خبر لأبي الخيبري عند قبر حاتم

خبر لأبي الخيبري عند قبر حاتم

أخبرني أحمد بن محمد البزار الأطروش، عن علي بن حرب، عن هشام بن محمد، عن أبي مسكين بن جعفر بن المحرز بن الوليد، عن أبيه، قال: قال الوليد جده، وهو مولى لأبي هريرة: سمعت محرز بن أبي هريرة يتحدث، قال: كان رجل يقال له أبو الخيبري مر في نفرٍ من قومه بقبر حاتم، وحوله أنصاب متقابلات من حجارة كأنهن نساءٌ نوائح. قال: فنزلوا به، فبات أبو الخيبري ليلته كلها ينادي: أبا جعفر أقر أضيافك. قال: فيقال له: مهلاً؛ ما تكلم من رمةٍ بالية! فقال: إن طيئاً يزعمون أنه لم ينزل به أحدٌ إلا قراه.

قال: فلما كان من آخر الليل نام أبو الخيبري، حتى إذا كان في السحر وثب فجعل يصيح: وارحلتاه! فقال له أصحابه: ويلك! ما لك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي، قالوا: كذبت، قال: بلى، فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها، ثم أردفوه، فانطلقوا فساروا ما شاء الله، ثم نظروا إلى راكب فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود، فلحقهم، فقال: أيكم أبو الخيبري؟ فقالوا: هو هذا، فقال: جاءني أبي في النوم، فذكر لي شتمك إياه، وأنه قرى راحلتك لأصحابك ، وقد قال في ذلك أبياتاً، ورددها حتى حفظتها؛ وهي :

أبا خيبري وأنـت امـرؤٌ

 

ظلوم العشيرة شتامهـا

فمـاذا أردت إلـى رمة

 

ببادية صخب هامـهـا

تبغي أذاها وإعسـارهـا

 

وحولك غوث وأنعامهـا

وإنا لنطعم أضـيافـنـا

 

من الكوم بالسيف نعتامها

وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه، فأخذه وركبه، وذهبوا .

حاتم يطلق قومه من أسر الحارث بن عمرو

أغارت طيىء على إبل للنعمان بن الحارث بن أبي شمر الجفني، ويقال: هو الحارث بن عمرو، رجل من بني جفنة، وقتلوا ابناً له. وكان الحارث إذا غضب حلف ليقتلن وليسبين الذراري، فحلف ليقتلن من بني الغوث أهل بيت على دمٍ واحد، فخرج يريد طيئاً، فاصاب من بني عدي بن أخزم سبعين رجلاً رأسهم وهم بن عمرو من رهط حاتم – وحاتمٌ يومئذ بالحيرة عند النعمان – فأصابتهم مقدمات خيله. فلما قدم حاتم الجبلين جعلت المرأة تأتيه بالصبي من ولدها فتقول: يا حاتم أسر أبو هذا. فلم يلبث إلا ليلة حتى سار إلى النعمان ومعه ملحان بن حارثة، وكان لا يسافر إلا وهو معه، فقال حاتم :

ألا إنني قد هاجني الليلة الـذكـر

 

وما ذاك من حب النساء ولا الأشر

ولكنه مما أصـاب عـشـيرتـي

 

وقومي بأقران حواليهم الـصـير

الأقران: الحبال. والصير: الحظائر، واحدها صيرة.

ليالي نمشي بين جـو ومـسـطـح

 

نشـاوى لـنـا مـن كـل جـزر

فيا ليت خبر النـاس حـياً ومـيتـاً

 

يقول لنا خيراً ويمضي الذي ائتمـر

فإن كان شراً فالـعـزاء فـإنـنـا

 

على وقعات الدهر من قبلها صبـر

سقى الله رب النـاس سـحـا وديمةً

 

جنوب السراة من مآب إلى زغـر

بلاد امرىء لا يعرف الـذم بـيتـه

 

له المشرب الصافي ولا يطعم الكدر

تذكرت من وهم بن عمرٍو وجـلادةً

 

وجرأة مغزاه إذا صـارخ بـكـر

فأبشر وقر العين منـك فـإنـنـي

 

أحيي كريماً لا ضعيفاً ولا حصـر

فدخل حاتم على النعمان فأنشده، فأعجب به، واستوهبهم منه؛ فوهب له بني امرىء القيس بن عدي، ثم أنزله فأتي بالطعام والخمر، فقال له ملحان: أتشرب الخمر وقومك في الأغلال؟ قم إليه فسله إياهم، فدخل عليه فأنشده

إن امرأ القيس أضحت من صنيعكموعبد شمس أبيت اللعن فاصطنعوا

 

إن عديا إذا ملكت جانبها

 

من أمـر غـوثٍ عـلـى مــرأى ومـــســـتـــمـــع

أتـبـع بـنـي عـبـد شـمـس أمـر صــاحـــبـــهـــم

 

أهـلـــي فـــداؤك إن ضـــروا وإن نـــفـــعـــوا

لا تجعلنا أبيت اللعن ضاحيةكمعشر صـلـمـوا الآذان أو جـدعـوا

 

 

أو كالجناح إذا سلت قوادمه

 

صار الـجـنـاح لــفـــضـــل الـــريش يتـــبـــع

فأطلق له بني عبد شمس بن عدي بن أخزم، وبقي قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضي بن مالك بن ذبيان بن عمرو بن ربيعة بن جرول الأجئي ، وهو من لخم، وأمه من بني عدي، وهو جد الطرماح بن حكيم بن نفر بن قيس بن جحدر، فقال له النعمان: أفبقي أحد من أصحابك؟ فقال حاتم :

فككت عديا كلها من إسـارهـا

 

فأفضل وشفعني بقيس بن جحدر

أبوه أبي والأمهات أمـهـاتـنـا

 

فأنعم فدتك اليوم نفسي ومعشري

فقال: هو لك يا حاتم، فقال حاتم :

أبلغ الحارث بن عمرو بـأنـي

 

حافظ الود مرصدٌ للـثـواب

ومجيبٌ دعـاءه إن دعـانـي

 

عجلاً واحـداً وذا أصـحـاب

إنما بيننا وبـينـك فـاعـلـم

 

سير تسعٍ للعاجل المـنـتـاب

فثلاثٌ من السراة إلى الـحـلة

 

للخيل جـاهـداً والـركـاب

وثلاثٌ يوردن تـيمـاء رهـواً

 

وثلاثٌ يقربن بـالأعـجـاب

فإذا ما مررن في مسبـطـر

 

فاجمح الخي مثل جمع الكعاب

اجمح: ارم بهم كما يرمى بالكعاب، ويقال: إذا انتصب لك أمر فقد جمح.

بينما ذاك أصبحت وهي عضدي

 

من سبي مجموعةٍ ونـهـاب

عضدى: مكسورة الأعضاء.

ليت شعري متى أرى قبةً ذا

 

ت قلاعٍ للحارث الحـراب

بيفاعٍ وذاك منـهـا مـحـل

 

فوق ملكٍ يدين بالأحـسـاب

أيها الموعدي فإن لـبـونـي

 

بين حقل وبين هضب دبـاب

حيث لا أرهب الجراة وحولي

 

ثعليون كالليوث الغـضـاب

وقال حاتم أيضاً :

لم تنسنـي إطـلال مـاويةٍ يأسـي

 

ولا الزمن الماضي الذي مثله ينسي

إذا غربت شمس النهار وردتـهـا

 

كما يرد الظمآن آتية الـخـمـس

حاتم وماوية بنت عفزر

قال: وكنا عند معاوية ، فتذاكرنا ملوك العرب، حتى ذكرنا الزباء وابنة عفزر، فقال معاوية: إني لأحب أن أسمع حديث ماوية وحاتم، وماوية بنت عفزر، فقال رجل من القوم: أفلا أحدثك يا أمير المؤمنين؟ فقال: بلى، فقال: إن ماوية بنت عفزر كانت ملكة، وكانت تتزوج من أرادت، وإنها بعثت غلماناً لها وأمرتهم أن يأتوها بأوسم من يجدونه بالحيرة، فجاءوها بحاتم، فقالت له: استقدم إلى الفراش، فقال: حتى أخبرك، وقعد على الباب، وقال: إني أنتظر صاحبين لي، فقالت: دونك أستدخل المجمر. فقال: استي لم تعود المجمر، فأرسلها مثلاً.

فارتابت منه، وسقته خمراً ليسكر، فجعل يهريقه بالباب فلا تراه تحت الليل، ثم قال: ما أنا بذائق قرى ولا قار حتى أنظر ما فعل صاحباي. فقالت: إنا سنرسل إليهما بقري، فقال حاتم: ليس بنافعي شيئاً أو آتيهما. قال: فأتاهما، فقال: أفتكونان عبدين لابنة عفزر، ترعيان غنمها أحب إليكما أم تقتلكما ؟ فقالا: كل شيء يشبه بعضه بعضاً، وبعض الشر أهون من بعض، فقال حاتم: الرحيل والنجاة. وقال يذكر ابنة عفزر، وأنه ليس بصاحب ريبة :

حننت إلى الأجـبـال أجـبـال طـيىء

 

وحنت قلوصي أن رأت سوط أحمـرا

فقلت لهـا: إن الـطـريق أمـامـنـا

 

وإنا لمـحـيو ربـعـنـا إن تـيسـرا

فيا راكـبـي عـلـيا جـديلة إنـمــا

 

تسامان ضيماً مستبيناص فـتـنـظـرا

فما نكـراه غـير أن ابـن مـلـقـط

 

أراه وقد أعطى الـظـلامة أو جـرا

وإني لمزج للمطـي عـلـى الـوجـا

 

وما أنا من خـلانـك ابـنة عـفـزرا

وما زلـت أسـعـى بـين نـابٍ ودارةٍ

 

حصانين سيالـين جـونـاً وأشـقـرا

لشعـبٌ مـن الـريان أمـلـك بـابـه

 

أنادي به آل الـكـبـير وجـعـفـرا

أحـب إلـي مـن خـطـيب رأيتــه

 

إذا قلت معروفـاً تـبـدل مـنـكـرا

تنادي إلى جـاراتـهـا: إن حـاتـمـاً

 

أراه لعمري بـعـدنـا قـد تـغـيرا

تغـيرت إنـي غــير آتٍ لـــريبةٍ

 

ولا قائلٍ يوماً لذي العرف مـنـكـرا

فلا تسألـينـي واسـألـي أي فـارس

 

إذا بادر القوم الكنـيف الـمـسـتـرا

ولا تسألـينـي واسـألـي أي فـارس

 

إذا الخيل جالت في قناً قد تـكـسـرا

فلا هي ما ترعى جميعاً عـشـارهـا

 

ويصبح ضيفي ساهم الوجـه أغـبـرا

متى ترني أمشي بسيفـي وسـطـهـا

 

تخفني وتضمر بينـهـا أن تـجـزرا

وإني ليغشى أبعد الحـي جـفـنـتـي

 

إذا ورق الطلح الطـوال تـحـسـرا

فلا تسأليني واسألي بـه صـحـبـتـي

 

إذا ما المطـي بـالـفـلاة تـضـورا

وإني لوهابٌ قـطـوعـي ونـاقـتـي

 

إذا ما انتشيت، والكميت الـمـصـدرا

وإني كأشـلاء الـلـجـام ولـن تـري

 

أخا الحرب إلا ساهم الوجـه أغـبـرا

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها

 

وإن شمرت عن ساقها الحرب شمـرا

وإني إذا مـا الـمـوت لـم يك دونـه

 

قدى الشبر أحمى الأنـف أن أتـأخـرا

متى تـبـغ وداً مـن جـديلة تـلـقـه

 

مع الشنء مـنـه بـاقـياً مـتـأثـراً

فالإيفـادونـا جـهـاراً نـلاقـهــم

 

لأعـدائنـا رداءاً دلـيلاً ومـنــذرا

إذا حال دوني مـن سـلامـان رمـلةٌ

 

وجدت توالي الوصل عنـدي أبـتـرا

وذكروا أن حاتماً دعته نفسه إليها بعد انصرافه من عندها، فأتاها يخطبها فوجد عندها النابغة ورجلاً من الأنصار من النبيت ، فقالت لهم: انقلبوا إلى رحالكم، وليقل كل واحد منكم شعراً يذكر فيه فعاله ومنصبه، فإني أتزوج أكرمكم وأشعركم. فانصرفوا ونحر كل واحد منهم جزوراً، ولبست ماوية ثياباً لأمةٍ لها وتبعتهم، فأتت النبيتي فاستطعمته من جزوره فأطعمها ثيل جمله فأخذته، ثم أتت نابغة بني ذبيان فاستطعمته فأطعمها ذنب جزوره فأخذته، ثم أتت حاتماً وقد نصب قدره فاستطعمته، فقال لها: قفي حتى أعطيك ما تنتفعين به إذا صار إليك، فانتظرت فأطعمها قطعاً من العجز والسنام، ومثلها من المخدش، وهو عند الحارك ، ثم انصرفت، وأرسل كل واحد منهم إليها ظهر جمله، وأهدى حاتم إلى جاراتها مثل ما أرسل إليها،لا ولم يكن يترك جاراته إلا بهدية. وصبحوها فاستنشدتهم فانشدها النبيتي :

هلا سألت النبيتيين مـا حـسـبـي

 

عند الشتاء إذا ما هـبـت الـريح

ورد جازرهم حـرفـاً مـصـرمة

 

في الرأس منها وفي الأصلاء تمليح

وقال رائدهـم : سـيان مـا لـهـم

 

مثلان مثلٌ لمن يرعى وتـسـريح

إذا اللقاح غدت ملقى أصـرتـهـا

 

ولا كريم من الولدان مـصـبـوح

فقالت له: لقد ذكرت مجهدة .
ثم استنشدت النابغة، فأنشدها يقول :

هلا سألت بني ذبيان مـا حـسـبـي

 

إذا الدخان تغشى الأشمط الـبـرمـا

وهبت الريح من تـلـقـاء ذي أرل

 

تزجي مع الليل من صرادها الصرما

إني أتمـم أيسـاري وأمـنـحـهـم

 

مثنى الأيادي وأكسو الجفـنة الأدمـا

فلما أنشدها قالت: ما ينفك الناس بخير ما ائتدموا.

ثم قالت: يا أخا طيىء أنشدني، فأنشدها :

أماوي قد طال التجنب والـهـجـر

 

وقد عذرتني في طلابكـم الـعـذر

أمـاوي إن الـمـال غــادٍ ورائح

 

ويبقى من المال الأحاديث والذكـر

أمـاوي إنـي لا أقـول لـســائلٍ

 

إذا جاء يوماً: حل في مالنا الـنـذر

أمـاوي إمـا مـانـعٌ فـمـبــين

 

وإما عطاءٌ لا ينهنـهـه الـزجـر

أماوي ما يغني الثراء عن الفـتـى

 

إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر

إذا أنـا دلانـي الـذين أحـبـهـم

 

بملحودةٍ زلجٍ جوانـبـهـا غـبـر

وراحوا سراعاً ينفضون أكـفـهـم

 

يقولون: قد دمى أناملنا الـحـفـر

أماوي إن يصبح صداي بـقـفـرةٍ

 

من الأرض لا ماء لدي ولا خمـر

تري أن ما أنفقت لم يك ضـرنـي

 

وأن يدي مما بخلـت بـه صـفـر

أمـاوي إنـي رب واحـد أمـــه

 

أخذت فلا قتـلٌ عـلـيه ولا أسـر

وقد علم الأقـوام لـو أن حـاتـمـاً

 

أراد ثراء المـال كـان لـه وفـر

فإني لا آلو بـمـالـي صـنـعـيةً

 

فأولـه زادٌ وآخـــره ذخـــر

يفك به العـانـي ويؤكـل طـيبـاً

 

وما إن تعرته القداح ولا الخـمـر

ولا أظلم ابن العم إن كان إخـوتـي

 

شهوداً وقد أودى بإخوتـه الـدهـر

غنينا زماناً بالتصعلـك والـغـنـى

 

وكلاً سقاناه بكأسهمـا الـعـصـر

فما زادنا بغـياً عـلـى ذي قـرابةٍ

 

غنانا ولا أزرى بأحسابنا الـفـقـر

وما ضر جاراً يابنة القوم فاعلـمـي

 

يجاورنـي ألا يكـون لـه سـتـر

بعيني عن جارات قومـي غـفـلةٌ

 

وفي السمع مني عن حديثهم وقـر

فلما حاتم من إنشاده دعت بالغداء، وكانت قد أمرت إماءها أن يقدمن إلى كل رجل منهم ما كان أطعمها، فقدمن إليهم ما كانت أمرتهن أن يقدمنه إليهم، فنكس النبيتي رأسه والنابغة، فلما نظر حاتم إلى ذلك رمى بالذي قدم إليهما ، وأطعمهما مما قدم إليه، فتسللا لواذاً، وقالت: إن حاتماً أكرمكم وأشعركم.

فلما خرج النبيتي والنابغة قالت لحاتم: خل سبيل امرأتك، فأبى، فزودته وردته. فما انصرف دعته نفسه إليها، وماتت امرأته، فخطبها فتزوجته، فولدت عدياً.

إسلام عدي بن حاتم

وقد كان عدي أسلم وحسن إسلامه، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له، وقد سأله عدي: يا رسول الله، إن أبي كان يعطي ويحمل، ويوفي بالذمة، ويأمر بمكارم الأخلاق؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أباك خشبة من خشبات جهنم. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الكآبة في وجهه، فقال له: يا عدي إن أباك وأبي وأبا إبراهيم في النار.

ماوية وحاتم وابن عمه مالك

وكانت ماوية عنده زماناً، وإن ابن عم لحاتم كان يقال له: مالك قال لها: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، وإن لم يجد ليتكلفن، وإن مات ليتركن ولده عيالاً على قومك، فقالت ماوية: صدقت، إنه كذلك.

وكان النساء – أو بعضهن – يطلقن الرجال في الجاهلية، وكان طلاقهن أنهن إن كن في بيتٍ من شعر حولن الخباء؛ فإن كان بابه قبل المشرق حولنه قبل المغرب، وإن كان بابه قبل اليمن حولنه قبل الشام؛ فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها. وإن ابن عم حاتم قال لماوية – وكانت أحسن نساء الناس -: طلقي حاتماً، وأنا أنكحك وأنا خير لك منه، وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك؛ فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً، فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال: يا عدي، ما ترى أمك عدي عليها؟ قال: لا أدري، غير أنها قد غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال، فدعاه فهبط به بطن وادٍ، وجاء قومٌ فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، فتوافوا خمسين رجلاً، فضاقت بهم ماوية ذرعاً، وقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له: إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا خمسين رجلاً فأرسل بنابٍ نقرهم ولبنٍ نغبقهم ، وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زوره، وأدخل يده في رأسه فاقفلي ودعيه، وإنها لما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطباً من لبن وتحت بطنه آخر، فأيقظته فأدخل يده في رأسه وضرب بلحيته على زوره، فأبلغته من أرسلتها به ماوية، وقالت: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه.

فقال لها: اقرئي عليها السلام، وقولي لها: هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً فيه، فما عندي من كبيرة قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبنٌ يكفي أضياف حاتم.

فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وما قال؛ فقالت: ائت حاتماً فقولي: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك. فأرسل إلينا بنابٍ ننحرها ونقرهم وبلبن نسقهم؛ فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.

فأتت الجارية حاتماً فصرخت به.

فقال حاتم: لبيك، قريباً دعوت. فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها ولبنٍ نسقهم. فقال: نعم وأبي. ثم قام إلى الإبل فأطلق ثنيتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء، فقال حاتم :

هل الدهر إلا اليوم أو أمس أو غد

 

كذاك الزمـان بـينـنـا يتـردد

يرد علينا لـيلةً بـعـد يومـهـا

 

فلا نحن ما نبقى ولا الدهر ينفـد

لنا أجلٌ إما تـنـاهـى أمـامـه

 

فنحن عـلـى آثـاره نـتـورد

بنو ثعلٍ قومي فـمـا أنـا مـدعٍ

 

سواهم إلى قوم وما أنا مسـنـد

بدرئهم أغشى دروء مـعـاشـرٍ

 

ويحنف عني الأبلخ المتـعـمـد

فمهلاً فداك اليوم أمي وخالـتـي

 

فلا يأمرنـي بـالـدنـية أسـود

على حين أن ذكيت واشتد جانبـي

 

أسام التي أعـييت إذ أنـا أمـرد

فهل تركت قبلي حضور مكانهـا!

 

وهل من أتى ضيماً وخسفاً مخلد!

ومعتسفٍ بالرمح دون صحـابـه

 

تعسفته بالسيف والقـوم شـهـد

فخر على حر الـجـبـين وذاده

 

إلى الموت مطرور الوقيعة مذود

فما رمته حتى أزحت عـويصـه

 

وحتى علاه حالك اللـون أسـود

فأقسمت لا أمشي على سر جارتي

 

يد الدهر ما دام الحـمـام يغـرد

ولا أشتري مالاً بغدرٍ علـمـتـه

 

ألا كل مالٍ خالط الغدر أنـكـد

إذا كان بعض المال رباً لأهـلـه

 

فإني بحمد الله ما لـي مـعـبـد

يفك به العانـي ويؤكـل طـيبـاً

 

ويعطى إذا ضن البخيل المصرد

إذا ما البخيل الخب أخمـد نـاره

 

أقول لمن يصلى بناري: أوقـدوا

توسع قليلاً أو يكن ثم حسبنـا

 

وموقدها البادي أعف وأحمـد

كذاك أمور الناس راضٍ دنـيةً

 

وسامس إلى فرع العلا متورد

فمنهم جوادٌ قد تلفت حـولـه

 

ومنهم لئيم دائم الطرف أقـود

واعٍ دعاني دعوةً فأجـبـتـه

 

وهل يدع الداعين إلا اليلنـدد

حاتم ونساء من عنتزة

أسرت عنزة حاتماً، فجعل نساء عنزة يدارئن بعيراً ليفصدنه فصعفن عنه، فقلن: يا حاتم، أفاصده أنت إن أطلقنا يديك؟ قال: نعم. فأطلقن إحدى يديه، فوجأ لبته فاستدمينه . ثم إن البعير عضد، أي لوى عنقه، أي خر، فقلن: ما صنعت؟ قال: هكذا فصادتي، فجرت مثلاً. قال: فلطمته إحداهن، فقال: ما أنتن نساء عنزة بكرام، ولا ذوات أحلام. وإن امرأةً منهن يقال لها: عاجزة أعجبت به، فأطلقته؛ ولم ينقموا عليه ما فعل، فقال حاتم يذكر البعير الذي فصده :

كذلك فصدي إن سألت مطيتي

 

دم الجوف إذ كل الفصاد وخيم

جوده وهو غلام

أقبل ركبٌ من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتماً، فقالوا له: إنا تركنا قومنا يئنون عليك خيراً، وقد أرسلوا إليك رسولاً برسالة. قال: وما هي؟ فأنشده الأسديون شعراً لعبيد ولبشر يمدحانه، وأنشد القيسيون شعراً للنابغة، فلما أنشدوه قالوا: إنا نستحي أن نسألك شيئاً، وإن لنا لحاجة، قال: وما هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل ، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم. فأخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت، فاتبعته الجارية، فقال حاتم: ما تبعكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.

وإنهم وردوا على أبي حاتم، فعرف الفرس والفلو، فقال: ما هذا معكم؟ فقالوا: مررنا بغلامٍ كريمٍ فسألناه، فأعطى الجسيم.

رواية أخرى في خبر أبي الخيبري

قال: وكنا عند معاوية فتذاكرنا الجود، فقال رجل من القوم: أجود الناس حياً وميتاً حاتم، فقال معاوية: وكيف ذلك؛ فإن الرجل من قريش ليعطى في المجلس ما لم يملكه حاتم قط ولا قومه، فقال: أخبرك يا أمير المؤمنين، أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم، فقالوا: لنبخلنه ولنخبرن العرب أنا نزلنا بحاتم، فلم يقرنا، فجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقري أضيافك! وكان رئيس القوم رجل يقال له: أبا الخيبري، فإذا هو بصوتٍ ينادي في جوف الليل:

أبا خيبري وأنت امرؤٌ

 

ظلوم العشيرة شتامها

إلى آخرها، فذهبوا ينظرون؛ فإذا ناقة أحدهم تكوس على ثلاثة أرجل عقيراً. قال: فعجب القوم من ذلك جميعاً.

حاتم وأوس بن سعد

وكان أوس بن سعد قال للنعمان بن المنذر: أنا أدخلك بين جبلي طيىء حتى يدين لك أهلهما، فبلغ ذلك حاتماً، فقال :

ولقد بغى بخـلاد أوسٌ قـومـه

 

ذلاً وقد علمت بذلك سـنـبـس

حاشا بني عمرو بن سنبس إنـهـم

 

منعوا ذمار أبيهـم أن يدنـسـوا

وتواعـدوا ورد الـقـرية غـدوةً

 

وحلفت بالله العزيز لنـحـبـس

والله يعلم لو أتـى بـسـلافـهـم

 

طرف الجريض لظل يومٌ مشكس

كالنار والشمس التي قالت لـهـا

 

بيد اللويسم عالمـاً مـا يلـمـس

لا تطعمن المـاء إن أوردتـهـم

 

لتمام ظمئكم ففوزوا واحلـسـوا

أو ذو الحصين وفارسٌ ذو مـرة

 

بكتـيبةٍ مـن يدركـوه يفـرس

وموطأ الأكناف غـير مـلـعـن

 

فيالحي مشاء إليه الـمـجـلـس

شعره في مدح بني بدر

قال: وجاور في بني بدر زمن احتربت جديلة وثعل، وكان ذلك زمن الفساد، فقال يمدح بني بدر :

إن كنت كارهةً معيشـتـنـا

 

هاتي فحلي في بنـي بـدر

جاورتهم زمن الفساد فـنـع

 

م الحي في العوصاء واليسر

فسقيت بالماء النمـير ولـم

 

ينظر إلي بـأعـين جـزر

الضاربين لدى أعنتـهـمـه

 

والطاعنين وخيلهم تجـري

الخالطين نحيتهم بنضارهـم

 

وذوي الغنى منهم بذي الفقر

يقيم مكان أسير في قيده ويطلقه

وزعموا أن حاتماً خرج في الشهر الحرام يطلب حاجةً، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة؛ أكلني الإسار والقمل، قال: ويلك! والله ما أنا في بلاد قومي، وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي، ومالك مترك. فساوم به العنزيين فاشتراه منهم، فقال: خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداءه، ففعلوا، فأتي بفدائه.

ماوية تتحدث عن كرمه

وحدث الهيثم بن عدي، عمن حدثه، عن ملحان ابن أخي ماوية امرأة حاتم، قال: قلت لماوية: يا عمة، حدثيني ببعض عجائب حاتم، فقالت: كل أمره عجب، فعن أية تسأل؟ قال: قلت: حدثيني ما شئت، قالت: أصابت الناس سنة، فأذهبت الخف والظلف، فإني وإياه ليلةً قد أسهرنا الجوع، قالت: فأخذ عدياً وأخذت سفانة، وجعلنا نعللهما حتى ناما، ثم أقبل علي يحدثني ويعللني بالحديث كي أنام، فرققت له لما به من الجهد، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ مراراً، فلم أجب، فسكت فنظر في فتق الخباء فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأةٌ، فقال: ما هذا؟ قالت: يا أبا سفانة؛ أتيتك نم عند صبيةٍ يتعاوون كالذئاب جوعاً، فقال: أحضريني صبيانك، فوالله لأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت: بماذا يا حاتم! فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل فقال: والله لأشبعن صبيانك مع صبيانها.

فلما جاءت قام إلى فرسه فذبحها، ثم قدح ناراً ثم أججها، ثم دفع إليها شفرة، فقال: اشتوي وكلي، ثم قال: أيقظي صبيانك. قالت: فأيقظتهم ، ثم قال: والله إن هذا للؤمٌ، تأكلون وأهل الصرم حالهم مثل حالكم! فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً فيقول: انهضوا عليكم بالنار. قال: فاجتمعوا حول تلك الفرس، وتقنع بكسائه فجلس ناحيةً، فما أصبحوا ومن الفرس على الأرض قليل ولا كثير إلا عظم وحافر، وإنه لأشد جوعاً منهم، وما ذاقه.

حاتم ومحرق

أتى حاتم ومحرقاً فقال له محرق: بايعني، فقال له: إن لي أخوين ورائي، فإن يأذنا لي أبايعك وإلا فلا، قال: فاذهب إليهما، فإن أطاعاك فأتني بهما، وإن أبيا فأذن بحرب. فلما خرج حاتم قال :

أتاني من الريان أمس رسـالةٌ

 

وعدوى وغي ما يقول مواسل

هما سألاني: ما فعلت؟ وإننـي

 

كذلك عما أحدثـا أنـا سـائل

فقلت: ألا كيف الزمان عليكما؟

 

فقالا: بخير كل أرضك سائل

فقال محرق: ما أخواه؟ قال : طرفا الجبل، فقال: ومحلوفه لأجللن مواسلاً الريط مصبوغاتٍ بالزيت، ثم لأشعلنه بالنار. فقال رجل من الناس: جهل مرتقىً بين مداخل سبلات . فلما بلغ ذلك محرقاً قال: لأقدمن عليك قريتك . ثم إنه أتاه رجل، فقال له: إنك إن تقدم القرية تهلك. فانصرف ولم يقدم.

حاتم وأسير له

غزت فزارة طيئاً وعليهم حصين بن حذيفة، وخرجت طيىء في طلب القوم، فلحق حاتم رجلاً من بدر ، فطعنه ثم مضى، فقال: إن مر بك أحد فقل له: أنا أسير حاتم. فمر به أبو حنبل، فقال: من أنت؟ قال: أنا أسير حاتم. فقال له: إنه يقتلك، فإن زعمت لحاتم أو لمن سألك أني أسرتك، ثم صرت في يدي خليت سبيلك، فلما رجعوا قال حاتم: يا أبا حنبل خل سبيل أسيري، فقال أبو حنبل: أنا أسرته، فقال حاتم: قد رضيت بقوله، فقال: أسرني أبو حنبل، فقال حاتم :

إن أباك الجون لم يك غادراً

 

ألا من بني بدر أتتك الغوائل

صوت

وهاجرةٍ من دون مـية لـم تـقـل

 

قلوصي بها والجندب الجون يرمـح

بتيهاء مقفارٍ يكـاد ارتـكـاضـهـا

 

بآل الضحى والهجر بالطرف يمصح

– الهجر ها هنا مرفوع بفعله، كأنه قال: يكاد ارتكاضها بالآل يمصح بالطرف، هو والهجر. ويمصح: يذهب بالطرف -:

كأن الفرند المحض معصوبةٌ بـه

 

ذرا قورها ينقد عنها وينـصـح

إذا ارفض أطراف السياط وهللت

 

جروم المهاري عد منهن صيدح

عروضه من الطويل. الهاجرة: تكون وقت الزوال. والجندب: الجرادة. والجون: الأسود. والجون: الأبيض أيضاً: وهو من الأضداد. وقوله: يرمح، أي ينزو من شدة الحر لا يكاد يستقر على الأرض. والتيهاء من الأرض: التي يتاه فيها. والمقفار: التي لا أحد فيها ولا ساكن بها. ذكر ذلك أبو نصر عن الأصمعي. وارتكاضها؛ يعني ارتكاض هذه التيهاء، وهو نزوها بالآل، والآل: السراب. والهجر والهاجرة واحد. وقوله: الهجر بالطرف يمصح، رفع الهجر بفعله كأنه قال: يكاد ارتكاضها بالآل يمصح بالطرف، هو والهجر. يمصح: يذهب بالطرف. والفرند: الحرير الأبيض. والمحض: الخالص. يقول: كأن هذا السراب حرير أبيض، وقد عصبت به ذرى قورها، وهي الجبال الصغار والواحدة قارة، فتارة يغطيها وتارة ينجاب عنها وينكشف، فكأنه إذا انكشف عنها ينقد عنها، وكأنه إذا غطاها ينصح عنها ؛ أي يخاط. ويقال : نصحت الثوب، إذا خطته، والناصح: الخياط، والنصاح: الخيط. وقوله: ارفض أطراف السياط، يعني أنها انفتحت أطرافها من طول السفر؛ وأصل الارفضاض التفرق. والجروم: الأبدان، واحدها جرم، بالكسر. وقوله: هللت جروم المطايا، يعني أنها صارت كالأهلة في الدقة . وصيدح: اسم ناقته.

الشعر لذي الرمة، والغناء لإبراهيم الموصلي ماخوري بالوسطى.