خبر الحطيئة ونسبه

الثاني

خبر الحطيئة ونسبه

والسبب الذي من أجله هجا الزبرقان بن بدر

نسبه

الحطيئة لقبٌ لقب به، واسمه جرول بن أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. وهو من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، متصرفٌ في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، مجيدٌ في ذلك أجمع، وكان ذا شر وسفهٍ، ونسبه متدافعٌ بين قبائل العرب، وكان ينتمي إلى كل واحدة منها إذا غضب على الآخرين وهو مخضرمٌ أدرك الجاهلية والإسلام فأسلم ثم ارتد وقال في ذلك.

إسلامه وارتداده وشعره في ذلك

أطعنا رسول الله إذ كان بيننـا

 

فيا أحباد الله ما لأبي بـكـر

أيورثها بكراً إذا مات بـعـده

 

وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

سبب لقبه الحطيئة

ويكنى الحطيئة أبا مليكة، وقيل: إن الحطيئة غلب عليه ولقب به لقصره وقربه من الأرض وقال حمادٌ الراوية قال أبو نصر الأعرابي: سمي الحطيئة لأنه ضرط ضرطةً بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إنما هو حطيئةٌ، فسمي الحطيئة. وقال المدائني قال أبو اليقظان: كان الحطيئة يدعي أنه ابن عمرو بن علقمة أحد بني الحارث ابن سدوس، قال: وسمي الحطيئة لقربه من الأرض.

انتماؤه إلى بني ذهل ابن ثعلبة

أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي بإجازته لي يذكر عن محمد بن سلام: أن الحطيئة كان ينتمي إلى بني ذهل بن ثعلبة فقال:

إن اليمامة خير ساكنهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

قال: والقرية: منازلهم، ولم ينبت الحطيئة في هؤلاء.
تلونه وانتسابه إلى عدة قبائل وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي عن ابن الكلبي قال: سمعت خراش بن إسماعيل وخالد بن سعيد يقولان: كان الحطيئة إذا غضب على بني عبس يقول: أنا من بني ذهلٍ، وإذا غضب على بني ذهل قال: أنا من بني عبس.
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال قال حماد بن إسحاق قال أبي قال ابن الكلبي: كان الحطيئة مغموز النسب، وكان من أولاد الزنا الذين شرفوا. قال إسحاق وقال الأصمعي: كان الحطيئة يضرب بنسبه إلى بكر بن وائل فقال في ذلك.

قومي بنو عوف بن عمرٍو

 

إن أراد العلـم عـالـم

قومٌ إذا ذهبـت خـضـا

 

رم منهم خلفت خضـارم

لا يفشلون ولا تبيت علـى

 

أنوفهـم الـمـخـاطـم

قال الأصمعي وقدم الحطيئة الكوفة فنزل في بني عوف بن عامر بن ذهلٍ يسألهم وكان يزعم أنه منهم وقال في ذلك:

سيري أمام فإن المال يجـمـعـه

 

سيب الإله وإقبـالـي وإدبـاري

إلى معاشر منـهـم ياأمـام أبـي

 

من آل عوف بدوءٍ غير أشـرار

نمشي على ضوء أحسابٍ أضأن لنا

 

ما ضوأت ليلة القمراء للسـاري

خبره مع أخويه من أوس بن مالك

وقال ابن دريد في خبره عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه، وحماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال: كان أوس بن مالك بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس تزوج بنت رياح بن عمرو بن عوف بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وكان له أمةٌ يقال لها الضراء فأعلقها بالحطيئة ورحل عنها. وكان لبنت رياح أخٌ يقال له: الأفقم، وكان طويلاً أفقم، صغير العينين، مضغوط اللحيين، فولدت الضراء الحطيئة فجاءت به شبيها بالأفقم، فقالت لها مولاتها: من أين هذا الصبي؟ فقالت لها: من أخيك، وهابت أن تقول لها من زوجك، فشبهته بأخيها؛ فقالت لها: صدقت. ثم مات أوسٌ وترك ابنين من الحرة، وتزوج الضراء رجلٌ من بني عبس فولدت له رجلين فكانا أخوي الحطيئة من أمه. فأعتقت بنت رياحٍ الحطيئة وربته فكان كأنه أحدهما. وترك الأفقم نخلا باليمامة. فأتى الحطيئة أخويه من أوس بن مالكٍ وقد كانت أمه لما أعتقتها بنت رياح اعترفت أنها اعتلقت من أوس بن مالك، فقال لهم: أفردوا إلي من مالكم قطعةً فقالا: لا، ولكن أقم معنا فنحن نواسيك فقال:

أأمرتماني أن أقيم عليكمـا

 

كلا لعمر أبيكما الحـبـاق

عبدان خيرهما يشل بضبعه

 

شل الأجير قلائص الوراق

خبره وقد سأل أمه من أبوه

قال: وسأل الحطيئة أمه: من أبوه فخلطت عليه فقال:

تقول لي الضراء لست لـواحـدٍ

 

ولا اثنين فانظر كيف شرك أولئكا

وأنت امرؤ تبغي أباً قد ضللـتـه

 

هبلت ألما تستفق من ضلالـكـا

خبره مع إخوته من بني الأفقم

قال: وغضب عليها فلحق بإخوته بني الأفقم فقال:

سيري أمام فإن المال يجمعه

 

سيب الإله وإقبالي وإدباري

قال: فلم يدفعوه ولم يقبلوه فقال:

إن اليمامة خير ساكنهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

وسألهم ميراثه من الأفقم فأعطوه نخلاتٍ من نخل أبيهم تدعى نخلات أم مليكة، وأم مليكة: امرأة الحطيئة، فقال:

ليهني تراثي لامرىءٍ غير ذلةٍ

 

صنابير أحدانٌ لهن حفـيف

قال: ثم لم تقنعه النخيلات، وقد أقام فيهم زماناً فسألهم ميراثه كاملاً من الأفقم فلم يعطوه شيئاً وضربوه، فغضب عليهم وقال:

تمنيت بكرا أن يكونوا عمارتي

 

وقومي وبكرٌ شر تلك القبائل

إذا قلت بكري نبوتم بحاجتـي

 

فيا ليتني من غير بكر بن وائل

فعاد إلى بني عبس وانتسب إلى أوس بن مالك. وقال الأصمعي في خبره: لما أتى أهل القرية، وهم بنو ذهلٍ، يطلب ميراثه من الأفقم مدحهم فقال:

إن اليمامة خرٌ ساكـنـهـا

 

أهل القرية من بني ذهـل

الضامنون لمال جـارهـم

 

حتى يتم نواهض البـقـل

قوم إذا انتسبوا ففرعـهـم

 

فرعي وأثبت أصلهم أصلي

قال: فلم يعطوه شيئاً، فقال يهجوهم:

إن اليمامة شر ساكنـهـا

 

أهل القرية من بني ذهل

تزوجت أمه فهجاها

وقال أبو اليقظان في خبره: كان الرجل الذي تزوج أم الحطيئة أيضاً ولد زنا اسمه الكلب بن كنيس بن جابر بن قطن بن نهشل، وكان كنيس زنى بأمةٍ لزرارة يقال لها رشية، فولدت له الكلب ويربوعا، فطلبهم من زرارة فمنعه منهم، فلما مات طلبهم من أبيه لقيطٍ فمنعه؛ وقال لقيط في ذلك:

أفي نصف شهر ما صبرتم لحقنا

 

ونحن صبرنا قبل ذاك سنـينـا

وهي أبيات. فتزوج الكلب الضراء أم الحطيئة؛ فهجاه الحطيئة وهجا أمه فقال:

ولقد رأيتك في النساء فـسـؤتـنـي

 

وأبا بنيك فساءني في الـمـجـلـس

إن الذلـيل لـمـن تـزور ركـابـه

 

رهط ابن جحشٍ في الخطوب الحوس

قبح الإلـه قـبـيلةً لـم يمـنـعـوا

 

يوم المجيمر جارهم من فـقـعـس

أبلغ بني جحـش بـأن نـجـارهـم

 

لؤم وأن أبـاهـم كـالـهـجـرس

وقال الحطيئة يهجو أمه:

جزاك الله شراً من عجـوزٍ

 

ولقاك العقوق من البنـين

فقد ملكت أمر بنيك حتـى

 

تركتهم أدق من الطحـين

فإن تخلى وأمرك لا تصولي

 

بمشتد قـواه ولا مـتـين

لسانك مبردٌ لا خـير فـيه

 

ودرك در جـاذبةٍ دهـين

وقال يهجو أمه أيضاً:

تنحي فاجلسي مني بعـيداً

 

أراح الله منك العالمينـا

أغر بالاً إذا استودعت سراً

 

وكانوناً على المتحدثـينـا

حياتك ما علمت حياة سوءٍ

 

وموتك قد يسر الصالحينا

كان هجاء دنىء النفس فاسد الدين

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان الحطيئة جشعاً سؤولاً ملحفاً، دنىء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلاً، قبيح المنظر، رث الهيئة، مغموز النسب، فاسد الدين، وما تشاء أن تقول في شعر شاعرٍ من عيبٍ إلا وجدته، وقلما تجد ذلك في شعره.

أخبرني ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: بخلاء العرب أربعةٌ: الحطيئة، وحميدٌ الأرقط، وأبو الأسود الدولي، وخالد بن صفوان.

أخبرنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال قال أبو عبيدة: كان الحطيئة بذياً هجاءٌ، فالتمس ذات يوم إنساناً يهجوه فلم يجده، وضاق عليه ذلك فأنشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمـاً

 

بشر فما أدري لمن أنا قائله

وجعل يدهور هذا البيت في أشداقه ولا يرى إنساناً، إذ اطلع في ركي أو حوض فرأى وجهه فقال:

أرى لي وجها شوه الله خلقه

 

فقبح من وجهٍ وقبح حامله

قدم المدينة فجمعت له العطايا خوفاً منه نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: قدم الحطيئة المدينة فأرصدت قريشٌ له العطايا خوفاً من شره، فقام في المسجد فصاح: من يحملني على بغلين.

أخبرني أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسي قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة والمدائني ومصعبٌ: كان الحطيئة سؤولاً جشعاً، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريشٌ العطايا، والناس في سنةٍ مجدبةٍ وسخطةٍ من خليفة، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض، فقالوا: قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها، وإن حرمه هجاه، فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئاً معدا يجمعونه بينهم له، فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين ديناراً حتى جمعوا له أربعمائة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه، فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلانٍ وهذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلانٍ، فأخذها؛ فظنوا أنهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلاً ينادي: من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم.

متانة شعره

ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر، أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا: طلب من كعب بن زهير أن يقول شعراً يضعه فيه بعده فقال، وهجاه لذلك مزرد بن ضرار كان الحطيئة متين الشعر، شرود القافية، وكان دنىء النفس، وما تشاء أن تطعن في عشر شاعر إلا وجدت فيه مطعناً، وما أقل ما تجد ذلك في شعره. قالا: فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير – وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير – فقال له: قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم، وقد ذهب الفحول غيري وغيرك، فلو قلت شعراً تذكر فيه نفسك وتضعني موضعاً بعدك! – وقال أبو عبيدة: تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي – فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع! فقال كعب:

فمن للقوافي شانها من يحوكها

 

إذا ما ثوى كعبٌ وفور جرول

كفيتك لا تلقى من الناس واحداً

 

تنخل منها مثل ما نتـنـخـل

نقول فلا نعيا بشيءٍ نقـولـه

 

ومن قائليها من يسيء ويجمل

نثقفها حتى تلين مـتـونـهـا

 

فيقصر عنها كل ما يتمـثـل

قال: فاعترضه مزرد بن ضرار، واسمه يزيد وهو أخو الشماخ، وكان عريضاً أي شديد العارضة كثيرها، فقال:

باستك إذ خلفتني خلف شاعـرٍ

 

من الناس لم أكفىء ولم أتنخل

فإن تخشبا أخشب وإن تتنخـلا

 

وإن كنت أفتى منكما أتنخـل

فلست كحسان الحسام ابن ثابتٍ

 

ولست كشماخٍ ولا كالمخبـل

أنشد عمر شعراً هجا به قومه ومدح إبله

نسخت من كتاب الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك قال: أنشد الحطيئة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدةً نال فيها من قومه ومدح إبله فقال:

مهاريس يروي رسلها ضيف أهلها

 

إذا الريح أبدت أوجه الخـفـرات

يزيل القتاد جذبـهـا بـأصـولـه

 

إذا أصبحت مقورةً خـرصـات

دخوله حفل سعيد بن العاص

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن التوزي عن أبي عبيدة قال: بينا سعيد بن العاص يعشي الناس بالمدينة والناس يخرجون أولاً أولاً، إذ نظر على بساطه إلى رجل قبيح المنظر، رث الهيئة، جالسٍ مع أصحاب سمره، فذهب الشرط يقيمونه فأبى أن يقوم، وحانت من سعيدٍ التفاتةٌ فقال: دعوا الرجل، فتركوه؛ وخاضوا في أحاديث العرب وأشعاره ملياً؛ فقال لهم الحطيئة: والله ما أصبتم جيد الشعر ولا شاعر العرب؛ فقال له سعيد: أتعرف من ذلك شيئاً؟ قال: نعم؛ قال: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:

لا أعد الإقتار عدماً ولكن

 

فقد من قد رزئته الإعدام

وأنشدها حتى أتى عليها؛ فقال له: من يقولها؟ قال: أبو داودٍ الإيادي؛ قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:

أفلح بما شئت فقد يدرك بال

 

جهل وقد يخـدع الأريب

ثم أنشدها حتى فرغ منها؛ قال: ومن يقولها؟ قال عبيد بن الأبرص؛ قال: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي عند رغبةٍ أو رهبةٍ إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي عواء الفصيل الصادي؛ قال: ومن أنت؟ قال: الحطيئة؛ قال: فرحب به سعيد، ثم قال: أسأت بكتماننا نفسك منذ الليلة؛ ووصله وكساه.

خبره مع عتيبة بن النهاس

ومضى لوجهه إلى عتيبة بن النهاس العجلي فسأله؛ فقال له: ما أنا على عملٍ فأعطيك من عدده، ولا في مالي فضل عن قومي؛ قال له: فلا عليك، وانصرف. فقال له بعض قومه: لقد عرضتنا ونفسك للشر! قال: وكيف! قالوا: هذا الحطيئة وهو هاجينا أخبث هجاء؛ فقال ردوه: فردوه إليه، فقال له: لم كتمتنا نفسك كأنك كنت تطلب العلل علينا! اجلس فلك عندنا ما يسرك؛ فجلس فقال له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

 

يفره ومن لا يتق الـشـتـم يشـتـم

فقال له عتيبة: إن هذا من مقدمات أفاعيك؛ ثم قال لوكيله: اذهب معه إلى السوق فلا يطلب شيئاً إلا اشتريته له؛ فجعل يعرض عليه الخز ورقيق الثياب فلا يريدها ويومىء إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ فيشتريها له حتى قضى أربه ثم مضى؛ فلما جلس عتيبة في نادي قومه أقبل الحطيئة، فلما رآه عتيبة قال: هذا مقام العائذ بك يا أبا مليكة من خيرك وشرك؛ قال: كنت قلت بيتين فاستمعهما ثم أنشأ يقول:

سئلت فلم تبخل ولم تعـط طـائلاً

 

فسيان لا ذم عـلـيك ولا حـمـد

وأنت امرؤ لا الجود منك سـجـيةٌ

 

فتعطى ولا يعدي على النائل الوجد

ثم ركض فرسه فذهب.

ليس في شعره مطعن

أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد البوشنجي قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني محمد بن عمرو الجرجرائي عن أبي صفوان الأحوزي قال: ما من أحدٍ إلا لو أشاء أن أجد في شعره مطعناً لوجدته إلا الحطيئة.
قول إسحاق أنه أشعر الشعراء بعد زهير

وفتيان صدقٍ من عدي عـلـيهـم

 

صفائح بصرى علقت بالعواتـق

إذا ما دعوا لم يسألوا من دعاهـم

 

ولم يمسكوا فوق القلوب الخوافق

وطاروا إلى الجرد العتاق فألجموا

 

وشدوا على أوساطهم بالمناطـق

أولئك آباء الغريب وغـاثة الـص

 

ريخ ومأوى المرملين الـدرادق

أحلوا حياض الموت فوق جباههم

 

مكان النواصي من وجوه السوابق

ويروى:

إذا اسـتـلـحـــمـــوا…

 

وإذا ركبوا لم ينظروا عن شمالهم

ويروى: أولئك أبناء العزيف – ثم قال: أما إني ما أزعم أن أحداً بعد زهير أشعر من الحطيئة.
وافقه ابن ميادة في شطر فعرف أنه شاعر أخبرني الحسين بن يحيى حماد بن إسحاق عن أبيه قال: بلغني أنه لما قال ابن ميادة:

تمشي به ظلمانه وجآذره

قيل له: قد سبقك الحطيئة إلى هذا، فقال: والله ما علمت أن الحطيئة قال هذا قط، والآن علمت والله أني شاعر حين واطأت الحطيئة.
شعره وقول الأصمعي أفسده بالهجاء قال حماد: قال أبي: وقال لي الأصمعي وقد أنشدني شيئاً من شعر الحطيئة: أفسد مثل هذا الشعر الحسن بهجاء الناس وكثرة الطمع.
سئل من أشعر الناس فأخرج لسانه يعني نفسه قال حماد: قال أبي: وبلغني عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أنه قال: لقيت الحطيئة بذات عرقٍ فقلت له: يا أبا مليكة، من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه كأنه لسان الحية ثم قال: هذا إذا طمع.
قابل حسان متنكراً وسمع من شعره ونسخت من كتاب أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد بن طلحة وكان قد قارب ثمانين سنة قال: أخبرني بعض أشياخنا أن أعرابياً وقف على حسان بن ثابت وهو ينشد، فقال له حسان: كيف تسمع يا أعرابي؟ قال: ما أسمع بأساً؛ قال حسان: أما تسمعون إلى الأعرابي! ما كنيتك أيها الرجل؟ قال: أبو مليكة، قال: ما كنت قط أهون علي منك حين أكتنيت بامرأة، فما اسمك؟ قال: الحطيئة، فأطرق حسان ثم قال له: امض بسلام.

كان بخيلاً يطرد أضيافه

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال: مر ابن الحمامة بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال: السلام عليكم؛ فقال: قلت ما لا ينكر؛ قال: إني خرجت من عند أهلي بغير زاد؛ فقال: ما ضمنت لأهلك قراك؛ قال: أفتأذن لي أن آتي ظل بيتك فأتفيأ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك؛ قال: أنا ابن الحمامة؛ قال: انصرف وكن ابن أي طائر شئت.

وأخبرنا بهذا الخبر اليزيدي عن الخزاز عن المدائني فحكى ما ذكرناه من قول الحطيئة عن أبي الأسود الدؤلي.

وأخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة والمدائني قالا: أتى رجلٌ الحطيئة وهو في غنم له فقال له: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم؛ فقال الرجل: إني ضيف؛ فقال: للضيفان أعددتها، فانصرف عنه. قال إسحاق: وقال غيرهما: إن الرجل قال له: السلام عليكم؛ فقال له: عجراء من سلم؛ فقال: السلام عليكم؛ فقال: أعددتها للطراق؛ فأعاد السلام فقال له: إن شئت قمت بها إليك؛ فانصرف الرجل عنه.

كان يقول إنما أنا حسب موضوع

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: زعم الجاحظ أن الحطيئة كان يقول: إنما أنا حسبٌ موضوعٌ؛ فسمع عمرو بن عبيد رجلاً يحكي ذلك عنه يقال له عبد الرحمن بن صديقة، فقال عمرو: كذب ترحه الله إنما ذلك التقوى.

هجاؤه أضيافه وقد ضافه صخر بن أعيى فتهاجيا

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال الأصمعي: لم ينزل ضيفٌ قط بالحطيئة إلا هجاه، فنزل به رجلٌ من بني أسد لم يسمه الأصمعي، وذكر أبو عبيدة أنه صخر بن أعيى الأسدي أحد بني أعيى ابن طريف بن عمرو بن قعينٍ، فسقاه شربةً من لبنٍ، فلما شربها قال:

لما رأيت أن من يبتغي القـرى

 

وأن ابن أعيى لا محالةً فاضحي

شددت حيازيم ابن أعيى بشـربةٍ

 

على ظمأ سدت أصول الجوانح

وروى الأصمعي شدت بالشين المعجمة.

ولم أك مثل الكاهلـي وعـرسـه

 

بغى الود من مطروفة العين طامح

غدا باغياً يبغي رضـاهـا وودهـا

 

وغابت له غيب امرىء غير ناصح

دعـت ربـهـا ألا يزال بـفـاقةٍ

 

ولا يغتدي إلا علـى حـد بـارح

قال فأجابه صخر بن أعيى فقال:

ألا قـبـح الـحـطـيئة إنـه

 

على كل ضيف ضافه هو سالح

دفعت إليه وهو يخنق كـلـبـه

 

ألا كل كلبٍ لا أبا لـك نـابـح

بكيت على مذقٍ خبيثٍ قـريتـه

 

ألا كل عبسي على الزاد شائح

قال أبو عبيدة وهجا الحطيئة أيضاً رجلاً من أضيافه فقال:

وسلم مرتين فقلت مـهـلاً

 

كفتك المرة الأولى السلاما

ونقنق بطنه ودعا رؤاسـاً

 

لما قد نال من شبع ونامـا

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن يونس أن الحطيئة خرج في سفر له ومعه امرأته أمامة وابنته مليكة، فنزل منزلاً وسرح ذوداً له ثلاثاً، فلما قام للرواح فقد إحداها فقال:

أذئب القفـر أم ذئبٌ أنـيسٌ

 

أصاب البكر أم حدث الليالي

ونحن ثـلاثةٌ وثـلاث ذودٍ

 

لقد جار الزمان على عيالي

أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى قالا حدثنا حماد عن أبيه قال قال أبو عمرو بن العلاء: لم تقل العرب بيتاً قط أصدق من بيت الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

 

لا يذهب العرف بين الله والناس

فقيل له: فقول طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً

 

ويأتيك بالأخبار من لم تـزود

فقال: من يأتيك بها ممن زودت أكثر، وليس بيتٌ مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعنٌ إلا قول الحطيئة:

لا يذهب العرف بين الله والناس

قال إسحاق قال المدائني قال سلم بن قتيبة: ما أعلم قافيةً تستغني عن صدرها وتدل عليه وإن لم ينشد مثل قول الحطيئة:

لا يذهب العرف بين الله والناس

كتب له الأصمعي أربعين قصيدة في ليلة

أخبرني محمد بن الحسن بن دريدٍ قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: كتبت للحطيئة في ليلةٍ أربعين قصيدةً.

قوله لا يذهب العرف مكتوب في التوراة

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: بلغني أن هذا البيت في التوراة، ذكره غير واحد عن أبي بن كعب. يعني قول الحطيئة:

لا يذهب العرف بين الله والناس

قال إسحاق وذكر عبد الله بن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان بن أبي عائشة قال: سمع كعبٌ الحبر رجلاً ينشد بيت الحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

 

لا يذهب العرف بين الله والناس

فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوبٌ في التوراة. قال إسحاق قال العمري: والذي صح عندنا في التوراة “لا يذهب العرف بين الله والعباد”.

أوصى ابن شداد ابنه محمداً بشعره

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه قال قال أبو عدنان: لما حضرت عبيد الله ابن شداد الوفاة دعا ابنه محمداً فأوصاه وقال له: يا بني أرى داعي الموت لا يقلع، وبحق أن من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع. يا بني، ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السر والعلانية، والشكر لله، وصدق الحديث والنية، فإن للشكر مزيداً، والتقوى خير زادٍ، كما قال الحطيئة:

ولست أرى السعادة جمع مال

 

ولكن التقي هو الـسـعـيد

وتقوى الله خير الزاد ذخـراً

 

وعند الله للأتـقـى مـزيد

وما لابـد أن يأتـي قـريبٌ

 

ولكن الذي يمضـي بـعـيد

مدحه أبا موسى الأشعري

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال أخبرني أبو عبيدة عن يونس قال: قدم حمادٌ الراوية البصرة على بلال بن أبي بردة وهو عليها؛ فقال له: ما أطرفتني شيئاً يا حماد؛ قال: بلى، ثم عاد إليه فأنشده للحطيئة في أبي موسى الأشعري يمدحه:

جمعت من عامرٍ فيه ومن جشمٍ

 

ومن تميم ومن حاءٍ ومن حـام

مستحقباتٍ رواياها جحافلـهـا

 

يسمو بها أشعري طرفه سامي

فقال له بلال: ويحك! أيمدح الحطيئة أبا موسى الأشعري وأنا أروي شعر الحطيئة كله فلا أعرفها! ولكن أشعها تذهب في الناس.
وذكر المدائني أن الحطيئة قال هذه القصيدة في أبي موسى، وأنها صحيحة. قالها فيه وقد جمع جيشاً للغزو فأنشده:

جمعت من عامرٍ فيه ومن أسدٍ

وذكر البتين وبينهما هذا البيت وهو:

فما رضيتهم حتى رفدتـهـم

 

بوائلٍ رهط ذي الجدين بسطام

فوصله أبو موسى؛ فكتب إليه عمر رضي الله عنه يلومه على ذلك؛ فكتب إليه: إني اشتريت عرضي منه بها؛ فكتب إليه عمر: إن كان هذا هكذا وإنما فديت عرضك من لسانه ولم تعطه للمدح والفخر فقد أحسنت. ولما ولى بلال ابن أبي بردة أنشده إياها حمادٌ الراوية فوصله أيضاً.

كذبه عمر في بيت قاله

ونسخت من كتاب لحماد بن إسحاق حدثني به أبي وأخبرني به عمي عن الكراني عن الرياشي قال حدثني محمد بن الطفيل عن أبي بكر بن عياش عن الحارث بن عبد الرحمن بن مكحول قال: سبق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فرس له فجثا على ركبتيه وقال: “إنه لبحر”؛ قال عمر: كذب الحطيئة حيث يقول:

وإن جياد الخيل لا تسـتـفـزنـا

 

ولا جاعلات الريط فوق المعاصم

لو ترك هذا أحدٌ لتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أراد سفراً فاستعطفته امرأته فرجع

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابي عبيدة أن الحطيئة أراد سفراً فأتته امرأته وقد قدمت راحلته ليركب، فقال:

أذكر تحنننا إليك وشوقنـا

 

واذكر بناتك إنهن صغار

فقال: حطوا، لا رحلت لسفرٍ أبداً.

رؤية صاحب الحطيئة الجني

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي ومحمد بن الحسن بن دريد قالا حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن أبيه قال: قال رجل: ضفت قوماً في سفر وقد ضللت الطريق، فجاءوني بطعام أجد طعمه في فمي وثقله في بطني، ثم قال شيخ منهم لشاب: أنشد عمك؛ فأنشدني:

عفا من سليمى مسحلان فحامره

 

تمشى به ظلمـانـه وجـآذره

فقلت له: أليس هذا للحطيئة؟ فقال: بلى، وأنا صاحبه من الجن.

ابن شبرمة يستجيد شعره

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: أنا والله أعلم بجيد الشعر، لقد أحسن الحطيئة حيث يقول:

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا الـبـنـى

 

وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعماء فيهم جزوا بـهـا

 

وإن أنعموا لا كدروهـا ولا كـدوا

وإن قال مولاهم على جـل حـادثٍ

 

من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا

قال: وقال الأصمعي وقد سأله أبو عدنان عن هذا البيت: ما واحد البنى، قال: بنيه؛ فقال له: أتجمع فعلة على فعل؟ قال: نعم مثل رشوة ورشىً وحبوة وحبىً.

نزوله على بني مقلد بن يربوع

حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن أحمد بن صدقة الأنباري قال حدثنا ابن الأعرابي عن المفضل: أن الحطيئة أقحمته السنة، فنزل ببني مقلد بن يربوع، فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: إن هذا الرجل لا يسلم أحدٌ من لسانه، فتعالوا حتى نسأله عما يحب فنفعله وعما يكره فنجتنبه؛ فأتوه فقالوا له: يا أبا مليكة، إنك اخترتنا على سائر العرب ووجب حقك علينا، فمرنا بما تحب أن نفعله وبما تحب أن ننتهي عنه؛ فقال: لا تكثروا زيارتي فتملوني، ولا تقطعوها فتوحشوني، ولا تجعلوا فناء بيتي مجلساً لكم، ولا تسمعوا بناتي غناء شبانكم، فإن الغناء رقية الزنا. قال: فأقام عندهم. وجمع كل رجل منهم ولده وقال: أمكم الطلاق، لئن تغنى أحد منكم والحطيئة مقيمٌ بين أظهرنا لأضربنه ضربةً بسيفي أخذت منه ما أخذت. فلم يزل مقيماً فيما يرضى حتى انجلت عنه السنة، فارتحل وهو يقول:

جاورت آل مقلدٍ فحمدتـهـم

 

إذ ليس كل أخي جوارٍ يحمد

أيام من يرد الصنيعة يصطنع

 

فينا ومن يرد الزهادة يزهد

خبره مع الزبرقان وسبب هجائه إياه

فأما خبره مع الزبرقان بن بدر والسبب في هجائه إياه، فأخبرني به أبو خليفة عن محمد بن سلام ولم يتجاوزه به، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام عن يونس، وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، وأخبرني اليزيدي عن عمه عبيد الله عن أبي حبيب عن ابن الأعرابي وقد جمعت رواياتهم وضممت بعضها إلى بعض: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ولى الزبرقان بن بدر بن امرىء القيس بن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عملاً، وذكر مثل ذلك الأصمعي، وقال: الزبرقان: القمر، والزبرقان: الرجل الخفيف اللحية. قال: وأقره أبو بكر رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عمله، ثم قدم على عمر في سنة مجدبة ليؤدي صدقات قومه، فلقيه الحطيئة بقرقرى ومعه ابناه أوسٌ وسوادة وبناته وامرأته؛ فقال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة: أين تريد؟ قال: العراق، فقد حطمتنا هذه السنة؛ قال: وتصنع ماذا؟ قال وددت أن أصادف بها رجلاً يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي أبداً؛ فقال له الزبرقان: قد أصبته، فهل لك فيه يوسعك لبناً وتمراً ويجاورك أحسن جوار وأكرمه؟ فقال له الحطيئة: هذا وأبيك العيش، وما كنت أرجو هذا كله؛ قال: فقد أصبته؛ قال: عند من؟ قال: عندي؛ قال: ومن أنت؟ قال: الزبرقان بن بدر؛ قال وأين محلك؟ قال: اركب هذه الإبل، واستقبل مطلع الشمس، وسل عن القمر حتى تأتي منزلي. قال يونس: وكان اسم الزبرقان الحصين بن بدر، وإنما سمي الزبرقان لحسنه، شبه القمر. وقيل: بل لبس عمامةً مزبرقةً بالزعفران فسمي الزبرقان لذلك. وقال أبو عبيدة في خبره: فقال له: سر إلى أم شذرة وهي أم الزبرقان وهي أيضاً عمة الفرزدق، وكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن. وقال آخرون: بل وكله إلى زوجته. فلحق الحطيئة بزوجته على رواية ابن سلام، وهي بنت صعصعة بن ناجية المجاشعية، واسمها هنيدة، وعلى رواية أبي عبيدة: أنها أمه، وذلك في عامٍ صعبٍ مجدب، فأكرمته المرأة وأحسنت إليه؛ فبلغ ذلك بغيض بن عامر بن شماس بن لأي بن جعفر وهو أنف الناقة بن قريع بن عوف “بن كعب” بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وبلغ إخوته وبني عمه فاغتنموها. وفي خبر اليزيدي عن عمه قال ابن حبيب عن ابن الأعرابي: وكانوا يغضبون من أنف الناقة، وإنما سمي جعفرٌ أنف الناقة لأن أباه قريعاً نحر ناقةً فقسمها بين نسائه، فبعثت جعفراً هذا أمه، وهي الشموس من وائل ثم من سعد هذيم، فأتى أباه ولم يبق من الناقة إلا رأسها وعنقها، فقال: شأنك بهذا؛ فأدخل يده في أنفها وجر ما أعطاه؛ فسمي أنف الناقة. وكان ذلك كاللقب لهم حتى مدحهم الحطيئة، فقال:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم

 

ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا

فصار بعد ذلك فخراً لهم ومدحاً، وكانوا ينازعون الزبرقان الشرف – يعني بغيضاً وإخوته وأهله – وكانوا أشرف من الزبرقان، إلا أنه قد كان استعلاهم بنفسه. وقال أبو عبيدة في خبره: كان الحطيئة دميماً سيء الخلق، لا تأخذه العين، ومعه عيال كذلك. فلما رأت أم شذرة حاله هان عليها وقصرت به، ونظر بغيضٌ وبنو أنف الناقة إلى ما تصنع به أم شذرة، فأرسلوا إليه: أن ائتنا، فأبى عليهم وقال: إن من شأن النساء التقصير والغفلة، ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها. فلما ألح عليه بنو أنف الناقة، وكان رسولهم إليه شماس بن لأي وعلقمة بن هوذة وبغيض بن شماس والمخبل الشاعر، قال لهم: لست بحامل على الرجل ذنب غيره، فإن تركت وجفيت تحولت إليكم؛ فأطعموه ووعدوه وعداً عظيماً. وقال ابن سلام في خبره: فلما لم يجبهم دسوا إلى هنيدة زوجة الزبرقان أن الزبرقان إنما يريد أن يتزوج ابنته مليكة؛ وكانت جميلةً كاملةً، فظهرت من المرأة للحطيئة جفوة وهي في ذاك تداريه. ثم أرادوا النجعة، قال أبو عبيدة: فقالت له أم شذرة – وقال ابن سلام: فقالت له هنيدة -: قد حضرت النجعة فاركب أنت وأهلك هذا الظهر إلى مكان كذا وكذا، ثم اردده إلينا حتى نلحقك فإنه لا يسعنا جميعاً؛ فأرسل إليها: بل تقدمي أنت فأنت أحق بذلك؛ ففعلت وتثاقلت عن ردها إليه وتركته يومين أو ثلاثةً، وألح بنو أنف الناقة عليه وقالوا له: قد تركت بمضيعة. وكان أشدهم في ذلك قولاً بغيض بن شماس وعلقمة بن هوذة، وكان الزبرقان قد قال في علقمة:

لي ابــن عـــمٍ لا يزا

 

ل بعيني ويعـين عـائب

وأعينـه فـي الـنـائبـا

 

ت ولا يعين على النوائب

تسـري عـقـاربــه إل

 

ى ولا تدب له عـقـارب

لاه ابـن عـمـك لا يخـا

 

ف المحزنات من العواقب

قال: فكان علقمة ممتلئاً غيظاً عليه. فلما ألحوا على الحطيئة أجابهم وقال: أما الآن فنعم، أنا صائرٌ معكم. فتحمل معهم، فضربوا له قبةً، وربطوا بكل طنب من أطنابها جلة هجرية، وأراحوا عليه إبلهم، وأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحاً وكسوةً. قال: فلما قدم الزبرقان سأل عنه فأخبر بقصته، فنادى في بني بهدلة بن عرف، وهم لأم دون قريع، أمهم السفعاء بنت غنم بن قتيبة من باهلة. فركب الزبرقان فرسه، وأخذ رمحه، وسار حتى وقف على نادي بني شماس القريعيين، فقال: ردوا علي جاري؛ فقالوا: ما هو لك بجارٍ وقد اطرحته وضيعته؛ فألم أن يكون بين الحيين حربٌ، فحضرهم أهل الحجا من قومهم، فلاموا بغيضاً وقالوا: اردد على الرجل جاره؛ فقال: لست مخرجه وقد آويته، وهو رجل حر مالكٌ لأمره، فخيروه فإن اختارني لم أخرجه، وإن اختاره لم أكرهه. فخيروا الحطيئة فاختار بغيضاً ورهطه؛ فجاء الزبرقان ووقف عليه وقال له: أبا مليكة، أفارقت جواري عن سخط وذمٍ؟ قال: لا؛ فانصرف وتركه. هذه رواية ابن سلام، وأما أبو عبيدة فإنه ذكر أنه كان بين الزبرقان ومن معه من القريعيين تلاحٍ وتشاحٌ. وزعم غيرهما أن الزبرقان استعدى عمر بن الخطاب على بغيضٍ، فحكم عمر بأن يخرج الحطيئة حتى يقام في موضعٍ خالٍ بين الحيين وحده ويخلى سبيله، ويكون جار أيهما اختار؛ ففعل ذلك به، فاختار القريعيين. قال: وجعل الحطيئة يمدحهم من غير أن يهجو الزبرقان، وهم يحضونه على ذلك ويحرضونه فيأبى ويقول: لا ذنب للرجل عندي؛ حتى أرسل الزبرقان إلى رجل من النمر بن قاسط يقال له دثار بن شيبان، فهجا بغيضاً فقال:

أرى إبلي بجوف الماء حلـت

 

وأعوزها به المـاء الـرواء

وقد وردت مياه بنـي قـريع

 

فما وصلوا القرابة مذ أساءوا

تحلأ يوم ورد الناس إبـلـي

 

وتصدر وهي محنقةٌ ظمـاء

ألم أك جار شماس بـن لأيٍ

 

فأسلمني وقد نزل الـبـلاء

فقلت تحـولـي يا أم بـكـرٍ

 

إلى حيث المكارم والعـلاء

وجدنا بيت بهدلة بـن عـوفٍ

 

تعالى سمكه ودجا الفـنـاء

وما أضحى لشماس بـن لأي

 

قديمٌ في الفعـال ولا ربـاء

سوى أن الحطيئة قال قـولاً

 

فهذا من مقـالـتـه جـزاء

فحينئذ قال الحطيئة يهجو الزبرقان ويناضل عن بغيضٍ قصيدته التي يقول فيها:

والله ما معشرٌ لاموا امرأً جنبـاً

 

في آل لأي بن شماس بأكـياس

ما كان ذنب بغيضٍ لا أبا لـكـم

 

في بائسٍ جاء يحدو آخر النـاس

لقد مريتـكـم لـو أن درتـكـم

 

يوماً يجيىء بها مسحي وإبساسي

وقد مدحتكم عمـداً لأرشـدكـم

 

كيما يكون لكم متحي وإمراسي

لما بدا لي منكم غيب أنفسـكـم

 

ولم يكن لجراحي فيكـم آسـي

أزمعت يأساً مبيناً من نوالـكـم

 

ولن يرى طارداً للحر كالـياس

جارٌ لقومٍ أطالوا هون منـزلـه

 

وغادروه مقيماً بـين أرمـاس

ملوا قراه وهرتـه كـلابـهـم

 

وجرحوه بـأنـيابٍ وأضـراس

دع المكارم لا ترحل لبغـيتـهـا

 

واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

من يفعل الخير لا يعدم جـوازيه

 

لا يذهب العرف بين الله والناس

ما كان ذنبي أن فلت معاولـكـم

 

من آل لأيٍ صفاةٌ أصلها راسي

قد ناضلوك فسلوا من كنائنـهـم

 

مجداً تليداً ونبلاً غير أنـكـاس

– الجنب: الغريب. والإبساس: أن يسكنها عند الحلب. والماتح: المستقي الذي يجذب الدلو من فوق. والإمراس: أن يقع الحبل في جانب البكرة فيخرجه -.

استعدى الزبرقان عليه فحبسه فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه واستنشده فأنشده؛ فقال عمر لحسان: أتراه هجاه؟ قال: نعم وسلح عليه، فحبسه عمر:

فصل زياد بنحو ما فصل عمر في أمر الزبرقان والحطيئة

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أحمد بن معاوية عن أبي عبد الرحمن الطائي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال: شهدت زياداً وأتاه عامر بن مسعود بأبي علاثة التيمي، فقال: إنه هجاني؛ قال: وما قال لك؟ قال قال:

وكيف أرجي ثروها ونمـاءهـا

 

وقد سار فيها خصية الكلب عامر

فقال أبو علاثة: ليس هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت؟ قال قلت:

وإني لأرجو ثروها ونماءهـا

 

وقد سار فيها ناجذ الحق عامر

قال زيادٌ: قاتل الله الشاعر، ينقل لسانه كيف شاء، والله لولا أن تكون سنةً لقطعت لسانك! فقام قيس بن فهد الأنصاري فقال: أصلح الله الأمير، ما أدري من الرجل، فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه – قال: وكان زيادٌ يعجبه الحديث عن عمر رضي الله عنه – قال: هاته، قال شهدته وأتاه الزبرقان بن بدر بالحطيئة فقال: إنه هجاني؛ قال ما قال لك؟ قال قال لي:

دع المكارم لا ترحل لبغيتـهـا

 

وقاعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فقال عمر: ما أسمع هجاءً ولكنها معاتبةٌ؛ فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروؤتي إلا أن آكل وألبس! فقال عمر: علي بحسان، فجيء به فسأله؛ فقال: لم يهجه ولكن سلح عليه – قال ويقال: إنه سأل لبيداً عن ذلك فقال: ما يسرني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه وأن لي حمر النعم – فأمر به عمر فجعل في نقيرٍ في بئر ثم ألقي عليه شيء، فقال:

ماذا تقول لأفـراخٍ بـذي مـرخٍ

 

زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظـلـمةٍ

 

فاغفر عليك سلام الله يا عمـر

أنت الإمام الذي من بعد صاحبـه

 

ألقى إليك مقاليد النهى البـشـر

لم يؤثروك بها إذ قدمـوك لـهـا

 

لكن لأنفسهم كانت بـك الأثـر

فأخرجه وقال له: إياك وهجاء الناس؛ قال: إذاً يموت عيالي جوعاً، هذا مكسبي ومنه معاشي؛ قال: فإياك والمقذع من القول؛ قال: وما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خيرٌ من فلان، وآل فلان خيرٌ من آل فلان؛ قال: فأنت والله أهجى مني. ثم قال: والله لولا أن تكون سنةً لقطعت لسانك، ولكن اذهب فأنت له، خذه يا زبرقان؛ فألقى الزبرقان في عنقه عمامةً فاقتاده بها؛ وعارضته غطفان فقالوا له: يا أبا شذرة، إخوتك وبنو عمك، هبه لنا؛ فوهبه لهم. فقال زيادٌ لعامر بن مسعود: قد سمعت ما روي عن عمر، وإنما هي السنن، فاذهب به فهو لك؛ فألقى في عنقه حبلاً أو عمامة، وعارضته بكر بن وائل فقالوا له: أخوالك وجيرانك؛ فوهبه لهم.

استعطف عمر بشعر فأطلقه

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة: أن الحطيئة لما حبسه عمر قال وهو أول ما قاله:

أعوذ بجـدك إنـي امـرؤٌ

 

سقتني الأعادي إليك السجالا

فإنك خيرٌ من الزبـرقـان

 

أشد نكالاً وأرجـى نـوالا

تحنن علي هداك المـلـيك

 

فإن لكل مـقـامٍ مـقـالا

ولا تأخذني بقول الـوشـاة

 

فإن لكـل زمـانٍ رجـالا

فإن كان ما زعموا صادقـاً

 

فسيقت إليك نسائي رجـالا

حواسر لا يشتكين الـوجـا

 

يخفضن آلاً ويرفـعـن آلا

فلم يلتفت عمر إليه حتى قال أبياته التي أولها:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن العباس اليزيدي وعمر بن عبد العزيز بن أحمد وطاهر بن عبد الله الهشامي قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي قال حدثني عبد الله بن مصعب عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أرسل عمر إلى الحطيئة وأنا جالس عنده وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره فأخرجه من السجن فأنشده قوله:

ماذا تقول لأفـراخٍ بـذي مـرخٍ

 

زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظـلـمةٍ

 

فاغفر عليك سلام الله يا عمـر

أنت الإمام الذي من بعد صاحبـه

 

ألقى إليك مقاليد النهي البـشـر

لم يؤثروك بها إذ قدمـوك لـهـا

 

لكن لأنفسهم كانت بـك الأثـر

فامنن على صبيةٍ بالرمل مسكنهم

 

بين الأباطح تغشاهم بها القـرر

أهلي فداؤك كم بيني وبـينـهـم

 

من عرض داوية تعمى بها الخبر

– قال فبكى حين قال:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ

فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجلٍ يبكي على تركه الحطيئة – فقال عمر: علي بالكرسي، فأتي به، فجلس عليه ثم قال: أشيروا علي في الشاعر، فإنه يقول الهجر وينسب بالحرم ويمدح الناس ويذمهم بغير ما فيهم، ما أراني إلا قاطعاً لسانه، ثم قال: علي بالطست، فأتي بها، ثم قال: علي بالمخصف، علي بالسكين، لا بل علي بالموسى، فهو أوحى؛ فقالوا لا يعود يا أمير المؤمنين، فأشاروا إليه أن قل لا أعود؛ فقال: لا أعود يا أمير المؤمنين؛ فقال له: النجاء. قال: فلما ولى قال له عمر: يا حطيئة، كأني بك عند فتىً من قريش، قد بسط لك نمرقةً وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة فطفقت تغنيه بأعراض الناس. قال ابن أسلم: فما انقضت الدنيا حتى رأيت الحطيئة عند عبيد الله بن عمر قد بسط له نمرقةً وكسر له أخرى وقال: غننا يا حطيئة، فجعل يغنيه، فقلت له: يا حطيئة، أتذكر قول عمر؟ ففزع وقال: يرحم الله ذلك المرء، أما إنه لو كان حياً ما فعلت. قال: وقلت لعبيد الله: سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل.
اشترى منه عمر أعراض المسلمين وروي عن عبد الله بن المبارك أن عمر رضي الله عنه لما أطلق الحطيئة أراد أن يؤكد عليه الحجة فاشترى منه أعراض المسلمين جميعاً بثلاثة آلاف درهم؛ فقال الحطيئة في ذلك:

وأخذت أطراف الكلام فلم تدع

 

شتماً يضر ولا مديحاً ينـفـع

وحميتني عرض اللئيم فلم يخف

 

دمي وأصبح آمنـاً لا يفـزع

شفاعة ابن عوف له عند عمر أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه عن نافع بن أبي نعيم: أن عبد الرحمن بن عوف هو الذي استرضى عمر بن الخطاب وكلمه في أمر الحطيئة حتى أخرجه من السجن. قال حماد وأخبرني أبي عن أبي عبيدة أن عمر رضي الله عنه لما أطلقه قال الشاعر النمري الذي كان الزبرقان حمله على هجاء بغيضٍ:

دعاني الأثبجان ابناً بـغـيضٍ

 

وأهلي بالعلاة فـمـنـيانـي

وقالوا سر بأهلـك فـأتـينـا

 

إلى حب وأنـعـامٍ سـمـان

فسرت إليهم عشرين شـهـراً

 

وأربعةً فـذلـك حـجـتـان

فلما أن أتيت ابنـي بـغـيضٍ

 

وأسلمني بـدائي الـداعـيان

يبيت الذئب والعثواء ضـيفـاً

 

لنا بالليل بئس الـضـائفـان

أمارس منهمـا لـيلاً طـويلاً

 

أهجهج عن بنـي ويعـروان

تقول حليلتي لما اشـتـكـينـا

 

سيدركنا بنو القرم الهـجـان

سيدركنا بنو القمر بـن بـدرٍ

 

سراج الليل للشمس الحصان

فقلت ادعي وأدعـو إن أنـدى

 

لصـوتٍ أن ينـادي داعـيان

فمن يك سائلاً عنـي فـإنـي

 

أنا النمري جار الزبـرقـان

طريد عشيرةٍ وطريد حـربٍ

 

بما اجترمت يدي وجنى لساني

كأني إذ نزلـت بـه طـريداً

 

نزلت على الممنع من أبـان

أتيت الزبرقان فلم يضعـنـي

 

وضيعني بتريم من دعـانـي

مكثه في بني قريع إلى أن أخصبوا وأجازوه فرحل عنهم ومدحهم

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: لم يزل الحطيئة في بني قريع يمدحهم حتى إذا أحيوا قال لبغيضٍ: ف لي بما كنت تضمنت؛ فأتى بغيضٌ علقمة بن هوذة فقال له: قد جاء الله بالحيا، فف لي بما قلت – وكان قد ضمن له مائة بعير – وأبرئني مما تضمنته عهدتي؛ فقال: نعم، سل في بني قريع فمهما فضل بعد عطائهم أن يتم مائةً أتممته، ففعل فجمعوا له أربعين أو خمسين بعيراً، كان الرجل يعطيه على قدر ماله البعير والبعيرين؛ قال: فأتمها علقمة له مائةً وراعيين فدفعت إليه فلم يزل يمدحهم وهو مقيم بينهم حتى قال كلمته السينية واستعدى الزبرقان عليه عمر رضي الله عنه. فلما رحل عنهم قال:

لا يبعد الله إذ ودعت أرضهم

 

أخي بغيضاً ولكن غيره بعدا

لا يبعد الله من يعطي الجزيل ومن

 

يحبو الجليل وما أكدي ولا نكـدا

ومن تلاقيه بالمعروف مبتهـجـاً

 

إذا اجرهد صفا المذموم أو صلدا

لاقيته ثلجـاً تـنـدى أنـامـلـه

 

أن يعطك اليوم لا يمنعك ذاك غدا

إني لرافده ودي ومنـصـرتـي

 

وحافظٌ غيبه إن غاب أو شهـدا

سؤاله ابن عباس في هجاء الناس

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأب عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: بينا ابن عباس جالسٌ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما كف بصره وحوله ناسٌ من قريش، إذ أقبل أعرابي يخطر وعليه مطرف وجبة وعمامة خز، حتى سلم على القوم فردوا عليه السلام، فقال: يابن عم رسول الله، أفتني؛ قال: فيماذا؟ قال أتخاف علي جناحاً إن ظلمني رجل فظلمته وشتمني فشتمته وقصر بي فقصرت به؟ فقال: العفو خير، ومن انتصر فلا جناح عليه؛ فقال: يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت امرأ أتاني فوعدني وغرني ومناني ثم أخلفني واستخف بحرمتي، أيسعني أن أهجوه؟ قال: لا يصلح الهجاء، لأنه لابد لك من أن تهجو غيره من عشيرته فتظلم من لم يظلمك، وتشتم من لم يشتمك، وتبغي على من لم يبغ عليك، والبغي مرتعٌ وخيم، وفي العفو ما قد علمت من الفضل؛ قال: صدقت وبررت؛ فلم ينشب أن أقبل عبد الرحمن بن سيحان المحاربي حليف قريش، فلما رأى الأعرابي أجله وأعظمه وألطف في مسئلته، وقال: قرب الله دارك يا أبا مليكة، فقال ابن عباس: أجرول؟ قال: جرول؛ فإذا هو الحطيئة، فقال ابن عباس: لله أنت! أي مردي قذافٍ، وذائدٍ عن عشيرةٍ، ومثنٍ بعارفة تؤتاها أنت يا أبا مليكة! والله لو كنت عركت بجنبك بعض ما كرهت من أمر الزبرقان كان خيراً لك، ولقد ظلمت من قومه من لم يظلمك، وشتمت من لم يشتمك؛ قال: إني والله بهم يا أبا العباس لعالم؛ قال ما أنت بأعلم بهم من غيرك؛ قال: بلى والله! يرحمك الله! ثم أنشأ يقول:

أنا ابن بجدتهم علماً وتـجـربةً

 

فسل بسعدٍ تجدني أعلم النـاس

سعد بن زيد كثيرٌ إن عددتهـم

 

ورأس سعد بن زيد آل شماس

والزبرقان ذناباهـم وشـرهـم

 

ليس الذنابى أبا العباس كالراس

فقال ابن عباس: اقسمت عليك ألا تقول إلا خيراً، قال: أفعل. ثم قال ابن عباس: يا أبا مليكة، من أشعر الناس؟ قال: أمن الماضين أم من الباقين؟ قال: من الماضين؛ قال: الذي يقول:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

 

يفره ومن لا يتق الـشـتـم يشـتـم

وما بدونه الذي يقول:

ولست بمستبقٍ أخاً لا تـلـمـه

 

على شعثٍ أي الرجال المهذب

ولكن الضراعة أفسدته كما أفسدت جرولاً – يعني نفسه – والله يابن عم رسول الله لولا الطمع والجشع لكنت أشعر الماضين، فأما الباقون فلا تشك أني أشعرهم وأصردهم سهماً إذا رميت.

الزبرقان وبنو أنف الناقة

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: روي لنا عن أبي عبيدة والهيثم بن عدي وغيرهما: أن عبد الله بن أبي ربيعة لما قدم من البحرين نزل على الزبرقان بن بدر بمائه فحلأه وهو الماء الذي يقال له بنيان، فنزل على بني أنف الناقة بمائهم وهو الذي يقال له وشيع، فأكرموه وذبحوا له شاةً وقالوا: لو كانت إبلنا منا قريبةً لنحرنا لك؛ فراح من عندهم يتغنى فيهم بقوله:

وما الزبرقان يوم يمنع مـاءه

 

بمحتسب التقوى ولا متوكـل

مقيمٌ على بنيان يمنـع مـاءه

 

وماء وشيعٍ ماء ظمآن مرمل

قال: فركب الزبرقان إلى عمر رضي الله عنه فاستعداه على عبد الله وقال: إنه هجاني يا أمير المؤمنين؛ فسأل عمر عن ذلك عبد الله؛ فقال له: يا أمير المؤمنين، إني نزلت على مائه فحلأني عنه؛ فقال عمر رضوان الله عليه: يا زبرقان، أتمنع ماءك من ابن السبيل! قال: يا أمير المؤمنين ألا أمنع ماءً حفر آبائي مجاريه ومستقره وحفرته أنا بيدي! فقال عمر: والذي نفسي بيده، لئن بلغني أنك منعت ماءك من أبناء السبيل لا ساكنتني بنجد أبداً! فقال بعض بني أنف الناقة يعير الزبرقان ما فعله:

أتدري من منعت ورود حوضٍ

 

سليل خضارمٍ منعوا البطاحـا

أزاد الركب تمنع أم هشاماً

 

وذا الرمحين أمنعهم سلاحا

هم منعوا الأباطح دون فهرٍ

 

ومن بالخيف والبدن اللقاحا

بضربٍ دون بيضتهم طلخفٍ

 

إذ الملهوف لاذ بهم وصاحا

وما تدري بأيهـم تـلاقـي

 

صدور المشرفية والرماحا

وصيته عند موته بالشعراء والفقراء

وللحطيئة وصيةٌ ظريفة يأتي كل فريق من الرواة ببعضها، وقد جمعت ما وقع إلي منها في موضع واحد وصدرت بأسانيدها.
أخبرني بها محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلبٌ قال حدثنا عيينة بن المنهال عن الأصمعي، وأخبرني بها أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسختها من كتاب محمد بن الليث عن محمد بن عبد الله العبدي عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عبد الرحمن “ابن أبي عمرة” عن أبيه، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قالوا: لما حضرت الحطيئة الوفاة اجتمع إليه قومه فقالوا: يا أبا مليكة: أوص فقال: ويلٌ للشعر من راوية السوء؛ قالوا: أوص رحمك الله يا حطىء؛ قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت

 

ترنم ثكلى أوجعتها الجنـائز؟

قالوا: الشماخ؛ قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب؛ قالوا: ويحك! أهذه وصيةّ! أوص بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل ضابىءٍ أنه شاعرٌ حيث يقول:

لكل جديدٌ لذةٌ غير أنـنـي

 

رأيت جديد الموت غير لذيذ

قالوا: أوص ويحك بما ينفعك! قال: أبلغوا أهل امرىء القيس أنه أشعر العرب حيث يقول:

فيا لك من ليلٍ كأن نجومـه

 

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

قالوا: اتق الله ودع عنك هذا؛ قال: أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:

يغشون حتى ما تهر كلابهم

 

لا يسألون عن السواد المقبل

قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقل غير ما أنت فيه؛ فقال:

الشعر صعبٌ وطويلٌ سلمه

 

إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

 

يريد أن يعربه فيعجـمـه

قالوا: هذا مثل الذي كنت فيه؛ فقال:

قد كنت أحياناً شديد المعتـمـد

 

وكنت ذا غربٍ على الخصم ألد

فوردت نفسي وما كادت ترد

 

 

قالوا: يا أبا مليكة، ألك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلاً. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه وقال: هذا الحجير إذا طمع في خير (يعني فمه) واستعبر باكياً؛ فقالوا له: قل لا إله إلا الله؛ فقال:

قالت وفيها حيدةٌ وذعر

 

عوذٌ بربي منكم وحجر

فقالوا له: ما تقول في عبيدك وإمائك؟ فقال: هم عبيدٌ قن ما عاقب الليل النهار؛ قالوا: فأوص للفقراء بشيء؛ قال: أوصيهم بالإلحاح في المسئلة فإنها تجارةٌ لا تبور، واست المسئول أضيق.
قالوا: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر؛ قالوا: ليس هكذا قضى الله جل وعز لهن؛ قال: لكني هكذا قضيت.
قالوا: فما توصي لليتامى؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم؛ قالوا: فهل شيء تعهد فيه غير هذا؟ قال: نعم، تحملونني على أتانٍ وتتركونني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركبٌ لم يمت عليه كريمٌ قط؛ فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون عليها حتى مات وهو يقول:

لا أحدٌ ألأم مـن حـطـيه

 

هجا بنيه وهجا الـمـريه

من لؤمه مات على فريه

 

 

والفرية: الأتان.

الغناء في شعر الحطيئة

ذكر ما غني فيه من القصائد التي مدح بها الحطيئة بغيضاً وقومه وهجا الزبرقان وقومه منها:

صوت

ألا طرقتنا بعد ما هجعـوا هـنـد

 

وقد جزن غوراً واستبان لنا نجـد

وإن التي نكبتها عـن مـعـاشـرٍ

 

علي غضابٍ أن صددت كما صدوا

الغناء لعلويه ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو، وهذه القصيدة التي يقول فيها:

أتت آل شماس بن لأيٍ وإنمـا

 

أتاهم بها الأحلام والحسب العد

فإن الشقي من تعـادي صـدورهـم

 

وذو الجد من لانوا إليه ومـن ودوا

يسوسون أحلاماً بـعـيداً أنـاتـهـا

 

فإن غضبوا جاء الحفيظة والـجـد

أقلـوا عـلـيهـم لا أبـا لأبـيكـم

 

من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا الـبـنـى

 

وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعمى عليهم جزوا بهـا

 

وإن أنعموا لا كدروهـا ولا كـدوا

وإن قال مولاهم على جـل حـادثٍ

 

من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا

مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجـى

 

بنى لهم آباؤهـم وبـنـى الـجـد          

ومنها:

صوت

وأدماء حرجوجٍ تعاللت مـوهـنـاً

 

بسوطي فارمدت نجاء الخـفـيدد

إذا آنست وقعاً من السئوط عارضت

 

به الجور حتى يستقيم ضحى الغـد

وتشرب بالقعب الصغير وإن تقـد

 

بمشفرها يوماً إلى الحوض تنقـد

الموهن: وقتٌ من الليل بعد مضي صدرٍ منه. وارمدت: نجت، والارمداد: النجاء. والخفيدد: الظليم.

الغناء لابن محرز خفيف رملٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر الهشامي: أن فيه لإبراهيم خفيف رملٍ آخر، وهو في جامع إبراهيم غير مجنس. وفيه خفيف ثقيل مجهول، وذكر حبشٌ: أنه لمعبد؛ ويشبه أن يكون ليحيى المكي.

عده بعضهم أشعر الناس

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إبراهيم بن المنذر عن ابن عباية عن محمد بن مسلم الجوسق عن رجل من كعب قال: جئت سوق الظهر فإذا بكثير، وإذا الناس متقصفون عليه، فتخلصت حتى دنوت منه فقلت: أبا صخر؛ قال: ما تشاء؟ قلت: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

وآثرت إدلاجي على ليل حـرةٍ

 

هضيم الحشا حسانة المتجـرد

تفرق بالمدرى أثيثـاً نـبـاتـه

 

على واضح الذفرى أسيل المقلد

قال: قلت: هذا الحطيئة؟ قال: هو ذاك.

كذبه سيدنا عمر في شعر له

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز عن المدائني عن علي ابن مجاهد عن هشام بن عروة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشد قول الحطيئة:

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره

 

تجد نارٍ عندها خير مـوقـد

فقال عمر: كذب، بل تلك نار موسى نبي الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن حماد الراوية: أن رجلاً دخل على الحطيئة، وهو مضطجع على فراشه وإلى جانبه سوداء قد أخرجت رجلها من تحت الكساء، فقال له: ويحك! أفي رجلك خف؟ قال: لا والله ولكنها رجل سوداء، أتدري من هي؟ قال: لا؛ قال: هي والله التي أقول فيها:

وآثرت إدلاجي على ليل حرةٍ

– وذكر البيتين – والله لو رأيتها يابن أخي لما شربت الماء من يدها؛ قال: فجعلت تسبه أقبح سب وهو يضحك.
ومنها:

صوت

ما كان ذنب بغيضٍ لا أبا لكـم

 

في بائسٍ جاء يحدو أنيقاً شزبـا

طافت أمامة بالـركـبـان آونةً

 

يا حسنها من خيالٍ زار منتقبـا

إذ تستبيك بمصقولٍ عوارضـه

 

حمش اللثات ترى في مائه شنبا

قد أخلقت عهدها من بعد جدتـه

 

وكذبت حب ملهوفٍ وما كذبـا

الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة.
ومنها:

صوت

جزى الله خيراً والجزاء بكفهبأحسن ما يجزي الرجال بغيضا

 

فلو شاء إذ جئناه صد فلم يلم

 

وصـادف مـنـأى فـي الــبـــلاد عـــريضـــا

الغناء للهدلي ثقيل أول بالبنصر عن الهشامي.