حركة الترجمة الى العربية

حركة الترجمة الى العربية

بقي العرب بعد فتح الشرق الادنى نحو قرنين منهمكين بالامور السياسية والعسكرية . لذلك ترك الامويون الامور الاخرى على ما كانت عليه وصرفوا النظر عن الدواوين وكتّاب الدواوين الذين سبق لاكثرهم ان عمل في خدمة البيزنطيين . على ان الرغبة في اجراء تبديل في الادارة لم تلبث ان تجلت في عهد الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان واستمرت في عهد خلفائه. وفي طليعة هذه التبدلات اقتباس العربية لغة للدواوين والسجلات العامة بدلا من الفارسية واليونانية .

جاء هذا التبديل في اواخر القرن السابع وبدأت اللغة العربية تحل تدريجا محل الفارسية واليونانية وشملت ، فضلا عن الادارة ، العلوم بأكثرها .

انحصرت عملية نقل المؤلفات الى العربية في اول الامر في المؤلفات العلمية والطبية القديمة مثل الطب والكيمياء والتنجيم . واستناداً الى ابن النديم المتوفي سنة 995 م يعود الفضل في الشروع بترجمة كتب الصنعة والتنجيم والطب الى خالد بن يزيد (ت. 704 ) الذي تحول الى دراسة الكمياء بعد ان ضاع حقه في الخلافة . وهناك مصادر اخرى تقول ان الطبيب ماسر جويه كان اول من نقل كتاب الكناش (الخلاصة الطبية ) الى العربية. وهو كتاب وضعه طبيب مسيحي اسكندري اسمه أهرون أيام خلافة مروان بن الحكم. وكان هذا الكتاب قد كتب اصلا بالسريانية واكتسب شهرة واسعة.

تتالت بعد ذلك الترجمات وتسارعت وتيرتها خصوصاً في العهد العباسي . وكان ابرز المترجمين في مجال الادب في هذه الحقبة عبد الله بن المقفع الفارسي المجوسي العقيدة والذي تحول الى الاسلام ومات مقتولا عام 757 م الذي نقل الى العربية كتاب ” كليلة ودمنة ” . كما نقل ابن المقفع من الفارسية : خدي نامه ( تاريخ ملوك الفرس ) واين نامه ( تاريخ التاج) وكتاب مزدا وسيرة انو شروان . وينسب الى ابن المقفع او ابنه محمد ترجمة كتاب “المقولات ” وكتاب ” العبارة ” وكتاب ” البرهان ” لارسطو وكتاب ” ايساغوجي ” لفرفوريوس”.

تزايدت حركة الترجمة اثناء خلافة المنصور. وهو كان بارعا بالفلسفة والفلك ومولعا بهما. كما ادخل المنصور في خدمته أبرز الاطباء والعلماء والمنجمين . فكان من هؤلاء في الطب اسرة بختيشوع وفي التنجيم أسرة النوبختي الفارسية وأشهر علمائها البطريق الذي ترجم عددا كبيرا من كتب الطب والتنجيم .

في عهد هذا الخليفة ترجمت رسائل عديدة لارسطو وكتاب المجسطي لبطليموس واصول الهندسة لآقليدس. غير أن حماس المنصور لنقل المعرفة الى العربية واجهتها مشكلة أساسية هي ندرة المترجمين . وكان على حركة الترجمة هذه ان تنتظر حتى مطلع القرن التاسع ميلادي لتنطلق بزخم على يدي المأمون ، حفيد المنصور ، الذى عمل بجهد وعزم للحصول على اهم الاثار اليونانية في العلم والفلسفة والى تأمين نقلها الى العربية.

ولما جاء هارون الرشيد ، الذي أظهر عناية كبيرة في التقدم العلمي ، ازدهرت عملية الترجمة ونشطت في ايامه وايام المأمون .

يقول ابن العبري ان هارون الرشيد اتخذ ابن ماسويه ، وهو عالم واديب ، طبيباً خاصاً له وعهد اليه بترجمة المؤلفات الطبية القديمة وعيَنه في ما بعد رئيساً لبيت الحكمة الذي أنشأه في بغداد سنة 830 م.

ترجمت في عهد هارون الرشيد وفي عهد المنصور من بعده رسالة هندية شهيرة في النجوم عرفت باسم ” سيدهنتا ” نقلها الى العربية محمد بن ابراهيم الغزاري ( ت . 806 م ). وذكر ان عمر بن الفرخان وضع في عهد الرشيد شروحاً لكتاب “الاربعة ” لبطليموس والذي سبق ان ترجمه البطريق الى العربية في عهد المنصور. وقام الفلكي الفارسي ابو سهل الفضل النوبختي بنقل كتب في الفلك من الفارسية الى العربية .

جاءت اول ترجمات في حقل الفلسفة ، على ما يبدو ، على يد يحي بن البطريق الذي عاصر الرشيد والمأمون. واهم كتاب نقله الى العربية كان كتاب ” طيماوس ” لافلاطون . وظن ان ما ترجمه يحي هذا كان موجز جالينوس لمحاورة طيماوس الرابعة وليس طيماوس كاملا. وترجم ابن البطريق كتاب ارسطو ” في النفس ” . وكان لهذا الكتاب المترجم تأثير حاسم في تطور نظرة العرب الى علم النفس. وينسب الى ابن البطريق كذلك ترجمة كتاب ” الحيوان ” في 19 جزءا وكتاب ” القياس ” وكتاب ” سر الاسرار ” المنحول . وكلها تعود الى ارسطو.

نحا منحى ابن البطريق في ترجمة المؤلفات الفلسفية ، في ما بعد ، علماء اكثر كفاءة ، واقبلت جماعات من الوجهاء والاغنياء الى منافسة الخلفاء باحتضانهم للترجمين . ومن اشهر هؤلاء بني موسى الذين انفقوا بسخاء على حيازة الكتب العلمية والفلسفية وعلى ترجمتها. وبرز منهم محمد بن موسى الذي الف رسالة ” في الجزء ” واخرى ” في ازلية العالم ” .

كان المأمون اكبر راع للفلسفة والعلم في تاريخ الاسلام . فقد رئس مجالس العلماء التي انعقدت حول الجدل في مسائل كلامية وفلسفية بالغة الجرأة . وألف رسائل تناولت مسائل كلامية غلبت عليها روح المعتزلة ، منها رسالة ” في الاسلام والتوحيد ” واخرى ” في اعلام النبوة”.

انشأ المأمون ” بيت الحكمة ” سنة 830 م وجعل منه مؤسسة رسمية ومكتبة للترجمة والبحث وارسل وفوداً الى بلاد الروم في طلب كتب العلوم القديمة ، تولى نقلها ، في ما بعد ، فريق من العلماء الى العربية .وكان من بين هؤلاء يوحنا بن ماسويه الذي عمل سابقا في خدمة المنصور والرشيد وعينه المأمون رئيسا لبيت الحكمة . وايضا الحجاج بن مطر ويحي بن البطريق. على ان ابرز الشخصيات في تاريخ الترجمة والعلم عن اليونانية كان حنين بن اسحق (809 – 873 م ) الذي عمل بخدمة بني موسى والخليفة في الوقت نفسه ورئس بيت الحكمة لمدة قصيرة .
 
يشكل حنين نقلة نوعية وحاسمة في تاريخ الترجمة . فهو أكد على الدقة في النقل والترجمة فأعاد ترجمة بعض المؤلفات الفلسفية والعلمية ونقّح بعضها الاخر مقارناً بين الترجمة والاصل . وكان يساعده في عمله فريق من المترجمين البارزين بينهم ابنه اسحق وابن اخته حبيش وتلميذه عيسى بن يحي . وقامت هذه المجموعة بترجمة العديد من الكتب الفلسفية مثل “كتاب الاخلاق ” لجالينوس و” المقولات ” و ” العبارة ” و “الكون والفساد ” و” الاخلاق ” لجالينوس ، واجزاء من محاورة افلاطون ” السفسطائي ” وكتاب ارسطو المنحول ” في النبات”.

اهتم حنين كثيراً بنقل كتب الطب الى العربية فترجم كل او اكثر مؤلفات جالينوس وابقراط ، كما الف في الفلسفة والعلم . وبين مؤلفاته “احكام الاعراب على مذاهب اليونانيين ” و “كتاب في المد والجزر ” و ” كتاب الالوان ” و ” كتاب السبب الذي صارت مياه البحر له مالحة “و “كتاب تاريخ العالم ” و ” كتاب خواص الحجارة “.

شملت قافلة المترجمين عددا كبيراً من رجال العلم فضمت : ابن ناعمة الحمصي (ت. 835م) وابو بشر متى ( ت. 940 م ) وابو عثمان الدمشقي ( ت. 900 م ) والحسن بن سوار ( ت . 1017 م ) والمعروف بابن الخمار، وثابت بن قرة الحراني.

كان قسطى بن لوقا أكثر هؤلاء شهرة وكفاءة . ولد في بعلبك وبرع في اصول اللغة بالاضافة الى الترجمة . ويشمل جدول مؤلفاته كتاب ” نوادر الفلاسفة ” وكتاب “مدخل الى علم المنطق ” و كتاب ” السياسة ” وكتاب ” شرح مذاهب اليونانيين ” وكتاب ” الفردوس في التاريخ”. وأهم الترجمات المنسوبة اليه الكتب الاربعة الاولى من مقالة ارسطو في ” الطبيعة ” وكتاب ” أراء الفلاسفة الطبيعيين “.