خبر مقتل ابني عبيد الله بن العابس

خبر مقتل ابني عبيد الله بن العابس ابن عبد المطلب

أخبرني بالسبب في ذلك محمد بن أحمد بن الطلاس قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف، عن جويرية بن أسماء، والصقعب بن زهير، وأبي بكر الهذلي، عن أبي عمرو الوقاصي: أن معاوية بن أبي سفيان بعث بسر بن أرطاة، أحد بني عامر بن لؤي، بعد تحكيم الحكمين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي، وبعث معه جيشاً، ووجه برجل من غامد ضم إليه جيشاً آخر. ووجه الضحاك بن قيس الفهري في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد، فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفو أيديهم عن النساء والصبيان. فمضى بسر لذلك على وجهه، حتى انتهى إلى المدينة، فقتل بها ناساً من أصحاب علي عليه السلام، وأهل هواه، وهدم بها دوراً من دور القوم. ومضى إلى مكة، فقتل نفراً من آل أبي لهب، ثم أتى السراة، فقتل من بها من أصحابه. وأتى نجران، فقتل عبد الله بن عبد المدان الحارثي وابنه، وكانا من أصهار بني العباس، ثم أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس، عاملاً لعلي بن أبي طالب، وكانه غائباً، وقيل بل هرب لما بلغه خبر بسر، فلم يصادفه بسر، ووجد ابنين له صبيين، فأخذهما بسر لعنه الله، وذبحهما بيده، بمدية كانت معه، ثم اكفأ راجعاً إلى معاوية، وفعل مثل ذلك سائر من بعث به. فقصد الغامدي إلى الأنبار، فقتل ابن حسان البكري، وقتل رجالاً ونساء من الشيعة.

فحدثني العباس بن علي بن العباس النسائي قال: حدثنا محمد بن حسان الأزرق، قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن عمرو بن قيس، عن أبي صادق، قال: أغارت خيل لمعاوية على الأنبار، فقتلوا عاملاً لعلي عليه السلام، يقال له حسان بن حسان ، وقتلوا رجالاً كثراً ونساءً، فبلغ ذلك علي بن طالب صلوات الله عليه، فخرج حتى أتى المنبر، فرقيه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة وشمله البلاء، وديث بالصغار، وسيم الخسف. وقد قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فإنه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم، وتركتم قولي وراءكم ظهيا، حتى شئت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد جاء الأنبار، فقتل عاملي عليها حسان بن حسان، وقتل رجالاً كثيراً ونساء. والله لقد بلغني أنه كانيأتي المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة، فينزع حجلها ورعائها ، ثم ينصرفون موفورين، ولم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرأ مسالماً مات من دون هذا أسفاً، لم يكن عليه ملوماً، بل كان به جديراً، يا عجباً، عجباً بميت القلب، ويشعل الأحزان، من اجتماع هؤلاء القوم على ضلالتهم وباطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى صرتم غرضاً، ترمون ولا ترمون، وتغزون ةلا تغزون، ويعصى الله وترضون. إذا قلت لكم اغزوهم في الحر، قلتم هذه حمارة القيظ فأمهلنا، وإذا قلت لكم اغزوهم في البرد، قلتم هذا أوان قر وصر فأمهلنا، فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أشد فراراً . يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، وعقول ربات الحجال ، وددت والله أني لم أعرفكم، بل وددت أني لم أركم، معرفة والله جرعت بلاءً وندماً، وملأتم جوفي غيظاً بالعصيان والخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له لالحرب. ويحهم! هل فيهم أشد مراساً لها مني؟ والله لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين، وأنا الآن قد نيفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أنا كما قال الله تعالى:(لا أملك إلا نفسي وأخي) فمرنا بأمرك، فوالله لنطيعنك ولو حال بيننا وبينك جمر الغضى ، وشوك القتاد. قال: وأين تبلغان مما أريد؛ هذا أو نحوه، ثم نزل.

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي عبيد الله بن محمد قال: حدثني جعفر بتن بشير قال: حدثني صالح بن يزيد الخراساني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن أبن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد قال: كتب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام: أما بعد، فإن الله عز وجل جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه. وإني خرجت معتمراً، فلقيت عبد الله بن أبي سرح في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، فقلت لهم، وعرفت المنكر في وجوهم: يا أبناء الطلقاء، العداوة والله لنا منكم غير مستنكرة قديماً، تريدون بها إطفاء نور الله، وتغيير أمره، فأسمعني القوم وأسمعتهم. ثم قدمت مكة وأهلها يتحثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة، فاحتمل من أموال أهلها ما شاء، ثم انكفأ راجعاً، فأف لحياة في دهر جرأ هليك اضحاك. وما الضحاك؟ وهل هو إلا فقع بقرقرة ، وقد ظننت وبلغني أن نصارك قد خذلوك، فاكتب إلي يا بن أم برأيك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك ببني أبيك وولد أخيك، فعشنا ما عشت، ومتنا معك، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فواقاً ، وأقسم باللله الأعز الأجل، أن عيشاً أعيشه في هذه الدنيا بعدك، لعيش غير هنيء ولا مريء ولا نجيع . والسلام.

فأجابه علي بن أبي طالب، عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، كلأنا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب، إنه حميد مجيد، فقد قدم علي عبد الرحمن بن عبيد الأزدي بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح مقبلاً من قديد، في نحو من أربعين شاباً من أبناء الطلقاء، وإن بني أبي سرح طال ما كاذ الله ورسوله وكتابه، وصد عن سبيله، وبغاها عوجاً، فدع بني أبي سرح عنك، ودع قريشاً وتركاضهم في الضلالة، وتجوالهم في الشقاق، فإن قريشاً قد أجمعت على حرب أخيك، إجماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه، وحجدوا فضله، وبادوه لاعداوة، نونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وساقوا إليه جيش الأمرين. اللهم فاجز عني قريشاً الجوازي، فقد قطعت رحمي، وتظاهرت علي، والحمد الله على كل حال.

وأما ما ذكرت من غارة الضحاك بن قيس على الحيرة، فهو أقل وأذل من أن يقرب الحيرة، ولكنه جاء في خيل جريدة، فلزم الظهر، وأخذ على السماوة، فمر بواقصة وشراف وما والى ذلك الصقع، فسرحت إليه جيشاً كثيفاً من المسلمين، فلما بلغه ذلك جاز هارباً، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن في السير، وقد طفلت الشمس للإياب، فاقتتتلوا شيئاً كلا ولا ، فولى ولم يصبر، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلاً، ونجا جريضا بعدما أخذ منه بالمخنق، فلأيا بلأى مانجا واما ما سألت عنه أن أكتب إليك فيه برأيي، فإن رأيي قتال المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة، لأني محق، والله مع الحق وأهله، وما أكره الموت على الحق، وما الخير كله إلا بعد الموت لمن مان محقا.

وأما عرضته علي من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك ، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشداً مهدياً، فوالله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أبيك لو أسلمه الزمان والناس متضرعاً متخشعاً، ولكن أقول كما قال أخو بني سليم:

فإن تسأليني كيف أنت فإنـنـي

 

صبور على ريب الزمان صليب

يعز علي أن تـرى بـي كـآبة

 

فيشمت عادٍ أو يسـاء حـبـيب

والسلام.

رجع الخبر إلى سياقة مقتل الصبيين

ثم إن بس بن أرطاة كر راجعاً، وانتهى خبره إلى علي عليه السلام، أنه قتل عبد الرحمن وقثم ابني عبد الله بن العباس، فسرح حارثة بن قدامه السعدي في طلبه، وأمره أن يغد السير، فخرج مسرعاً، فلما وصل إلى المدينة، وانتهى إليه قتل علي بن أبي طالب عليه السلام، وبيعة الحسن رضي الله تعالى عنه، ركب في السلاح، ودعا أهل المدينة إلى البيعة للحسن، فامتنعوا، قال: والله لتبايعن ولو بأستاهكم. فلما رأى أهل المدينة الجد منه بايعوا للحسن، وك راجعاً إلى الكوفة، فأصاب أم حكيم بنت قارظ ولهى على انيها، فكانت لا تعقل ولا تصغي إلى قول من أعلمها أنهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم، تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:

يا من أحين بنيي الـلـذين هـمـا

 

كالدرتين تشظى عنهما الـصـدف

يا من أحس بنيي الـلـذين هـمـا

 

سمعي وقلبي، فقلبي اليوم مختطف

يا من أحس بنيي الـلـذين هـمـا

 

مخ العظام فمخى اليوم مزدهـف

نبئت بسراً وما صدقت ما زعمـوا

 

من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

أنحي على ودجى إبني مـرهـفةً

 

مشحوذة وكذاك الإثم يقـتـرف

حتى لقيت رجالاً من أرومـتـه

 

شم الأنوف لهم في قومهم شرف

فالآن لأعن بسراً حق لعـنـتـه

 

هذا لعمر أبي بسرٍ هو السـرف

من دل والـهةً حـرى مـدلـهة

 

على صبيين ضلا إذ هوى السلف

الغناء لأبي سعيد مولى فائد، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وفيه خفيف ثقيل، يقال إنه له أيضاً. وفيه لعريب رمل نشيد.
قالوا: ولما بلغ علي بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين، جزع لذلك جزعاً شديداً، ودعا على بسر لعنه اله، فقال: اللهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه علقله! فأصابه ذلك، وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف ويطلبه، فيؤتي بسيف من خشب، ويجعل بين يديه زق منفوخ، فلا يزال يضربه حتى يسأم ، ثم مات لعنه الله.

ولما كانت الجماعة واستقر المر على معاوية، دخل عليه عبيد الله بن العباس وعنده بسر بن أرطاة، فقال له عبيد الله: أأنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟ قال بسر: نعم أنا قاتلهما. فقال عبيد الله: أما والله لوددت أن الأرض كانت أنبتتني عنك. فقال بسر: فقد أنبتتك الآن عندي. فقال عبيد الله: ألا سيف! فقال له بسر: هاك سيفي.فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله، أخذه معاوية، ثم قال لبسر: أخزاك الله شيخاً قد كبرت وذهب عقلك، تعمد إلى رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه، تدفع إليه سيفك، إنك لغافل عن قلوب بني هاشم، والله لو تمكن منه لبأ بي قبلك. فقال عبيد الله: أجل، والله، ثم إذن لثنيت به.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: أخبرني محمد بن مسروق قال: قال الأصمعي: سمع رجل من أهل اليمن وقد قدم مكة امرأة عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة بقولها:

يا من أحس بنيي اللذين هـمـا

 

كالدرتين تشظى عنهما الصدف

فرق لها، فاتصل ببسر حتى وثق به، ثم اختال لقتل ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس، فقتلهما وهرب، وقال:

يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعـت

 

شمس النهار ولا غابت على ناس

خيرٍ من الهاشـمـيين الـذين هـم

 

عين الهدى وسمام الأشوش القاسي

ماذا أردت إلى طلفـي مـدلـهة

 

بكي وتندب من أثكلت في النـاس

إما قتلتهما ظلماً فـقـد شـرقـت

 

في صاحبيك قناتي يوم أوطاسـي

فاشرب بكأسهما ثكلاً كما شربـت

 

أم الطبيين أو ذاق ابـن عـبـاس

ألا فاسقياني من شرابكما الـوردي

 

وإن كنت قد أنفذت فاسترهنا بردي

سواري دملوجي وما ملكـت يدي

 

مباح لكم نهب فلا تقطعوا وردي

عروضه من الطويل. والشعر لأم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس. والغناء لإبراهيم الموصلي، رمل بالوسطى، من رواية عمرو بن بانة.