توجيه الرساميل العربية نحو إستثمارات عربية

ندوة الرائد

توجيه الرساميل العربية نحو إستثمارات عربية

نشرت وقائع هذه الندوة في اذار / مارس 1961 ، العدد الخامس ، الرائد العربي

تتطلع البلاد العربية اليوم الى مستقبل تتوفر لها فيه عناصر الرفاهية والازدهار . وفي سبيل تحقيق هذا المستقبل ، تسخِر البلاد العربية كافة إمكاناتها ومعطياتها ، وتتلمس كل السبل لسد نواحي النقص في جهازها الانمائي . ومن نواحي النقص التي تعانيها بعض الاقطار العربية ، ندرة رأس المال في القطاعين الحكومي والخاص . ورأس المال هو عماد النهضة الاقتصادية في البلاد النامية . وقد طرقت هذه الاقطار جميع الابواب للحصول على رأس المال ، فاستدانت حكوماتها من الحكومات والمؤسسات الاجنبية وإتخذت من الاجراءات مل يشجع اصحاب الاموال الخاصة على استثمار اموالهم في أراضيها ، ولكنها ما زالت في حاجة الى المزيد من رأس المال .

في العالم العربي أقطار يفيض فيها المال المتوفر ، حكومي وخاص ، عن متطلبات الاستثمار فيها . فهي في وضع يمكنها من الاستثمار في الخارج . فلماذا لا يوجه هذا الفائض نحو الاستثمار في المشاريع الانمائية الاقتصادية في البلدان العربي الاخرى المحتاجة الى رأس المال ؟.

برزت في الاجابة على هذا السؤال وجهات نظر متعددة وأراء مختلفة ، كما أخذت بعض الحلول تتبلور في الاذهان . ولا يزال الميدان فسيحاً للمزيد من رأي أهل الاختصاص . وقد أردنا من ندوتنا هذه ان ننقل الى القراء اراء العاملين في الميدان المالي ، على الصعيدين العلمي والعملي ، فجمعنا نخبة من هؤلاء لمناقشة هذا الموضوع بتجرد وموضوعية .

عقدت الندوة في غرفة الاجتماعات بمكتب غرف التجارة والصناعة والزراعة العربية في بيروت . وكلف الاستاذ برهان الدجاني بإدارة الندوة التي اشترك فيها كل من السادة :

بيار ادة ، رئيس مجلس ادارة بنك بيروت – الرياض ، ورئيس جمعية مصارف لبنان ، وعضو في مجالس ادارة عدد من الشركات التجارية والمالية في لبنان

سامي شقير ، صاحب بنك سامي شقير (ش.م.ل.) ورئيس مجلس ادارته ، نائب رئيس شركة مرفأ بيروت ، رئيس مجلس ادارة الشركة اللبنانية السويسرية للضمان ( ش.م.ل.)

طلحة اليافي ، المدير العام لبنك التسليف الزراعي والصناعي والعقاري ببيروت .

برهان دجاني ، السكرتير العام لاتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة العربية ، استاذ في علم التجارة والاقتصاد في الجامعتين العربية والاميركية ببيروت .

الياس سابا ، استاذ مساعد في الاقتصاد في الجامعة الاميركية ببيروت .

عبد المحسن القطان ، المراقب العام لدائرة الماء والكهرباء والغاز في الكويت .

موريس خوري ، المدير العام لمؤسسة الدراسات المالية والادارية ببيروت .

الدجاني : سؤالنا الاول هو التالي : من المعروف ان في بعض الاقطار العربية من الاموال الحكومية والخاصة ما يفيض عن الحاجة المحلية ويسمح بالاستثمار الخارجي . ويستثمر جزء من هذه الاموال في بعض الاقطار العربية . غير ان هنالك مجالاً متسعاً لزيادة هذا الاستثمار . ففي بعض الاقطار العربية عوامل مشجعة لهذه الزيادة ، كإنخفاض معدلات الضرائب فيها بالمقارنة مع معدلات الضرائب في البلدان الاجنبية ، وكسماحها باخراج الربح وأس المال الاجنبي الى بلده الاصلي . فما هي العوامل الاخرى التي تساعد في زيادة الاستثمار الذي نتحدث عنه ؟ .

هذا السؤال ، في شكله الحالي ، يقبل نظرية وجود أموال حكومية وخاصة في بعض البلدان العربية تفيض عن الحاجة المحلية . غير ان هناك من يقول ان وجود هذا الفائض هو اسطورة ليس لها ظل من الحقيقة . لذلك أرى ان يستقر رأينا ، قبل الخوض في بحث السؤال ، على ما اذا كان هناك فعلاً مثل هذا الفائض .

سابا : إن فكرة توفر اموال تفيض عن حاجة بلد ما لاستثمارها محلياً ، فكرة يصعب في الغالب قبولها . انما اذا أخذنا المعطيات الاقتصادية لاقطار الخليج العربي ، كما هي الان ، لوجدنا ان امكانات الاستثمار المتوفرة عملياً هناك لا تستنفد كل الاموال المتوفرة في تلك الاقطار . وعليه ، فأنا أقبل نظرية وجود الفائض على أنه فائض قياسي وليس فائضاً مطلقاً .

الدجاني : لنأخذ أولاً القطاع الحكومي في الخليج العربي ، لنرى ما اذا كان هناك بالفعل فائض من الاموال في هذا القطاع .

القطان : إن اقطار الخليج التي يمكن ان يكون لدى حكوماتها فائض من الاموال ، هي تلك التي تنتج النفط مثل الكويت والبحرين وقطر والسعودية . ولا يوجد حالياً في القطاع الحكومي في أي من هذه الاقطار ، بإستثناء الكويت ، فائض فعلي من الاموال . فدخل البحرين من النفط يبلغ ستة ملايين جينه في السنة فقط . ودخل قطر لا يتجاوز العشرين مليوناً . أما السعودية فدخل حكومتها من النفط ، وإن كان كبيراً ، لا يكفي لسد حاجات متطلبات الانماء فيها . فالكويت ، اذن ، هي القطر الوحيد الذي يمكن ان يتوفر لدى حكومته فائض . هذا اذا غيرت الحكومة الكويتية من سياستها الانفاقية . فقد كانت الحكومة الكويتية في السابق ، تنفق القسم الاكبر من دخلها في تمويل مشاريع عمرانية واجتماعية وفي غيرها من اوجه الانفاق . لكن الحكومة تفكر الان جدياُ في ايقاف بعض اوجه الانفاق ، خاصة تلك التي لا تعود على الكويت بفائدة تذكر . لذلك لا بد ان يتوفر في الكويت فائض ، وسيزداد هذا الفائض بازدياد دخل البلد .

اليافي : تدل المعلومات المتوفرة لدي على ان الحكومة الكويتية تستثمر حالياً ما لا يقل عن بليون دولار في سندات بريطانية ، أي أن الفائض من مال الحكومة الكويتية تقرضه للخزينة البريطانية.

سابا : لكن يجب ان لا ينظر الى استثمار الاموال الكويتية في سندات بريطانية على انه عمل ايجابي أقدمت عليه الحكومة بعد تفكير . فالواقع ان كل ما لا يصرف من عائدات النفط يذهب اتوماتيكياً الى الخزينة البريطانية .

القطان : وانا أعلم ان الاموال الكويتية المستثمرة في سندات بريطانية لا تتجاوز نصف بليون دولار .

اليافي : هذا يؤكد ، على أي حال ، وجود فائض كبير لدى الحكومة الكويتية يمكن ان يوجه مستقبلاً نحو استثمارات عربية .

الدجاني : إذن ، يمكن القول انه ، في ما يختص بالاموال الحكومية ، هناك في الوقت الحاضر فائض لدى حكومة الكويت فقط . ويمكن القول ايضاً ، على سبيل الاحتياط ، أنه قد يحصل فائض لدى أقطار أخرى في الخليج العربي ، كقطر ومشيخات الشاطىء المهادن ، اذا وجد النفط هناك بكميات كبيرة . غير ان الوضع يختلف بالنسبة الى الاموال الخاصة . فالاموال السعودية الخاصة المستثمرة في الخارج تقدر ببليون دولار. وليس أدل على ضخامة الارصدة السعودية الخاصة الموجودة في الخارج ، من أن حركة الاستيراد السعودية إستمرت سنتين تقريباً ، معتمدة على الارصدة الخاصة ، عندما توقفت مؤسسة النقد السعودية عن اعطاء العملة الاجنبية لشراء بضائع اساسية خلال فترة ازمة الريال السعودي . وعلى هذا ، يتبين ان افتراض وجود فائض من الاموال في بعض البلدان العربي افتراض صحيح ، ويمكننا بالتالي بحث العوامل التي تساعد على زيادة استثمار هذا الفائض في البلدان العربية الاخرى . فما هي هذه العوامل ؟ .

اده : إن من أهم هذه العوامل ، في رأي ، عامل الثقة ، أي ثقة صاحب رأس المال بالبلد الذي سيضع فيه امواله ، سواء استثمرها هناك في مشاريع او شركات او أودعها المصارف . وعوامل الثقة ، بالنسبة للمستثمر ، كثيرة ، أهمها وجود الوسيلة السليمة لاستثمار أمواله . وللاستثمار الخاص وسائل عديدة ، أهمها وأيسرها الشركة المساهة . وهي وسيلة حديثة العهد في العالم العربي . لذا فهي تواجه اليوم المشاكل والعقبات التي واجهتها وتغلبت عليها في الغرب ، مما يجعل المستثمر أكثر إطمئناناً للاستثمار في شركات أجنبية .

شقير : انا أشارك الاستاذ اده رأيه فيما يتعلق بقضية الثقة . واحب ان اضيف ان احد العوامل التي تقلل من ثقة المستثمر في البلاد العربية هو عدم الاستقرار في التشريع المالي وفي تنفيذ الانظمة المالية ، مما يجعل غالبية أصحاب رؤوس الاموال العرب يتحفظون في توظيف اموالهم الخاصة في البلاد العربية .

سابا : إن الثقة والاستقرار التشريعي عاملان مهمان جداً . لكننا سنجد في المستقبل ان اهم عامل في اجتذاب رؤوس الاموال هو الاستقرار الاجتماعي . وهذا ينطبق ، أكثر ما ينطبق ، على لبنان. فأنا أعتقد ان في لبنان اليوم بوادر عدم استقرار اجتماعي سببه سوء توزيع الدخل ، والتفاوت الموجود بين الطبقات الاجتماعية . وأولى بودار عدم الاستقرار في لبنان هي سلسلة الاضرابات التي شهدها البلد عام 1960 . إن أهمية هذه الاضرابات هي انها دليل على وجود حاجة ملحة الى اعادة النظر في الوضع الاجتماعي . وقد لا يتأثر المستثمر العربي بهذا العامل الان ، لكن سيأتي اليوم الذي سيكون فيه الاستقرار الاجتماعي العامل الرئيس في تقرير مدى جدوى الاستثمار الفردي في لبنان .

اده : يجب ان لا نضفي على الاضرابات التي قامت في لبنان طابعاً من الأهمية أكثر مما يستحق. فهذه الاضرابات ، ان دلت على شيء ، فانما تدل على ان الوعي لدى الشعب اللبناني في نمو . وهي لا تشكل ، في نظري ، خطراً على سلامة الاوضاع الاجتماعية ، بل على العكس ، تعكس تطور هذه الاوضاع وتقدمها.

خوري : أرى ان العوامل المهمة في اجتذاب رؤوس الاموال العربية الى أي بلد عربي ، هو تعريف اصحاب رؤوس الاموال بوجود مشاريع ناجحة ومربحة ، يتولى ادارتها اشخاص امناء في ذلك البلد . فالارن ، مثلاً ، نجح في اجتذاب كمية من رأس المال لتمويل مشاريع خاصة ومشاريع مشتركة حكومية – خاصة . ولعل مساهمة الحكومة الاردنية في هذه المشاريع قد شجع الافراد على المساهمة فيها .

الدجاني : لنبحث الآن ، بعد ان استعرضنا العوامل التي تساعد في زيادة الاستثمار ، في امكانيات هذا الاستثمار . هناك وسيلتان للاستثمار : الاستثمار من خلال الاجهزة الحكومية والاستثمار المباشر . ولكل من هانين الوسيلتين انواع مختلفة من المؤسسات التي تقوم بعملية الاستثمار نفسها .

لنبحث أولاً امكانية الاستثمار بواسطة المجال الحكومي . فهل تعتقدون بوجود امكانية لاستثمار فائض اموال الخليج العربي في مشاريع حكومية في البلدان العربية الاخرى ؟ .

اده : انا ، شخصياً ، أعارض تمويل المشاريع بواسطة مؤسسات حكومية لأسباب عديدة ، أهمها ان الاجهزة الحكومية في البلدان العربي ، في وضعها الراهن ، ليس لديها الكفاءة اللازمة لتحمل المسؤوليات التي تتطلبها هذ العمليات .

سابا : وانا اعتقد ان عدم استقرار الحكومات العربية ، كمقترض في السوق المالية ، هو سبب إحجام المستثمر العربي عن المساهمة في مشاريع حكومية . فقد أثبتت الحكومات العربية ، اجمالاً، انها ليست في مستوى رجال الاعمال كفاءة في ادارة المشاريع . ولذا فإن من المحتمل جداً ان يخسر المستثمر امواله لسوء ادارة المشاريع .

الدجاني : يجب التفريق بين مقدرة الحكومة على ادارة المشاريع ، وبين استعدادها لوفائها بتعهداتها . وانا لا اعرف ان أي حكومة عربية قد تخلفت عن الوفاء بتعهداتها . وهذه قضية على جانب كبير من الخطورة . فان قسماً كبيراً من مشاريع التنمية الاقتصادية يجري تنفيذها من قبل اجهزت حكومية . وهذه المشاريع تتطلب أموالاً ضخمة ، مما يجعل الحكومات العربية تستدين من جهات اجنبية متعددة . فاذا كانت هذه الجهات الاجنبية تثق بالحكومات العربية ، فلا يجوز ان لا يكون للعرب الثقة نفسها بهذه الحكومات .

سابا : لكن المستثمر العربي لم يعتد بعد على إقراض الحكومات ، لذا يجب ان يشجع على ذلك .

الدجاني : هناك مجال واسع للاستدانة بين الحكومات . ففي الوقت الذي تقرض فيه حكومة الكويت الخزينة البريطانية بفائدة 2.50 بالمئة ، نجد ان حكومة لبنان تستدين من البنك الدولي بفائدة 4.75 بالمئة لتمويل مشروع الليطاني . فلماذا لا تقوم الحكومة الكويتية باقراض الحكومة اللبنانية مثلاً ؟.

القطان : لم يسبق لحكومة عربية ان طلبت قرضاً من الحكومة الكويتية ورفض طلبها . وانا واثق ان حكومة الكويت لن تتردد في تلبية مثل هذا الطلب عندما يقدم . وقد حصل الاردن بالفعل على قرض بمبلغ مليون جينه من الكويت ( راجع الملحق ) ، وهناك الآن مفاوضة بين بلدية بيروت وحكومة الكويت للحصول على قرض .

اده : لا شك أنه من الافضل ان تلجأ الحكومات العربية التي تضطر الى الاستدانة ، الى الحكومات العربية التي لديها فائض يمكنها استثماره خارجياً ، خصوصاً وان الشروط التي ستحصل عليها هذه الحكومات ستكون افضل من الشروط التي تحصل عليها عند الاستدانة من مصادر اجنبية .

الدجاني : ما هو رأيكم في مؤسسة الاستثمار المالي العربي للانماء الاقتصادي التي أسستها الجامعة العربي كوسيلة لاجتذاب جزء من الاموال الفائضة ؟ .

القطان : أنا أعرف من خبرتي الشخصية ان أصحاب رؤوس الاموال في الخليج العربي يقبلون على المساهمة كلما وجدوا مجالاً جديداً . وليس أدل على ذلك من إقبالهم على المساهمة في البنك العربي وشركة المصفاة الاردنية عندما وثقوا من مقدرة وامانة الاشخاص القائمين على إدارة هذين المشروعين . فلاقناع اصحاب رؤوس الاموال العربية الخاصة بالمساهمة في اي مشروع ، يتوجب توفير عنصرين مهمين هما : الثقة والربح . وانا واثق انه عندما تقوم في البلاد العربية مشاريع يتوفر فيها هذان العنصران ، فإن الاقبال على هذه المشاريع سيكون كبيراً . فالعقبة الكبرى ، في رأي ،امام إجتذاب رؤوس الاموال الخام ، هي ندرة المشاريع المدروسة والناجحة تجارياً . وأود أن أسأل معالي الاستاذ اده : لو جاءك مستثمر عربي وطلب منك ان تدله على مشروع ناجح يستثمر امواه فيه ، فما هي المشاريع التي يمكن ان تدله عليها ؟ .

اده : من الصعب تقدير مدى نجاح أي مشروع . فهذه مسألة نسبية . لذلك لا يمكن تعداد المشاريع الناجحة التي يمكن للمستثمر العربي المساهمة فيها . إنما يوجد في البلاد العربية مجالات واسعة للاستثمار الخاص . فهناك سلسلة من المشاريع الصناعية المدروسة ، التي تتوفر فيها إمكانات النجاح ، كما ان هناك مجالاً واسعاً جداً للاستثمار في القطاع العقاري .

إن إختيار مجال الاستثمار يعتمد ، في الواقع ، على نوع الاستثمار . فاذا كان المستثمر يهدف الى الربح الآني السريع ، فأفضل مجال له المشاريع التجارية والاستثمار في القطاع العقاري . أما اذا لم يكن المستثمر متعجلاً الربح ، فأمامه العديد من المشاريع الناجحة الطويلة الامد .

اليافي : انا أعتقد شخصياً انه يوجد في البلدان العربية مشاريع كثيرة ناجحة ، يمكن لرأس المال الخاص المساهمة فيها . لكن ، حتى وان لم توجد حالياً هكذا مشاريع ، ألا يمكن إنشاء شركات استثمار تدرس امكانية خلق مشاريع جديدة رابحة ، وامكانية توظيف الاموال العربية في هذه المشاريع ؟ . أنا أرى انه من الواجب تنظيم عملية الاستثمار والاستعانة بالخبراء العرب ، وهم متوفرون بكثرة في القطاع الخاص ، والمؤسسات الاستشارية العالمية ، على خلق مؤسسات لهذه الغاية .

سابا :لا ريب ان تنظيم عملية الاستثمار خطوة مهمة وضرورية جداً . فالجزء الاكبر من الاستثمارات قائم اليوم في القطاع العقاري . وهذا ينطبق أكثر ما ينطبق على لبنان . مثل هذا الاستثمار ناجح ، ولا شك ، على الصيد الفردي . لكن يجب الاهتمام ايضاً ، عند بحث الاستثمار، بالربح الجماعي والربح الاجتماعي الذي يمكن ان ينتج عن هذا الاستثمار . وأحد عوامل الربح الاجتماعي هو توظيف اكبر عدد من الايدي العاملة . لذلك ، أتمنى ان يتجه قسم اكبر من الاستثمار الى القطاعات الاخرى التي توفر عدداً أكبر من فرص التوظيف ، كالقطاع الصناعي مثلاً .

الدجاني : اذن يمكننا تلخيص هذه النقطة في ان مجال الاستثمار في القطاع الخاص في البلاد العربية واسع ، ويسمح للاموال العربية الخاصة بزيادة الاستثمار فيه ، وان هناك مشاريع قائمة ناجحة ، وان هناك دراسات لمشاريع تتوفر فيها عناصر النجاح ، وانه من الضروري تنظيم عملية الاستثمار وخلق مؤسسات استثمارية تعمل على دراسة امكانات الاستثمار في البلدن العربية .

لكن هناك ملاحظة أود ان أوردها قبل ان نترك الموضوع . لقد تركز اهتمامنا اثناء البحث على الوضع في لبنان . وانا أعتبر ان الوضع في لبنان مناسباً جداً للمستثمر العربي . لكن توجد بلدان عربية أخرى تقف موقفاً غامضاً بالنسبة للاستثمار الخاص . وهذا الغموض سببه طبيعة سياساتها الداخلية . فقد أصبحت التنمية على ألأسس الاشتراكية هي السياسة الحكومية المتبعة في بعض البلدان العربية ، وأصبحت الحكومة في تلك البلدان تمتلك قطاعات اقتصادية ضخمة . وقد صدرت تصريحات عن مسؤولين هناك تقول بأنهم لا يريدون استثمارات مباشرة ، بل قروضاً حكومية . ولهذا الموقف سببان : السبب الاول ، ان الاستثمار الخاص المباشر يتناقض والسياسة الاشتراكية ؛ والسبب الثاني ، هو ان هذه البلدان تعاني من مشكلة ميزان مدفوعات . ومن شأن الاستثمار الخاص ان يزيد من اعباء ميزان المدفوعات ، حيث ان ارباح هذا الاستثمار ستخرج بشكل مستمر ، بينما ينطفىء عبء القرض حال تسديده .

وعليه ، فإنني أعتقد ان موقف بعض الحكومات تجاه الاستثمار الخاص سيكون عقبة في ازدياد الاستثمار الخاص في البلدان العربي ، خاصة وان الاتجاهات الاشتراكية أخذت تتبلور في عدد متزايد من البلدان العربية .

الدجاني : أرى أن نشير الآن الى بعض المشاريع الني درست وثبت إمكانية نجاحها تجارياً . ولدي مثل على ما أقول ، وهو مشروع ” استخراج أملاح البوتاس من البحر الميت ” . فما هو هذا المشروع ؟ .

خوري : لقد أسهمت سبع دول عربية في تأسيس شركة لاستخراج املاح البوتاس من البحر الميت ، وسددت القسم الاول من مساهمتها المالية في رأس مال الشركة . وتألف مجلس ادارتها من سفراء هذه الدول في عمان . وتعاقد المجلس مع مستشارين لاجراء الدراسات وإقامة المصنع الاختباري . وقد أثبتت الدراسات المختلفة ان المشروع ناجح ومربح ، وان استثمار املاح البحر الميت استثماراً تاماً قد يحتاج الى رأسمال كبير يقارب اربعة عشر مليون دينار اردني . وهناك الآن تفكير بجعل هذا المشروع مشروعاً خاصاً – حكومياً مشتركاً .

الدجاني : هناك مشروع آخر هو مشروع انشاء مرافق سياحية في الاقليم السوري .

اده : الحقيقة ان هناك حاجة الى تطوير المرافق السياحية في جميع الاقطار العربية وليس في الاقليم السوري وحده . فجميع هذه الاقطار تفتقر نسبياً الى المنشآت السياحية . وهذا ميدان واسع لاستثمار الاموال الخاصة والحكومية في مشاريع سياحية منتجة ومربحة . ويمكن للمؤسسات الخاصة التي تقوم في أقطار تسمح بحرية الاستثمار الخاص ان تتعاون مع المؤسسات الحكومية التي لا تسمح سياساتها الداخلية بحرية الاستثمار الخاص .

شقير : حتى في لبنان الذي قطع شوطاً كبيراً في مضمار السياحة ، لا يزال هناك نقص كبير في التجهيز السياحي . فالسائح العربي وغير العربي ، مثلاً ، لا يستطيع حتى الان أن يستأجر سيارة يقودها بنفسه في لبنان ، مع أن مثل هذا الامر مشجع في اجتذاب السواح . وهناك ، طبعاً ، أمثلة أخرى متعددة عن النقص الذي نعانيه في تجهيزنا السياحي .

الدجاني : لا شك انه يوجد عدد كبير من المشاريع الناجحة والفرص التي يمكن استغلالها في البلدان العربية. وهذا مما يؤكد امكانية زيادة الاستثمارات العربية في بلاد العرب .

ملحق

الكويت يقرض بلدية بيروت 45 مليون ليرة لبنانية

قروض الكويت للاردن ولبنان تستخدم في تنفيذ المشاريع الانشائية والاقتصادية العامة

أعلن أن حكومة الكويت قد وافقت على عقد قرض بمبلغ خمسة ملايين جينه استرليني ( حوالى 45 مليون ليرة لبنانية ) لبلدية بيروت ، بكفالة الحكومة اللبنانية . فقد وقع الشيخ جابر الاحمد الصباح ، رئيس دائرة المالية في الكويت ، بالنيابة عن الحكومة الكويتية ، ومعالي الاستاذ عبد الله المشنوق ، وزير الشؤون البلدية والارياف في لبنان ، بالنيابة عن الحكومة اللبنانية وبلدية الكويت ، إتفاقية تقترض بموجبها بلدية بيروت من حكومة الكويت مبلغ خمسة ملايين جينه استرليني لتنفيذ مشاريعها العمرانية .

تشتمل الاتفاقية على بنود عديدة تنص على ان :

1 – قيمة القرض خمسة ملايين جينه استرليني بالسعر المصرفي الرسمي .

2 – يفتح حساب بهذا القرض عند التصديق عليه رسمياً من قبل الحكومة اللبنانية ، في المصرف الرسمي الذي تعينه الحكومة اللبنانية .
3 – مدة القرض عشر سنوات ، يسدد اقساطاً سنوية بفائدة اربعة بالمئة .

4 – يكون القرض بكفالة الحكومة اللبنانية وينفق على مشاريع بلدية بيروت المعدة دراساتها مسبقاً .

5 – ترك أمر اختيار نوع النقد للجانب اللبناني الذي اختار الجينه الاسترليني .

أما مشاريع البلدية التي ستنفذ عن طريق هذا القرض ، فقد ذكر انها ستشمل انشاء حدائق عامة في مختلف الاحياء البروتية ، وفتح طرق جديدة وتوسيع الشوارع الضيقة ، وإكمال مشروع الحلقة التجارية الذي بوشر بتنفيذه منذ ثلاث سنوات ، وإنشاء مسلخ جديد ، ونقل سوق الخضار من مكانه الحالي الى خارج المدينة ، وشق طريق تصل ساحة النجمة بساحة الشهداء .

وكانت حكومة الاردن قد حصلت في أواسط السنة الماضية على قرض بمليون دينار من حكومة الكويت بفائدة قدرها واحد بالمئة للقيام ببعض المشاريع الانشائية والاقتصادية . وفي قائمة المشاريع هذه ، المشروع الحيوي الذي تبنى إنشاءه في القدس الشريف نخبة من رجالات الكويت ، وغايته اقامة معهد علمي فني كبير يتعهد الناشئة الاردنية بالتثقيف والتهذيب والاعداد للحياة الناهضة . ومن هذه الاحتياجات منح قروض للبلديات لتنفيذ بعض مشاريعها الملحة ، وأخصها ذكراً مشاريع المياه والكهرباء والمجاري ، وبعض المشاريع المحسنة للمدن .

ومن المشاريع الاخرى التي تمول من القروض التي تتوافر لدى الحكومة الاردنية من مواردها الخاصة ومن مصادر اخرى ، ومنها القرض الكويتي ، المشاريع التالية :

1 – تسعة وستون الف دينار لبلدية مدينة القدس . وتشمل المشاريع التي نفذتها البلدية بالاموال المستقرضة مشروعاً لتوسيع خزانات المياه وتنقيتها ، وآخر لتوسيع طريق رأس العامود وتجهيز مضخات المياه باجهزة كهربائية .

2 – سبعة عشر الف دينار لمدينة رام الله لانشاء مسلخ وسوق للخضار وآخر للماشية وموقف لسيارات الباص

3 – سبعة عشر الف دينار لبلدية قلقيلية المتاخمة للخطوط الامامية لانشاء خزان للمياه وشبكة للتيار الكهربائي .

4 – إثنا عشر الف دينار لبلدية جنين لانشاء خزان للمياه وشبكة لمياه الشفة .

5 – ثمانية واربعون الف دينار لبلدية الزرقاء لانشاء خزان للمياه ومحطة للمياه وتوسيع بعض الشوارع .

6 – ثلاثون الف دينار لمدينة نابلس لانشاء بعض المجاري وبناء مسلخ وانشاء خزان لتنقية المياه .

7 – خمسة وخمسون الف دينار لمشروعي المياه وانشاء محطة لسيارات النقل بين المدن .

ليست مشاريع البلديات هي المشاريع الوحيدة التي تستغل فيها القروض ، بل أن هناك مؤسسات للاقراض الصناعي واخرى للاقراض الزراعي . وسيلعب القرض الكويتي دوراً مهماً في دعم عدد مختار من المشاريع التي تستهدف كلها تنمية اقتصاد البلاد وتعزيز الدخل القومي .