خبر إسحاق مع غلامه زياد

خبر إسحاق مع غلامه زياد

وصف زياد غلام إسحاق: هذا الشعر يقوله إسحاق في غلامه له مملوك خلاسي ، يقال له: زياد. كان مولداً من مولدي المدينة، فصيحاً ظريفاً، فجعله ساقيه، وذكره هو وغيره في شعره. فممن ذكره من الشعراء دعبل، وله يقول:  أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش، عن أبي سعيد السكري قال: كان زياد الذي يذكره إسحاق في عدة مواضع، منها قوله:

وقولاً لساقينا زياد يرقها

-وكان نظيف السقي لبقاً، فقال فيه دعبل:

يقول زيادٌ قـف بـصـحـبـك مـرةً

 

على الربع، مالي والوقوف على الربع!

صوت

أدرها على فقد الحبيب فـربـمـا

 

شربت على نأى الأحبة والفجـع

فما بلغتني الكأس إلا شربـتـهـا

 

وإلا سقيت الأرض كأساً من الدمع

غنى في البيت الثاني والثالث من هذه الأبيات محمد بن العباس بن عبد الله بن طاهر لحناً من خفيف الثقيل الأول بالبنصر.

نسبة الصوت إلى غير إسحاق: قال أبو الحسن: وقد قيل: إن هذين البيتين-يعني:

خليلي هبا نصطبح بسواد

-للأخطل.
زياد يراجع إسحاق وهو يغني: أخبرني علي بن سليمان، قال: حدثني أبي، قال: قال لي جعفر بن معروف الكاتب -وكان قد جاوز مائة سنة: لقد شهدت إسحاق يوماً في مجلس أنس وهو يتغنى هذا الصوت:

خليلي هبا نصطبح بسواد

وغلامه زياد جالس على مسورة يسقي، وهو يومئذ غلام أمرد أصفر، رقيق البدن حلو الوجه. ثم أخذ يراجعه ولا أحد يستطيع يقول له: زدني ولا انقصني.

يعتقه إسحاق ويزوجه: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري، قال حدثني أحمد بن الهيثم، يعني جد أبي -رحمه الله- قال: كنت ذات يوم جالسا في منزلي بسر من رأى وعندي إخوان لي، وكان طريق إسحاق في مضيه إلى دار الخليفة ورجوعه منها على منزلي، فجاءني الغلام يوماً وعندي أصدقاء لي فقال لي: إسحاق بن إبراهيم الموصلي بالباب، فقلت له: قل له، ويلك! يدخل، أوفى الخلق أحد يستأذن عليه لإسحاق! فذهب الغلام وبادرت أسعى في أثره حتى تلقيته، فدخل وجلس منبسطاً آنساً، فعرضنا عليه ما عندنا، فأجاب إلى الشرب، فأحضرناه نبيذاً مشمساً فشرب منه، ثم قال: أتحبون أن أغنيكم؟ قلنا: إي والله أطال الله بقاءك، إنا نحب ذلك. قال: فلم لم تسألوني؟ قلنا: هبناك والله، قال: فلا تفعلوا، ثم دعا بعود فأحضرناه، فاندفع فغنانا، فشربنا وطربنا. فلما فرغ قال: أحسنت أم لا؟ فقلنا: بلى والله، جعلنا الله فداءك لقد أحسنت. قال: فما منعكم أن تقولوا لي: أحسنت!.

قلنا: الهيبة والله لك، قال: فلا تفعلوا هذا فيما تستأنفون، فإن المغني يحب أن يقال له: غن، ويحب أن يقال له إذا غنى: أحسنت، ثم غنانا صوته:

خليلي هبا نصطبح بسواد

فقلنا له: يا أبا محمد، من هو زياد الذي غنيته؟ قال: هو غلامي الواقف بالباب، أدعوه يا غلمان، فأدخل إلينا، فإذا غلام خلاسي، قيمته عشرون ديناراً أو نحوها. فأمسكنا عنه، فقال: أتسألوني عنه فأعرفكم إياه ويخرج كما دخل، وقد سمعتم شعري فيه وغنائي؟ أشهدكم أنه حر لوجه الله، وأني زوجته أمتي فلانة، فأعينوه على أمره. قال: فلم يخرج حتى أوصلنا إليه عشرين ألف درهم، أخرجناها له من أموالنا.

إسحاق يرثيه: أخبرني يحيى بن علي قال: حدثني أبي، قال: توفي زياد غلام إسحاق الذي يقول فيه:

وقولاً لساقينا زياد يرقها

فقال إسحاق يرثيه:

فقدنا زياداً بعد طول صحـابة

 

فلا زال يسقي الغيث قبر زياد

ستبكيك كأس لم تجد من يديرها

 

وظمآن يستبطي الزجاجة صاد

يطلب الأمين إسحاق فيغنيه: أخبرني عمي، قال: حدثني ابن المكي عن أبيه، قال: اصطبح محمد الأمين ذات يوم، وأمر بالتوجيه إلى إسحاق، فوجه إليه عدة رسل، كلهم لا يصادفه، حتى جاء أحدهم به، فدخل منتشياً ومحمد مغضب. فقال له: أين كنت ويلك! قال: أصبحت يا أمير المؤمنين نشيطاً، فركبت إلى بعض المتنزهات، فاستطبت الموضع وأقمت فيه وسقاني زياد، فذكرت أبياتاً للأخطل وهو يسقيني، فدار لي فيها لحن حسن فصنعته فيها، وقد جئتك به. فتبسم، ثم قال: هات، فما تزال تأتي بما يرضي عنك عند السخط، فغناه: صوت

إذا ما زيادٌ علني ثم علـنـي

 

ثلاث زجاجات لهـن هـدير

خرجت أجر الذيل زهواً كأنني

 

عليك أمير المؤمنـين أمـير

قال: بل على أبيك، قبح الله فعلك، فما يزال إحسانك في غنائك يمحو إساءتك في فعلك، وأمر له بألف دينار.
الشعر في هذين البيتين للأخطل، والغناء لإسحاق، رمل بالبنصر. ورواية شعر الأخطل:

إذا ما نديمي علني ثم علني

وإنما غيره إسحاق فقال: “إذا ما زياد”.

أخبرني علي بن سليمان عن محمد بن يزيد النحوي: أن عبد الملك بن مروان قال للأخطل: ما يدعوك إلى الخمر؟ فوالله إن أولها لمر، وإن آخرها لسكر! قال: أجل، ولكن بينهما حالة، ما ملكك عندها بشيء، وقد قلت في ذلك:

إذا ما نديمي علني ثم علـنـي

 

ثلاث زجاجات لهـن هـدير

خرجت أجر الذيل زهواً كأنني

 

عليك أمير المؤمنـين أمـير

قال: فجعل عبد الملك يضحك.
صوت

أشارت بطرف العين خيفة أهلـهـا

 

إشارة مخـرونٍ ولـم تـتـكـلـم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحـبـاً

 

وأهلاً وسهلاً بالحبيب الـمـسـلـم

هنيئاً لكم حبي وصـفـو مـودتـي

 

فقد سيط من لحمي هواك ومن دمي

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر، وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر. ويقال: إنه لابن سريج، وقيل: إن الثقيل الأول لابن عائشة، والثقيل الثاني لابن سريج، وفيه خفيف ثقيل أول، ينسب إلى ابن سريج وإلى علي بن الجواري.

خبر لحبابة مع ابن عائشة تشتاق حبابة إلى ابن عائشة فتحتال لتسمع غناءه: أخبرني الحسن بن يحيى وابن أبي الأزهر، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن المدائني، قال: كانت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك معجبةً بغناء ابن عائشة، وكان ابن عائشة حديث السن، فلما طال عهدها به اشتاقت إلى أن تسمع غناءه، فلم تدر كيف تصنع، فاختلفت هي وسلامة في صوت لمعبد، فأمر يزيد بإحضاره ووجه في ذلك رسولاً، فبعثت حبابة إلى الرسول سراً فأمرته أن يأتي ابن عائشة وأمير المدينة في خفاء، ويبلغهما رسالتها بالخروج مع معبد سراً، وقالت: قل لهما يستران ذلك عن أمير المؤمنين.
فلما قدم الرسول إلى عامل المدينة أبلغه ما قالت حبابة، فأمر ابن عائشة بالرحلة مع معبد، وقال لمعبد: انظر ما تأمرك به حبابة فانتبه إليه، فقال: نعم، فخرجا حتى قدما على يزيد، وبلغ الخبر حبابة فلم تدر كيف تصنع في أمر ابن عائشة. فلما حضر معبد حاكمت سلامة إليه، فحكم لها، فاندفعت فغنت صوتاً لابن عائشة، وفيه لابن سريج لحن، ولحن ابن عائشة أشهرهما، وهو:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

فقال يزيد: يا حبيبتي؛ أني لك هذا ولم أسمعه منك، وهو على غاية الحسن؟ إن لهذا لشأناً، فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا لحن كنت أخذته عن ابن عائشة، قال: ذلك الصبي! قالت: نعم، وهذا أستاذه -وأشارت بيدها إلى معبد- فقال لمعبد: أهذا لحن ابن عائشة أو انتحله؟ فقال معبد: هذا -أصلح الله الأمير- له، فقال يزيد: لو كان حاضراً ما كرهنا أن نسمع منه، فقال معبد: هو والله معي لا يفارقني، فقال يزيد: ويلك يا معبد! احتملنا الساعة أمرك، فزدتنا ما كرهنا، ثم قال لحبابة: هذا والله عملك، قالت: أجل يا سيدي، قال لها: هذه الشام، ولا تحتمل لنا ما تحتمله المدينة. قالت: يا سيدي أنا والله أحب أن أسمع من ابن عائشة، فأحضر، فلما دخل قال له: هات صوتاً غنته حبابة:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها

فغناه، فقال: هو والله يا حبابة منه أحسن منك، قالت: أجل يا سيدي، ثم قال يزيد: هات يا محمد ما عندك، فغنى: صوت

قف بالمنازل قبل أن نتفـرقـا

 

واستنطق الربع المحيل المخلقا

 

عن علم ما فعل الخليط لعلـه

 

بجواب رجع حديثهم أن ينطقا

 

فيبين من أخبارهـم لـمـتـيم

 

أمسى وأصبح بالرسول معلقا

 

كلفاً بها أبداً تسـح دمـوعـه

 

وسط الديار مسائلاً مستنطقـا

ذرفت له عين يرى إنسانـهـا

 

في لجةٍ من مائها مغرورقـاً

 

تقري محاجرها الدموع كأنهـا

 

درٌ وهي من سلكه مستوسقـاً

 

الغناء لابن عائشة، ولحنه من الثقيل الأول بالوسطى، وفيه لشاربة خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى، ويقال: إن فيه لابن جندب وحنين لحنين، قال: فقال له يزيد: أهلاً وسهلاً بك يا بن عائشةً، فأنت والله الحسن الوجه، الحسن الغناء. وأحسن إليه ووصله.
ثم لم يره يزيد بعد هذا المجلس، وبعثت إليه حبابة ببر وألطاف واتبعتها سلامة في ذلك.

صوت

لما سمعت الديك صاح بسحرة

 

وتوسط النسران بطن العقرب

وبدا سهيل في السمـاء كـأنـه

 

نور وعارضه هجان الربـرب

نبهت ندماني وقلت له اصطبـح

 

يا بن الكرام من الشراب الطيب

صفراء تبرق في الزجاج كأنها

 

حدق الجرادة أو لعاب الجندب

الشعر لأبي الهندي، والغناء لإبراهيم الموصلي، ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.