دعايتنا  السياحية بدائية

دعايتنا  السياحية بدائية

الدعاية الحقة .. أريج الحقيقة لا أصباغها

بقلم رئيس التحرير

نشر المقال في آب / اغسطس 1961 ، العدد العاشر ، الرائد العربي

في طليعة الاسباب التي تمنعنا من الافادة إفادة كاملة من الامكانات السياحية في بلادنا العربية ، المفهوم البدائي الذي يحيط بكلمة ” سياحة ” . ولا يقتصر هذا المفهوم البدائي ، مع الاسف ، على المواطن العادي في بلد عربي معين ، بل انه يشمل غير المواطن العادي ايضاً ، وينتشر في أكثر من بلد عربي . وبوسعنا ان نستنتج من دراسة الانتاج الدعائي الذي نقدمه في البلاد العربية ان دعايتنا السياحية تشوبها افكار بدائية . فما هي السياحة وما هو الاسلوب الصحيح لخدمتها . إن كلامنا الآن ليس إحاطة كاملة بهذه الافكار ، لكنه مجرد عرض لنماذج منها .

الفكرة الاولى هي التي تقول ان الدعاية السياحية تعني وصف بلادنا للعالم على انها جنة ليس فيها إلا الجمال والسحر والرقي . ففي هذه الفكرة نعامل السائح على انه شبه ضحية ومن واجب الدعاية ان تغرر به وتخدعه. انها فكرة بدائية مئة بالمئة . اولاً ، لأنها تعتمد سلاح الكذب ، وهو سلاح مغلول . وانها ، ثانياً ، تخاطب العالم وكأن هذا العالم عاجز كل العجز عن معرفة الحقائق بوسائل اخرى غير وسائلنا الدعائية . ولأنها ، ثالثاً ، غير دائمة الربح ، بل ربما تتمكن من تحقيق ربح قصير المدى .

الفكرة البدائية الثانية التي تطغى على دعايتنا السياحية هي فكرة المبالغة في تصور السائح الاجنبي على انه مخلوق عاطفي مستعد للتجاوب تجاوباً مطلقاً وغير مشروط مع تغزلنا التقليدي بمحاسن حياتنا ومدننا وقرانا ، لا سيما تلك المحاسن ذات العلاقة بالذكريات الشعبية المحلية الخاصة او بالحياة الفلكلورية العربية الصرفة . فالبعثات التي ارسلناها التي الخارج بقصد الدعاية السياحية لبلداننا ، لا سيما لنا في لبنان ، كانت في أغلبها مؤلفة من أهل الفن والغناء والرقص الخ.. وكانت هذه البعثات تخاطب مغتربينا في الخارج وتخاطب الاجانب مخاطبة عاطفية بحتة ترتكز على مبدأ استخراج القوة من صميم الضعف . ونعني بذلك ان نتغنى ” بعين القرية ” و درب العين ” وجرار الماء والحسان اللواتي ينقلن الماء من العين الى بيوت اللبن . إن مثل هذا التغني يصورنا ، خاصة للسائح الاجنبي ، ان قرانا كلها قرى ليس فيها ماء شفة ، وان حياتنا الاجتماعية من التخلف بحيث تحتم على المرأة العربية ان تقوم بمهمة ، قضى عليها الزمن ، جلب الماء من العين في جرار تحملها على الرأس او على الاكتاف .

كذلك يكثر في زجلنا وفي شعرنا وغنائنا التغني بالعرزال . ونعتبر ذلك دعاية سياحية لبلدنا ، مع ان العرزال لا يحمل بالنسبة الى السائح الاجنبي الا صورة مشوهة عن واقع حياتنا وكأن منازلنا بدائية لا تتوفر فيها شروط الصحة والراحة والهناء .

تكثر ، من جهة اخرى ، في الصور التي نقدمها كدعاية لبلادنا مناظر الجمال ، مثلاً ، وهي التي اذا عنت شيئاً بالنسبة لتراثنا العربي ذي العلاقة العاطفية الحميمة بالصحراء ، فانها لا تعني شيئاً للسائح الاجنبي الذي قد يرى في استخدام الجمال نوعاً من الدليل على انعدام الطرق المريحة ووسائل السفر الحديثة .

من الصعب ، بل من الخطأ إنكار جاذبية هذه الوسائل البدائية لبعض الناس ، خاصة لمغترب شاخ في الخارج وما زال يحلم بطفولة سادتها صور الماضي من جرار العين وبيوت الطين وجمال الصحراء . إلا انها تشكل شذوذاً عن القاعدة . فالقاعدة تدعونا لتصوير واقعنا الحالي وحياتنا الجديدة المتمثلة بدلائل اليسر والتقدم والحياة المريحة والبيوت الجميلة والفنادق الفخمة التي تجذب السائح، والوعد بسياحة تتجاوب مع ما تعود عليه في بلده .

الفكرة الثالثة المكونة لهذا المفهوم البدائي للسياحة ، فكرة ” دع السائح يأتي وافعل بعد ذلك ما تشاء ” . فالنظرة السائدة اليوم هي نظرة النجاح في استقدام السائح أكثر مما هي نظرة النجاح في خدمته خدمة حسنة ، حتى اذا عاد الى بلده كان سفيرنا لمواطنيه يحثهم ، بما لاقاه في بلدنا من راحة وشاهده من حداثة ، على المجيء الينا من دون تردد او خشية . فالسائح العائد بفكرة جيدة وجميلة عن بلدنا هو أفعل اداة سياحية لنا واحسن مروج لمحاسن السياحة عندنا . فالسمعة السياحية لا تبنيها او تهدمها الكلمة المنمقة وانما تبنيها او تهدمها المعاملة الحسنة او غير الحسنة .

أما الفكرة الرابعة من الافكار البدائية ، التي هي ملتصقة بدعايتنا ، فهي الفكرة التي تميز بين السائح الذي يمر في البلاد مروراً سريعاً والسائح الذي يأتي ليقضي في البلد اجازة طويلة . وينتج عن مثل هذا التمييز الالتفات ، التفاتاً أكثر مما عندنا الان ، للشروط الواقعية والعملية التي يجب ان نوفرها للسائح . فبقدر ما ندل السائح على وجود هذه الشروط ، وبقدر ما نصدقه الخبر في الموضوع ، نكون قد اجتذبنا الى بلدنا ذلك النوع من السياح المفروض بنا ان نسعى بجهد الى اجتذابهم . وفي معرض التمييز بين السائح العابر والسائح المقيم يجدر بنا ان نتذكر ان السياحة في الوقت الحاضر لم تعد ما كانت عليه في الماضي ، هواية الاثرياء المتخمين، بل أصبحت حاجة يمارسها جزء كبير جداً من ابناء الطبقات الوسطى .

هذه الافكار التي تحدثنا عن بدائيتها في مقالنا لا يشاركنا فيها  الجميع ولكنها افكارتتبناها الاكثرية الكبيرة من المعنيين بأمر السياحة . غير ان وجود أقلية تعتبر هذه الافكار افكاراً بدائية في فهم السياحة وشروطها ، يبشر بأن البلاد العربية مقبلة على دخول مرحلة جديدة من مراحل الوعي لهذه القضية ، تتميز بالنظر الى السياحة على انها صناعة ، ككل الصناعات ، لها قوانينها الموضوعية وشروطها العملية وأساليبها الخاصة . ولن يكون للسياحة العربية المستقبل المرجو ان لم تخطو خطوات متناسبة مع الامكانات السياحية الهائلة في البلاد العربية وتحول السياحة من ” حرفة ” الى صناعة رابحة . ويجب ان يشارك في هذه الخطوة الجميع ، من مسؤولين واخصائين ومعنيين ورجال اقتصاد ومال الخ ..

ولنتذكر ان الدعاية عمل متجدد بشكل دائم ، مهمتها مخاطبة العقل المتطور مع الزمن ونجاحها يتوقف على قدرتها في قراءة المستقبل ، حتى عندما تستحضر الماضي المغلف بلباس الحاضر .