خبر مقتل ربيعة بن مكدم ونسبه

خبر مقتل ربيعة بن مكدم ونسبه

وهذا الشعر قيل في قتل ربيعة بن مكدم بن عامر بن حرثان بن جذيمة بن علقمة بن جذل الطعان بن فراس بن عثمان بن ثعلبة بن مالك بن كنانة، أحد فرسان مضر المعدودين، وشجعانهم المشهورين، قتله نبيشة بن حبيب السلمى في يوم الكديد.
وكان السبب في ذلك فيما ذكره محمد بن الحسن بن دريد، إجازة عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة؛ ونسخته أيضاً من رواية الأصمعي وحماد صاحب أبي غسان دماذ والأثرم، فجمعتها ههنا.

قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: وقع تدارؤ بين نفر من بني سليم بن منصور وبين نفر من بني فراس بن مالك بن كنانة، فقتلت بنو فراس رجلين من بني سليم بن منصور، ثم إنهم ودوهما. ثم ضرب الدهر ضربانه، فخرج نبيشة بن حبيب السلمي غازياً، فلقى ظعنا من بني كنانة بالكديد، في نفر من قومه، وبصر بهم نفر من بني فراس بن مالك، فيهم عبد الله بن جذل الطعان بن فراس، والحارث بن مكدم أبو الفارعة، وقال بعضهم أبو الفرعة، أخو ربيعة بن مكدم، قال: وهو مجدور يومئذ يحمل في محفة، فلما رآهم أبو الفارعة، قال: هؤلاء بنو سليم يطلبون دماءهم. فقال أخوه ربيعة بن مكدم: أنا أذهب حتى أعلم القوم، فآتيكم بخبرهم. فتوجه نحوهم، فلما ولى، قال بعض الظعن: هرب ربيعة. فقالت أخته أم عزة بنت مكدم: أين تنتهي نفرة الفتى؟ فعطف وقد سمع قول النساء، فقال:

لقد علمن أنني غـير فـرق

 

لأطعنن طعنة وأعـتـنـق

أعمل فيهم حين تحمر الحدق

 

عضبا حساما وسنانا يأتلـق

قال: ثم انطلق يعدو به فرسه، فحمل عليه بعض القوم، فاستطرد له في طريق الظعت. وانفرد به رجل من القوم، فقتله ربيعة. ثم رماه نبيشة أو طعنه، فلحق بالظعن يستدمي، حتى أتى إلى امه أم سيار، فقال: اجعلي على يدي عصابة وهو يرتجز ويقول:

شدي علي العصب أم سيار

 

لقد رزيت فارسا كالدينار

 

يطعن بالرمح أمام الأدبار

 

إنا بنو ثعلبة بن مالك

 

مرزأ أخـيارنـا كـذلـك

من بين مقتول وبين هالـك

 

ولا يكون الـرزء إلا ذلـك

قال أبو عبيدة: وشدت أمه عليه عصابة. فاستسقاها ماء، فقالت: إنك إن شربت الماء مت، فكر على القوم. قكر راجعاً يشد على القوم ويذبهم، وتزفه الدم حتى اثخن، فقال للطعن: اوضعن ركابكن خلفي، حتى تنتهين إلى أدنى بيوت الحي، فإني لما بي، وسوف أقف دونكن لهم على العقبة، وأعتمد على رمحي، فلن يقدموا عليكن لمكاني. ففعلن ذلك، فنجو إلى مأمنهن.

قال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: ولا نعلم قتيلاً ولا يمتاً حمى ظعائن غيره. قال: وإنه يومئذ لغلام له ذؤابة. قال: فاعتمد على رمحه، وهو واقف لهن على متن فرسه، حتى بلغن مأمنهن، وما تقدم القوم عليه.

فقال: نبيشة بن حبيب: إنه لمائل العنق، وما أظنه إلا قد مات. فأمر رجلاً من خزاعة كان معه أن يرمي فرسه.

فرماها فقمصت وزالت، فمال عنها ينتاً. قال: ويقال بل الذي رمى فرسه نبيشة. فانصرفوا عنه، وقد فاتهم الظعن قال أبو عبيدة: ولحقوا يومئذ أبا الفرعة الحارث بن مكدم، فقتلوه، وألقوا على ربيعة أحجاراً.

فمر به رجل من بني الحارث بن فهر، فنفرت ناقته من تلك الأحجار التي أهيلت على ربيعة. فقال يرثيه ويعتذر أى يكون عقر ناقته على قبره، وحض على قتلته، وعير من فر وأسلمه من قومه:

نفرت قلوص من حجارة حرة

 

بنيت على طلق اليدين وهوب

لاتنفري يا ناق منـه فـإنـه

 

سباء خمر مسعر لحـروب

لولا السفار وبعد خرق مهمه

 

لتركتها تحبو على العرقوب

فر الفوارس عن ربيعة بعدما

 

نجاهم من غمة المـكـروب

يدعو علياً حين أسلم ظهـره

 

فلقد دعوت هناك غير مجيب

لله در بنـي عـلـي إنـهـم

 

لم يحمشوا غزواً كولغ الذيب

نعم الفتى أدى نـبـيشة بـزه

 

يوم الكديد، نبيشة بن حبـيب

لا يبعدن ربيعة بـن مـكـدم

 

وسقى الغوادي قبره بذنـوب

قال أبو عبيدة: ويقال إن الذي قال هذا الشعر هو ضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر.

وقال آخر: هو حسان بن ثابت. وقال الأثرم: انشدني أبو عبيدة مرة أخرى هذا البيت:

وسقى الغوادي قبره بذنوب

واحتج به في قول الله عز وجل: ( ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم) . فسألته لمن هذا البيت، فقال: لمكرز بن حفص بن الأحنف، أحد بني عامر بن لؤي، رجل من قريش الظواهر؛ ولم يسمه ههنا.
وقال عبد الله بن جذل الطعان واسمه بلعاء:

لأطلبن بربيعة بن مـكـدم

 

حتى أنال عصية بن معيص

يقال إن عصية من بني سليم، وهو عصية بن معيص بن عامر بن لؤي

وتقاد كل طمرةٍ ممـحـوصةٍ

 

ومقلص عبل الشوى ممحوص

وقال رجل من بني الحارث بن الخزرج من الأنصار يرثي ربيعة بن مكدم. وقال أبو عبيدة: زعم أبو الخطاب الأخفش أنه لحسان بن ثابت، يحض على قتلته.

ولأصرفن سوى حذيفة مدحتـي

 

لفتى الشتاء وفارس الأجـراف

مأوى الضريك إذا الرياح تناوحت

 

ضخم الدسيعة مخلفٍ مـتـلاف

من لا يزال يكب كـل ثـقـيلة

 

كوماء غير مسـائل مـنـزاف

رحب المباءة والجناب مـوطـأ

 

مأوى لكل مـعـتـق يسـواف

فسقى الغوادي قبك ابن مـكـدم

 

من صوب كل مجلجل وكـاف

أبلغ بني بكر وخص فـوارسـا

 

لحقوا الملامة دون كل لحـاف

أسلمتم جذل الطـعـان أخـاكـم

 

بين الـكـديد وقـلة الأعـراف

الأعراف: رمل، قال الأثرم: الأعراف كل ما ارتفع، ومنه قول الله تعالى:( ونادى أصحاب الأعراف).

حتى هوى متزايلا أو صاله

 

للحد بين جنادل وقـفـاف

لله در بني علـي إن هـم

 

لم يثأروا عوفا وحي خفاف

قال الأثرم: وأنشدنا أبو عبيدة هذه القصيدة مرة لقيس بن الخطيم حين قتل قاتل أبيه، فقال:

تذكر ليلى حسنها وصفاءها

وقال ابن جذل الطعان في ذلك أيضاً:

ألا لله در بـنـي فـراس

 

لقد أورثتم حزناً وجـيعـا

غداة ثوى ربيعة في مكر

 

تمج عروقه علقاً نجيعـا

فلن أنسى ربيعة إذ تع7الى

 

بكاء الظعن تدعو يا ربيعا

وقال كعب بن زهير، وامه من بني أشجع بن عامر بن الليث بن بكر بن كنانة، يرثي ربيعة بن مكدم، ويحض على بني سليم، ويعير بني كنانة بالدماء التي أدوها إلى بني سليم، وهم لا يدركون قتلاهم عندهم بدرك قتل فيهم ولا دية:

بان الشباب وكـل إلـفٍ بـائن

 

ظعن الشباب مع الخليط الظاعن

قالت أميمة ما لجسمك شاحـبـا

 

وأراك ذابث ولـسـت بـدائن

غضي ملا مك إن بي من لومكم

 

داء أظن مما طلي أو فاتـنـي

أبلغ كنانة غثهـا وسـمـينـهـا

 

الباذلين رباعها بـالـقـاطـن

أن المذلة أن تـطـل دمـاؤكـم

 

ودماء عوفٍ ضامن في العاهي

أموالكم عوض لهم بدمائهـخـم

 

ودماؤكم كلف لهم بـظـعـائن

طلبوا فأدرك وترهم مـولاهـم

 

وأبت محاملكم إبـاء الـحـارن

شدوا المآزر فاثأ روابـأخـيكـم

 

إن الحفائط نعم ربح الـثـامـن

كيف الحياة ربيعة بـن مـكـدم

 

يغدى عليك بمزهـر أو قـائن

وهو التريكة بالعـراء وحـارث

 

فقع القراقر بالمكان الـواتـن

كم غادروا لك من أرامل عـيل

 

جزر الضباع ومن ضريكٍ واكن

وقالت أم عمرو أخت ربيعة ترثي ربيعة:

ما بال عينيك منها الدمع مهراق

 

سحا ولا عازب لا لا ولا راقي

أبكي على هالك أو دى وأورثني

 

بعد التفرق حزناً بعده بـاقـي

لو كان يرجع ميتاً وجد ذي رحـمٍ

 

أبقى أخي سالماً وجدي وإشفاقـي

أو كان يفدى لكان الأهل كـلـهـم

 

وما أثمر مـن مـال لـه واقـي

لكن سهام المنايا من نصـبـن لـه

 

لم ينجه طب ذي طب ولا راقـي

فاذهب فلا يبعدنك الله مـن رجـل

 

لاقى الذي كل حي مثلـه لاقـي

فسوف أبكيك ما ناحت مـطـوقة

 

وما سريت من الساري على ساقي

أبكى لذكرته عبـرى مـفـجـعة

 

ما إن يجف لها من ذكره ماقـي

وقال عبد الله يرثيه:

خلى علي ربيعة بن مكـدم

 

حزناً يكاد له الفـؤاد يزول

فإذا ذكرت ربيعة بن مكـدم

 

ظلت لذكراه الدموع تسـيل

نعم الفتى حيا وفارس بهمة

 

يردي بشكتـه أقـب ذءول

سقت الغوادي بالكـديد رمة

 

والناس إما هالك وقـتـيل

فإذا لقيت ربيعة بن مـكـدم

 

فعلى ربيعة من نداه قبـول

كيف العزاء ولا تزال خريدة

 

تبكي ربيعة غادة عطبـول

يأبى لي الله المـذلة إنـمـا

 

يعطى المذلة عاجز تنبـيل

وقال عبد الله أيضاً يرثيه:

نادى الظعائن يا ربيعة بعد ما

 

لم يبق غير حشاشة وفـواق

فأجابها والرمح في حيزومه

 

أنفا بطعن كالشعيب دفـاق

يا ريط إن ربيعة بن مـكـدم

 

وربيع قومك آذنا بـفـراق

ولئن هلكت لرب فارس بهمة

 

فرجت كربته وضيق خناق

وقال أيضاً يتوعد بني سليم:

ولست لحاضرٍ إن لم أزركم

 

كتائب من كنانة كالصـريم

على قب الأياطل مضمرات

 

أضر بنيها علك الشـكـيم

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدثني الطلحي، قال: أخبرني عبد الله بن إبراهيم الجمحى ومحمد بن الحسن بن زبالة في مجلس واحد، قالا: مر حسان بن ثابت بقبر ربيعة بن مكدم الكناني ، بثنية كعب، ويقال: بثنية غزال، فقلصت به راحلته، فقال :

نفرت قلوصي من حجارة حرة

 

بنيت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منـه فـإنـه

 

شريب خمر مسعر لحـروب

لولا السفار وبعد خرق مهمـه

 

لتركتها تحبو على العرقـوب

فبلغ شعره بني كنانة، فقالوا: والله لو عقرها لسقنا إليه ألف ناقة سود الحدق.

أخبرني محمد بن الحسين بن دريد، قال: حدثنا السجستاني، قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني جشم، حتى إذا كانوا بوادٍ لبني كنانة يقال له الأخرم، وهو يريد الغارة على بني كنانة، رفع له رجل من ناحية الوادي معه ظعينة. فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به أن خل عن الظعينة وانج بنفسك، وهو لا يعرفه. فانتهى إليه الرجل، فصاح به، وألح عليه. فلما أتى ألقى الزمام وقال للظعينة:

سيري على رسلك سير الآمن

 

سير رداح ذات جأش ساكن

إن انثنائي دون قرني شائنـي

 

وابلي بلائي واخبري وعايني

ثم حمل على الفارس فقتله، وأخذ فرسه، فأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارساً آخر، لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعاً. فصاح به، فتصامم عنه، فظن أنه لم يسمعه. فغشيه، فألقى الزمام إليها، ثم حمل على الفارس، فطعنه فصرعه، وهو يقول:

خل سبيل الحـرة الـمـنـيعـه

 

إنـك لاقٍ دونـهـا ربــيعة

في كفه خـطـية مـطـيعـه

 

أو لا، فخذها طعنة سـريعـه

فالطعن مني في الوغى شريعه

 

 

فلما أبطأ على دريد بعث فارساً آخر لينظر ما صنعا؟ فانتهى إليهما، فرآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته، ويجرر رمحه. فقال له الفارس: خل عن الظعينة. فقال لها ربيعة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:

ماذا تريد من شتيم عـابـس

 

ألم تر الفارس بع الفـارس

أرداهما عامل رمح يابس؟

 

 

ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه. فارتاب دريد، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة،

سيري على رسلك سير الآمن

 

سير رداح ذات جأش ساكن

إن انثنائي دون قرني شائنـي

 

وابلي بلائي واخبري وعايني

ثم حمل على الفارس فقتله، وأخذ فرسه، فاعطاه الظعينة، فبعث دريد فارساً آخر، لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعاً. فصاح به، فتصامم عنه، فظن أنه لم يسمعه. فغشيه، فألقى الزمام إليها، ثم حمل على الفارس، فطعنه فصرعه، وهو يقول:

خل سبيل الـحـرة الـمـنـيعة

 

إنـك لاقٍ دونـهـا ربــيعة

في كفه خـطـية مـطـيعـه

 

أولا، فخذها طعـنةً سـريهـه

فالطعن مني في الوغى شريعه

 

 

فلما أبطأ على دريد بعث فارساً آخر لينظر ما صنعا؟ فانتهى إليهما، فرآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته، ويجرر رمحه. فقال له الفارس: خل عن الظعينة. فقال لها ربيعة: أقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:

ماذا تريد من شتيم عابـس

 

ألم تر الفارس بعد الفارس

أردهما عامل رمح يابس؟

 

 

ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه. فارتاب دريد، وظن أنهم قد أخذوا الظعينة، وقتلوا الرجل. فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه وقد دنا من الحي، ووجد القوم قد قتلوا. فقال دريد: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، وإن الخيل ثائرة بأصحابها، ولا رأى معك رمحاً، وأراك حديث السن، فدونك هذا الرمح، فإني راجع إلى أصحابي، فمثبط عنك. فأتى دريد أصحابه، وقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسكم، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه.

فانصرف القوم. وقال دريد في ذلك:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثـلـه

 

حامي الظعينة فارساً لم يقـتـل

أردى فوارس لم يكونوا نـهـزة

 

ثم استمر كـأنـه لـم يفـعـل

متهلل تـبـدو أسـرة وجـهـه

 

مثل الحسام جلته كف الصقـيل

يزجي ظعينته ويسحب رمـحـه

 

متوجهاً بمناه نحو الـمـنـزل

وترى الفوارس من مخافة رمحه

 

مثل البغاث خشين وقع الأجـدل

ياليت شعري مـن أبـوه وامـه

 

ياصاح من يك مثله لم يجهـل!

فقال ربيعة:

إن كان ينفعك اليقين فسائلـي

 

عني الظعينة يوم وادي الخرم

عل هي لأول من أتاها نهـزة

 

لولا طعان ربيعة بن مـكـدم

إذ قال لي أدنى الفوارس ميتة

 

خل الظعينة طائعاً لا تـنـدم

فصرفت راحلة الظعينة نحوه

 

عمداً ليعلم بعض ما لم يعلـم

وهتكت بالرمح الطويل إهابـه

 

فهوى صريعاً لليدين وللـفـم

ومنحت آخر بـعـده جـياشة

 

نجلاء فاغرة كشدق الأضجم

ولقد شفعتهما بآخـر ثـالـث

 

وأبى الفرار لي الغداة تكرمي

قال: فلم يلبث بنو مالك بن كنانة رهط ربيعة بن مكدم، ان أغاروا على بني جشم رهط دريد، فقتلوا وأسروا وغنموا، وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نسبه. فبينا هو عندهم محبوس، إذ جاء نسوة يتهادين إليه. فصرخت امرأة منهن، فقالت: هلكتم وأهلكتم، ماذا جر علينا قومنا؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة. ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: يا آل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم، قال: فما فعل؟ قالوا: قتله بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت المرأة: ريطة بنت جذل الطعان، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، وآمروا أنفسهم، وقالوا: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال بعضهم: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذذي أسره.

وانبعثت المرأة في الليل، فقالت:

سنجزي دريداً عن ربيعة نعـمة

 

وكل فتى يجزى بما كان قدمـا

فإن كان خيراً كان خيراً جـزاؤه

 

وإن كان شراً كان شراً مذممـا

سنجزيه نعمى لم تكن بصغـيرة

 

بإعطائه الرمح السديد المقومـا

فقد أدركت كفاه فـينـا جـزاءه

 

وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما

فلا تكفروه حق نعمـاه فـيكـم

 

ولا تركبوا تلك التي تملأ الفمـا

فو كان حياً لم يضق بـثـوابـه

 

دراعاً، غنياً كان أو كان معدوما

ففكوا دريداً من إسار مـخـارق

 

ولا تجعلوا البؤس إلى الشر سلما

فأصبح القوم فتعاونوا بينهم، فأطلقوه، وكسته ريطة وجهزته، ولحق بقومه. ولم يزل كافاً عن غزو بني فراس حتى هلك.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدثني محمد بن يعقوب بن أبي مريم العدوي البصري، قال: حدثني محمد بن عمر الأزدي، قال: حدثني أبو البلاد الغطفاني وقبيصة بن ميمون الصادري، قالا: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن معد يكرب الزبيدي: من أشجع من رأيت؟ فقال: والله يا أمير الؤمنين لأخبرنك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس. فقال له عمر: هات. فقال: أربعتالمدينة، فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت لي فرس شمقمقة طويلة سريعة الإبقاء ، تمطق الشيخ بالمرق، فركبتها، ثم آليت لا ألقي أحداً إلا قتلته. فخرجت وعلي مقدى ، فإذا أنا بفتى بين غرضين فقلت:له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: والله ما أنصفتني يا أبا ثو، أنا كما ترى أعزل أميل عوارة- والعوارة: الذي لا ترس معه- فأنظرتي حتى آخذ نبلي. فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال: أمتنع بها. قلت: خذها. قال: لا والله أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنك لا تروعني حتى آخذها. فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبداً. فسلم والله مني وذهبت؛ فهذا أحيل الناس.

ثم مضيت حتى اشتمل علي الليل، فوالله إني لأسير في قمر زاهر ، كالنور الظاهر ، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة، وهو يقول:

يا لدينا يا لدينـا

 

ليتنا يعدى علينا

ثم يبلى مالدينا

 

 

ثم يخرج حنظلةً من مخلاته، فيرمي بها في السماء، فلا تبلغ؟ الأرض حتى يظمها بمشقص من نبله. فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمك، فإني قاتلك. فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض. فقلت: إن هذا إلا استخفاف. فدنوت منه، وصحت به: ويلك: ما أجهلك! فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت الرمح في إهابه، فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فمضيت وتركته؛ فهذا أجبن الناس.

ثم مضيت فأصبحت بين دكادك هرشى إلى غزال ، فنظرت إلى أبيات، فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث، كأنهن نجوم الثريا. فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكين؟ فقلن: لما ابتليتا به منك، ومن ورائنا أخت هي أجمل منا. فأشرفت من فدفد، فإذا لم أر شئاً قط أحسن من وجهه، وإذا بغلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها. فلما نظر إلي وثب على الفرس مبادراً، ثم ركض، فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول لهن:

مهلاً نسياتس إذن لا ترتـعـن

 

إن يمنع اليوم نساء تمنـعـن

أرخين أذيال المروط وارتعن

 

 

فلما دنوت منه، قال: أتطردني أم اطردك؟ قلت: أطردك. فركض وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السنان في لفتته- واللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه، فإذا هو والله مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه. فقلت: أقلني. قال: اطرد. فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان في ماضغيه اعتمدت عليه، فإذا هو والله قائم على الأرض، والسنان ماض زالج. واستوى على فرسه، فقلت: أقلني. قال: اطرد. فطردته، حتى إذا مكنت السنان في متنه، اتكأت عليه وأنا أظن قد فرغت منه، فمال في ظهر فرسه حتى نظرت إلى يديه في الأرض، ومضى السنان زالجاً. ثم استوى وقال: أبعد ثلاث؟ تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك. فوليت وأنا مرعوب منه. فلما غشيني ووجدت حسن السنان، التفت فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكف عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجز ناصيتي، وقال: أنطلق، فإني بك عن القتل. فكان ذلك والله يا أمير المؤمنين عندي أشد من الموت؛ فذاك أشجع من رأيت وسألت عن الفتى، فقيل: ربيعة بن مكدم الفراسي، من بني كنانة.

وقد أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري هذا الخبر وفيه خلاف للأول. فقال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن موسى الهذلي، قال: حدثني سكين بن محمد، قال: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له: يا أبا ثور، من أين أقبلت؟ قال: من عند سيد بنب مخزوم، أعظمها هامة، وأمدها قامة، وأقلها ملامة، وأفضلها حلماً، وأقدمها سلماً، وأجرئها مقدما. قال: ومن هو؟ قال: سيف الله وسيف رسوله ، قال: وأي شيء صنعت عنده؟ قال: أتيته زائراً، فدعا لي بكعب وقوس وثور . فقال عمر: وأبيك إن في هذا لشبعا. قال: لي أو لك يا أمير المؤمنين؟ قال: لي ولك. قال له: فوالله إني لآكل الجذعة، وأشرب التبن من اللبن رثيئةو صرفا، فلم تقول هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: أي أحياء قومك خير؟ قال: مذجح، وكل قد كان فيه خير، شداد فوارسها، فوارس أبطالها، أهل الريا والرياح قال عمر: وأين سعد العشيرة؟ قال: هم أشدنا شريساً، وأكثرنا خميسا ، وأكرمنا رئيسا، وهم الأوفياء البررة، المساعير الفجرة. قال عمر: يا أبا ثور ألك علم بالسلاح؟ قال: على الخبير سقطت، سل عما بدا لك. قال: أخبرني على النبل. قال: منايا تخطىء وتصيب. قال: فأخبرني عن الرمح قال: أخوك وربما خانك. قال: فأخبرني عن الترس. قال: ذاك مجن وعليه تدور الدوائر. قال: أخبرني عن الدرع. قال: مشغلة للفارس، متعبة للراجل.

قال: أخبرني عن السيف. قال: عنه قارعتك لأمك الهبل، قال: لا، بل لأمك. قال عمرو: بل لأمك، فرفع عمر الدرة، فضرب بها عمراً، وكان عمرو محتبياً، فانحلت حبوته، فاستوى قائماً، وأنشأ يقول:

أتضربني كأنـك ذو رعـين

 

بخير معيشة أو ذو نـواس

فكم ملك قـديم قـد رأينـا

 

وعز ظاهر الجبروت قاسي

فأضحى أهله بادوا وأضحى

 

ينقل من أناس فـي أنـاس

قال: صدقت يا أبا ثور، وقد هدم ذلك كله الإسلام، أقسمت عليك لما جلست. فجلس. فقال له عمر: هل كععت من فارس قط ممن لقيت؟ قال: العم يا أمير المؤمنين، اني لم أستحل الكذب في الجاهلية، فكيف أستحله في الإسلام؟ ولقد قلت لجبهة من خيلي، خيل بني زبيد، أغيروا بنا على بني البكاء. فقالوا: بعيد علينا العفار. فقلت: فعلى بني مالك بن كنانة، قال: فأتينا على قوم سراة. فقال عمر: ما علمك بأنهم سراة. قال: رأيت مزواد خيلهم كثيرة، وقدوراً مثفاة ، وقباب أدم، فعرفت أن القوم سراة. فتركت خيلي حجرة ، وجلست في موضع أتسمع كلامهم، فإذا يجارية منهم قد خرجت من خيمتها، فجلست بين صواحب لها، ثم دعن وليدة من ولائدها، فقالت: اعي فلاناً. فدعت لها برجل من الحي، فقالت له: إن نفسي تحدثني أن خيلاً تغير على الحي، فكيف أنت إن زوجتك نفسي؟ فقال: أفعل وأصنع، وجعل يصف نفسه فيفرط. فقالت له: انصرف حتى أرى رأيي. وقالت لصواحباتها: ولا عند هذا هير أيضاً. ثن قالت للوليدة ادعي لي ربيعة بن مكدم. فدعته، فقالت له مثل قولها للرجلين، فقال لها: إن أعجز العجز وصف المرء نفسه، ولكني إذا لقيت أعذرت، وحسب المرء غناء أن يعذر. فقالت له: قد زوجتك نفسي، فاحضر غداً مجلس الحي، ليعملوا ذلك. فانصرف من عندها، وانتظرت حتى ذهب الليل، ولاح الفجر، فخرجت من مكمني، وركبت فرسي، وقلت لخيلي: أغيري، فأغارت، وتركتها وقصدت نحو النسوة ومجلسهن، فكسفت عن خيمة المرأة، فإذا أنا بامرأة تامة الحسن. فلما ملأت بصرها مني، أهوت إلي درعها فشقته وقالت: واثكلآه؟ والله ما أبكي على مال ولا تلاد، ولكن على أخت من وراء هذا الوز ، تبقى بعدي في مثل هذا الغائط، فتهلك ضيعة، وأومأت بيدها إلى قوز رمل إلى جانبهم. فقلت:هذه غنيمة من وراء غنيمة. فدغعت فرسي حتى أوفيت على الأيفاع، فإذا أنا برجل جلد نجد، أهلب أغلب، يخصف نعله، وإلى جنبه فرسه وسلاحه. فلما رآني رمى بنعله، ثم استوى على فرسه، وأخذ رمحه، ومضى ولم يحفل بي. فطفقت أشجره بالرمح خفقاً ، وأقول له: يا هذا استأسر . فمضى ما يحفل بي، حتى أشرف على الوادي. فلما رأى الخيل تحوي إبله استعبر باكياً، وانشأ يقول:

قد علمت إذ منحتـنـي فـاهـا

 

أني سأحوي اليوم من حواهـا

بل ليت شعري اليوم من دهاها

 

 

فأجبته:

عمرو على طول الوجى دهاها

 

بالخيل يحميها على وجـاهـا

حتى إذا حل بها احتـواهـا

 

 

فحمل علي وهو يقول:

أهون بنضر العيش في دار ندم

 

أفيض دمعاً كلما فاض اسنجم

أنا ابن عبد الله محمود الشيم

 

مؤتمن الغيب وفي بالذمـم

أكرم من يمشي بساق وقدم

 

كالليث إن هم بتقصام قصم

فحملت عليه وأنا أقول:

أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصم

 

أنا ابن ذي الإكليل قتال البـهـم

من يلقنـي يود كـمـا أودت إرم

 

أتركه لحماً على ظهـر وضـم

وحمل علي وهويقول؟:

هذا حمى قد غاب عنه ذائده

 

الموت ورد والأنـام وارده

وحمل علي فضربني، فرغتوأخطأني، فوقع سيفه في قربوس السرج، فقطعه وما تحته، حتى هجم على مسح الفرس. ثم ثنى بضربة أخرى، فرغت وأخطأني، فوقع سيفه على مؤخر السرج فقطعه حتى وصل إلى فخذ الفرس، وصرت راجلاً. فقلت: ويحك! من أنت؟ فوالله ما ظننت أحداً من العرب يقدم علي إلا ثلاثة: الحارث بن ظالم، للعجب والخيلاء؛ وعامر بن الطفيل للسن والتجربة؛ وربيعة بن مكدم للحداثة والغرة، فمن أنت ويلك؟ قال: بل الويل لك، فمن أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب، قال: وأنا ربيعة بن مكدم. قلت: يا هذا، إني قد صرت راجلاً، فاختر مني إحدى ثلاث، إن شئت الجتلدنا بسفينا حتى يموت الأعجز، وإن شئت اصطرعنا، فأينا صرع صاحبه حكم فيه؛ وإن شئت سالمتك وسالمتني. قال: الصلح إذن إن كان لقومك فيك حاجة، وما بي أيضاً على قومي هوان. قلت: فذاك لك. وأخذت بيده، حتى أتيت أصحابي، وقد حازوا نعمه، فقلت: هل تعلمون أني كععت عن فارس قط من الابطال إذا لقيته؟ قالوا: نعيذك من ذاك. قال: قلت: فانظروا هذا النعم الذي حزتموه، فخذوه مني غداً في بني زبيد، فإنه نعم هذا الفتى، والله لا يوصل إلى شيء منه وأنا حي. فقالوا لحاك الله فارس قوم! أشقيتنا حتى إذا هجمنا على الغنيمة الباردة فثأتنا عنها. قال: قلت إنه لا بد لكم من ذلك، وأن تهبوها لي ولربيعة بن مكدم. فقالوا: وإنه لهو؟ قلت: نعم. فردوها وسالمته، فأمن حربي وامنت حربه حتى هلك.

وفي بعض هذه الأراجيز التي جرت بين عمرو بن مكدم غناء، نسبته، وقد جمع شعراهما معاً في لحن واحد، وهو:

أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصم

 

أنا ابن عبد الله قتـال الـبـهـم

أكرم من يمشي بـسـاق وقـدم

 

من يلقني يود كـمـا أودت إرم

أتركه لحماً على ظـهـر وضـم

 

كالليث إن هم بتقصـام قـصـم

مؤتمن الغيب وفي بـالـذمـم

 

 

ذكر أحمد بن يحيى المكي: ان الغناء في هذا الشعر لحنين، خفيف ثقيل، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وذكر الهشامي أنه لابن سرجيس الملقب بقراريط.

حدثني قمرية العمرية جارية عمرو بن بانة، أنها أخذت عن أحمد بن العلاء هذا اللحن، فقال لها: انظري أي صوت أخذت، فو الله لقدأخذته عن مخارق، فلما استوى لي قال لي مخارق: انظر أي صوت أخذت، فوالله لقد أخذته عن يحيى المكي، فلما غنيته الرشيد أطرابه، فوهب ليحيى عشرة آلاف درهم.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثني محمد بن الحسن الأحول، عن الطرسوسي، عن ابن الأعرابي، قال: أجود بيت وصفت به الطعنة قول أهبان بن عادياء قاتل ربيعة بن مكدم، حيث يقول:

ولقد طعنت ربيعة بن مـكـدمٍ

 

يوم الكديد فخر غير مـوسـد

في ناقع شرقت بما في جوفـه

 

منه بأحمر كالعقيق المجـسـد

أدركت ما منيت نفسي خـالـيا

 

لله درك يا بنة الـتـعـمـان!

إني لحلفك بالصليب مـصـدق

 

والصلب أصدق حلفة الرهبان

ولقد رددت على المغيرة ذهنـه

 

إن الملوك بـطـيئة الإذعـان

يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي

 

والصدق خير مقالة الإنـسـان

الشعر للمغيرة بن شعبة الثقفي، يقوله في هند بنت النعمان بن المنذر، وقد خطبها فردته. وخبره في ذلك وغيره يذكرها هنا إن شاء الله. والغناء لحنين، ثاني ثقيل بالبنصر، عن الهشامي وإبراهيم.