تطور النمو الزراعي في الاقليم السوري

                                                                                                                                            تطور النمو الزراعي في الاقليم السوري

محمد فياض دندشي

مدير البرامج في وزارة التخطيط في الاقليم السوري

نشر المقال في تموز / يوليو 1961 ، العدد التاسع ، الرائد العربي

هدفت خطة التنمية الزراعية بشقيها الافقي والرأسي في الاٌقليم السوري الى تحقيق عنصرين رئيسين، يشتمل الاول على اتخاذ الخطوات السريعة لتحقيق زيادة واسعة في رقعة المساحات المروية ، ويرمي الهدف الثاني الى تحقيق زيادات كبيرة في المحاصيل الزراعية عن طريق رفع انتاجية الهكتار الواحد . لذلك عمدت الخطة الى اتباع استراتجية معينة لتأمين انتاج زراعي مستقل عن طريق التركيز على المحاصيل ذات الصفة الاقتصادية والسريعة العائد من جهة ، وعن طريق ربط زراعة ما سيستحدث من اراض جديدة نتيجة مشاريع الري بطريقة تؤمن الهدف العام من جهة أخرى .

ونظراً للدور المهم الذي تقوم به الزراعة في تدعيم بنيان الاقتصاد السوري ، فقد أولت خطة التنمية مشاريع الزراعة الافقية والرأسية المقام الاول ، حيث خصصت لها النصيب الأوفر في برنامجها الاستثماري الخمسي. ولعل الرغبة في خلق جو يحد من آثار التقلبات العنيفة التي تتعرض لها الزراعة في الاقليم السوري بسبب العوامل المناخية ، وما يعقب هذه التقلبات من هزات تحدث في الغالب بعض التصدع في البنيان الاقتصادي ، كانت من الدوافع الرئيسة التي حدت بالخطة للاسراع بتنفيذ المشاريع الزراعية الأفقية والرأسية على السواء . ومن المؤكد ان القيام بتنفيذ مثل هذه المشاريع لا يساعد فقط في تأمين انتاج مستقر يدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الى الامام ، بل ويرتقي بالانتاج الزراعي بخلق طاقات انتاجية جديدة تسهم في عملية الرواج الاقتصادي الشامل ، فيزداد الانتاج في جميع نشاطات القطاعات الاقتصادية الاخرى ، ويرتفع مستوى الدخل القومي في الاقليم ، مما يؤدي بالفعل الى ضمان التوازن الاقتصادي العام .

لهذا بلغ ما نالته الزراعة بشقيها الافقي والرأسي من البرنامج الاستثماري الخمسي للقطاع العام حوالى 875 مليون ليرة سورية ، أي ما نسبته 50.8 بالمئة من مجموع استثمارات القطاع العام في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس بين 1960 و1965 . وكانت حصة مشاريع الري واستصلاح الاراضي حوالى 780 مليون ليرة سورية ، أي ما نسبته 89 بالمئة من المبلغ الاجمالي ، موزعة بين مشاريع الري البالغة استثماراتها حوالى 640 مليون ليرة سورية وبين مشاريع استصلاح الارض التي خصص لها حوالى 140 مليون ليرة سورية . وبلغ نصيب مشاريع الزراعة الرأسية المختلفة حوالى 95 مليون ليرة سورية ، أي ما نسبته 11 بالمئة من مجموع الاستثمارات الكلية لقطاع الزراعة العام .

تهدف خطة التنمية في حقل الزراعة الافقية الى انشاء سدود تخزينية وتحويلية تستوعب كميات وافرة من مياه الانهار ومساقط المياه الرئيسة في الاقليم ، واحداث شبكات ري واسعة تساعد في ري مساحات إضافية واسعة ، تعتبر بغالبيتها من الاراضي الجديدة المستحدثة وتقدر بحوالى 254 الف هكتار . وسيتم انجاز وزراعة حوالى 195 الف هكتار منها في نهاية سنة 1965 ، مما يفسح في المجال امام التحكم بمياه الاقليم السوري ويؤدي بالتالي الى التوسع في أعمال الري توسعاً كبيراً . فسوف تزداد المساحات المروية بما لا يقل عن 50 بالمئة ، بحيث يبلغ مجموع المساحة المروية في الاقليم حوالى 750 الف هكتار عوضاً عن 500 الف هكتار ، وهي المساحة المروية فعلاً عند بداية الخطة عام 1960 . وقد وزعت هذه المساحات المروية الجديدة على المشاريع الرئيسة التالية :

1 – مشروع الفرات . يقتصر البحث فيه حول امكانيات هذا القسم من المشروع المتعلق بالحوض الاسفل  . وهذا ما يخص البرنامج الخمسي الاول . ويهدف هذا المشروع الى بناء سد تحويلي يمكن بواسطته ري ما يقارب 75 الف هكتار . ومن المنتظر ان تبدأ عملية التنفيذ مع بداية العام المالي الحالي .

2 – مشروع الغاب – العشارنة . يتطلب هذا المشروع سلسلة من الاعمال الإنشائية ، منها تصريف المياه التي كانت تتجمع بشكل مستنقع في سهلي الغاب والعشارنة ، ومنها ايضاً انشاء شبكات ري مختلفة ، واخيراً بناء سدود تخزينية بقصد ري المساحات المستحدثة والتحكم في مياه نهر العاصي . وقد انجز القسم الاكبر من هذا المشروع وبديء فعلاً في استغلال قسم لا يستهان به حتى الآن . ومن المتوقع ان يستغل المشروع بأكمله في بداية العام الزراعي 1963 – 1964 .

3 – مشروع الخابور . يتضمن هذا المشروع انشاء سدود تحويلية وشبكات ري وصرف تكفي لري مساحة تقدر بحوالى 60 الف هكتار . ومن مميزات هذا المشروع انه سيتمكن من ري منطقة تعتبر تربتها من أخصب أراضي الاقليم السوري . ومن المتوقع ان تبدأ عملية التنفيذ في السنة المالية 1961 – 1962 ، وان تبدأ عملية الاستغلال في العام الزراعي 1963 – 1964 .

4 – مشاريع أخرى متفرقة . هنالك مشاريع متفرقة ، كمشروع العاصي الاعلى المعد لري الاراضي الواقعة على ضفتي النهر والبالغة حاجتها الى المياه حوالى 12 الف هكتار . ومن المنتظر ان تبدأ أعمال التنفيذ خلال العام الحالي ، وان تبدأ عملية الاستغلال في العام الزراعي 1963 – 1964 . وهناك مشروع بردى والاعوج، وهو عبارة عن انشاء سدود لتخزين مياه الفيضانات واستغلالها في ري 12 الف هكتار من اراضي الغوطة . ثم هناك مشاريع عديدة اخرى تقدر مساحة الاراضي المقدر ريها بعد تنفيذها بحوالى 25 الف هكتار موزعة بين مختلف مناطق الاقليم السوري . اما في حقل الزراعة الرأسية ، فقد اعتمدت الخطة العمل على رفع انتاجية الهكتار الواحد ، مستندة في ذلك على العناصر الرئيسة التالية :

اولاً ، إتخاذ الدورة الزراعية أساساً في العمليات الزراعية وتوزيع المحاصيل الزراعية على اساسها ، وذلك طبقاً للبيئة الجغرافية لكل منطقة على حدة .

ثانياً ، تحديد الاهداف الانتاجية وربطها بالطرق العملية ، كتوزيع البذور المحسنة على المزارعين وحثهم على اتباع الوسائل العلمية للنهوض بمستوى الانتاج الزراعي بشتى الطرق .

ثالثاً ، وضع خطة سنوية لكل منطقة على انفراد ، تكون أهدافها الانتاجية واضحة ومحددة ، وذلك ضمن حدود الدورة الزراعية الملائمة لطبيعتها الجغرافية .

تضمن البرنامج الاستثماري الخمسي في قطاع الزراعة الرأسي ستة مشاريع رئيسة تم بموجبها توزيع الاستثمارات على الشكل التالي :

1 – مشروعات الاكثار والوقاية والارشاد الزراعي ، وبلغت جملة استثماراتها من الخطة حوالى 8 ملايين ليرة سورية موزعة بين مشروعات اكثار بذار القمح والشعير والقطن وقد نالت حوالى 2.50 مليون ليرة سورية ، ومشروعات الارشاد الزراعي وبلغ نصيبها حوالى 1.8 مليون ليرة سورية ، واخيراً ، مشروعات وقاية المزروعات ونالت 3.6 مليون ليرة سورية .

2 – مشروعات تنمية البستنة وبلغت مخصصاتها حوالى 2.8 مليون ليرة سورية .

3 – مشروعات تنمية الثروة الحيوانية والثروة السمكية وخصص لها حوالى 18.3 مليون ليرة سورية .

4 – مشروعات تنمية الثروة الحراجية وبلغت مخصصاتها حوالى 7.5 مليون ليرة سورية .

5 – مشروعات الابحاث والمختبرات والتدريب الزراعي وخصص لها حوالى 12.8 مليون ليرة سورية ، نالت منها المختبرات والابحاث حوالى 6.5 مليون ليرة سورية ، ونال التعليم والتدريب الزراعي حوالى 6.3 مليون ليرة سورية .

6 – مشروعات صوامع الحبوب ومراكز تصنيف البذار ، وقد خصها البرنامج بالنصيب الافر ، اذ بلغت جملة استثماراتها حوالى 45.7 مليون ليرة سورية .

ويبين الجدول التالي أهم الأهداف الانتاجية في قطاع الزراع

   المنتجات                                 سنة الاساس           السنة الخامسة               النسبة

القمح ( ألآف الأطنان )                      875                               1480                          170 %

الشعير ( ”      ”     )                        435                               526                            120 %

الشوندر( ”     ”     )                        91                                 563                            620 %

القطن  ( ”     ”     )                         270                               444                            160 %

الدخان  ( ”    ”     )                         7.4                                17                              230 %

اغراس مثمرة ( بالمليون )                1.25                              2.2                             176 %

اغراس حراجية                                0.7                                5                               700 %

فحول الفساد ( بالاحاد )                   —                                170                            —-

من الواضح ان البرنامج الاستثماري الزراعي يعالج موضوع التخلف الزراعي معالجة أساسية ، تهدف الى تحقيق إصلاح جذري في القطاع الزراعي بشقيه الأفقي والرأسي . وهذا ما يبرر احتلال المشروعات الزراعية المقام الاول في سلم الاولويات في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية . فاستغلال كل المساحات القابلة للزراعة ، سواء كانت مروية او غير مروية ، والاستفادة من مصادر المياه المتوفرة ، سواء كانت مياه الانهار والينابيع او من المياه الجوفية ، تعتبران من الأمور الأساسية في تنظيم الانتاج الزراعي واستقراره وتحقيق زيادة كبيرة في الانتاج وفي الدخل القومي ، مما يساعد في بناء الاقتصاد السوري بناء سليماً يؤدي الى تأمين مستوى اجتماعي واقتصادي أرفع للسواد الأعظم من أبناء الاقليم .