خطة التنمية الاقتصادية الخمسية في الاقليم السوري

خطة التنمية الاقتصادية الخمسية في الاقليم السوري

د. محمد دياب

دكتوراه اقتصاد – مستشار وزارة التخطيط في سورية

نشر المقال في تشرين الثاني / نوفمبر 1960 العدد الاول من مجلة الرائد العربي

غالباً ما يتطلع الانسان نحو تحقيق مستوى معيشي لائق ويجهد في سبيل الحصول على هذا المستوى . لذلك أصبح من أهداف أي مجتمع سياسي ان يحقق مستوى حياتياً جيداً لإفراده ، وذلك بتيسير السبل لتعبئة الطاقات وارشادها وتوجيهها لخلق سلع وتقديم خدمات تسهم في رفع مستوى حياة الافراد .

إن إنتاج بلد ما ، معبراً عنه بالدخل الذي يتمتع به افراده ، يتأثر بعوامل عديدة أهمها الايدي العاملة ورأس المال الانتاجي والثروة الطبيعية والبيئة الاجتماعية والسياسية والفنية السائدة في هذا البلد والاحوال المناخية التي يتعرض لها . ولا يمكن لأي اقتصاد ان ينمو او اي إنتاج ان يتحسن ما لم تزد احجام هذه العوامل وترتقي مستوياتها .

إن قيم المتغيرات الاقتصادية في أي وقت من الاوقات هي وليدة تراكم نموها على مر السنين . فإعداد الايدي العاملة و رفع مهاراتها هي حصيلة ما بذل من جهد بشري وعاطفي طوال سنوات عديدة وضمن برنامج دقيق محدد الاهداف . يضاف الى ذلك ما منحت هذه الايدي من علم وتدريب للاستفادة من طاقاتها الكامنة والقوى المحيطة بها .أما رأس المال الانتاجي فهو ما تراكم من مدخرات المجتمع المقتطفة من الدخل القومي على مرور الزمن لإستثمارها في تقوية الطاقة الانتاجية . وأما الثروة الطبيعية فهي ما وهبته الطبيعة لبلد ما من سهول وأنهار وجبال واودية ، ومن كنوز دفينة ومزايا مناخية . لكن الثروة الطبيعية ليست قيمة ثابتة . فالرقعة الزراعية يمكن لها ان تتسع اذا استفيد من توبوغرافية الارض ومواردها المائية . والتربة تخصب وتزداد انتاجاً اذا سمدت . والكنوز الدفينة تصبح كنوزاً بحق وحقيقة اذا إكتشفت واستنبطت . وقد عرفت المجتمعات منذ الازل إتساعاً في ثروتها الطبيعية بفضل ما بذل من جهود انسانية كبيرة وما صرف من موارد مالية واقتصادية بالغة . اما الاحوال المناخية فلم يتمكن الانسان ، رغم ما أحيط به من علم ، ان يتحكم بها .

لقد خطت سوريا في السنوات العشر الماضية خطوات تدعو الى الفخر في مجالات الاقتصاد شهد لها بها كثير من الخبراء العالميين ، رغم ما واجهته من اهتزاز سياسي واقتصادي . فقد  أتصف الاقتصاد السوري خلال هذه الحقبة من الزمن بحرية العمل في ظل نظام اجتماعي – اقتصادي يفتقر الى الكثير من الاسس الناظمة للانتاج وتوزيع الدخل والثروة مما أدى الى  هدرقسم لا بأس به من الطاقة الانتاجية وأثر في حياة الناس . واتصف الاقتصاد السوري هذا بأنه اقتصاد زراعي بالدرجة الاولى ، مع ما يعتري مثل هكذا اقتصاد من هزات بسبب التقلبات المناخية التي تطرأ عليه وتفاوة هطول الامطار بين سنة واخرى . فالجدولان 1 و 2 يعطياننا فكرة تقريبية عن تطور الدخل القومي لسوريا خلال السنوات الست الماضية وتوزيعاته بين مختلف القطاعات والنشاطات الاقتصادية . والملاحظ ان الدخل الناتج في القطاع الزراعي ، والذي يشكل في السنين العادية اربعين بالمئة من الدخل القومي تقريباً ، قد إعترته هزات عنيفة ترددت آثارها في قطاعات التجارة والنقل والمواصلات .

جاءت الوحدة بين مصر وسوريا بروح جديدة لمفهوم  تملك الافراد للموارد الاقتصادية وحرية التصرف بها، روح تضع أسساً وطيدة في تعبئة وتنظيم وتنسيق كل الفعاليات الانتاجية ، يرجى منها استغلال موارد الاقليم السوري الاقتصادية إستغلالاً كاملاً كي ترفع دخله الى الضعف خلال السنين العشر القادمة .

إن أول خطوة من خطوات دراسة امكانيات الانماء الاقتصادي لبلد ما هي حصر احجام هذه المتغيرات الاقتصادية وقياساتها والتنبوء ما أمكن بالتبدلات التي قد تطرأ عليها بصورة آلية او بفعل بعض التدابير التي قد تتخذ بشأنها . فلا بد إذن لخطة انمائية واقعية من ان ترتكز على احصاءات دقيقة عن اعداد الايدي العاملة وانواعها ، والرأسمال الانتاجي وتوزيعاته ، والثروة الطبيعية المتوفرة وأصنافها ، والدخل القومي واستهلاكه، والمدخرات واستثماراتها ، وواردات الدولة ومصاريفها ، وصادرات البلد واستيراداته ، والسلع ودلالات انتاجها الخ..

بيد ان أحد مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي لسوريا هو ضعف أجهزتها الاقتصادية الفنية والفقر المدقع في المعلومات الاحصائية المفيدة ، الى أن جاءت وزارة التخطيط تضع برنامجاً واضحاً لتحري المعلومات واستقصاءها عن المتغيرات الاقتصادية الانفة الذكر . ويمكن القول ان ما وصلت اليه من نتائج يعد اولى ثمرات انشاء هذه الوزارة . ومع ذلك فهنالك فجوات كبيرة في المعلومات والاحصاءات المهمة مما يضطر معها الباحث الى اتخاذ فرضيات يعتقد بقرب حدوثها او تحققها اثناء قيامه بدراساته وتحاليله .

التخطيط هو رسم الطريق للوصول الى هدف معين . والخطة الاقتصادية هي مجموعة خطوات تعبر عن رغبة في تعبئة وتوجيه الموارد وصولاً الى غايات معينة بأسلم السبل واكثرها توفيراً في استهلاك هذه الموارد خلال فترة معينة من الزمن . إذاً لا بد لهذه الغايات أن تحدد، وهذه السبل ان تعدد ، ولفوائدها وتكاليفها ان تقيم . وقد يكون من غايات السياسة الاقتصادية الانمائية لبلد ما ان :

أ – يرتفع دخل افراده كمجموعة .

ب – ان يجري توزيع هذا الدخل بشكل عادل بين مختلف الطبقات الاجتماعية والمناطق الجغرافية .

ج – أن يؤتى بعمالة عالية النسبة .

د – ان يتحقق التوازن في ميزان التجارة الخارجية ، او إحداث وفر فيها

ه – ان تنشأ صناعات لاسباب سياسية او عسكرية .

و – ان يحدث بعض التنوع في الفعاليات الاقتصادية لتجنب الاعتماد الكلي او الجزئي على نشاطات قد تتعرض لتقلبات خارجة عن سلطة الالة الاقتصادية .

ز – ان تخلق طبقة كبيرة من المالكين لادوات الانتاج .

ليست هذه الغايات بالمتوافقة دوما. إذ قد يتضارب بعضها مع بعض . فالقيام ببعض المشاريع لاسباب عسكرية او سياسية مثلاً قد يمتص بعض الاستثمارات التى ، اذا ما وجهت لاغراض اخرى ، لارتفعت بالمجتمع الى مستويات أعلى من الدخل بمفهومه الاحصائي الاقتصادي . فتحقيق العدالة الاجتماعية ، مهما قصد باستعمال هذه الكلمة ، في توزيع الدخل والثروة قد ترفع بمعدل الاستهلاك الكلي للمجتمع . لكن ذلك قد يقلص من مجموع الادخار الذي يمكن استثماره في المشاريع الانتاجية . وكلما تقلص حجم الاستثمار كلما نقص معدل الزيادة في الدخل . فلا بد اذن من وضع مقياس او معيار يجمع بين هذه الاهداف الانمائية ويعطي لكل منها الاولوية او ألافضلية المطلوبة .

إن مفهوم الخطة الانمائية هو توزيع الاستثمارت على القطاعات الانتاجية المختلفة بشكل يعود بأكبر مردود بالنسبة لهذا المعيار . ولا بد من الاشارة هنا الى ان المخطط ينظر الى هذا التوزيع كجزئيات متكاملة ، أي أن عملية المفاضلة تكون بين مجموعة من المشاريع ومجموعة اخرى . فمعيار الافضلية يجب ان يطبق على مجموعة متناسقة من المشاريع وليس على أساس كل مشروع منفرداً ، إذ قد يكون هنالك تضارب بين الطريقتين . ولنعطي مثلاً على ذلك .

إن مشروع نقل السلع بين الجزيرة والفرات وحلب واللاذقية ، أي بين مراكز الانتاج ومراكز الاستهلاك والتصريف ، قد يتحقق بواسطة سكة الحديد او بواسطة السيارات الشاحنة . ولكن لكل واسطة خصائصها الفنية والاقتصادية . فالواسطة الاولى تتطلب رأسمالاً أكبر بكثير من الواسطة الثانية وبالتالي تستنفد قسماً أكبر من مدخرات المجتمع ومن موارده من القطع الاجنبي . لكن تكاليف النقل بالسكة الحديدية هي أقل منها من النقل بواسطة السيارات الشاحنة ، خصوصاً اذا  جرى احتساب تكاليف نقل الكميات المرتفعة بالطن الكيلومتري نظراً لأن السكة الحديدية تنقل كميات اكبر في رحلة واحدة . إذن ، ان سبل النقل بواسطة السكة الحديدية يحقق ارتفاعاً اكبر للدخل نسبة للاستثمار ، ولكنه يستنفد قسماً اكبر من مدخرات البلد ومن موارده من القطع الاجنبي بحيث يستحيل اجتزاء اي مبلغ كافٍ للقيام بمشاريع اخرى . لذلك ، فالوسيلة الثانية ، أي بواسطة الشاحنات ، قد تتيح فرصة أفضل للاستثمار في المشاريع الاخرى ، مما ينعكس زيادة في الدخل القومي الكلي أكثر مما ينتجه النقل بواسطة السكة الحديدبة . وارجو ان لا يفهم كلامي هذا أنني لا اوافق على مشاريع السكك الحديدية للاقليم السوري ، خصوصاً اذا كانت هذه المشاريع ستمول بقروض أجنبية مخصصة حصراً لها ولا يمكن تحويلها لتمويل مشاريع اخرى في هذا الاقليم .

إن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس 1960 / 1961 – 1964 / 1965 المقدمة من وزارة التخطيط كانت محاولة أولية مشكورة في تطبيق نظم التخطيط على تنمية الاقتصاد السوري . وككل محاولة اولية لا بد لها ان تتعثر وان يبقى أمامها شوط كبير لتبلغ درجة الكمال العلمي . إن خطة التنمية للاقليم الشمالي لم تكن خطة بالمفهوم العلمي عند تلامذة الاقتصاد ، بل هي تجميع لمشاريع انتاجية إعتقد بإمكانية تنفيذها في خلال فترة الخمس سنوات المقبلة . وهذا مرجعه الى ان الخطة وضعت في ظروف قاسية من حيث الوقت وعدد الفنيين الذين اشتركوا في اعدادها مما لم يتيسر معها القيام بدراسة وافية كافية للمشاريع الاخرى التي قد يمكن ان تنفذ  والتي بمقدور بعضها ان يشكل خطة مثلى لتنمية اقتصاد الاقليم السوري . بيد ان هذا لن ينتقص من فوائد الخطة ، إذ يكفي انها وضعت الخطوط العريضة لنمو الاقتصاد السوري في خلال السنوات العشر المقبلة وأثارت الوعي التخطيطي عند جميع فئات هذا المجتمع على مختلف المستويات. ولنأت على تلك الصورة التي رسمتها الخطة لاقتصادنا .

تهدف الخطة الى إستثمار مبلغ 2720 مليون ليرة سورية  خلال السنوات الخمس المقبلة في جميع القطاعات الاقتصادية المنتجة ، أكان ذلك في القطاع العام او في القطاع الخاص . وينتظر ان يرتفع  دخل الاقليم من 2400 مليون ليرة سورية في السنة الاولى الى 3360 مليون ليرة سورية في السنة الخامسة ، أي بزيادة قدرها   40 % . أما الفرد فقد قدر ان يزيد دخله من 527 ليرة سورية الى 656 ليرة أي بنسبة 24.50 % . لكن الزيادة المرتقبة هذه لن تأتي فقط نتيجة للاستثمارات الملحوظة في الخطة ، وإن كان بعض منها لن يتحقق الا بعد السنة الخامسة ، بل ايضاً نتيجة للموارد المالية المحققة من الاستثمارات السابقة لتنفيذ الخطة الخمسية والتي من المتوقع ان تعطي ثمارها اثناء السنوات الخمس المقبلة .

بلغت الاستثمارات المتوقعة و الهادفة الى زيادة الطاقة الانتاجية الزراعية ، أكان ذلك في مجالات الري او استصلاح الاراضي وتحسين الزراعة او تحديث طرق النقل والمواصلات لتصريف الانتاج ، حوالى 60 % تقريبا من مجمل الاستثمارات ( راجع الجدول رقم 3 ) ، أي أن السياسة الانمائية لسوريا تهدف الى وضع اسس نهضة زراعية شاملة خلال السنوات العشر المقبلة وسترسو القاعدة التي سترتكز عليها الصناعة في نهضتها المنطلقة خلال السنوات العشر التي تليها .

يعطينا الجدول رقم 4 فكرة عن تطور المساحات المزروعة قمحاً وشعيراً وقطناً ومجمل انتاجها في سنة الاساس وفي السنة النهائية للخطة . ومما نلاحظه ان الثلاثمئة الف هكتار التي كانت تزرع قمحاً وشعيراً في المنطقة الجافة ستتحول الى مراع  ، وان االخمسمئة الف هكتار التي كانت تزرع قمحاً في المنطقة نصف الجافة الاولى ستحول الى زراعة الشعير . ومما يجدر ذكره ايضاً ان الخطة قد شددت باهتمام كبير على التنمية الرأسية في زيادة غلة الارض . فالجدول رقم 5 يدلنا على الزيادة المتوقعة في السنة الخامسة والناتجة عن التنمية الرأسية فقط . فمعدلات الزيادة المفترضة عالية النسبة ، خصوصاً في ما يختص بالقمح . ومما يشير الى ضرورة التأكد من صحتها ، حتى اذا ثبت تحقيقها ، ان الجهود قد وجهت باتجاه هذه الناحية لأن معامل الناتج لرأس المال عالٍ جداً .

كذلك خصص للصناعة مبلغ 509 ملايين ليرة سورية . وسينفق معظمها على الكهرباء والتعدين والبترول والسماد الآذوتي والدخان ، وهي صناعات لا بد ان تقوم الدولة بتنفيذها وادارتها ، إما لأنها تتطلب اموالاً كبيرة او لان ظروفاً معينة  قدلا تشجع مشاركة الرأسمال الخاص بها . أما باقي الاستثمارات فستذهب الى المشاريع الاخرى مثل التعليم والصحة والمرافق العامة والاسكان وسواها .

قدر مجمل الدخل القومي الصافي خلال السنوات الخمس بـ 14725 مليون ليرة سورية والاستهلاك الحكومي والخاص ب 12785 مليون ليرة سورية . وعليه سيبلغ الادخار 1950 مليون ليرة . وهذا يعني انه للقيام بالمشاريع المعتمدة في الخطة لا بد ان يكون صافي التقديمات المالية من العالم الخارجي حوالى 770 مليون ليرة سورية . ومن المنتظر ان تقدم حكومة الاتحاد السوفياتي القسم الاكبر من هذا التمويل الخارجي .

إن كل خطة إنمائية ان تجتاز ، كإفتراض علمي يجب ان يؤخذ بالاعتبار ، اختبارين نظريين : الاول اختبار التوازن او التوافق  test of consistency   والثاني هو اختبار الأمثلية اي test of optimality . فالاختبار الاول يعني ان ما قدر نظرياً لاقتصاد ما ان يصرفه من موارد مالية خلال فترة معينة من الزمن يجب ان يوازي ما هو متوفر لهذا الاقتصاد من دخل خلال المدة نفسها . فليس من المنطقي ان يصرف هذا البلد اكثر ما هو متاح له ان ينفق . فالموارد المتاحة لاي اقتصاد خلال فترة من الوقت هي مجموع ما انتجه وما استورده من سلع وخدمات والتي ستصرف على الاستهلاك الخاص والحكومي وعلى الاستثمار والتصدير. اي ان الانتاج الصافي + الاستيراد = الاستهلاك الكلي + الاستثمار الصافي + التصدير . واذا ما دققنا في الارقام التي توصلت اليها وزارة التخطيط لهذه المتغيرات خلال السنوات الخمس المقبلة لوجدنا أن :

            الانتاج الصافي     =  14735  مليون ليرة سورية

            الاستيراد          =  4025    مليون ليرة سورية

            الموارد المتاحة    = 18760   مليون ليرة سورية

            استهلاك كلي      = 12785  مليون ليرة سورية

            الاستثمار الصافي = 2720  مليون ليرة سورية

            التصدير          =  3800   مليون ليرة سورية

         المقدر صرفه من موارد =  19350 مليون ليرة سورية

ان هذه الارقام ليست متوافقة إذ ان ما قدر للاقتصاد السوري ان يستنفد من موارد هو أكثر مما أتيح له . وهذا راجع ، ولا شك ، الى خطأ نظري واحصائي في تقديرات الاستيراد وموارد النقد الاجنبي واستعمالاته . وكان من الممكن تفادي هذا الخطأ من الناحية الاحصائية على الاقل ، لو  توفر للباحثين دراسات كافية عن الحسابات الوطنية للاقتصاد السوري ، وجداول موازين السلع واستخداماتها تبين لكل مجموعة من السلع طريقة التصرف بها  وما استنفدته  من سلع وخدمات خلال عملية الانتاج .

اما الاختبار الثاني ، أي إختبار الامثلية فيعني ان السبل المقترحة للوصول الى مستويات معينة من أهداف الخطة لن تستنفد إلا أيسر قدر من الموارد الاقتصادية . وليس من السهل تطبيق هذا الاختبار المهم على الخطة الانمائية السورية لسببين : الاول، لأن الخطة لم تعدد أهدافها او جرى تقيمها ، وثانياً ، لأن الدراسات الفنية الاقتصادية لم تكتمل بعد ، إن لم نقل انها لم تبدأ بعد لعدد كبير من المشاريع التي يمكن للاقليم السوري القيام بها . وهذا نقص يجب ان يتداركه الاقليم السوري والا فقد التخطيط فيه مفهومه العلمي الايجابي المثمر. وقد يقول قائل بان حاجات سوريا الانمائية ملحة وواضحة لا تحتاج الى وضعها موضع الدرس وتحليلها وفق نماذج واساليب علمية معقدة . قد يكون هذا صحيحاً وقد لا يكون . انما يستحسن ان نجند العلم نصيراً لاراء قد تبدو للبعض من البديهيات .

قد يتساءل البعض عن قدرة الاقتصاد السوري ان يدخر ما قدر له ان يدخر وان يستثمر ما قدر له ان يستثمر وان يرتفع دخله القومي الى المستويات المرجوة . إن مجموع الادخار الصافي المقدر للسنوات الخمس المقبلة هو 1950 مليون ليرة سورية ، أي بنسبة 13 % من مجموع الدخل الصافي . وهذا معدل ليس بالقليل ، عدا أنه رقم مشؤوم  ! .أما نسبة الاستثمار مقارنة بالدخل فهو 18 % . وارتفاع هذه النسبة عن الاولى مرده الى افتراضنا ان مجمل الاستثمار الصافي سيزيد عن مجمل الادخار الصافي بمبلغ يصل الى 770 مليون لير سورية . وهوما ينتظر ان يأتينا من صافي التمويل الخارجي .

ومن سؤ الحظ ان ليس لدينا احصاءات دقيقة عن الدخل والادخار والاستثمارات في السنوات الماضية لنتمكن، بعد دراسة تاريخية مقارنة ، من ان نحكم ، ولو مبدئياً ، على قدرة الاقتصاد السوري تحقيق هذه المعدلات. ولكن هذا لن يمنعنا من ان نستقرىء بعضاً من المعدلات من المعلومات التي توصلت اليها مديرية الاحصاء.

لقد قدر مجموع الدخل الصافي خلال السنوات الخمس 1954 – 1958 ب 11168 مليون ليرة سورية وذلك بأسعار سنة 1956 . كذلك قدر تكوين رأس المال القائم للسنوات ذاتها ب 1642 مليون ليرة سورية ولكن بالاسعار الجارية . فاذا افترضنا ان تقديرات الدخل هذه باسعار سنة 1956 لا تختلف عن واقع الدخل لو حسب بالاسعار الجارية ، واذا افترضنا ان الاستهلاك يشكل 5 % من مجموع الدخل الصافي ، واذا افترضنا ان الادخار في تلك السنوات عادل الاستثمار ، لاصبح تكوين رأس المال الصافي 1084 مليون ليرة سورية ، ولكانت نسبة الاستثمار او الادخار للدخل هي 9.7 % ، أي ان نسبة الاستثمار للدخل المقدرة في السنوات الخمس المقبلة هي تقريباً ضعف ما كنا نحققه في الماضي ، وان معدل الادخار سيزيد ب 0.35 % . ان هذه المعادلات , ولا شك ، مرتفعة بالمقاييس العالمية ، وقد يثار شك  حول واقعيتها .

هذا من حيث الاجمال بالنسبة للادخار . أما من حيث التفاصيل ، فهنالك مشكلة امتصاص ادخار القطاع الخاص في مشروعات التنمية . لقد قدر ادخار القطاع الخاص ب 1000 مليون ليرة سورية . واذا لم تتح الفرصة للمدخرين ان يستثمروا اموالهم في الاقتصاد السوري لتسرب الفائض الى خارج البلاد او جرى تحويله الى قطع اجنبي واكتنز بهذا الشكل . والنتيجة واحدة في كلتي الحالتين ، أي خسارة موارد اقتصادية كان من الافضل لو بقيت واستثمرت في البلد . وقد يتساءل البعض : لماذا هذا الشك في قدرة الاقتصاد السوري خلال السنوات الخمس المقبلة على امتصاص مدخرات القطاع الخاص . فقد سبق ان لاحظنا ان البرنامج الاستثماري هدف الى زيادة الطاقة الانتاجية الزراعية ودعمها لتكون القاعدة التي سترتكز عليها في المستقبل التهضة الصناعية المنتظرة . فالسدود وشبكات الري واستصلاح الاراضي والصوامع ومراكز الارشاد والابحاث والطرق والجسور والسكك الحديدية والمرافىء والمواصلات السلكية واللاسلكية والاذاعة والهاتف والتعليم والصحة والمرافق العامة والكهرباء والمشاريع الضخمة من تعدين وبترول واسمدة ، كلها لن يجتذب استثماراً من القطاع الخاص . حتى الزراعة التي امتصت في السابق ادخارات كبيرة لم تعد جنة الفردوس بالنسبة لرجال الاعمال والممولين ، إذ ان قانون الاصلاح الزراعي قد احدث تغييراً جذرياً في امتلاك الارض الزراعية وفي الاسس الناظمة للانتاج مما حدا برجل العمل وصاحب راس المال ان ينكمش على نفسه ، هو وماله . وارجو هنا ان لا يفهم كلامي هذا انني لا اوافق على فكرة الاصلاح الزراعي في الاقليم السوري ، إذ لي ولغيري في فلسفتها وطريقة تنفيذها اراء عديدة . ولكن على الاقتصادي ان يحلل الواقع ويشرحه ويشير الى النتائج المترتبة على اتباع سياسات معينة . وخلاصة القول :

1– إن التخطيط يجب ان يعتمد كأسلوب علمي مفيد في تنظيم الانتاج بغض النظر عن النظام السياسي الذي يختاره افراد المجتمع . وان على الدولة بكافة مؤسساتها ان تقدم الى وزارة التخطيط كل المساعدات لتقوم هذه الوزارة بواجبها على أكمل وجه .

2 – إن الخطة الانمائية كانت محاولة مشكورة في إثارة الوعي التخطيطي لدى افراد الاقليم السوري على مختلف المستويات ، وفي تحديد نقاط النقص في دراستنا الفنية والاقتصادية والاحصائية .

3 – إن السياسة الانمائية للسنوات العشر المقبلة تهدف في الدرجة الاولى الى جعل الاقليم الشمالي بلداً زراعياً .

4 – إن نجاح الخطة الانمائية بشكلها الحاضر مرهون بالدور الذي ستلعبه وزارة الزراعة ومؤسسة الاصلاح الزراعي في القيام بالدراسات الفنية والاقتصادية اللازمة لتحديد أكفأ طرق الانتاج الزراعي في الاراضي المزروعة حالياً وتلك التي ستستصلح في المستقبل ، وفي تقديم المال والارشاد ، وحتى الادارة ، الى مزارعي الاقليم .

5 – إن على الدولة ان تجد الوسائل الكافية لامتصاص فائض الادخار الخاص ، أكان ذلك بنقل ملكية بعض المؤسسات العامة الى القطاع الخاص ، كمرفأ اللاذقية والمصفاة مثلاً ، او بسن التشريعات المطلوبة لتشجيع دخول الرأسمال الخاص الى القطاع الزراعي ، او بتعديل نمط الخطة بشكل يحقق التوازن بين الادخار الخاص وامكانية الاستثمارات المتاحة له .

يجب ان لا ننسى من خلال لمحتنا السريعة هذه عن تنمية الاقتصاد السوري دور العقول المدبرة والادارة الواعية المتزنة وجو التفاهم بين الافراد الذين يتعاونون في عملية الانتاج والخدمات . إن هذا التناغم الجماعي يؤمن لالة الاقتصاد ان تعمل بكفاءة ولارقام الدخل والاستثمار والادخار ان ترتفع وللاهداف الانتاجية ان تتحقق . فالتنمية الاقتصادية لا تنفصم عراها عن اطار نمو المجتمع وتطوره الحضاري . إن سوريا كجزء من الجمهورية العربية المتحدة ، وقد نفضت عن نفسها غبار ماضٍ أليم ، تتطلع الى قيم اجتماعية أسمى وعالم أفضل شعاره الاشتراكية التعاونية . لكن هذه الاشتراكية التعاونية ما زالت زهرة لم تنفتح ولم تفصح عن مكنونها . لذا يجب على مفكرينا ان يجعلوا الشعار واقعاً وحقيقة ، والفكرة ان تنبض بالحياة ، والفلسفة ان تضرب جذورها عميقاً في نفوسنا ، ليتكاتف ابناء البلد في بناء مجتمع صالح تسوده المحبة والرفاهية والطمأنينة .

                                                الجدول رقم 1

                        الدخل القومي في الاقليم السوري بأسعار 1965

                                       ملايين الليرات السورية

 

القطاع                 1953       1954       1955       1956       1957         1958       1959

الزراعي               823         927         636         936            1090     695         728

الصناعي            227        246          264        267         299            334         239

البناء والتشييد    60           80           95           98              79          94          77

ايجارات دور السكن  116        122         130        137         144      155            167

المالي                22         37            41          44           48        46             45

الحكومي            101           127        162        174         185      210           250

نقل ومواصلات       132        146        143       140          118      128            130

تجاري                270           349       319        375         386       335           320

خدمات               130         146           156       159         165       201          210

المجموع            1881           2180      1946     2330        2514     2198        2266

المصدر : المجموعة الاحصائية لعام 1959 ، وزارة التخطيط ، الاقليم الشمالي ، الجمهورية العربية المتحدة 1960 ، ص 372

                                                            الجدول رقم 2

                                    الارقام القياسية للدخل القومي في الاقليم السوري

                                                سنة الاساس 1956

 

القطاع               1953       1954       1955           1956      1957     1958         1959

الزراعي              88           99             68          100          116        74             78

الصناعي             85         92               99          100        112        125            127

البناء والتشييد     61         82              97          100          81          96              79

ايجارات دور السكن  85          89         95         100           105        113            122

المالي                  50         84        93          100           109        105              102

الحكومي العام      76         73        93          100           106        121               144

نقل ومواصلات     94         104      102        100            84         91                     93

تجاري                72         93        85          100           103         89                   85

خدمات               83         92        98          100           104         126                132

المجموع             81         94        84           100     108        94                       97

المصدر : المجموعة الاحصائية لعام 1959 ، وزارة التخطيط ، الاقليم الشمالي ، الجمهورية العربية المتحدة، ص 372

 

                                                الجدول رقم 3

                        البرنامج الاستثماري في السنوات الخمس المقبلة

                                    1960 / 1961 – 1964 / 1965

                                                ملايين الليرات

                                                                            الاستثمارات

القطاعات الاقتصادية             في القطاع العام               في القطاع الخاص            المجموع النسبة المئوية

1- الري واستصلاح الاراضي                  780                               50                  380        30.50

            الري                                   640

            استصلاح الاراضي                  140

2 – الزراعة                                       95                                 175              270        9.90

            اكثار البذر                                        2.50

            الارشاد الزراعي ووقاية

            المزروعات                            5.40

            البستنة والحراج                    10.30

            تربية الحيوانات                      18.30

            المختبرات والابحاث والتعليم

            والتدريب الزراعي                   12.80

            الصوامع ومراكز تصنيف

            البذر                                   45.70

3 – الصناعة والكهرباء والتعدين والبترول   240                           269                 509       18.70

            الكهرباء                                                                                      63

التعدين والبترول                                                                           241

السماد الاذوتي                                                                            90

الدخان                                                                                       10

اخرى                                                                                         105

 

4- النقل والمواصلات                     387                               150                   537       19.70

            الطرق                            60

            الجسور                          14

            السكك الحديدية              173

            المطارات                                    40

            مرفأ طرطوس                   33

            البريد                             4

            المواصلات السلكية واللاسلكية       55

            الاذاعة والتلفزيون             8

5 – التعليم                                 100                                                       100       3.70

            مراحل التعليم المختلفة     36.20

            المعاهد العالية                 8.80

            ابنية التعليم ( مؤسسة

            ابنية التعليم )                  35

            التعليم الجامعي والبعثات   20

6 – الصحة                                  46                                 10                     56         2.10

7 – المرافق العامة والسياجة                      32                                                         32         1.20

8 – الاسكان                                15                                 245                   260       9.50

9 – الشؤون الاجتماعية                 18                                                         18         0.07

10 – التسلية                                                                  11                     11         0.04

11 – المختبارات والتدريب والابحاث  7                                                          7          0.03

12 – التغيير في المخزون :                                                 90                     90         3.30

            المجموع                         1720                             1000                 2720     100

 

المصدر : مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس 1960 / 1961 -1964 / 1965 – تموز 1960 ، وزارة التخطيط السوري ، الجمهورية العربية المتحدة .

                                                الجدول رقم 4

المساحات المزروعة وانتاج القمح والشعير والقطن في سنة الاساس وفي السنة النهائية للخطة ( بآلاف الهكتارات والاف الاطنان )

 

المساحة والانتاج                          القمح                            الشعير                           القطن

      المناطق الزراعية                    سنة الاساس     السنة النهائية      سنة الاساس     السنة النهائية      سنة الاساس     السنة النهائية                                    المساحة   الانتاج   المساحة  الانتاج      المساحة  الانتاج  المساحة  الانتاج     المساحة  الانتاج    المساحة الانتاج

المنطقة الجافة (  – 250)مم                       100       10                 –         –          200      20       –         –           –           –          –        –

المنطقة نصف الجافة الاولى

            250 – 350 م م    500       150       –         –             300       150    800    480       45     13.50    25    7.50

المنطقة نصف الجافة الثانية

            350 – 500 م م    320      160      420    336    120      84    20      16

المنطقة نصف الرطبة

            500 – 800 م م    450      405      492     738    52        52    10     12       20      0.07   3.5   0.7

المنطقة الرطبة

            800 –      م م      10        7          20       24      10        8       _       _         10      5.0     10    5.0

منطقة السقي الحالية                  95         77       115     195    30        42     10     18       170    247    160    308.8

السقي المضاف من مشروع الري   _            _         63       187   _           _        _       _         _        _       63   131.7

 

المجموع                         1475   809       1110   1480   712    435    840    526     227    266.2    260  443.7

المصدر : مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس 1960/ 1961 – 1964 / 1965  تموز 1960 _ ص 57 ، 58 ، 70

 

                                                الجدول رقم 5

انتاج بعض السلع في سنة الاساس ، الانتاج المقدر بعد التنمية الافقية ، الانتاج المقدر بعد

                                                التنمية الرأسية*

               القمح             الشعير               القطن                            ملاحظات

1             809                435                   266.2                            الانتاج في سنة الاساس

2             813                438                   343.8                            الانتاج المقدر بعد التنمية الافقية

3             1480              526                   443.7                            الانتاج المقدر بعد التنمية الرأسية

4             667                88                     100                               الزيادة في الانتاج بسبب التنمية الرأسية

5             82 %              20 %                 29 %                             نسبة الزيادة بسبب التنمية الرأسية

                                                                                                  ( الصف 4 – الصف 2 )

المصدر : مشروع الخطة ص. ص. 58 و 70

* التنمية الرأسية هي الزيادة في غلة الارض الناتجة عن استعمال السماد والبذار المنتقى وتحسين طرق الزراعة.