خبر الحارث وعمرو بن الإطنابة

خبر الحارث وعمرو بن الإطنابة

وإنما ذكر هنا لاتصاله بمقتل خالد بن جعفر، ولأن فيما تناقضاه من الأشعار أغاني صالح ذكرها في هذا الموضع .
غضب عمرو بن الإطنابة على الحارث لقتله خالداً وشعره في ذلك: قال أبو عبيدة: كان عمرو بن الإطنابة الخزرجي ملك الحجاز، ولما بلغه قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفرٍ، وكان خالداً مصافياً له، غضب لذلك غضباً شديداً، وقال: والله لو لقي الحارث خالداً وهو يقظان لما نظر إليه، ولكنه قتله نائماً ولو أتاني لعرف قدره؛ ثم دعا بشرابه ووضع التاج على رأسه ودعا بقيانه، فتغنين له:

عللاني وعـلـلا صـاحـبـيا

 

وأسقياني من الـمـروق ريا

إن فينا القيان يعزفن بـالـدف

 

لفتـيانـنـا وعـيشـاً رخـيا

يتبارين في النعـيم ويصـبـب

 

ن خلال القرون مسكـاً ذكـيا

إنما همـهـن أن يتـحـلـي

 

ن سموطاً وسنبـلاً فـارسـياً

من سموط المرجان فضل بالشذ

 

ر فأحسن بجلـيهـن حـلـيا

وفتىً يضرب الكتيبة بالـسـي

 

ف إذا كانت السيوف عصـيا

إننا لا نسر فـي غـير نـجـدٍ

 

إن فينا بها فتـىً خـزرجـيا

يدفع الضيم والظلامة عنـهـا

 

فتجافي عنه لـنـا يا مـنـيا

أبلغ الحارث بن ظالـمٍ الـرع

 

ديد والناذر الـنـذور عـلـيا

أنمـا يقـتـل الـنـيام ولا يق

 

تل يقظان ذا سـلاحٍ كـمـيا

ومعي شكتي معابل كـالـجـم

 

ر وأعددت صارماً مشـرفـيا

لو هبطت البلاد أنسيتك القـت

 

ل كما ينسئ النسيء النـسـيا

مسير الحارث إلى عمرو وانخذال عمرو عنه وشعر الحارث في ذلك: قال: فلما بلغ الحارث شعره هذا ازداد حنقاً وغيظاً، فسار حتى أتى ديار بني الخزرج، ثم دنا من قبة عمرو بن الإطنابة، ثم نادى أيها الملك أغثني فإني جار مكثور وخذ سلاحك، فأجابه وخرج معه. حتى برز له عطف عليه الحارث وقال: أنا أبو ليلى! فاعتركا مليا من الليل. وخشي عمرو أن يقتله الحارث فقال له: يا حار، إني شيخ كبير وإني تعتريني سنة، فهل لك في تأخير هذا الأمر إلى غدٍ؟ فقال: هيهات! ومن لي به في غدٍ! فتجاولا ساعةً، ثم ألقى عمرو الرمح من يده وقال: يا حار ألم أخبرك أن النعاس قد يغلبني! قد سقط رمحي فاكفف، فكف. قال: أنظرني إلى غدٍ. قال: لا أفعل. قال: فدعني آخذ رمحي. قال: خذه قال: أخشى أن تعجلني عنه أو تفتك بي إذا أردت أخذه. قال: وذمة ظالمٍ لا أعجلتك ولا قاتلتك ولا فتكت بك حتى تأخذه. قال: وذمة الإطنابة لا آخذه ولا أقاتلك. فانصرف الحارث إلا قومه وقال مجيباً له:

اعزفا لي بـلـذةٍ قـينـتـيا

 

قبل أن يبكر المنون عـلـيا

قبل أن يبكر العـواذل إنـي

 

كنت قدماً لأمرهن عصـيا

ما أبالي أراشد فاصبحـانـي

 

حسبتني عواذلـي أم غـويا

بعد ألا أصـر لـلـه إثـمـاً

 

في حياتي ولا أخون صفـيا

من سلافٍ كأنها دم ظـبـيٍ

 

في زجاجٍ تخالـه رازقـيا

قد بلغتنا مقالة المرء عمـرٍو

 

فأنفـنـا وكـان ذاك بـديا

قد هممنا بقتلـه إذ بـرزنـا

 

ولقينـاه ذا سـلاحٍ كـمـيا

غير ما نائمٍ تعلل بـالـحـل

 

م معداً بكفـه مـشـرفـيا

فمننا علـيه بـعـد عـلـوٍ

 

بوفاءٍ وكنت قـدمـاً وفـيا

ورجعنا بالصفح عنه وكان ال

 

من منا عليه بـعـد تـلـيا

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني: منها في شعر عمرو بن الإطنابة: صوت: الغناء في شعر عمرو والحارث:

علـلانـي وعـلـلا صـــاحـــبـــيا

 

واسـقـيانـي مـن الـــمـــروق ريا

إن فينا القيان يعزفن بالدف لفتياننا وعيشاً رخيا

 

 

غنته عزة الميلاء من رواية حماد عن أبيه خفيف رملٍ بالوسطى. قال حماد أخبرني أبي قال بلغني أن معبداً قال: دخلت على جميلة وعندها عزة الميلاء تغنيها في شعر عمرو بن الإطنابة الخزرجي:

عللاني وعللا صاحبيا

على معزفةٍ لها وقد أسنت، فما سمعت قط مثلها وذهبت بعقلي وفتنتني، فقلت: هذا وهي كبيرة مسنة! فكيف لو أدركتها وهي شابة! وجعلت أعجب منها.
ومنها في شعر الحارث بن ظالم: صوت:

ما أبالي إذا اصطحبت ثلاثاً

 

أرشيداً حسبتيني أم غـويا

من سلافٍ كأنها دم ظبـيٍ

 

في زجاجٍ تخاله رازقـيا

غناه فليح بن أبي العوراء رملاً بالبنصر عن عمرو بن بانة. وغناه ابن محرزٍ خفيف ثقيلٍ أول بالخنصر من رواية حبشٍ .
ومنها: صوت:

بلغتنا مقالة المرء عمرٍو

 

فأنفنا وكـان ذاك بـديا

قد هممنا بقتله إذ برزنا

 

ولقيناه ذا سلاحٍ كمـيا

غناه مالك خفيف رملٍ بالبنصر من رواية حبش، وذكر إسحاق في مجرده أن الغناء في هذين البيتين ليونس الكاتب، ولم ينسب الطريقة ولا جنسها .

ونذكر ها هنا خبر رحرحان ويوم قتله إذ كان مقتل الحارث وخبره خبرهما: يوم رحرحان الثاني والسبب فيه: أخبرني علي بن سليمان ومحمد بن العباس اليزيدي في كتاب النقائض قالا قال أبو سعيدٍ الحسن بن الحسين السكري عن محمد بن حبيب عن أبي عبيدة قال: كان من خبر رحرحان الثاني أن الحارث بن ظالمٍ المري لما قتل خالد بن جعفر بن كلابٍ غدراً عند النعمان بن المنذر بالحيرة هرب فأتى زرارة بن عدسٍ فكان عنده، وكان قوم الحارث قد تشاءموا به فلاموه، وكره أن يكون لقومه زعم عليه و الزعم المنة فلم يزل في بني تميمٍ عند زرارة حتى لحق بقريش. وكان يقال : إن مرة بن عوفٍ من لؤي بن غالبٍ، وهو قول الحارث بن ظالمٍ ينتمي إلى قريش:

رفعت السيف إذ قالوا قريش

 

وبينت الشمائل والقـبـابـا

فما قومي بثعلبة بن سـعـدٍ

 

ولا بفزارة الشعر الرقابـا

وأتاهم لذلك النسب، فكان عند عبد الله بن جدعان. فخرجت بنو عامر إلى الحارث بن ظالمٍ حيث لجأ إلى زرارة وعليهم الأحوص بن جعفر، فأصابوا امرأة من بني تميمٍ وجدوها تحتطب، وكان في رأس الخيل التي خرجت في طلب الحارث بن ظالم شريج بن الأحوص، وأصابوا غلماناً يجتنون الكمأة. وكان الذي أصاب تلك المرأة رجلاً من غنيٍ، فأرادت بنو عامر أخذها منه، فقال الأحوص: لا تأخذوا أخيذة خالي. وكانت أم جعفر يعني أبا الأحوص خبية بنت رياح الغنوي وهي إحدى المنجبات. ويقال: أتى شريج بن الأحوص بتلك المرأة إليه ، فسألها عن بني تميمٍ، فأخبرتهم أنهم لحقوا بقومهم حين بلغهم مجيئكم ففعها الأحوص إلى الغنوي فقال: اعفجها الليلةواحذر أن تنفلت. فوطئها الغنوي ثم نام، فذهبت على وجهها. فلما أصبح دعوا بها فوجدوها قد ذهبت. فسألوه عنها فقال هذا حري رطباً من زبها. وكانت المرأة يقال لها حنظلة ، وهي بنت أخي زرارة بن عدسٍ. فأتت قومها، فسألها عمها زرارة عما رأت، فلم تستطع أن تنطق. فقال بعضهم: اسقوها ماءً حاراً فإن قلبها قد برد من الفرق، ففعلوا وتركوها حتى اطمأنت. فقالت: يا عم! أخذني القوم أمس وهم فيما أرى يريدونكم، فاحذر أنت وقومك. فقال: لا بأس عليك يا بنت أخي، فلا تذعري قومك ولا تروعيهم، وأخبريني ما هيئة القوم وما نعتهم. قالت: أخذني قوم يقبلون بوجوه الظباء، ويدبرون بأعجاز النساء. قال زرارة: أولئك بنو عامرٍ، فمن رأيت فيهم؟ قالت: رأيت رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه فهو يرفع حاجبيه، صغير العينين، عن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص بن جعفر. قلت: ورأيت رجلاً قليل المنطق، إذا تكلم اجتمع القوم لمنطقه كما تجتمع الإبل لفحلها، وهو من أحسن الناس وجهاً، ومعه ابنان له لا يدبر أبداً إلا وهما يتبعانه، ولا يقبل إلا وهما بين يديه. قال: ذلك مالك بن جعفر، وابناه عامر وطفيل. قالت: ورأيت رجلاً أبيض هلقامةً جسيماً والهلقامة الأفوه وقال: ذلك ربيعة ابن عبد الله بن أبي بكر بن كلابٍ. قالت: ورأيت رجلاً أسود أخنس قصيراً، إذا تكلم عذم القوم عذم المنخوس. قال: ذلك رببيعة بن قرط بن عبد بن أبي بكر بن كلابٍ . قالت: ورأيت رجلاً صغير العينين، أقرن الحاجبين، كثير شعر السبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم. قال: ذلك حندج بن البكاء. قالت: ورأيت رجلاً صغير العينين، ضيق الجبهة طويلاً يقود فرساً له، معه جفير لا يجاوز يده. قال: ذلك ربيعة بن عقيل. قالت: ورأيت رجلاً آدم، معه ابنان له حسنا الوجه أصهبان، إذا أقبلا نظر القوم إليهما حتى ينتهيا، وإذا أدبرا نظروا إليهما . قال: ذلك عمرو بن خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلابٍ ، وابناه يزيد وزرعة. ويقال قالت: ورأيت فيهم رجلين أحمرين جسيمين ذوي غدائر لا يفترقان في ممشىً ولا مجلس، فإذا أدبرا اتبعهما القوم بأبصارهم، وإذا أقبلا لم يزالوا ينظرون إليهما حتى يجلسا. قال: ذانك خويلد وخالد ابنا نفيلٍ. قالت: ورأيت رجلاً آدم جسيماً كأن رأسه مجز غضورةٍ والغضورة: حشيش دقاق خشن قائم يكون بمكة. تريد أن شعره قائم خشن كأنه حشيش قد جز . قال: ذلك عوف بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلاً كأن شعر فخذيه حلق الدروع. قال: ذلك شريح بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلاً أسمر طويلاً يجول في القوم كأنه غريب. قال: ذلك عبد الله بن جعدة، ويقال قالت: ورأيت رجلاً كثير شعر الرأس، صخاباً لا يدع طائفةً من القوم إلا أصخبها . قال: ذلك عبد الله بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة .

أسر معبد بن زرارة ومقتله: فسارت بنو عامر نحوهم، والتقوا برحرحان، وأسر يومئذٍ معبد بن زرارة، أسره عامر بن مالكٍ، واشترك في أسره طفيل بن مالك ورجل من غنيٍ يقال له أبو عميلة وهو عصمة بن وهبٍ وكان أخا طفيل بن مالك من الرضاعة. وكان معبد بن زرارة رجلاً كثير المال. فوفد لقيط بن زرارة على عامر بن مالك في الشهر الحرام وهو رجب، وكانت مضر تدعوه الأصم؛ لأنهم كانوا لا يتنادون فيه يا لفلانٍ ويا لفلانٍ، ولا يتغازون ولا يتنادون فيه بالشعارات ، وهو أيضاً منصل الأل. والأل: الأسنة؛ وكانوا إذا دخل رجب أنصلوا ، الأسنة من الرماح حتى يخرج الشهر. وسأل لقيط عامراً أن يطلق أخاه. فقال: أما حصتي فقد وهبتها لك، ولكن أرض أخي وحليفي اللذين اشتركا فيه. فجعل لقيط لكل واحدٍ مائةً من الإبل، فرضيا وأتيا عامرأ فأخبراه. فقال عامر للقيطٍ: دونك أخاك، فأطلق عنه. فلما أطلق فكر لقيط في نفسه فقال: أعطيهم مائتي بعيرٍ ثم تكون لهم النعمة علي بعد ذلك! لا والله لا أفعل ذلك! ورجع إلى عامر فقال: إن أبي زرارة نهاني أن أزيد على مائةٍ دية مضر، فإن أنتم رضيتم أعطيتكم مائةً من الإبل. فقالوا: لا حاجة لنا في ذلك؛ فانصرف لقيط. فقال له معبد: مالي يخرجني من أيديهم. فأبى ذلك عليه فقال: إذاً يقتسم العرب بني زرارة. فقال معبد لعامر بن مالك: يا عامر! أنشدك الله لما خليت سبيلي، فإنما يريد ابن الحمراء أن يأكل كل مالي ولم تكن أمه أم لقيط . فقال له عامر: أبعدك الله! إن لم يشفق عليك أخوك فأنا أحق ألا أشفق عليك. فعمدوا إلى معبدٍ فشدوا عليه القد وبعثوا به إلى الطائف، فلم يزل به حتى مات. فذلك قول شريح بن الأحوص:

لقيط وأنت امرؤ مـاجـد

 

ولكن حلمك لا يهـتـدي

ولما أمنت وساغ الـشـرا

 

ب واحتل بيتك في ثهمـد

رفعت برجليك فوق الفرا

 

ش تهدي القصائد في معبد

وأسلمته عند جد القـتـال

 

وتبخل بالمال أن تفـتـدي

شعر لعوف بن عطية يعير لقيطاً: وقال في ذلك عوف بن عطية بن الخرع التيمي يعير لقيط بن زرارة:

هلا فوارس رحرحان هجوتهم

 

عشراً تناوح في سـرارة واد

لا تأكل الإبل الغراث نبـاتـه

 

ما إن يقوم عماده بـعـمـاد

هلا كررت على أخيك معبـدٍ

 

والعامري يقوده بـصـفـاد

وذكرت من لبن المحلق شربةً

 

والخيل تعدو بالصفـاح بـداد

بداد : متفرقة. والصفاح: موضع. والمحلق: موسومة بحلقٍ على وجوهها، يقول ذكرت لبنها، يعني إبله

لو كنت إذ لا تستطيع فديتـه

 

بهجان أدمٍ طـارف وتـلاد

لكن تركته في عميقٍ قعرها

 

جزراً لخامعةٍ وطير عـواد

لو كنت مستحياً لعرضك مرةً

 

قاتلت أو لفـديت بـالأذواد

وفيها يقول نابغة بني جعدة:

هلا سألت بيومي رحرحان وقد

 

ظنت هوازن أن العز قد زالا

مما قاله الشعراء في وقعة رحرحان: وفيها يقول مقدام أخو بني عدس بن زيدٍ في الإسلام، وقتلت بنو طهية ابناً للقعقاع بن معبدٍ، فتوادوا فأخذت بنو طهية منهم الفضل:

وأنتم بنو ماء السماء زعمتـم

 

ومات أبوكم يا بني معبدٍ هزلا

وقال المخبل السعدي يذكر معبداً:

فإت تك نالتنا كليب بقـرةٍ

 

فيومك فيهم بالمصيفة أبرد

هم قتلوا يوم المصيفة مالكاً

 

وشاط بأيديهم لقيط ومعبد

وفيها يقول عياض بن مرثد بن أسيد بن قريط بن لبيدٍ في الإسلام:

نحن أسرنا معبـداً يوم مـعـبـدٍ

 

فما افتك حتى مات من شدة الأسر

ونحن قتلنابالصفا بعـد مـعـبـدٍ

 

أخاه بأطراف الردينية السـمـر

وهذا يوم شعب جبلة: السبب في يوم جبلة: قال أبو عبيدة: وأما يوم جبلة، وكان من عظام أيام العرب؛ وكان عظام أيام العرب ثلاثة : يوم كلاب ربيعة، ويوم جبلة، ويوم ذي قارٍ. وكان الذي هاج ويوم جبلة أن بني عبس بن بغيضٍ حين خرجوا هاربين من بني ذبيان بن بغيضٍ وحاربوا قومهم خرجوا متلددين . فقال الربيع بن زيادٍ العبسي: أما والله لأرمين العرب بحجرها، اقصدوا لبني عامرٍ؛ فخرج حتى نزل مضيقاً من وادي بني عامر ثم قال: امكثوا. فخرج ربيع وعامر ابنا زيادٍ والحارث بن خليفٍ حتى نزلوا على ربيعة بن شكل بن كعب بن الحريش ، وكان العقد من بني عامر إلى بني كعب بن ربيعة وكانت الرياسة في بني كلاب بن ربيعة . فقال ربيعة بن شكلٍ: يا بني عبسٍ، شأنكم جليل، وذحلكم الذي يطلب منكم عظيم، وأنا أعلم والله أن هذه الحرب أعز حربٍ حاربتها العرب قط. ولا والله ما بد من بني كلابٍ، فأمهلوني حتى أستطلع طلع قومي. فخرج في قومٍ من بني كعبٍ حتى جاؤوا بني كلابٍ، فلقيهم عوف بن الأحوص فقال: يا قوم، أطيعوني في هذا الطرف من غطفان، فاقتلوهم ، واغنموهم لا تفلح غطفان بعده أبداً. والله إن تزيدون على أن تسمنوهم وتمنعوهم ثم يصيروا لقومكم أعداء. فأبوا عليه، وانقلبوا حتى نزلوا على الأحوص بن جعفر فذكروا له من أمرهم . فقال لربيعة بن شكلٍ: أظللتهم ظلك وأطعمتهم طعامك؟ قال نعم، قال: قد والله أجرت القوم! فأنزلوا القوم وسطهم بحبوحة دارهم .

وذكر بشر بن عبد الله بن حيان الكلابي أن عبساً لما حاربت قومها أتوا بني عامر وأرادوا عبد الله بن جعدة وابن الحريش ليصيروا حلفاءهم دون كلابٍ؛ فأتى قيس بن زهيرٍ وأقبل نحو بني جعفر هو والربيع بن زيادٍ حتى انتهيا إلى الأحوص جالساً قدام بيته . فقال قيس للربيع: إنه لا حلف ولا ثقة دون أن أنتهي إلى هذا الشيخ. فتقدم إليه قيس فأخذ بمجامع ثوبه من وراء فقال: هذا مقام العائذ بك! قتلتم أبي فما أخذت له عقلاً ولا قتلت به أحداً، وقد أتيتك لتجيرنا. نعم! أنا لك جار مما أجير منه نفسي، وعوف بن الأحوص عن ذلك غائب. فلما سمع عوف بذلك أتى الأحوص وعنده بنو جعفرٍ فقال: يا معشر بني جعفر، أطيعوني اليوم واعصوني أبداً، وإن كنت والله فيكم معصياً. إنهم والله لو لقوا بني ذبيان لولوكم أطراف الأسنة إذا نكهوا في أفواههم بكلام! فابدأوا بهم فاقتلوهم واجعلوهم مثل البرغوث دماغه في دمه. فأبوا عليه وحالفوهم. فقال: والله لا أدخل في هذا الحلف! قال: وسمعت بهم حيث قر قرارهم بنو ذبيان، فحشدوا واستعدوا وخرجوا وعليهم حصن بن حذيفة بن بدرٍ ومعه الحليفان أسد وذبيان يطلبون بدم حذيفة، وأقبل معهم شرحبيل بن أخضر بن الجون والجون هو معاوية؛ سمي بذلك لشدة سواده ابن آكل المرار الكندي في جمع من كندة، وأقبلت بنو حنظلة بن مالكٍ والرباب عليهم لقيط بن زرارة يطلبون بدم معبد بن زرارة ويثربي بن عدسٍ، وأقبل معهم حسان بن عمرو بن الجون في جمعٍ عظيم من كندة وغيرهم، فأقبلوا إليهم بوضائع كانت تكون بالحيرة مع الملوك وهم الرابطة. وكان في الرباب رجل من أشرافهم يقال له النعمان بن قهوسٍ التيمي، وكان معه لواء من سار إلى جبلة، وكان من فرسان العرب. وله تقول دختنوس بنت لقيط بن زرارة يومئذٍ: شعر لدختنوس بنت لقيط تعير ابن قهوس:

قر ابن قهوس الـشـجـا

 

ع بكفـه رمـح مـتـل

يعدو به حاظي البـضـي

 

ع كـأنـه سـمـع أزل

إنـك مـن تـمـيمٍ فـدع

 

غطفان إن ساروا ورحلوا

متل: مستقيم، يتل به كل شيء. الخاظي: الشيء المكتنز. والسمع: ولد الضبع من الذئب والعسبار: ولد الذئب من الكلبة .

لا منك عـدهـم ولا

 

آباك إن هلكوا وذلوا

فخر البغي بحدج رب

 

تها إذا الناس استقلوا

لا حدجها ركبـت ولا

 

لرغال فيه مستظـل

ولقد رأيت أبـاك وس

 

ط القوم يربق أو يجل

متقلداً ربـق الـفـرا

 

ر كأنه في الجيد غل

تشاور بني عامر في أمرهم: يجل: يلقط البعر. والفرار: أولاد الغنم، واحدها فرارة . قال: وكان معهم رؤساء بني تميم: حاجب بن زرارة ولقيط بن زرارة وعمرو بن عمرٍو وعتيبة بن الحارث بن شهابٍ، وتبعهم غثاء من غثاء الناس يريدون الغنيمة، فجمعوا جمعاً لم يكن الجاهلية قط مثله أكثر كثرةً، فلم تشك العرب في هلاك بني عامر. فجاؤوا حتى مروا ببني سعد بن زيد مناة، فقالوا لهم: سيروا معنا إلى بني عامر. فقالت لهم بنو سعدٍ: ما كنا لنسير معكم ونحن نزعم أن عامر بن صعصعة ابن سعد بن زيد مناة . فقالوا: أما إذا أبيتم أن تسيروا معنا فاكتموا علينا. فقالوا: أما هذا فنعم. فلما سمعت بنو عامر بمسيرهم اجتمعوا إلى الأحوص بن جعفرٍ، وهو يومئذٍ شيخ كبير قد وقع حاجباه على عينيه وقد ترك الغزو غير أنه يدبر أمر الناس، وكان مجرباً حازماً ميمون النقيبة، فأخبروه الخبر، فقال لهم الأحوص: قد كبرت، فما أستطيع أن أجيء بالحزم وقد ذهب الرأي مني. ولكني إذا سمعت عرفت، فأجمعوا آراءكم ثم بيتوا ليلتكم هذه ثم اغدوا علي فاعرضوا علي آراءكم، ففعلوا. فلما أصبح غدوا عليه، فوضعت له عباءة بفتنائه فجلس عليها. ورفع حاجبيه عن عينيه بعصابة ثم قال: هاتوا ما عندكم. فقال قبس بن زهيرٍ العبسي: بات في كنانتي الليلة مائة رأيٍ. فقال له الأحوص يكفينا منها رأي واحد حازم صليب مصيب، هات فانثر كنانتك. فجعل يعرض كل رأيٍ رآه حتى أنفد. فقال له الأحوص: ما أرى بات في كنانتك الليلة رأي واحد! وعرض الناس آرائهم حتى أنفدوا. فقال: ما أسمع شيئاً وقد صرتم إلي، احملوا أثقالكم وضعفاءكم ففعلوا، ثم قال: احملوا ظعنكم فحملوها، ثم قال: اركبوا فركبوا، وجعلوه في محفةٍ وقال: انطلقوا حتى تعلوا في اليمين ، فإن أدرككم أحد كررتم عليه، وإن أعجزتموهم مضيتم. فسار الناس حتى أتوا وادي بحارٍ ضحوةً، فإذا الناس يرجع بعضهم على بعض. فقال الأحوص: ما هذا؟ قيل هذا عمرو بن عبد الله بن جعدة في فتيانٍ من بني عامرٍ يعقرون بمن أجاز بهم ويقطعون بالنساء حواياهن .

فقال الأحوص قدموني، فقدموه حتى وقف عليهم فقال: ما هذا الذي تصنعون ؟! قال عمرو: أردت أن تفضحنا وتخرجنا هاربين من بلادنا ونحن أعز العرب، وأكثرهم عدداً وجلداً وأحدهم شوكة! تريد أن تجعلنا موالي في العرب إذ خرجت بنا هارباً !. قال: فكيف أفعل وقد جاءنا ما لا طاقة لنا به! فما الرأي؟ قال: نرجع إلى شعب جبلة فنحرز النساء والضعفة والذراري والأموال في رأسه ونكون في وسطه ففيه ثمل أي خصب وماء . فإن أقام من جاءك أسفل أقاموا على غير ماء ولا مقام لهم، وإن صعدوا عليك قاتلتهم من فوق رؤوسهم بالحجارة، فكنت في حرزٍ وكانوا في غير حرزٍ، وكنت على قتالهم أقوى منهم على قتالك. قال: هذا والله الرأي، فأين كان هذا عنك حين استشرت الناس؟ قال: إنما جائني الآن. قال الأحوص للناس: ارجعوا فرجعوا. ففي ذلك يقول نابغة لبني جعدة:

ونحن حبسنا الحي عبساً وعـامـراً

 

لحسان وابن الجون إذ قيل أقـبـلا

وقد صعدت وادي بحارٍ نـسـاؤهـم

 

كإصعاد نسرٍ لا يرومون مـنـزلا

عطفنا لهم عطف الضروس فصادفوا

 

من الهضبة الحمراء عزاً ومعقـلا

الضروس: الناقة العضوض فدخلوا شعب جبلة. وجبلة: هضبة حمراء بين الشريف والشرف. والشريف: ماء لبني نميرٍ. والشرف ماء لبني كلابٍ. وجبلة: جبل عظيم له شعب عظيم واسع، لا يؤتى الجبل إلا من قبل الشعب، والشعب متقارب المدخل وداخله متسع، وبه اليوم عرينة من بجيلة .

دخولهم شعب جبلة: فدخلت بنوعامر شعباً منه يقال له مسلح، فحصنوا النساء والذراري والأموال في رأس الجبل، وحلوا الإبل عن الماء، واقتسموا الشعب بالقداح فأقرع بين القبائل في شظاياه ، فخرجت بنو تميمٍ ومعهم بارق حي من الأزد حلفاء يومئذٍ لبني نميرٍ. وبارق هو سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامرٍ ماء السماء. وسمي مزيقياء لأنه كان يمزق عليه كل يومٍ حلةً فولجوا الخليف والخليف: الطريق بين الشعبين شبه الزقاق لأن سهمهم تخلف. وفيه يقول معقر بن أوس بن حمارٍ البارقي:

ونحن الأيمنون بنو نميرٍ

 

يسيل بنا أمامهم الخليف

 قال: وكان معقر يومئذٍ شيخاً كبيراً ومعه هؤلاء ابنة له تقود به جمله. فجعل يقول لها: من أسهل من الناس؟ فتخبره وتقول هؤلاء بنو فلان، وهؤلاء بنو فلان، حتى إذ تناهى الناس قال: اهبطي، لا يزال الشعب منيعاً سائر هذا اليوم، وهبط . وكانت كبشة بنت عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلابٍ يومئذٍ حاملاً بعامر بن الطفيل. فقالت: ويلكم يا بني عامرٍ ارفعوني! فوالله إن في بطني لعز بني عامر. فصفوا القسي على عواتقهم ثم حملوها حتى أثووها بالقنة يقال قنة وقنان . فزعموا أنها ولدت عامراً يوم فرغ الناس من القتال .
من شهد الوقعة من القبائل: فشهدت بنو عامر كلها جبلة إلا هلال بن عامرٍ وعامر بن ربيعة بن عامرٍ، وشهدها مع بني عامرٍ من العرب بنو عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم وكان لهم بأس وحزم وعليهم مرداس بن أبي عامرٍ، وهو أبو العباس بن مرداسٍ. وكانت بنو عبس بن رفاعة حلفاء بني عمرو بن كلابٍ .

تفرق بجيلة في بطون بني عامر: وزعم بعض بني عامرٍ أن مرداساً كان مع أخواله غنيٍ ، وكانت أمه فاطمة بنت جلهمة الغنوية. وشهدتها غني وباهلة وناس من بني سعد بن بكرٍ وقبائل بجيلة كلها إلا قسراً لحربٍ كانت بين قسرٍ وقومها، فارتحلت بجيلة فتفرقت في بطون بني عامرٍ، فكانت عادية بن عامرٍ ابن قدادٍ من بجيلة في بني عامر بن ربيعة، وكانت سحمة من بجيلة في بني جعفر بن كلابٍ ويقال: عمرو بن كلاب وكانت عرينة من نجيلة في عمرو بن كلابٍ وكانت بنو قيس كبة لفرسٍ يقال لها كبة من بجيلة في بني عامر بن ربيعة وكانت فتيان في بني عامر بن ربيعة، وبنو قطيعة من بجيلة في بني أبي بكر بن كلابٍ، ونصيب بن عبد الله من بجيلة في بني نميرٍ، وكانت ثعلبة والخطام من بجيلة ، في بني عامر بن ربيعة، وبنو عامر بن معاوية بن زيد من بجيلة في بني أبي بكر بن كلابٍ معهم يومئذٍ نفير من عكلٍ، فبلغ جمعهم ثلاثين ألفاً. وعمي على بني عامر الخبر. فجعلوا لا يدرون ما قرب القوم من بعدهم .

ما فعله كرب بن صفوان لتميم وأسد: وأقبلت تميم وأسد ولفهم نحو جبلة، فلقوا كرب بن صفوان بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعيد بن زيد مناة، فقالوا له: أين تذهب؟ أتريد أن تنذر بنار بني عامر؟ قال لا. قالوا: فأعطنا عهداً وموثقاً ألا تفعل؛ فأعطاهم فخلوا سبيله. فمضى مسرعاً على فرسٍ له عريٍ ، حتى إذا نظر إلى مجلس بني عامر وفيهم الأحوص نزل تحت شجرةٍ حيث يرونه؛ فأرسلوا إليه يدعونه، قال: لست فاعلاً، ولكن إذا رحلت فأتوا منزلي فإن الخبر فيه. فلما جاؤوا منزله إذا فيه تراب في صرةٍ وشوك قد كسر رؤوسه وفرق جهته، وإذا حنظلة موضوعة، وإذا وطب معلق فيه لبن. فقال الأحوص: هذا رجل قد أخذ عليه المواثيق ألا يتكلم، وهو يخبركم أن القوم مثل التراب كثرةً، وان شوكتهم كليلة وهم متفرقون ، وجاءتكم بنو حنظلة. أنظروا ما في الوطب، فاصطبوه فإذا فيه لبن حزر قرص . فقال القوم منكم على قدر حلاب اللبن إلى أن يحزر. فقال رجل من بني يربوعٍ ويقال قالته دختنوس بنت لقيط بن زرارة

كرب بن صفوان بن شجنة لم يدع

 

من دارمٍ أحداً ولا من نهـشـل

أجعلت يربوعـاً كـقـورة دائرٍ

 

ولتحلفن بالله أن لـم تـفـعـل

وذلك قول عامر بن الطفيل بعد جبلة بحينٍ:

ألا أبلغ لديك جموع سعـدٍ

 

فبيتوا لن نهيجكم نـيامـا

نصحتم بالمغيب ولم تعينـوا

 

علينا إنكم كنتـم كـرامـا

ولو كنتم مع ابن الجون كنتم

 

كمن أودى وأصبح قد ألاما

صعود بني عامر الشعب وتشاور أعدائهم في الصعود إليهم: فلما استيقنت بنو عامرٍ بإقبالهم صعدوا الشعب، وأمر الأحوص بالإبل التي ظمئت قبل ذلك فقال: اعقلوها كل بعيرٍ بعقالين في يديه جميعاً. وأصبح لقيط والناس نزول به، وكانت مشورتهم إلى لقيطٍ؛ فاستقبلهم جمل عود أجرب أخذ أعصل كاشر عن أنيابه؛ فقال الحزاة من بني أسد والحازي العائف اعقروه. فقال لقيط: والله لا يعقر حتى يكون فحل إبلي غداً. وكان البعير من عصافير المنذر التي أخذها قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشيرٍ. والعصافير: إبل كانت للملوك نجائب ثم استقبلهم معاوية بن عبادة بن عقيلٍ وكان أعسر فقال:

أنا الغلام الأعسر

 

الخير في والشر

والشر في أكثر

 

 

فتشاءمت بنو أسدٍ وقالوا: ارجعوا عنهم وأطيعونا. فرجعت بنو أسدٍ فلم تشهد جبلة مع لقيطٍ إلا نفيراً يسيراً، منهم شأس بن أبي بليٍ أبو عمرو بن شأسٍ الشاعر، ومعقل بن عامرٍ بن موءلة المالكي. وقال الناس للقيطٍ: ما ترى؟ فقال: أرى أن تصعدوا إليهم. فقال شأس: لا تدخلوا على بني عامر؛ فإني أعلم الناس بهم، قد قاتلتهم وقاتلوني وهزمتم وهزموني، فما رأيت قوماً قط أقلق بمنزلٍ من بني عامر! والله ما وجدت لهم مثلاً إلا الشجاع؛ فإنه لا يقر في حجره قلقاً، وسيخرجون إليكم. والله لئن بتم هذه الليلة لا تشعرون بهم إلا وهم منحدرون عليكم. فقال لقيط: والله لندخلن عليهم. فأتوهم وقد أخذوا حذرهم. وجعل الأحوص ابنه شريحاً على تعبئة الناس. فأقبل لقيط وأصحابه مدلين فأسندوا إلى الجبل حتى ذرت الشمس. فصعد لقيط في الناس وأخذ بحافتي الشجن . فقالت بنو عامر للأحوص: قد أتوك. فقال: دعوهم. حتى إذا نصفوا الجبل وانتشروا فيه، قال الأحوص: حلة عقل الإبل ثم احدروها واتبعوا آثارها ، وليتبع كل رجلٍ منكم بعيره حجرين أو ثلاثةً، ففعلوا ثم صاحوا بها، فلم يفجأ الناس إلا الإبل تريد الماء والمرعى، وجعلوا يرمونهم بالحجارة والنبل؛ وأقبلت الإبل تحطم كل شيء مرت به، وجعل البعير يدهدي بيديه كذا وكذا حجراً. وقد كان لقيط واصحابه سخروا منهم حين صنعوا بالإبل ما صنعوا. فقال رجل من بني أسدٍ:

زعمت أن العير لا تقاتل

 

بلى إذا تقعقع الرحـائل

واختلف الهندي والذوابل

 

وقالت الأبطال من ينازل

بلى وفيها حسب ونائل

 

 

شعر لبعض بني عامر في الوقعة: فانحط الناس منهزمين من الجبل حتى السهل. فلما بلغ الناس السهل لم يكن لأحدٍ منهم همة إلا أن يذهب على وجهه، فجعلت بنو عامر يقتلونهم ويصرعونهم بالسيوف في آثارهم، فانهزموا شر هزيمة. فجعل رجل من بني عامرٍ يومئذٍ يرتجز ويقول:

لم أر يوماً مثل يوم جبـلـه

 

يوم أتتنا أسد وحـنـظـلـه

وغطفان والملوك أزفـلـه

 

نضربهم بقضبٍ منتخـلـه

لم تعد أن أفرش عنها الصقله

 

حتى حدوناهم حداء الزومله

وجعل معقل بن عامر يرتجز ويقول:

يوم حماة الشعب يوم جبله

 

بكل عضبٍ صارمٍ ومعبله

وهيكلٍ نهدٍ معاً وهيكلـه

 

 

المعبلة: السهم إذا كان نصله عريضاً فهو معبلة، والرقيق: القطبة .
قتال بني تميم ضد بني عامر: وخرجت بنو تميم من الخليف على الخيل فكركروا الناس يعني ردوهم وانقطع شريح بن الأحوص في فرسان حتى أخذ الجرف فقاتل الناس قتالاً شديداً هناك، وجعل لقيط يومئذٍ وهو على برذونٍ له مجففٍ بديباج أعطاه إياه كسرى وكان أول عربي جفف يقول:

عرفتكم والدمع مِ العين يكـف

 

لفارسٍ أتلفتموه ما خـلـف

إن النشيل والشواء والرغـف

 

والقينة الحسناء والكأس الأنف

وصفوة القدر وتعجيل اللقـف

 

للطاعنين الخيل والخيل قطف

وجعل لا يمر به أحد من الجيش إلا قال له : أنت والله قتلتنا وشتمتنا . فجعل يقول:

يا قوم قد أحرقتموني بالـلـؤم

 

ولم أقاتل عامراً قبـل الـيوم

فاليوم إذ قاتلتـهـم فـلا لـوم

 

تقدموا وقدمونـي لـلـقـوم

شتان هذا والعنـاق والـنـوم

 

والمضجع البارد في ظل الدوم

وقال شأس بن أبي بلي يجيبه:

لكن أنا قاتلـتـهـا قـبـل الـيوم

 

إذا كنت لا تعصي أموري في القوم

وجعل لقيط يقول: من كر فله خمسون ناقةً، وجعل يقول:

أكلكم يزجركم أرحب هلا

 

ولن تروه الدهر إلا مقبلا

يحمل زغفاً ورئيساً حجفلا

 

وسائلاً في أهله ما فعلا

وجعل يقول أيضاً:

أشقر إن لم تتقدم تنـحـر

 

وإن تأخر عن هياجٍ تعقر

ثم عاد يقول:

إن الشواء والنشيل والرغف

فأجابه شريح بن الأحوص:

إن كنت ذا صدقٍ فأقحمه الجرف

 

وقرب الأشقر حتى تعـتـرف

وجوهنا إنا بنو البيض العطف

 

 

سقوط لقيط في الموقعة:  وبينه وبينه جرف منكر، فضرب لقيط فرسه وأقحمه عليه الجرف؛ فطعنه شريح فسقط . وقد اختلفوا في ذلك، فذكروا أن الذي طعنه جزء بن خالد بن جعفرٍ، وبنو عقيلٍ تزعم أن عوف بن المنتفق العقيلي قتله يومئذٍ وأنشأ يقول:

ظلت تلوم لما بـهـا عـرسـي

 

جهلاً وأنـت حـلـيمة أمـس

إن تقتلوا بكـري وصـاحـبـه

 

فلقد شفيت بسـيفـه نـفـسـي

فقتلته في الشعـب أول فـارسٍ

 

في الشرق قبل أن ترحل الشمس

فزعموا أن عوفاً هذا قتل يومئذٍ ستة نفرٍ، وقتل ابن له وابن أخ له. وأم العلماء فلا يشكون أن شريحاً قتله، وارتث وبه طعنات والارتثاث أن يحمل وهو مجروح، فإن حمل ميتاً فليس بمرتث فبقي يوماً ثم مات. فجعل لقيط يقول عند موته:

يا ليت شعري عنك دختنوس

 

إذا اتاك الخبر المرسـوس

أتحلق القرون أم تـمـيس

 

لا بل تميس إنها عـروس

دختنوس بنت لقيط بن زرارة، وكانت تحت عمرو بن عمرو بن عدسٍ. وجعلت بنو عبسٍ يضربونه وهو ميت، فقالت دختنوس: شعر لدختنوس في أبيها:

ألا يا لها الويلات ويلات من بـكـى

 

لضرب بني عبس لقيطاً وقد قضى

لقد ضربوا وجهاً عـلـيه مـهـابة

 

وما تحفل الصم الجنادل مـن ردى

فلو أنكم كـنـتـم غـداة لـقـيتـم

 

لقيطاً صبرتم لـلأسـنة والـقـنـا

غدرتم ولكن كنتم مـثـل خـضـبٍ

 

أصاب لها القناص من جانب الشرى

فما ثـأره فـيكـم ولـكـن ثـأره

 

شريح وأردتـه الأسـنة إذ هـوى

فإن تعقب الأيام من عـامـرٍ يكـن

 

عليهم حـريقـاً لا يرام إذا سـمـا

ليجزيهم بالقتل قتـلا مـضـعـفـاً

 

وما في دماء الحمس يا مال من بوا

ولو قتلتنا غالـب كـان قـتـلـهـا

 

علينا من العار المجـدع لـلـعـلا

لقد صبرت كـعـب وحـافـظـت

 

كلاب وما أنتم هنـاك لـمـن رأى

وقالت دختنوس أيضاً:

لعمري لئن لاقت من الشـر دارم

 

عناء لقد آبت حميداً ضرابـهـا

فما جيئوا بالشعب إذ صبرت لهـم

 

ربيعة يدعى كعبها وكـلابـهـا

عصوا بسيوف الهند واعتكرت لهم

 

براكاء موتٍ لا يطير غرابـهـا

براكاء: مباركة القتال وهو الجد في القتال. يقال للرجل إذا وقع خطب لا يطير غرابه . وقالت دختنوس:

بكر النعي بخير خن

 

دف كهلها وشبابها

وبخيرها نسـبـاً إذا

 

عدت إلى أنسابهـا

فرت بنو أسدٍ خرو

 

د الطير عن أربابها

لم يحفلوا نسباً ولـم

 

يلووا لفيء عقابها

من قتل في الموقعة ومن نجا وأخبارهم: وقتل يومئذٍ قريظ بن معبد بن زرارة، وزيد بن عمرو بن عدس قتله الحارث بن الأبرص بن ربيعة بن عامر بن عقيل، وقتل الفلتان بن المنذر بن سلمى بن جندل بن نهشلٍ، وقتل أبو إياس بن حرملة بن جعدة بن العجلان بن حشورة بن عجب بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان وهو يقول:

أقدم قطين إنهم بنـو عـبـس

 

المعشر الحلة في القوم الحمس

الحلة : لم يكونوا يتشددون في دينهم. قال: واستلحم عمرو بن حسحاس بن وهب بن أعياء ابن طريفٍ الأسدي، فاستنقذه معقل بن عامر بن موءلة فداواه وكساه. فقال معقل في ذلك:

يديت على ابن حسحاس بن وهبٍ

 

بأسفل ذي الجـذاة يد الـكـريم

قصرت له من الدهمـاء لـمـا

 

شهدت وغاب من له من حمـيم

ولو أني أشاء لكـنـت مـنـه

 

مكان الفرقدين من الـنـجـوم

أخبره بـأن الـجـرح يشـوي

 

وأنك فوق عجـلـزةٍ جـمـوم

يقول: إن الجرح الذي بك شوى لم يصب منك مقتلاً

ذكرت تعلة الفتيان يوماً

 

وإلحاق الملامة بالمليم

قال: وحمل معاوية بن يزيد الفزاري فأخذ كبشة بنت الحجاج بن معاوية بن قشير، وكانت عند مالك بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، فحمل معاوية بن خفاجة أخو مالكٍ على معاوية بن يزيد فقتله واستنقذ كبشة، وقال: يا بني عامر، إنهم يموتون، وقد كان قيل لهم إنهم لا يموتون. ونزل حسان بن عامر بن الجون وصاح: يا آل كندة! فحمل عليه شريح بن الأحوص؛ فاعترض دون ابن الجون رجل من كندة يقال له حوشب، فضربه شريح بن الأحوص في رأسه فانكسر السيف فيه، فخرج يعدو بنصف السيف وكان مما رعب الناس مكانه. وشد طفيل بن مالك بن جعفر فأسر حسان بن الجون، وشد عوف بن الأحوص على معاوية بن الجون فأسره وجز ناصيته وأعتقه على الثواب. فلقيته بنو عبس، فأخذه قيس بن زهير فقتله. فأتاهم عوف فقال: قتلتم طليقي فأحيوه أو ائتوني بملك مثله. فتخوفت بنو عبس شره وكان مهيباً، فقالوا: أمهلنا. فانطلقوا حتى أتوا أبا براء عامر بن مالك بن جعفر يستغيثونه على عوف، فقال: دونكم سلمى بن مالك فإنه نديمه وصديقه وكانا مشتبهين أحمرين أشقرين ضخمةً أنوفهما، وكان في سلمى حياء فأتوه فقال: سأكلم لكم طفيلاً حتى يأخذ أخاه فإنه لا ينجيكم من عوف إلا ذلك، وايم الله ليأتين شحيحاً. فانطلقوا إليه، فقال طفيل: قد أتوني بك، ما أعرفني بما جئتم له! أتيتموني تريدون مني ابن الجون تقيدون به من عوف، خذوه فأعطاهم إياه؛ فأتوا به عوفاً فجز ناصيته وأعتقه؛ فسمي الجزاز. فذلك قول نافع بن الخنجر بن الحكم بن عقيل بن طفيل بن مالك في الإسلام:

قضينا الجون عن عبسٍ وكانت

 

منية معبـدٍ فـينـا هـزالا

قال: وشهدها لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر وهو ابن تسع سنين، ويقال: كان ابن بضع عشرة سنة، وعامر بن مالك يقول له: اليوم يتمت من أبيك إن قتل أعمامك. وقتل يومئذٍ زهير بن عمرو بن معاوية، وجد مقتولاً بين ظهراني صفوف بني عامر حيث لم يبلغ القتال؛ وهو معاوية الضباب بن كلابٍ. فقال أخوه حصين للذي قتله:

يا ضبعاً عثواء لا تستأنـسـي

 

تلتقم الهبر من السقب الـرذي

أقسم بالله وما حجـت بـلـي

 

وما على العزى تعزه غنـي

وقد حلفت عند منحر الـهـدي

 

أعطيكم غير صدور المشرفي

فليس مثلي عن زهيرٍ بغـنـى

 

هو الشجاع والخطيب اللوذعي

والفارس الحازم والشهم الأبي

 

والحامل الثقل إذا ينـزل بـي

وذكروا أن طفيل بن مالك لما رأى القتال يوم جبلة قال: ويلكم! وأين نعم هؤلاء! فأغار على نعم عمرٍو وإخوته وهم من بني عبد الله بن غطفان ثم من بني الثرماء، فاستاق ألف بعير. فلقيه عبيدة بن مالك فاستجداه، فأعطاه مائة بعير، وقال: كأني بك قد لقيت ظبيان بن مرة بن خالد فقال لك: أعطاك من ألفه مائةً! فجئت مغضباً. فلقي عبيدة ظبيان، فقال له: كم أعطاك؟ قال: مائة. فقال: أمائة من ألف! فغضب عبيدة. قال: وذكر أن عبيدة تسرع يومئذٍ إلى القتال، فنهاه أخواه عامر وطفيل أن يفعل حتى يرى مقاتلاً، فعصاهما وتقدم، فطعنه رجل في كتفه حتى خرج السنان من فوق ثديه فاستمسك فيه السنان، فأتى طفيلاً فقال له: دونك السنان فانزعه، فأبى أن يفعل ذلك غضباً، فأتى عامراً فلم ينزعه منه غضباً، فأتى سلمى بن مالك فانتزعه منه، وألقي جريحاً مع النساء حتى فرغ القوم من القتال. وقتلت بنو عامرٍ يومئذ من تميم ثلاثين غلاماً أغرل . وخرج حاجب بن زرارة منهزماً، وتبعه الزهدمان زهدم وقيس ابنا حزن بن وهب بن عويمر بن رواحة العبسيان، فجعلا يطردان حاجباً ويقولان له: استأسر وقد قدرا عليه، فيقول: من أنتما؟ فيقولان: الزهدمان، فيقول: لا أستأسر اليوم لموليين. فبينما هم كذلك إذ أدركهم مالك ذو الرقيبة بن سلمة بن قشير، فقال لحاجب: استأسر. قال: ومن أنت؟ قال: أنا مالك ذو الرقيبة. فقال: أفعل، فلعمري ما أدركتني حتى كدت أن أكون عبداً. فألقى إليه رمحه؛ واعتنقه زهدم فألقاه عن فرسه. فصاح حاجب: يا غوثاه. وندر السيف، وجعل زهدم يريغ قائم السيف. فنزل مالك فاقتلع زهدماً عن حاجب. فمضى زهدم وأخوه فمضى زهدم وأخوه حتى أتيا قيس ابن زهير ابن جذيمة فقالا: أخذ مالك أسيرنا من أيدينا. قال: ومن أسيركما؟ قالا: حاجب بن زرارة. فخرج قيس يتمثل قول حنظلة بن الشرقي القيني أبي الطمحان رافعاً صوته يقول:

أجد بني الشرقي أولـع أنـنـي

 

متى أستجر جاراً وإن عز يغدر

إذا قلت أوفى أدركـتـه دروكة

 

فيا موزع الجيران بالغي أقصر

حتى وقف على بني عامر فقال: إن صاحبكم أخذ أسيرنا. قالوا: من صاحبنا؟ قال: مالك ذو الرقيبة أخذ حاجباً من الزهدمين. فجاءهم مالك فقال: لم آخذه منهما، ولكنه استأسر لي وتركهما. فلم يبرحوا حتى حكموا حاجباً في ذلك وهو في بيت ذي الرقيبة، فقالوا: من أسرك يا حاجب؟ فقال: أما من ردني عن قصدي ومنعني أن أنجو ورأى مني عورة فتركها فالزهدمان. وأما الذي أستأسرت له فمالك؛ فحكموني في نفسي. قال له القوم: قد جعلنا إليك الحكم في نفسك. فقال: أما مالك فله ألف ناقةٍ، وللزهدمين مائة. فكان بين قيس بن زهير وبين الزهدمين مغاضبة بعد ذلك؛ فقال قيس:

جزاني الزهدمان جزاء سوءٍ

 

وكنت المرء يجزى بالكرامه

وقد دافعت قد علمت مـعـد

 

بني قرطٍ وعمهم قـدامـه

ركبت بهم طريق الحق حتى

 

أثبتهم بها مـائةً ظـلامـه

وقال جرير في ذلك:

ويوم الشعب قد تركوا لقيطاً

 

كأن عليه حـلة أرجـوان

وكبل حاجب بشمام حـولاً

 

فحكم ذا الرقيبة وهو عاني

وأما عمرو بن عمرو بن عدسٍ فأفلت يومئذٍ. فزعمت بنو سليمٍ أن الخيل عرضت على مرداس بن أبي عامر يوم جبلة، وكان أبصر الناس بالخيل، فعرضت عليه فرس لغلامٍ من بني كلابٍ، فقال: والله لا أعجزها ولا أدركها ذكر ولا أنثى؛ فهذا ردائي بها خمس وعشرون ناقةً. فلما انهزم الناس يوم جبلة خرج الكلابي على فرسه تلك يطلب عمرو بن عمرو. قال الكلابي: فراكضته نهاراً على السواء، والله ما علمت أنه سبقني بمقدارٍ أعرفه، ثم زاد مكانه ونقصت . فقلت: قمر والله مرداس. وهوى عمرو إلى فرسه فضربها بالسوط فانكشفت، فإذا هي خنثى، لا ذكر ولا أنثى، فأخبرتهم أني سبقت، فقال: قمر السلمي. فقلت لا، ثم أخبرتهم الخبر. فقال مرداس:

تمطت كميت كالهراوة ضامـر

 

لعمرو بن عمرٍو بعدما مس باليد

فلولا مدى الخنثى وبعد جرائهـا

 

لقاظ ضعيف النهض حق مقـيد

تذكر ربطاً بـالـعـراق وراحةً

 

وقد خفق الأسياف فوق المقلـد

وزعم علماء بني عامر أنه لما انهزم الناس خرجت بنو عامر وحلفاؤهم في آثارهم يقتلون ويأسرون ويسلبون، فلحق قيس بن النتفق بن عامر بن طفيل بن عقيلٍ عمرو بن عمرو فأسره. فأقبل الحارث بن الأبرص بن ربيعة بن عقيلٍ في سرعان الخيل ، فرآه عمرو مقبلاً فقال لقيس: إن أدركني الحارث قتلني وفاتك ما تلتمس عندي، فهل أنت محسن إلي وإلى نفسك! تجز ناصيتي فتجعلها في كنانتك، ولك العهد لأفين لك، ففعل. وأدركهما الحارث وهو ينادي قيساً ويقول: اقتل اقتل. فلحق عمرو بقومه. فلما كان الشهر الحرام خرج قيس إلى عمرو ويستثيبه، وتبعه الحارث بن الأبرص حتى قدما على عمرو بن عمرو؛ فأمر عمرو بن عمرو ابنة أخيه آمنة بنت زيد بن عمرو فقال: اضربي على قيس الذي أنعم على عمك هذه القبة. وكان الحارث قتل أباها زيداً يوم جبلة. فجاءت بالقبة فرأت الحارث أهيأهما وأجملهما، فظنته قيساً فضربت القبة على رأسه وهي تقول: هذا والله رجل لم يطلع الدهر عليه بما اطلع به علي. فلما رجعت إلى عمها عمرو قال: يابنة أخي، على من ضربت القبة؟ فنعتت له نعت الحارث. فقال: ضربتها والله على رجلٍ قتل أباك وأمر بقتل عمك. فجزعت مما قال لها عمها. فقال الحارث بن الأبرص:

أمـا تـدرين يابــنة آل زيدٍ

 

أمين بما أجن اليوم صـدري

فكم من فارسٍ لـم تـرزئيه

 

فتى الفتيان في عيصٍ وقصر

رأيت مكانه فصددت عـنـه

 

فأعيا أمره وشـددت أزري

لقد أمرته فعصـى إمـاري

 

بأم عزيمةٍ في جنب عمـرو

أمرت به لتخمش حـنـتـاه

 

فضيع أمره قـيس وأمـري

الحنة الزوجة. يقال حنته، وطلته . ثم إن عمراً قال: يا حار، ما الذي جاء بك! فوالله ما لك عندي نعمة، ولقد كنت سيء الرأي فيّ، قتلت أخي وأمرت بقتلي. فقال: بل كففت عنك ، ولو شئت إذا أدركتك لقتلتك. قال: ما لك عندي من يد، ثم تذمم منه فأعطاه مائةً من الإبل، ثم انطلق فذهب الحارث فلما جاء عمراً قيس أعطاه إبلاً كثيرة، فخرج قيس بها، حتى إذا دنا من أهله سمع به الحارث بن الأبرص فخرج في فوارس من بني أبيه عرض لقيس فأخذ ما كان معه. فلما أتى قيس بني أبيه بني المنتفق اجتمعوا إليه وأرادوا الخروج. فقال: مهلاً! لا تقاتلوا إخوتكم؛ فإنه يوشك أن يرجع وأن يؤول إلى الحق فإنه رجل حسود. فلما رأى الحارث أن قيساً قد كف عنه رد إليه ما أخذ منه .

وأما عتيبة بن الحارث بن شهابٍ فإنه أسر يومئذٍ فقيد في القد، وكان يبول على قده حتى عفن. فلما دخل الشهر الحرام هرب فأفلت منهم بغير فداء .

وغنم مرداس بن أبي عامر عنائم وأخذ رجلاً فأخذ منه مائة ناقة، فانتزعها منه بنو أبي بكر ابن كلاب؛ فخرج مرداس إلى يزيد بن الصعق، وكان له خليلاً، فانتهى إليه مرداس وهو يقول:

لعمرك ما ترجو معد ربيعهـا

 

رجائي يزيداً بل رجائي أكثـر

يزيد بن عمرو خير من شد ناقةً

 

بأقتادها إذا الرياح تصرصـر

تداعت بنو بكر علي كـأنـمـا

 

تداعت علي بالأحزة بـربـر

تداعوا علي أن رأوني بخلـوةٍ

 

وأنتم بأحدان الفوارس أبصـر

ويروى بوحدان. فركب يزيد حتى أخذ الإبل من بني أبي بكر فردها إليه. فطرقه البكريون فسقوه الخمر حتى سكر، ثم سألوه الإبل فأعطاهم إياها. فلما أصبح ندم، فخرج إلى يزيد فوجد الخبر قد جاءه. فقال له يزيد: أصاحٍ أنت أم سكران ؟! فانصرف فاطرد إبلاً من إبل بني جعفر فذهب بها وأنشأ يقول:

أجن بليلى قلـبـه أن تـذكـرا

 

منازل منها حول قرى ومحضرا

تخر الهدال فوق خيمات أهلهـا

 

ويرسون حساً بالعقال مؤطـرا

الحس: الفرس الخفيفة. والمؤطر: العطوف

سآبى وأستغني كما قد أمرتـنـي

 

وأصرف عنك العسر لست بأفقرا

وإن سليماً والحجاز مـكـانـهـا

 

متى اتهم أجد لبـيي مـهـجـرا

المهجر: الموضع الصالح؛ يقال: هذا أهجر من هذا إذا كان أجود منه وأصلح

يفرج عني حدهم وعديدهـم

 

وأسرج لبدي خارجياً مصدرا

قصرت عليه الحالبين فجوده

 

إذا ما عدا بل الحزام وأمطرا

الحالبين: الراعيين. يقول احتبستهما

فخذ إبلاً إن الـعـتـاب كـمـا تـرى

 

على خذمٍ ثم ارم للنـصـر جـعـفـرا

فإن بأكناف الـبـحـار إلـى الـمـلا

 

وذي النخل مصحىً إن صحوت ومسكرا

وأرعى من الأظلاف أثـلاً وحـمـضةً

 

وترعى من الأطواء أثـلاً وعـرعـرا

وانصرف يومئذٍ سنان بن أبي حارثة المري في بني ذبيان على حاميته، فلحق بهم معاوية بن الصموت بن الكامل الكلابي، وكان يسمى الأسد المجدع، ومعه حرملة العكلي ونفر من الناس، فلحق بسنان بن أبي حارثة ومالك بن حمار الفزاري في سبعين فارساً من بني ذبيان. فقال سنان: يا مالك كر واحمنا ولك خولة بنت سنانٍ ابنتي أزوجكها. فكر مالك فقتل معاوية، ثم اتبعه حرملة العكلي وهو يقول:

لأي يوم يخبأ المرء السعه

 

مودع ولا ترى فيه الدعه

فكر عليه مالك فقتله، ثم اتبعه رجل من بني كلاب، فكر عليه مالك فقتله، ثم اتبعه رجلان من قيس كبة من بجيلة، فكر عليهما فقتلهما، ومضى مالك وأصحابه. فقال مالك في ذلك:

ولقد صددت عن الغنيمة حرملاً

 

ولقيته لدداً وخيلـي تـطـرد

أقبلته صدر الأغر وصـارمـاً

 

ذكراً فخر على اليدين الأبعـد

وابن الصموت تركت حين لقيته

 

في صدر مارنةٍ يقوم ويقعـد

وابنا ربيعة في الغبار كلاهمـا

 

وابنا غني عـامـر والأسـود

حتى تنفس بعد نكظٍ مجـحـراً

 

أذهبت عنه والفرائص ترعـد

النكظ الجهد. قال:

يعدو ببزي سابح ذو ميعةٍ

 

نهد المراكل ذو تليلٍ أقود

فخطب إليه مالك خولة فأبى أن يزوجه . وأما بنو جعفر فيزعمون أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر وجد سنان بن أبي حارثة وابنيه هرماً ويزيد على غديرٍ قد كاد العطش أن يهلكهم، فجز نواصيهم وأعتقهم. ثم إن عروة أتى سناناً بعد ذلك يستثيبه ثواباً يرضاه فلم يثبه شيئاً .
فقال عروة في ذلك:

ألا من مبلغ عني سـنـانـاً

 

ألوكاً لا أريد بها عـتـابـا

أفي الخضراء تقسم هجمتيكم

 

وعروة لم يثب إلا الترابـا

فلو كان الجعافر طاوعوني

 

غداة الشعب لم تذق الشرابا

أتجزي القين نعمتها عليكـم

 

ولا تجزي بنعمتها كـلابـا

وأما بنو عامر فيزعمون أن سناناً انصرف ذات يوم هو وناس من طيئ وغيرهم قبل الوقعة، فبلغه أن بني عامر يقولون: مننا عليه، فأنشأ يقول:

والله ما منوا ولكن شكـتـي

 

منت وحادرة المناكب صلدم

بخرير شول يوم يدعى عامر

 

لا عاجز ورع ولا مستسلم

وأما بارق فتدعي أسر سنانٍ يومئذٍ على الثواب، ثم أتوه فلم يصنع بهم خيراً. فقال معقر بن أوس بن حمار البارقي:

متى تك في ذبيان منك صنـيعة

 

فلا تحمدنها الدهر بعد سنـان

يظل يمنينا بحـسـن ثـوابـه

 

لكم مائة يحدو بهـا فـرسـان

مخاض أؤديها وجـل لـقـائح

 

وأكرم مثوى منكم من أتانـي

فجئناه للنعمى فكـان ثـوابـه

 

رغوث ووطبا حازرٍ مذقـان

وظل ثلاثاً يسأل الحي مـا يرى

 

يؤامرهم فـينـا لـه أمـلان

فإن كنت هذا الدهر لا بد شاكراً

 

فلا تثقن بالشكر في غطفـان

تاريخ يوم جبلة: قال: وكان جبلة قبل الإسلام بتسع وخمسين سنة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بتسع عشرة سنة. وولد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل، ثم أوحى إليه بعد أربعين سنة، وقبض وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقدم عليه عامر بن الطفيل في السنة التي قبض فيها صلى الله عليه وسلم، قال: وهو ابن ثمانين سنة .

ما قيل في هذا اليوم من شعر: وقال المعقر بن اوس بن حمارٍ البارقي حليف بني نمير بن عامر:

أمن آل شعثاء الحمول البـواكـر

 

مع الليل أم زالت قبيل الأباعـر

وحلت سليمى في هضـابٍ وأيكةٍ

 

فليس علـيهـا يوم ذلـك قـادر

وألقت عصاها واستقرت بها النوى

 

كما قر عيناً بالإياب المسـافـر

وصبحها أملاكـهـا بـكـتـيبةٍ

 

عليها إذا أمست من الله نـاظـر

معاوية بن الجون ذبـيان حـولـه

 

وحسان في جمع الرباب مكاثـر

فمروا بأطناب البـيوت فـردهـم

 

رجال بأطراف الرماح مساعـر

وقد جمعوا جمعـاً كـأن زهـاءه

 

جراد هوى في هبوةٍ متـطـاير

فباتوا لنا ضيفاً وبتنـا بـنـعـمةٍ

 

لنا مسمعات بالدفوف وسـامـر

ولم نقرهم شيئاً ولكن قصـدهـم

 

صبوح لدينا مطلع الشمس حازر

صبحناهم عند الشروق كـتـائبـاً

 

كأركان سلمى شبرها متـواتـر

كان نعام الدو بـاض عـلـيهـم

 

وأعينهم تحت الحبيك جـواحـر

الحبيك في البيض إحكام عملها وطرائقها

من الضاربين الكبش يمشون قدماً

 

إذا غص بالريق القليل الحناجـر

وظن سراة القـوم ألا يقـتـلـوا

 

إذا دعيت بالسفح عبس وعامـر

ضربنا حبيك البيض في غمر لجةٍ

 

فلم يبق في الناجين منهم مفاخـر

ولم ينج إلا من يكـون طـمـره

 

يوائل أو نهد مـلـح مـثـابـر

هوى زهدم تحت الغبار لحاجـبٍ

 

كما انقض أفنى ذو جناحين ماهر

هما بطلان يعثران كـلاهـمـا

 

أراد رئاس السيف والسيف نادر

ولا فضل إلا أن يكـون جـراءة

 

وذبيان تسمو والرؤوس حواسـر

ينوء وكـفـا زهـدمٍ مـن ورئه

 

وقد علقت ما بينهن الأظـافـر

يفرج عنا كل ثـغـرٍ نـخـافـه

 

مسح كسرحان القصيمة ضامـر

القصيمة من الرمل: ما أنبتت الغضى والرمث

وكل طموحٍ في العنان كـأنـهـا

 

إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر

 

لها ناهض في المهد قد مهدت له

 

كما مهدت للبعل حسناء عاقـر            

وبهذا البيت سمي معقراً واسمه سفيان بن أوس. وإنما خص العاقر لأنها أقل دلاً على الزوج من الولود فهي تصنع له وتداريه

تخاف نساءً يبتدرن حليلهـا

 

محردة قد خردتها الضراء

وقال عامر بن الطفيل بعد ذلك بدهرٍ:

ويوم الجمع لاقينا لقيطـاً

 

كسونا رأسه عضباً حساما

أسرنا حاجباً فثوى بـقـدٍ

 

ولم نترك لنسوته سوامـا

وجمع الجون إذ دلفوا إلينا

 

صبحنا جمعهم جيشاً لهاما

وقال لبيد بن ربيعة في ذلك:

وهم حماة الشعب يوم تواكلت

 

أسد وذبيان الصفا وتـمـيم

فارتث كلماهم عشية هزمهم

 

حي بمنعرج المسيل مقـيم

تم اليوم والحمد لله .
صوت:

أيجمل ما يؤتى إلى فتيانكـم

 

وأنتم رجال فيكم عدد النمل

فلو أننا كنا رجالاً وكنـتـم

 

نساء حجالٍ لم نقر بذا الفعل

الشعير لعفيرة بنت عفارٍ الجديسية التي يقال لها الشموس. والغناء لعريب خفيف ثقيلٍ أول مطلق في مجرى البنصر، وفيه لحن من الثقيل الأول قديم .

عمليق ملك طسم وجديس وسبب قتله: أخبرني بهذا الشعر والسبب الذي من أجله قيل علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل أن عمليقاً ملك طسم بن لاوذ بن إرم بن سام ابن نوح عليه السلام، وجديس بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وكانت منازلهم في موضع اليمامة، كان في أول مملكته قد تمادى في الظلم والغشم والسيرة بغير الحق، وأن امرأةً من جديس كان يقال لها هزيلة، وكان لها زوج يقال له قرقس ، فطلقها وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته إلى عمليقٍ، فقال: أيها الملك إني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، حتى إذا تمت أوصاله، ودنا فصاله، أراد أن يأخذه مني كرهاً، ويتركني من بعده ورهاً . فقال لزوجها: ما حجتك؟ قال: حجتي أني قد أعطيتها المهر كاملاً، ولم أصب منها طائلاً، إلا وليداً خاملاً ، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر بالغلام أن ينزع منهما جميعاً ويجعل في غلمانه، وقال لهزيلة: ابغيه ولداً، ولا تنكحي أحداً، وأجزيه صفداً . فقالت هزيلة: أما النكاح فإنما يكون بالمهر، وأما السفاح فإنما يكون بالقهر، ومالي فيهما من أمر. فلما سمع ذلك عمليق أمر بأن تباع هي وزوجها، فيعطى زوجها خمس ثمنها، وتعطى هزيلة عشر ثمن زوجها. فأنشات تقول:

أتينا أخا طسم ليحكـم بـينـنـا

 

فأنفذ حكماً في هزيلة ظالمـا

لعمري لقد حكمت لا متورعـاً

 

ولا كنت فيما تبرم الحكم عالما

ندمت ولم أندم وأنى بعثـرتـي

 

وأصبح بعلي في الحكومة نادما

أمر ألا تزوج بكر من جديس حتى يفترعها: فلما سمع عمليق قولها أمر ألا تزوج بكر من جديسٍ وتهدى إلى زوجها حتى يفترعها هو قبل زوجها فلقوا من ذلك بلاءً وجهداً وذلاً. فلم يزل يفعل هذا حتى زوجت الشموس وهي عفيرة بنت عباد أخت الأسود الذي وقع إلى جبل طيئ فقتلته طيئ وسكنوا الجبل من بعده. فلما أرادوا حملها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليقٍ لينالها قبله، ومعها القيان يتغنين:

ابدي بعمليقٍ وقومي فاركبي

 

وبادري الصبح لأمرٍ معجب

فسوف تلقين الذي لم تطلبي

 

وما لبكرٍ عنده من مهـرب

تحريض عفيرة بنت عباد قومها عليه: فلما أن دخلت عليه افترعها وخلى سبيلها. فخرجت إلى قومها في دمائها شاقة درعها من قبلٍ ومن دبرٍ والدم يسيل وهي في أقبح منظرٍ، وهي تقول:

لا أحـد أذل مـن جـــديس

 

أهكذا يفعـل بـالـعـروس

يرضى بهذا يا لقومـي حـر

 

أهدى وقد أعطى وسيق المهر

لأخذة الموت كذا لـنـفـسـه

 

خير من أن يفعل ذا بعرسـه

وقالت تحرض قومها فيما أتي إليها:

أيجمل ما يؤتى إلى فـتـيانـكـم

 

وأنتم رجال فيكم عدد الـنـمـل

 

وتصبح تمشي في الدماء عفـيرة

 

جهاراً وزفت في النساء إلى بعل

 

ولو أننا كنـا رجـالاً وكـنـتـم

 

نساءً لكنا لا نقر بذا الـفـعـل

 

فموتوا كراماً أو أميتوا عـدوكـم

 

ودبوا لنار الحرب بالحطب الجزل

وإلا فخلوا بطنهـا وتـحـمـلـوا

 

إلى بلدٍ قفرٍ وموتوا من الـهـزل

فللبين خير من مقامٍ عـلـى أذى

 

وللموت خير من مقامٍ على الـذل

وإن أنتم لم تغضبوا بـعـد هـذه

 

فكونوا نساءً لا تعاب من الكحـل

ودونكم طيب العروس فـإنـمـا

 

خلقتم لأثواب العروس وللغسـل

فبعداً وسحقاً للذي لـيس دافـعـاً

 

ويختال يمشي بيننا مشية الفحـل            

ائتمار جديس للغدر به وبقومه: فلما سمع الأسود أخوها ذلك وكان سيداً مطاعاً قال لقومه: يا معشر جديس! إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم، ولولا عجزنا وإدهاننا ما كان له فضل علينا. ولو امتنعنا لكان لنا منه النصف . فأطيعوني فيما آمركم به، فإنه عز الدهر، وذهاب ذل العمر، وأقبلوا رأيي. قال: وقد أحمى جديساً ما سمعوا من قولها فقالوا: نطيعك، ولكن القوم أكثر وأحمى وأقوى. قال فإني أصنع للملك طعاماً ثم أدعوهم له جميعاً. فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفنا وهم عارون فأهمدناهم بها. قالوا: نفعل. فصنع طعاماً كثيراً وخرج به إلى ظهر بلدهم، ودعا عمليقاً وسأله أن يتغدى عنده هو وأهل بيته، فأجابه إلى ذلك وخرج مع أهله يرفلون في الحلي والحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدوا أيديهم إلى الطعام، أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشد الأسود على عمليق فقتله، وكل رجل منهم على جليسه حتى أماتوهم. فلما فرغوا من الأشراف شدوا على السفلة فلم يدعوا منهم أحداً. فقال الأسود في ذلك:

ذوقي ببغيك يا طسم مـجـلـلةً

 

فقد أتيت لعمري أعجب العجب

إنا أبينا فلم ننفك نـقـتـلـهـم

 

والبغي هيج منا سورة الغضب

ولن يعود علينا بـغـيهـم أبـداً

 

ولن يكونوا كذى أنفٍ ولا ذنـب

وإن رعيتم لنا قربـى مـؤكـدةً

 

كنا الأقارب في الأرحام والنسب

غزوة حسان بن تبع لجديس وهروب الأسود وقتل طيئ له: ثم إن بقية طسم لجؤوا إلى حسان بن تبع، فغزا جديساً فقتلها وأخرب بلادها. فهرب الأسود قاتل عمليق، فأقام بجبلي طيئ قبل نزول طيئ إياهما. وكانت طيئ تسكن الجرف من أرض اليمن، وهو اليوم محلة مراد وهمدان، وكان سيدهم يومئذٍ أسامة بن لؤي بن الغوث بن طيئ، وكان الوادي مسبعةً، وهم قليل عددهم، وقد كان ينتابهم بعير في أزمان الخريف ولم يدر أين يذهب ولم يروه إلى قابلٍ، وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم ، فاستوحشت طيئ لذلك وقالت: قد ظعن إخواننا فصاروا إلى الأرياف. فلما هموا بالظعن قالوا لأسامة: إن هذا البعير يأتينا من بلدٍ ريفٍ وخصبٍ، وإنا لنرى في بعره النوى. فلو أننا نتعهده عند انصرافه فشخصنا معه لكنا نصيب مكاناً خيراً من مكاننا هذا. فأجمعوا أمرهم على ذلك. فلما كان الخريف جاء البعير فضرب في إبلهم، فلما انصرف احتملوا واتبعوه يسيرون ويبيتون حيث يبيت حتى هبط على الجبلين. فقال أسامة بن لؤي:

اجعل طريباً كحبيبٍ ينسى

 

لكل قومٍ مصبح وممسى

قال: وطريب اسم الموضع الذي كانوا ينزلون به. فهجمت طيئ على النخل في الشعاب وعلى مواشٍ كثيرة، وإذا هم برجلٍ في شعبٍ من تلك الشعاب وهو الأسود بن عباد، فهالهم ما رأوا من عظم خلقه وتخوفوه، وقد نزلوا ناحيةً من الأرض واستبروها هل يرون بها أحداً غيره فلم يروا. فقال أسامة بن لؤي لابن له يقال له الغوث: أي بني! إن قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، فإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك آخر الدهر، وكنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلمه وساءله. فعجب الأسود من صغر خلق الغوث فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ومجيئهم معه، وأنهم رهبوا ما رأوا من عظم خلقه وصغرهم عنه، وشغلوه بالكلام، فرماه الغوث بسهمٍ فقتله، وأقامت طيئ بالجبلين بعده، فهم هنالك إلى اليوم .
صوت:

إذا أقبل الإنسان آخر يشتهـي

 

ثناياه لم يحرج وكان له أجرا

فإن زاد زاد الله في حسنـاتـه

 

مثاقيل يمحو الله عنه بها وزرا

الشعرلرجل من عذرة. والغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى . حديث عمرو بن أبي ربيعة عن صاحبه الجعد بن مهجع العذري: نسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن موسى بن حماد قال ذكر الرياشي قال قال حماد الراوية: أتيت مكة فجلست في حلقةٍ فيها عمرو بن أبي ربيعة، فتذاكروا من العذريين، فقال عمر بن أبي ربيعة: كان لي صديق من عذرة يقال له الجعد بن مهجعٍ، وكان أحد سلامان، وكان يلقى مثل الذي ألقى من الصبابة بالنساء والوجد بهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم في كل سنة؛ فإذا راث عن وقته ترجمت عنه الأخبار، وتوكفت له الأسفار حتى يقدم. فغمني ذات سنةٍ إبطاؤه حتى قدم حجاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، وإذا غلام قد تنفس الصعداء ثم قال: أعن أبي المسهر تسأل؟ قلت: عنه أسأل وإياه أردت. قال: هيهات هيهات! أصبح والله أبو المسهر لا مؤيساً فيهمل ولا مرجواً فيعلل، أصبح والله كما قال القائل:

لعمرك ما حبي لأسماء تاركي

 

أعيش ولا أقضي به فأموت

قال قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهوركما في الضلال، وجركما أذيال الخسار، فكأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار. قلت: من أنت منه يابن أخي؟ قال: أخوه. قلت: والله يابن أخي ما يمنعك أن تسلك مسلك أخيك من الأدب وأن تركب إلا انك وأخاك كالبرد والبجاد لا ترقعه ولا يرقعك، ثم صرفت وجه ناقتي وأنا أقول:

أرائحة حـجـاج عـذرة وجـهةً

 

ولما يرح في القوم جعد بن مهجع

خليلان نشكو ما نلاقي من الهـوى

 

متى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع

ألا ليت شعري أي شيءٍ أصـابـه

 

فلى زفرات هجن ما بين أضلعي

فلا يبعدنك اللـه خـلاً فـإنـنـي

 

سألقى كما لاقيت في كل مصرع

ثم انطلقت حتى وقفت موقفي من عرفات. فبينا أنا كذلك إذ أنا بإنسان قد تغير لونه وساءت هيئته، فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما، ثم عانقني وبكى حتى اشتد بكاؤه. فقلت: ما وراءك؟ فقال: برح العذل، وطول المطل، ثم أنشأ يقول:

لئن كانت عـدية ذات لـبٍ

 

لقد علمت بأن الحـب داء

ألم تنظر إلى تغيير جسمي

 

وإني لا يفارقني البـكـاء

ولو أني تفرقت الذي بـي

 

لقف الكلم وانكشف الغطاء

فإن معاشري ورجال قومي

 

حتوفهم الصبابة واللـقـاء

إذا العذري مات خلي ذرعٍ

 

فذاك العبد يبكيه الرشـاء

فقلت: يا أبا المسهر إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت الله كنت قمناً أن تظفر بحاجتك وأن تنصر على عدوك. قال: فتركني وأقبل على الدعاء. فلما نزلت الشمس للغروب وهم الناس أن يفيضوا سمعته يتكلم بشيء، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:

يا رب كـل غـدوةٍ وروحــه

 

من محرمٍ يشكو الضحى ولوحه

أنت حسيب الخلق يوم الدوحه

 

 

الجعد بن مهجع يذكر لعمر سبب عشقه ومسعى عمر في زواجه من عشقها: فقلت له: وما يوم الدوحة؟ قال: والله لأخبرنك ولو لم تسألني. فيممنا نحو مزدلفة، فأقبل علي وقال: إني رجل ذو مال كثيرٍ من نعمٍ وشاءٍ، وذو المال لا يصدره ولا يرويه الثماد . وقطر الغيث أرض كلبٍ، فانتجعت أخوالي منهم، فأوسعوا لي عن صدر المجلس وسقوني جمة الماء، وكنت فيهم في خير أخوال. ثم إني عزمت على موافقة إبلي لهم يقال له الحوذان، فركبت فرسي وسمطت خلفي شراباً كان أهداه إلي بعضهم ثم مضيت، حتى إذا كنت بين الحي ومرعى النعم رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها وجلست في ظلها. فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحي ورفعت لي شخوص ثلاثة، ثم تبينت فإذا فارس يطرد مسحلاً وأتانا، فتأملته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزٍ سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصريه، فقلت: غلام حديث عهدٍ بعرس أعجلته لذة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته. فما جاز علي إلا يسيراً حتى طعن المسحل وثنى طعنةً للأتان فصرعهما، وأقبل راجعاً نحوي وهو يقول:

نطعنهم سلكى ومخلوجةً

 

كرك لأمين على نابل

فقلت: إنك قد تعبت وأتعبت، فلو نزلت! فثنى رجله فنزل فشد فرسه بغصن من أغصان الشجرة وألقى رمحه وأقبل حتى جلس، فجعل يحدثني حديثاً ذكرت به قول أبي ذؤيب:

وإن حديثاً منك لو تـبـذلـينـه

 

جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل

فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره ثم رجعت، وقد حسر العمامة عن رأسه، فإذا غلام كأن وجهه الدينار المنقوش. فقلت: سبحانك اللهم! ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك !. فقال: مم ذاك؟ قلت: مما راعني من جمالك وبهرني من نورك. قال: وما الذي يروعك من حبيس التراب، وأكيل الدواب، ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أم يبأس. قلت: لا يصنع الله بك إلا خيراً. ثم تحدثنا ساعة، فأقبل علي وقال: ما هذا الذي أرى قد سمطت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إلي بعض أهلك، فهل لك فيه من أربٍ؟ قال: أنت وذاك. فأتيته به، فشرب منه وجعل ينكت أحياناً بالسوط على ثناياه، فجعل والله يتبين لي ظل السوط فيهن. فقلت: مهلاً فإني خائف أن تكسرهن، فقال: ولم؟ قلت: لأنهن رقاق وهن عذاب. قال: رفع عقيرته يتغنى:

إذا قبل الإنسان آخر يشتـهـي

 

ثناياه لم يأثم وكـان لـه أجـرا

فإن زاد زاد الله في حسنـاتـه

 

مثاقيل يمحو الله عنه بها الوزرا

ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره ثم رجع. قال: فبرقت لي بارقة تحت الدرع. فإذا ثدي كأنه حق عاجٍ. فقلت: نشدتك الله أمرأة؟ قالت: إي والله إلا أني أكره العشير وأحب الغزل. ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفقد من أنسها شيئاً حتى نظرت إلى عينيها كأنهما عينا مهاةٍ مذعورة. فوالله ما راعني إلا ميلها على الدوحة سكرى. فزين لي والله الغدر وحسن في عيني، ثم إن الله عصمني منه، فجلست حجرةً منها. فما لبثت إلا يسيراً حتى انتبهت فزعةً، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها، وقالت: جزاك الله عن الصحبة خيراً. قلت: أو ما تزودينني منك زاداً؟ فناولتني يدها، فقبلتها فشممت والله منها ريح المسك المفتوت، فذكرت قول الشاعر:

كأنها إذ تقضى النوم وانتبهت

 

سحابة مالها عين ولا أثـر

قلت: وأين الموعد؟ قالت: إن لي أخوة شرساً وأباً غيوراً. ووالله لأن أسرك أحب إلي من أضرك، ثم انصرفت. فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي والله يابن ربيعة أحلتني هذا المحل وأبلغتني. فقلت له: يا أبا المسهر إن الغدر بك مع ما تذكر لمليح. فبكى واشتد بكاؤه. فقلت: لا تبك؛ فما قلت إلا مازحاً، ولو لم أبلغ في حاجتك بمالي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه، فقال لي: خيراً. فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي وشد على ناقته، ودعوت غلامي فشد على بعير له، وحملت عليه قبة حمراء من أدمٍ كانت لأبي ربيعة المخزومي، وحملت معي ألف دينار ومطرف خز، وانطلقنا حتى أتينا بلاد كلب، فنشدنا عن أبي الجارية فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيد الحي وإذا الناس حوله،. فوقفت على القوم فسلمت، فرد الشيخ السلام، ثم قال: من الرجل؟ قلت: عمرو بن أبي ربيعة بن المغيرة. فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاء بك؟ قلت: خاطباً. قال: الكف، والرغبة. قلت: إني لم آت ذلك لنفسي عن غير زهادةٍ فيك ولا جهالةٍ بشرفك، ولكني أتيت في حاجة ابن أختكم العذري، وها هو ذاك. فقال: والله إنه لكفيء الحسب رفيع البيت، غير أن بناتي لم يقعن إلا في هذا الحي من قريش. فوجمت لذلك، وعرف التغير في وجهي فقال: أما إني صانع بك ما لم أصنعه بغيرك. قلت: وما ذاك فمثلي من شكر؟ قال: أخيرها فهي وما اختارت. قلت: ما أنصفتني إذ تختار لغيري وتولي الخيار غيرك. فأشار إلي العذري أن دعه يخيرها. فأرسل إليها: إن في الأمر كذا وكذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأستبد برأي دون القرشي، فالخيار في قوله، حكمه. فقال لي: إنها قد ولتك أمرها فاقض ما أنت قاض. فحمدت الله عز وجل وأثنيت عليه وقلت: اشهدوا أني قد زوجتها من الجعد ابن مهجع وأصدقتها هذا الألف الدينار، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبة، وكسوت الشيخ المطرف، وسألته أن يبني بها عليه في ليلته. فأرسل إلى أمها، فقالت: أتخرج ابنتي كما تخرج الأمة !. فقال الشيخ: هجري في جهازها، فما برحت حتى ضربت القبة في وسط الحريم، ثم أهديت إليه ليلاً، وبت أنا عند الشيخ. فلما أصبحت أتيت القبة فصحت بصاحبي، فخرج إلي وقد أثر السرور فيه، فقلت: كيف كنت بعدي وكيف هي بعدك؟ فقال لي: أبدت لي والله كثيراً مما كانت أخفته عني يوم لقيتها. فسألتها عن ذلك فأنشأت تقول: صوت:

كتمت الهوى لما رأيتك جـازعـاً

 

وقلت فتىً بعض الصـديق يريد

وأن تطرحني أو تـقـول فـيتة

 

يضر بها برح الهوى فـتـعـود

فوريت عما بي وفي داخل الحشى

 

من الوجد برح فاعلمـن شـديد

فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك فيهم، وانطلقت وأنا أقول:

كفيت أخي العذري ما كان نابـه

 

وإني لأعباء النـوائب حـمـال

أما استحسنت مني المكارم والعلا

 

إذا طرحت! إني لمالـي بـذال

وقال العذري:

إذا ما الخطاب خـلـى مـكـانـه

 

فأفٍ لدنيا ليس من أهلها عـمـر

فلا حي فتيان الحجـازين بـعـده

 

ولا سقيت أرض الحجازين بالمطر

صوت:

إن الخليط قد أزمعوا تركي

 

فوقفت في عرصاتهم أبكي

جنية برزت لتقـتـلـنـي

 

مطلية الأصداغ بالمسـك

عجباً لمثلك لا يكـون لـه

 

خرج العراق ومنبر الملك

الشعر لابن قيس الرقيات يقوله في عائشة بنت طلحة. والغناء لمعبد، ثقيل أول السبابة في مجرى البنصر. والسبب في قول ابن قيس هذا الشعر فيها يذكر في أخبارها إن شاء الله تعالى .