ولم يكن الاصلاح الزراعي عملاً أساسه الاستيلاء على الارض وتوزيعها ، بل هو مشروع اجتماعي واقتصادي هدفه الاساس رفع مستوى الغالبية العظمى من الشعب والعمل على تأمين حياة كريمة للناس إجتماعياً وصحياً وثقافياً وعمرانياً . فالتعاون نظام اقتصادي هدفه رفع مستوى المعيشة بين افراد الشعب . ومنبع التعاون الاصيل هو حاجة الافراد الى خدمة مصالحهم الاقتصادية وتحسين احوالهم الاجتماعية عن طريق الاشتراك الاختياري المبني على تبادل المنفعة والمساواة فيما بينهم .

وعندما صدر قانون الاصلاح الزراعي في الاقليم الجنوبي من جمهوريتنا نص على ان تستولي الحكومة على الاراضي التي تزيد عن 200 فدان ، على ان توزع هذه المساحات المستولى عليها على صغار المزارعين الذين لا يملكون ارضاً حتى تتكون لكل منهم ملكية زراعية من فدانين الى خمسة افدنة . ولقد تنبه المشترع الى ان تنفيذ هذا القانون قد يؤدي الى انخفاض في الانتاج الزراعي الى درجة قد تؤثر على الاقتصاد القومي، وان توزيع هذه الارض على صغار المزارعين قد يؤدي الى الفشل لو ترك كل فلاح في قطعة ارضه الصغيرة من دون معونة او رعاية ، وقد يؤدي الى النجاح اذا ما تحققت للفلاح انواع الرعاية الواجبة و اللازمة . لذلك نص القانون على تكوين جمعيات تعاونية ممن آلت اليهم الارض المستولى عليها في القرية ، وممن لا يملكون اكثر من خمسة افدنة . وقد لجأت الحكومة الى الاستعانة بنظام الجمعيات التعاونية حتى لا يؤدي تفتيت الملكيات الكبيرة وتوزيعها وحدات صغيرة على الفلاحين الى انهيار في الكيان الاقتصادي للدولة بفعل انخفاض الانتاج الزراعي . فالمجهود الفردي لا يمكن ان يحقق شيئاً كثيراً في ميدان الزراعة . من هنا كان لا بد للدولة او القطاع العام من التدخل لوضع الاسس السليمة للنهضة الزراعية الشاملة وتنفيذها . فالجمعيات تقوم بتوفير كافة امكانيات الاستغلال الزراعي للفلاحين ، كما تقوم برعاية الفلاح كمواطن شريف وكأنسان له حق معلوم في مرافق الاسكان والعلاج والتعليم والتكافل الاجتماعي بأنواعه .

ما هي الخطة الجديدة المرسومة لتطبيق النظام الزراعي التعاوني على أوسع نطاق ؟ .

أصبح النظام التعاوني الزراعي الآن نظاماً راسخاً تعتمد عليه الدولة اعتماداً تاماً في تنفيذ سياستها الاقتصادية – الاجتماعية . فقد كان لتطبيق هذا النظام في مناطق الاصلاح الزراعي أثر كبير في زيادة الانتاج ، وبالتالي زيادة دخل الفلاح ورفع مستوى معيشته . وأصبح النظام التعاوني الزراعي الاداة الفعالة التي تحمي المجتمع من رأس المال ، خاصة في الريف . كما انه يحمي ملكية الفلاح ويعمل على تنمية انتاجها الزراعي . وخطتنا الجديدة المرسومة هي التوسع في تطبيق هذا النظام حتى تكون هناك جمعية تعاونية في كل قرية تقوم على خدمة اعضائها وامدادهم بكل حاجياتهم ، والعمل على استقرار احوال الفلاحين ورفع مستواهم الاجتماعي والاقتصادي .