خبر لبيد في مرثية أخيه

خبر لبيد في مرثية أخيه

نسب أربد

وقد تقدم من خبر لبيد ونسبه ما فيه كفاية. يرثي أخاه لأمه أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب، وكانت أصابته صاعقة فأحرقته.

أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن عاصم، عن عمرو بن قتادة، قال: وفد بني عامر بن صعصعة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، وكان هؤلاء الثلاثة رؤوس القوم وشياطينهم، فهم عامر بن الطفيل بالغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال له قومه: يا عامر؛ إن الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: والله لقد كنت أليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، فأتبع أنا عقب هذا الفتى من قريش!.

تآمر عمر وأربد على قتل رسول الله ثم قال لأربد: إذا أقبلنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله أنت بالسيف.

محادة عامر لرسول الله فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عامر: يا محمد، خالني قال: لا والله، حتى تؤمن بالله وحده. قال: يا محمد، خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره، فجعل أربد لا يحير شيئاً. فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال: يا محمد، خالني. قال: لا، والله، حتى تؤمن بالله وحده لا تشرك به. فلما أبى عليه رسول الله قال: أما والله لأملأنها عليك خيلاً حمراً، ورجالاً سمراً.

دعاء الرسول عليه  فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامر بن الطفيل. فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لأربد: ويلك يا أربد! أين ما كنت أوصيتك به! والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً. قال: لا تعجل علي لا أبا لك! والله ما هممت بالذي أمرتني به من مرة إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك! أفأضربك بالسيف! فقال عامر:

بعث الرسول بما ترى فكأنما

 

عمداً أشد على المقانب غارا

ولقد وردن بنا المدينة شزبـاً

 

ولقد قتلن بجوها الأنصـارا

إصابة عامر بالطاعون وموته قبل عودته وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله على عامر الطاعون في عنقه، فقتله الله، وإنه لفي بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، أغدة كغدة البكر ، وموت في بيت امرأة من بني سلول! فمات.

صاعقة تحرق أربد ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر، فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فارميه بنبلي هذه حتى أقتله. فخرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.

وفود لبيد إلى الرسول نسخت من كتاب يحيى بن حازم، قال: حدثنا علي بن صالح صاحب المصلى، قال: حدثنا ابن دأب، قال: كان أبو براء عامر بن مالك قد أصابته دبيلة ، فبعث لبيد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له رواحل، فقدم بها لبيد، وأمره أن يستشفيه من وجعه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قبلت من مشرك لقبلت منه، وتناول من الأرض مدرة فتفل عليها، ثم أعطاها لبيداً، وقال: دفها له بماء ثم اسقه إياه.

يقرأ القرآن ويكتب سورة الرحمن وأقام عندهم لبيد يقرأ القرآن وكتب منهم: (الرحمن. علم القرآن) فخرج بها، ولقيه أخوه أربد على ليلة من الحي، فقال له: انزل فنزل، فقال: يا أخي، أخبرني عن هذا الرجل؛ فإنه لم يأته رجل أوثق عندي فيه قولاً منك. فقال: يا أخي، ما رأيت مثله – وجعل يذكر صدقه وبره وحسن حديثه. فقال له: هل معك من قوله شيء؟ قال: نعم، فأخرجها له فقرأها عليه، فلما فرغ منها قال له أربد: لوددت أني ألقى الرحمن بتلك البرقة ، فإن لم أضربه بسيفي فعلي وعلي…

قال: ونشأت سحابة وقد خليا عن بعيريهما، فخرج أربد يريد البعيرين، حتى إذا كان عند تلك البرقة غشيته صاعقة فمات.

وقدم لبيد على أبي براء فأخبره خبر سول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره، قال: فما فعل فيما استشفيته؟ قال: تالله ما رأيت منه شيئاً كان أضعف عندي من ذلك، وأخبره بالخبر. قال: فأين هي؟ قال: ها هي ذه معي. قال: هاتها، فأخرجها له فدافها، ثم شربها فبرأ.

رواية أخرى في وفوده على الرسول قال ابن دأب: فحدثني حنظلة بن قطرب بن إياد، أحد بني بكر بن كلاب، قال: لما أصاب عامر بن الطفيل ما أصابه، بعث بنو عامر لبيداً، وقالوا له: اقدم لنا على هذا الرجل فاعلم لنا علمه. فقدم عليه، فأسلم، وأصابه وجع هناك شديد من حمى، فرجع إلى قومه بفضل تلك الحمى، وجاءهم بذكر البعث والجنة والنار، فقال سراقة بن عوف بن الأحوص:

لعــمـــر لـــبـــيد إنـــه لابـــن أمـــه

 

ولـكـن أبـوه مـســه قـــدم الـــعـــهـــد

دفـعـنـاك فـي أرض الـحـجـاز كــأنـــمـــا

 

دفـعـنـاك فـحـلاً فـوقـه قـزع الــلـــبـــد

فعـالـجـت حــمـــاه وداء ضـــلـــوعـــه

 

وتـرنـيق عـيش مـسـه طـرف الــجـــهـــد

وجـئت بـدين الـصــابـــئين تـــشـــوبـــه

 

بألـواح نـجـد بـعـد عـهـدك مـن عـــهـــد!

وإن لنا داراً زعمت ومرجعاًوثم إياب القارظين وذي البرد

 

 

قال: فكان عمر يقول: وايم الله، إياب القارظين وذي البرد.

وفود عامر بن الطفيل على رسول الله أخبرني عبد العزيز بن أحمد عم أبي، وحبيب بن نصر المهلبي، وغيرهما، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثتني ظمياء بنت عبد العزيز بن مولة، قالت : حدثني أبي، عن جدي مولة بن كثيف، أن عامر بن الطفيل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسده وسادة، ثم قال: أسلم يا عامر. قال: على أن لي الوبر ولك المدر، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عامر مغضباً فولى، وقال: لأملأنها عليك خيلاً جرداً، ورجالاً مرداً، ولأربطن بكل نخلة فرساً. فسألته عائشة: من هذا؟ فقال: هذا عامر بن الطفيل، والذي نفسي بيده لو أسلم فأسلمت بنو عامر معه لزاحموا قريشاً على منابرهم. قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا قوم، إذا دعوت فأمنوا، فقال: اللهم اهد بني عامر، واشغل عني عامر بن الطفيل بما شئت، وكيف شئت، وأنى شئت.

موت عامر بن الطفيل

فخرج فأخذت غدة مثل غدة البكر، فجعل يثب وينزو في السماء ويقول: يا موت ابرز لي، ويقول: غدة مثل غدة البكر، وموت في بيت سلولية؟! ومات.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد إجازة، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، قال: أخبرني أسعد بن عمرو الجعفي، قال: أخبرني خالد بن قطن الحارثي، قال: لما مات عامر بن الطفيل خرجت امرأة من بني سلول كأنها نخلة حاسراً، وهي تقول:

أنعى عامر بن الطفيل وأبقى

 

وهل يموت عامر من حقا؟

وما أرى عامراً مات حقا!

 

 

قال: فما رئي يوم أكثر باكياً وباكية، وخمش وجوه، وشق جيوب من ذلك اليوم.

بنو عامر تحمي قبر عامر بالأنصاب وقال أبو عبيدة عن الحرمازي، قال: لما مات عامر بن الطفيل بعد منصرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم، نصبت عليه بنو عامر أنصاباً ميلاً في ميل، حمى على قبره لا تنشر فيه ماشية، ولا يرعى، ولا يسلكه راكب ولا ماش. وكان جبار بن سلمى بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب غائباً، فلما قدم قال: ما هذه الأنصاب؟ قالوا: نصبناها حمى لقبر عامر بن الطفيل، فقال: ضيقتم على أبي علي، إن أبا علي بان من الناس بثلاث: كان لا يعطش حتى يعطش الجمل، وكان لا يضل حتى يضل النجم، وكان لا يجبن حتى يجبن السيل.

ثلاث خلال فضل عامر بهن الناس قال أبو عبيدة: وقدم عامر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن بضع وثمانين سنة.

مراثي لبيد لأخيه

ومما رثى به لبيد أخاه أربد قوله :

ألا ذهب المحافظ والمحامي

 

ودافع ضيمنا يوم الخصـام

وأيقنت التفرق يوم قالـوا:

 

تقسم مال أربد بالسـهـام

وأربد فارس الهيجا إذا مـا

 

تقعرت المشاجر بالـفـئام

وهي طويلة يقول فيها:

فودع بالسلام أبا حزيز

 

وقل وداع اربد بالسلام

قال: وكانت كنية أربد أبا حزاز، فصغره ضرورة.
وقال فيه أيضاً :

ما إن تعدى المنون مـن أحـد

 

لا والد مـشـفـق ولا ولـد

أخشى على أربد الحتـوف ولا

 

أرهب نوء السمـاك والأسـد

فجعني الرعد والصواعق بـال

 

فارس يوم الكريهة الـنـجـد

الحارب الجابر الـحـريب إذا

 

جاء نكـيبـاً وإن يعـد يعـد

يعفو على الجهد والسؤال كمـا

 

أنزل صوب الربيع ذي الرصد

لم تبلغ العين كل نهـمـتـهـا

 

ليلة تمسي الجياد كـالـقـدد

كل بني حـرة مـصـيرهـم

 

قل، وأن أكثرت من الـعـدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمـروا

 

يوماً يصيروا للهلك والنـفـد

يا عين هلا بـكـيت أربـد إذ

 

قمنا وقام الخصوم في كـبـد

يا عين هلا بـكـيت أربـد إذ

 

ألوت رياح الشتاء بالعـضـد

واصبحت لاقحـاً مـصـرمة

 

حين تقضت غوابـر الـمـدد

إن يشغبوا لا يبال شغـبـهـم

 

أو يقصدوا في الخصام يقتصد

حلو كـريم، وفـي حـلاوتـه

 

مر، لطيف الأحشاء والكـبـد

أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينشد شعراً له في رثاء أخيه أربد نسخت من كتاب ابن النطاح، عن المدائني، عن علي بن مجاهد، قال: أنشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه قول لبيد في أخيه أربد :

لعمري لئن كان المخبر صـادقـاً

 

لقد رزئت في حادث الدهر جعفر

أخر لي، أما كل شيء سـألـتـه

 

فيعطي، وأما كل ذنب فيغـفـر

فقال أبو بكر رضوان الله عليه: ذلك رسول الله، لا أربد بن قيس.

وقد رثاه بعد ذلك بقصائد يطول الخبر بذكرها.

ومما رثاه به، وفيه غناء، قوله : صوت

بلينا وما تبلى النجوم الطـوالـع

 

وتبقى الجبال بعدنا والمصـانـع

وقد كنت في أكناف دار مضـنة

 

ففارقني جار بـأربـد نـافـع

فلا جزع إن فرق الدهر بينـنـا

 

فكل فتى يوماً به الدهر فاجـع

وما المرء إلا كالشهاب وضـوئه

 

يحور رماداً بعد إذ هو ساطـع

أليس ورائي إن تراخت منـيتـي

 

لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

أخبر أخبار القرون التي مضـت

 

أدب كأني كلما قـمـت راكـع

فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه

 

تقادم عهد القين والنصل قاطـع

فلا تبعدن إن المـنـية مـوعـد

 

علينا فدان للطلـوع وطـالـع

أعاذل مـا يدريك، إلا تـظـنـياً

 

إذا رحل السفار من هو راجع؟

أتجزع مما أحدث الدهر للفتـى

 

وأي كريم لم تصبه الـقـوارع!

غنى في الأول والخامس والسادس والسابع حنين الحيري خفيف ثقيل أول بالبنصر، عن الهشامي وابن المكي وحماد، وفيها ثقيل أول بالوسطى، يقال إنه لحنين أيضاً، ويقال إنه لأحمد النصبي ، ويقال: إنه منحول.

ومما رثاه به قوله، وهي من مختار مراثيه :

طرب الفؤاد وليته لـم يطـرب

 

وعناه ذكرى خلة لم تصـقـب

سفهاً، ولو أني أطعت عواذلـي

 

فيما يشرن به بسفح المـذنـب

لزجرت قلباً لا يريع لـزاجـر

 

إن الغوي إذا نهي لم يعـتـب

فتعز عن هذا، وقل في غـيره

 

واذكر شمائل من أخيك المنجب

يا أربد الخير الـكـريم جـدوده

 

أفردتني أمشي بقرن أعضـب

إن الرزية لا رزية مـثـلـهـا

 

فقدان كل أخ كضوء الكوكـب

ذهب الذين يعاش في أكنافـهـم

 

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

يتـأكـلـون مـغـالة وخـيانة

 

ويعاب قائلهم وإن لم يشـغـب

ولقد أراني تارة من جـعـفـر

 

في مثل غيث الوابل المتحلـب

من كل كهل كالسـنـان وسـيد

 

صعب المقادة كالفنيق المصعب

من معشر سنت لهـم آبـاؤهـم

 

والعز قد يأتي بغير تـطـلـب

فبرى عظامي بعد لحمي فقدهم

 

والدهر إن عاتبت ليس بمعتـب

حدثنا محمد بن جرير الطبري، قال: حدثنا أبو السائب سالم بن جنادة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تنشد بيت لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهـم

 

وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ثم تقول: رحم الله لبيداً، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!.

قال عروة: رحم الله عائشة، فكيف بها لو أدركت من نحن بين ظهرانيهم!.

قال هشام: رحم الله أبي، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! وقال وكيع: رحم الله هشاماً، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! قال أبو السائب: رحم الله وكيعاً، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم! قال أبو جعفر: رحم الله أبا السائب، فكيف لو أدرك من نحن بين ظهرانيهم!.

قال أبو الفرج الأصبهاني: ونحن نقول: الله المستعان، فالقصة أعظم من أن توصف!.

صوت

فإن كان حقاً مـا زعـمـت أتـيتـه

 

إليك فقام النائحات عـلـى قـبـري

وإن كان ما بلغـتـه كـان بـاطـلاً

 

فلا مت حتى تسهري الليل من ذكري

عروضه من الطويل. والشعر للعباس بن الأحنف يقوله في فوز، وخبرهما يأتي ها هنا، والغناء لبذل، خفيف رمل بالبنصر، وفيه لبنان بن عمرو ثاني ثقيل بالبنصر، وفيه لحن لابن جامع من كتاب إبراهيم. وزعم أبو العباس أن لمعبد اليقطني فيه خفيف رمل، وذكر حبش أن لإبراهيم خفيف الرمل بالوسطى. وذكر علي بن يحيى المنجم أنه لعلية. وقيل: إن خفيف الرمل بالبنصر للقاسم بن زنقطة. والصحيح أنه لبذل.