خواطر سياحية

خواطر سياحية

د. امين احمد الشريف

نشر النقال في آب / أغسطس 1961 ، العدد العاشر ، الرائد العربي

من الناس من يولد وحب الاسفار يسري في عروقه ، ومنهم من يقتنع من دنياه بعالم لا يتعدى مبلغ سمعه ومرمى بصره . وبين هذا وذاك سواد من بني البشر يصيبون من المتعة بمعالم الدنيا ما يستطيعون اليه سبيلاً.

الناس ، في معظمهم ، ميالون الى التنقل ، وذلك لما فطرت عليه النفس البشرية من رغبة الاستطلاع والتوق الى التجديد في ما تبصره العين وما تدركه الحواس . والسياحة اولى وسائل التعرف المباشر الى ما نجهله من معالم هذه الدنيا . لذلك ، فان اصالة هذه المعرفة لا تتأتى إلا بمقدار الاحاطة التي ينشدها المرء من ورائها . فالسياح ، لذلك ، اناس شتى ، منهم من يكتفي من السياحة بالابتعاد عن عالمه طلباً للراحة في مكان جديد ، ومنهم من يرى في رحلته وسيلة لتوسيع آفاقه واستيعاب أكبر قسط من المتعة عن طريق الايناس الى خير ما في محيطه الموقت الجديد من حضارة وجمال .

السائح الواعي ، اذن ، يشكل في التحليل النهائي خير قاسم مشترك بين شعوب الارض ، ذلك لان المعرفة الوطيدة بين الامم لا يمكن لها ان تتم عن غير طريق التعامل المباشر الطويل الامد . ولقد أتاحت لي ظروف الحياة ان أقوم برحلات متعددة الى أصقاع مختلقة من هذه الارض ، تبلورت لدي من خلالها بعض افكار سأحاول سردها ، مستهدفاً في ذلك السائح الواعي الذي أشرت اليه ، والذي تكونت لديه الرغبة في استخلاص اكثر ما يمكن له استخلاصه في تجواله من متعة وفائدة وخبرة .

من البديهي ، في المقام الاول ، ان مقدرة المرء على استيعاب ما يحيط به من المعالم ، رهينة بسعة مداركه. فكلما أصاب المرء حظاً رفيعاً من الثقافة ، كلما ازداد تفهماً لما يعرض امامه ، وأمعنت عينه في الانتقال من آلية النظر الى مقام الرؤية ، والبون بين الاثنين شاسع ، إذ ان النظر لا يعدو تسجيلاً بصرياً لشكل الاشياء وألوانها وحركتها . اما الرؤية فهي محاولة الوصول الى كنه الاشياء عن طريق تذوق ما تبصره العين وتفهمه ، ومن ثم وضعه في اطاره الخاص ، سواء كان هذا الاطار تاريخياً او جغرافياً او فنياً او جمالياً . والعين التي تكتفي بالنظر قد لا تفرق بين اعمدة الكرنك واعمدة جرش ، او بين قلعة الحصن وقلعة حلب . اما العين التي ترى وتحاول الربط بين هذه وتلك من الناحية الزمنية ، والمقارنة بينها من الناحية الفنية او المعمارية ، مما يجعلها تزيد رسوخاً في الوعي ، فترتفع عند ذاك من مضمونها الحجري الجامد لتصبح وكأنها صفحة من سفر التاريخ . وما يصدق عن الاعمدة والقلاع يصدق ايضاً عن الانتاج البشري في عوالم الرسم والموسيقى والرقص والمسرح والفنون المختلفة الاخرى .

لا بد للسائح الواعي من برنامج اجمالي عام يضعه نصب عينيه قبل شروعه في رحلته تاركاً فيه مجالاً لتكييفه بعد وصوله ، وبحسب الاحوال المحلية التي لا يمكن التكهن بها من قبل في تفاصيلها الدقيقة . ولبلوغ هذه الغاية ، فانني أعمد دائماً الى الحصول على كل ما يمكن الحصول عليه من معلومات عن الاماكن التي أنوي الرحيل اليها ، وذلك لإزالة عامل المفاجأة من حساب الرحلة ، على قدر الامكان . ولدى مكاتب السياحة والقنصليات العامة والمكتبات التجارية فيض من هذه المعلومات على شكل كراريس وخرائط وصور فوتوغرافية وأدلة سياحية عامة تمكن كلها من رسم المخطط العام للرحلة ، وتجعل السائح على بصيرة من أمره في ما هو مقبل عليه . واذا تعذر محلياً الحصول على المعلومات المبتغاة ، فالكتابة الى مصلحة السياحة في البلاد المنوي زيارتها كفيلة باشباع الرغبة والرد على ما قد يعن على البال من أسئلة وتساؤلات .

فالسائح الواعي ذو قابلية لتكييف نفسه حسب محيطه الموقت الجديد ، إذ ان الاستفادة من هذا المحيط والمتعة به تتناسبان مع مقدار ما يمكن تحقيقه من انسجام بين السائح وبيئته . ومما لا شك فيه ان المرء يجد كثيراً من الامور التي لا يألفها في كل بلد جديد يحل فيه ، وسيرى انا الفرق بين المتعة وعدمها ينحصر في مرونته ومقدرته على تكييف نفسه .

لا مندوحة للسائح الواعي من دليل سياحي موثوق لما يزوره من بلدان او معالم . وقد يمكن ابتياع هذا الدليل قبل ان يترك السائح بلده . ومثالنا على ذلك مجموعة الكتب المسماة ” الدليل الازرق ” والتي تشمل اجزاؤها الكثير من دول العالم وتحوي من المعلومات الاساسية ما لا غنى عنه . وقد تبدو هذه الكتب مرتفعة الاثمان لأول وهلة ، إلا انها لا تشكل في الحقيقة الا الجزء اليسير جداً من ميزانية السائح ، فضلاً عن انها تعود عليه بفائدة تبلغ اضعاف ما يدفعه ثمناً لها . ففي السياحة ، كما في غيرها من مجالات الجهد البشري ، لا يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون .

السائح الواعي يحاول اكتشاف معالم الجمال في ما يراه من روائع الهندسة او الفن او الطبيعة . فالعين البشرية ، والنفس من ورائها ، تتعودان شيئاً فشيئاً استجلاء الجمال كلما زاد تعرضهما له واحتكاكهما به فتنشأ، ثم تترعرع ، لدى المرء ملكة الحكم السليم على القيمة الجمالية لما يشاهده من صنع الطبيعة او ابداع الانسان .

عامل الزمن امر في غاية الاهمية عند وضع مخطط سياحي . فالسائح الواعي يعطي لنفسه الوقت الكافي من دون ان يحاول ،  اذا ما  اضطره الوقت القصير، الى مشاهدة كل شيء في أقصر وقت ممكن . فخير له ان يشاهد بعض ما في البلاد التي يزورها من معالم ، بدل من ان يمر على كل شيء مرور السحاب . وما من شيء يحفظ ذكريات رحلة جميلة حية كالصور الفوتوغرافية ، سواء كان مصدرها ما يمكن ابتياعه او ما يلتقطه بنفسه ، وهذ أفضل بكثير . فالصور الفوتوغرافية الملونة وسيلة جيدة لننقل ما نراه بشكل أدق بكثير مما يمكن للذاكرة ان تعيه . واذا عمد المرء الى جمع هذه الصور في مجموعات خاصة بكل بلد زارها او بكل رحلة قام بها ، كان في ذلك ما يطيل امد التمتع بما قدر له ان يرى . وثمة مزية اخرى للتصوير الفوتوغرافي ، اذا كان المرء من هواته ،هو تعويد العين بالممارسة على ما يمكن ان نسميه بالنظرية التحليلية التي تؤدي الى معرفة اختيار الزوايا لابراز منظر معين في أبهى حلله والتي تستطيع التفريق بين مختلف اتجاهات الاضاءة من جانبية وخلفية وامامية .

السياحة الواعية مزيج من خبرة وتبصر . وكلما امعن المرء فيها كلما ازداد معرفة بهذا العالم ، وكلما اتسعت افاق تفكيره ومدارات ادراكه .