بعض مقومات المجتمع والاقتصاد الاسرائيلي

بعض مقومات المجتمع والاقتصاد الاسرائيلي

 مروان اسكندر

نشر المقال في ايار / مايو 1962 ، العدد التاسع عشر ، الرائد العربي

أقيمت اسرائيل عنوة في هذه البقعة من العالم واستمرت تعتمد العنف وسيلة والاحسان مستنداً ، بينما هي تصبو للتوسع ضمن الرقعة الممتدة من الفرات الى النيل . فاسرائيل اليوم تحقيق جزئي لهدف الصهيونية العالمية الرامي الى ايجاد دولة بحدودها ” التاريخية المزعومة ” . لذلك فتحت ابوابها لكل يهود العالم كي ينتقلوا اليها .

كذلك وجب على اسرائيل ان توفر مستوى معيشياً لائقاً ومتقارباً لجميع ” بني اسرائيل ” ممن يقصدونها  وذلك كي تصبح محط انظار الشبيبة البهودية وتثير اهتمام وتأييد الدول المتقدمة ، وعلى وجه الخصوص الغربية منها. وراعت السلطات الحاكمة في اسرائيل هذه الاهداف فنتجت عن ذلك آثار بعيدة الاهمية في المجتمع والاقتصاد الاسرائيلي . وهذا ما سنحاول تبيانه في هذا البحث بالقاء نظرة سريعة عليها ، كي تكون منطلقاً لنا في محاولة تحديد مغازيها بالنسبة للدول العربية المحيطة باسرائيل في مقالات لاحقة .

المجتمع الاسرائيلي

يربوعدد سكان اسرائيل اليوم على مليونين ومئتي الف نسمة ،  أقل من المليونين منهم من اليهود . على ان سكان اسرائيل من اليهود لا يشكلون وحدة متجانسة ومتآلفة ، بل تختلف مشاربهم ونزعاتهم اختلافات جذرية لاسباب متعددة نبحث بعضاً منها في ما يلي .

تدفقت خلال الانتداب البريطاني الهجرة اليهودية على فلسطين من بلدان اوروبا ، بحيث ازداد عدد اليهود من 56 الف نسمة عام 1918 ، أي ما يشكل نسبة توازي 5 بالمئة فقط من مجموع السكان،   الى 655 الفاً عام 1948 ، أي ما نسبته 32 بالمئة من مجموع سكان فلسطين آنذاك . وقد بلغت نسبة اليهود الاوروبيين من مجموع الذين هاجروا الى فلسطين خلال هذه الفترة حوالى 87.8 بالمئة (مركز الاحصاء الاسرائيلي – النشرة الاحصائية السنوية 1958 – 1959 صفحة 62 ) . وبلغت زيادة عدد سكان اسرائيل من اليهود بعد سنة 1948 حوالى مليون ومئتي الف نسمة . وكان للهجرة اليد الطولى في هذه الزيادة ، حيث ان المهاجرين الذين حلوا في اسرائيل جاوزوا ثلث الرقم المذكور،  واختلفوا عمن سبقهم بالنسبة المرتفعة من الاوروبيين مقارنة مع القادمين من بلدان آسيا وافريقيا .

إن تتبع أصل اليهود الذين في اسرائيل يظهر انهم يعودون في أصولهم الى عشرين دولة مختلفة . وتبلغ نسبة الاوروبيين بينهم 60 بالمئة ، بينما يشكل يهود الدول الآسيوية والافريقية الاربعين بالمئة المتبقية . واصبح المواطن اليهودي ،منذ ذلك الوقت ، عماد الدولة في اسرائيل ، وأضحت الدولة العامل المهم في صهرهم في بوتقة واحدة ، بينما هي تعامل الاقلية العربية بتشديد وخشية .

يعتمد المسؤولون الاسرائيليون في سعيهم لخلق مجتمع يهودي اسرائيلي متكاتف ثلاث وسائل اساسية تهدف الى تحقيق اندماج فئات المهاجرين اليهود بعضهم ببعض . أولى هذه الوسائل توفير العمل والمأوى للقادمين ، بحيث يندمجون في حياة المجتمع الاسرائيلي الاقتصادية . ثانيها التشديد على الروح الوطنية والتعلق بالوطن الام اسرائيل ، الحلم الذي أضحى حقيقة . اما الوسيلة الثالثة فقد برزت نتيجة لفشل الوسيلتين السابقتين في تحقيق النتيجة المرجوة .  فلنبحث ، قبل تبيان طبيعة هذه الوسيلة الثالثة ، في الاسباب التي أدت الى فشل سابقتيها .

يتوجب على المهاجرين الجدد الى اسرائيل الشعور بانتمائهم اليها . ومن اجل ذلك وجب ، فضلاً عن كفاية العيش وامان المأوى ، ان يتم تفهم مشاكلهم وفلسفات الحياة التي طالما اتبعوها والتي بدورها تعكس البيئات المختلفة التي قدموا منها . على ان مهمة كهذه كانت مهمة صعب مواجهتها بسبب الفوراق الاجتماعية والعادات والرغبات والطموحات بين القادمين من بيئات مختلة ، مثل اولئك القادمين من اوروبا والقادمين من آسيا وافريقيا . فقد وجدت اختلافات اساسية بين هاتين الفئتين تتعلق بالمستوى الحضاري والمظهر والفلسفة الاقتصادية ووجهات النظر الدينية وطرق العبادة . ولعل أصعب عقبة تمثلت بالتقليل من حدة هذه الاختلافات وكبح جنوح الشعور الطبقي بين يهود اسرائيل . فالشعور الطبقي في اسرائيل لا يمت بصلة الى تفاوت مقادير الثروة والدخل . فجذوره متصلة ببلد او منطقة المنشأ . فالذين ولدوا في فلسطين يعتبرون أنفسهم ارستقراطي المجتمع الاسرائيلي ، ويتبعهم في التسلسل الطبقي يهود اوروبا ، واخيراً تأتي طبقة يهود آسيا وافريقيا . والتحدث عن الشعور الطبقي في اسرائيل ليس موضوعاً غير ذي أهمية . فأفراد الفئتين الاولى والثانية الذين يسيطرون على مرافق الدولة والانتاج لم يأخذوا بالاعتبار احتياجات وطموحات افراد الفئة الثالثة مما دعا هؤلاء الى التظاهر في العام الماضي ( 1961 ) ضد تهميشهم  و اهمالهم من قبل الحكومة ، مما أجبر الحكومة على أخذ مطالبهم بعين الاعتبار .

لم تفلح وسيلة التشديد على الروح الوطنية في خلق شعور قوي جارف يجعل من اختلافات يهود اسرائيل امراً ثانوياً تجاه النزعة القومية . ذلك ان هذه الوسيلة اعتمدت الدعوة الصهيونية التي تدفع باليهود للعودة الى ” ارض الميعاد ” . وهذه الدعوة ” العاطفية ” لم تلق تجاوباً كبيراً بين متوسطي العمر والمسنين الذين تبلورت افكارهم السياسية ومعتقداتهم قبل قدومهم الى اسرائيل .

يلاحظ ان الوسيلتين المشار اليهما تعتمدان فكرة خلق رد فعل آني متجاوب مع الرغبة بصهر العناصر اليهودية المختلفة في اسرائيل في بوتقة واحدة في خلال فترة زمنية قصيرة . وليس من الغريب ان تفشل الوسائل المنبثقة عن فكرة كهذه في تحقيق هدفها عند مواجهتها لبعض المصاعب التي تتطلب ازالتها وقتاً طويلاً . من هنا ظهرت الحاجة الى اعتماد الوسيلة الثالثة المعمول بها من أجل خلق مجتمع اسرائيلي يهودي متكاتف . فما هي هذه الوسيلة ؟ .

في المعاهد ومناهج التدريس اصرار قوي على خلق شعور وطني – ديني متلاحم في اذهان طلاب اليوم ورجال الغد . رجال التربية في اسرائيل يؤمنون ان واجبهم يحتم عليهم خلق وتنمية شعور جارف في نفوس طلابهم بوجوب التضحية بكل عزيز من اجل خلق الوطن القومي اليهودي ضمن نطاق حدود اسرائيل الطبيعية . فالتشديد على محاولة خلق مجتمع اسرائيلي يهودي متكاتف بات اليوم موجهاً نحو الجيل الجديد . ويجدر بنا ان نذكر هنا ، ولو استباقاً في البحث ، ان ابناء الجيل الجديد في اسرائيل ، عندما يبلغون سن الشباب ، سيجدون ان بلادهم ، حال التزامها حدودها الحالية ، ستواجه مصاعب ” ديمغرافية ” شديدة ، خاصة وان نسبة الولادة بين الطبقات الفقيرة من يهود آسيا وافريقيا مرتفعة جداً . وهذا مما يشد من عزيمة البلاد على التوسع . وليس أدل على اعتماد المسؤولين الاسرائيليين وسيلة حقن الجيل الجديد بالافكار المنسجمة مع الاهداف الصهيونية من قول ورد في خطاب لبن غوريون في الثامن والعشرين من كانون الاول / ديسمبر 1960 حيث قال مخاطباً ممثلي اليهودية العالمية أن حياة اسرائيل ، بمفهومها الصهيوني ، تتوقف على الهجرة وتعليم الجيل الجديد المباديء والمعتقدات اليهودية .

الاقتصاد الاسرائيلي

سنعرض في ما يلي لأهم خصائص الاقتصاد الاسرائيلي ، وهدفنا التشديد على حتمية التزام اسرائيل سياسة اقتصادية معينة تحمل في باطنها بوادر لا يمكن للعرب تجاهلها .

تبلغ مساحة الارض المحتلة نحو 20850 كم2 ، منها ما يزيد على النصف ارضاً صحراوية قاحلة لا يمكن تطويرها بكلفة معقولة . ولا تحتوي الاراضي المحتلة على ثروات مائية او معدنية وافرة . فالارض المروية في اسرائيل لا تزيد عن 7 بالمئة من مجموع المساحة الواقعة تحت الحكم الاسرائيلي ، بينما لا تزيد مساحة مجموع الاراضي التي يمكن استغلالها عن 20 بالمئة ، مع العلم ان موارد البلد المائية مستغلة الى اقصى حد ممكن . لذا ، فانه من الصعب على اسرائيل ، بوضعها الحالي ، ان ترفع من مساحة الاراضي المروية والانتاج الزراعي ، بحيث يمكن مواجهة احتياجات السكان للمواد الغذائية ، خاصة وان اسرائيل تستورد حالياً حوالى 40 بالمئة مما تحتاج اليه من المواد الغذائية . فكيف تكون الحال في المستقبل ومعدل الزيادة الطبيعية للسكان من العرب واليهود يبلغ 2.2 بالمئة سنوياً ، مما يعني ان الزيادة العددية ستبلغ سنوياً خلال السنين القادمة ، نتيجة للهجرة المستمرة ولتزايد السكان الطبيعي ، حوالى 55 الف نسمة سنوياً .

تجاه هذا الواقع ، ونظراً لالتزام الدولة الاسرائيلية فتح باب الهجرة الى اسرائيل امام جميع يهود العالم وتوفير العمل والرفاهية لهم ، وجب على الدولة الاسرائيلية اعتماد احدى السياستين او كلتاهما سوياً . وأولى السياستين واضحة وتتلخص في محاولة الاستيلاء عى موارد مائية ليست من حق اسرائيل ، إن بالقوة  كما حاولت اسرائيل مراراً تحقيق هذه السياسة بالقيام بمحاولة احتلال لبنان الجنوبي الغني بالموارد المائية ، او بجر مياه نهر الاردن لارواء قسم من السهل الساحلي ومنطقة شمالي النقب لتتمكن من استيعاب بعض الزيادة في السكان . على ان محاذير نزاع جدي مسلح ما زالت تتقلب في حساب السياسيين الاسرائيليين بين الرغبة في شن هجوم عسكري لاحتلال اراضٍ جديدة ذات موارد مائية وافرة ، او جر مياه نهر الاردن لارواء صحراء النقب ، وهي عملية تتطلب تكاليف باهظة مما جعل الحكومة الاسرائيلية تتردد في تنفيذ هذا العمل . ونحن نقول كل هذا من دون الاعتماد كلية ، في الظروف الحاضرة ، على النظرية القائلة بان اسرائيل قد ترهب الاقدام على احد هذين المخرجين او الخطوتين نظراً لتهديدات الدول العربية . ولن نتطرق لهاتين الخطوتين لاتصالهما واعتمادهما على دراسات تتصل بالاستراتيجية السياسية والعسكرية . وان دلت القرائن ، كما هو ظاهر الآن ، على عدم احتمال لجوء اسرائيل الى محاولة الاستيلاء على موارد مائية لا حق لها فيها ، فما هي السياسة الاقتصادية التي يمكنها ، بل يجب عليها اتباعها ، كي تتمكن من استيعاب الزياد الكبيرة المتوقعة في عدد السكان من دون الاضطرار الى مواجهة تدني معيشة الفرد فيها؟.

قد يوفر العلم الحديث حلاً فيما لو اصبح من الممكن تصفية المياه المالحة بكلفة ضئيلة نسبياً . والدولة في اسرائيل تحاول حالياً تخصيص مبالغ محترمة لتوفير الامكانيات للعلماء العاملين في هذا الحقل كي يبذلوا أقصى جهد ممكن لتطوير عملية تصفية المياه المالحة . على ان هؤلاء العلماء قد لا ينجحون في محاولاتهم . وفي حال نجاحهم لا يعني ذلك ان اسرائيل ستعتمد على القطاع الزراعي بصورة اساسية لتوفير فرص العمل ورفع مستوى المعيشة للافراد . وان جميع الاسباب المذكورة واسباب اخرى عديدة ، التي سنتطرق لبحثها لاحقاً ، دعت الحكومة الاسرائيلية الى العمل على تنفيذ مخطط انماء صناعي يعتمد على توسيع صناعة النسيج والكيماويات والمعادن وقطع المجوهرات وصقلها . وقبل البحث في فرص نجاح هذا المخطط الصناعي ، علينا ان نعلق على مشكلتين واجههما الاقتصاد الاسرائيلي وما زال . وقد نشأ عن هاتين المشكلتين ضغط شديد على الحكومة الاسرائيلية كي تتيقظ لواقعها الاقتصادي وتعمل على تلافي النتائج غير المرغوب بها والتي يشير الواقع الى حتمية بروزها في المستقبل غير البعيد ، إن لم تتخذ الخطوات اللازمة ، منذ الان ،  للحؤول دون ذلك .

مستويات الاسعار وسعر الصرف

عندما قامت اسرائيل وفتحت ابوابها للهجرة ، تدفقت اليها سيول المهاجرين اليهود بكثرة ، خاصة في خلال السنين الاربع الاولى . ومن المعلوم ان استيعاب المهاجرين وتوفير فرص العمل لهم ، عملية ذات كلفة مرتفعة تتزايد بازدياد السرعة المطلوبة لتوطين المهاجرين . ومن المعروف انه ، تجاه تدفق المهاجرين الكبير والسريع الى اسرائيل في السنوات الاربع او الخمس الاولى من قيامها، لم تستطع السلطات الاسرائيلية تنظيم عملية استيعاب المهاجرين بشكل منتظم وصحيح ، مما أدى الى صرف مبالغ كبيرة بدون تخطيط او تنظيم . ولكي نلم بالمقادير التي صرفت لاستيعاب المهاجرين اليهود الى اسرائيل ، نشير الى ما اورده السيد روبرت ماثام  ، المشرف على الدائرة الاقتصادية للوكالة اليهودية في شهر حزيران / يونيو 1951 ، من ان استيعاب 750 الف مهاجر يتطلب على الاقل مبلغ الفي مليون دولار اميركي .

من مراجعة الارقام المتعلقة بالهجرة اليهودية المنشورة عام 1962 يتضح ان عدد المهاجرين الى اسرائيل في خلال الفترة الممتدة من 1948 الى 1952 بلغ حوالى سبعمئة الف مهاجر . وهذا يعني ان مبلغاً من المال يقارب الفي مليون دولار على الاقل قد صرف لاستيعاب هؤلاء القادمين الجدد الى اسرائيل . وكانت نتيجة صرف هذه المبالغ الضخمة بصورة غير مدروسة ، وضمن فترة قصيرة من الزمن ، ارتفاعاً سريعاً في مستوى الاسعار ، انعكس تدهوراً في سعر الصرف لليرة الاسرائيلية . وهذا التدهور ، بدوره ، أجبر الحكومة الاسرائيلية على تبني اسعاراً مختلفة لصرف الليرة الاسرائيلية ( الشيكل ) لقاء العملات الاخرى . اما بالنسبة لبحثنا ، فتكفي الاشارة الى ان سعر الصرف الرسمي لليرة الاسرائيلية تدهور من شيكل واحد = 4.03 دولارات عام 1948 الى شيكل واحد = دولاراً واحداً في شهر شباط / فبراير 1952 . ولم يقف التدهور عند هذا الحد رغم تدني عدد المهاجرين منذ سنة 1952 . ففي عام 1955 أصبح سعر الصرف  الرسمي لليرة الاسرائيلية 1.8 شيكل للدولار الواحد . ان سعر الصرف هذا لا يعكس حقيقة معدل الصرف المعتمد في تعامل الاسرائيليين مع البلدان الاجنبية . فمن اجل اجراء حسابات تعكس الواقع الفعلي ، يشير الاقتصاديون الاسرائيليون الى وجوب اعتماد سعر الصرف الفعلي الذي يبلغ 2.8 شيكل للدولار الواحد (1) .

يحسن بنا الانتقال لتوضيح خطأ يقع فيه ، بسهولة ، الاشخاص غير المطلعين على اوضاع الاقتصاد الاسرائيلي ومباديء علم الاقتصاد . فالذي يتصفح التقارير الاقتصادية يواجه بالاشارة الى ان معدل الدخل السنوي للفرد في اسرائيل يبلغ 800 دولار . ومعدل الدخل السنوي للفرد يعتبر اليوم ، ولو بصورة سطحية ، أوضح دليل على التقدم او التأخر الاقتصادي في بلد ما . واي معدل دخل ، كالمشار اليه ، لا يدل فقط على ان اسرائيل اكثر دول آسيا وافريقيا تقدماً في الحقل الاقتصادي ، بل يجعلها توازي او تتجاوز مستوى الدول الصناعية في اوروبا . ونحن لا ننكر مستوى التقدم الاقتصادي في اسرائيل ، بل على العكس من ذلك ، يهمنا العمل على تبيان اسبابه بوضوح . انما يجب التوضيح الى ان الرقم المعطى لدخل الفرد في اسرائيل مبني على تحويل معدل الدخل السنوي للفرد من الليرات الاسرائيلية الى الدولار على اساس السعر الرسمي للصرف البالغ 1.8 شيكل للدولار الواحد ، بينما سعر الصرف الفعلي والواقعي ، كما أشرنا سابقاً ، يبلغ 2.8 شيكل للدولار الواحد . وبعد اجراء التصحيح اللازم في طريقة الحساب ، يتضح ان المعدل السنوي الذي يصح اعتماده لدخل الفرد الاسرائيلي هو ما بين 510 و 515 دولاراً لا غير ! .

رصيد الاستيراد

استطاع الاسرائيليون خلال السنوات الماضية ان يتمتعوا بزيادة مطردة في معدل الدخل الحقيقي للفرد بلغت 5 بالمئة . وخلال الفترة ذاتها استهلك الاسرائيليون ، حكومة وشعباً ، كامل النتاج الوطني كل عام . فكيف تمكن الاسرائيليون ان يحققوا زيادة في معدل الدخل الحقيقي للفرد رغم كل المصاعب والعراقيل التي سبق ان عددناها ومن اين أتت هذه الزيدة .

من المعلوم ان نمو الناتج الوطني يتوقف على مدى التثمير الحاصل في فترات سابقة ، والموارد الاقتصادية التي تخصص خلال عام محدد للتثمير تقتطع عادة من الناتج الوطني للعام السابق . لكن اسرائيل خالفت هذه القاعدة واستطاعت ان تزيد ناتجها الوطني بالاعتماد على ” رصيد الاستيراد “. ومكونات هذا الرصيد تتمحور حول منح وهبات وقروض وتعويضات (2 ) . وبعبارة اخرى ، وهنا بيت القصيد ، ان الناتج الوطني كان منذ نشوء اسرائيل ، عاماً بعد عام ، يعادل جملة الاستهلاك في القطاعين العام والخاص ، وكان تكوين الرأسمال القائم gross capital formation بدوره يعادل رصيد الاستيراد import surplus . ويتضح مقدار هذا الرصيد من مراجعة الجدول السنوي الذي كان يصدر منذ سنة 1949 وحتى سنة 1960 . وكما يتبين للفاحص المدقق ان هذه المبالغ قد وفرت لاسرائيل موارد مالية للاستعمال توازي خمس ما كانت تنتجه اسرائيل ، عاماً بعد عام . وهذا بدوره يعني ان معدل التثمير في اسرائيل خلال السنين الماضية بلغ عشرين بالمئة او اكثر بقليل من الناتج الكلي القائم . وهذه نسبة عالية توازي او تزيد على نسبة مخصصات التثمير في الدول المتقدمة صناعياً . لذلك يمكن القول ان الزيادة في دخل الافراد وزيادة الناتج الكلي في اسرائيل تغزي “لرصيد الاستيراد” ( عطاءات وقروض الدول والافراد والاجانب ).

بات السؤال الذي يحرج السلطات الاسرائيلية هو : الى متى يمكن لاسرائيل ان تعتمد على موارد خارجية للمحافظة على معدل النمو الذي حققته الى الآن بفضل موارد من هذا النوع ؟ .

يمكن ان نعزو الاحراج الذي تواجهه السلطات الاسرائيلية الى حقيقتين اثنتين . اولاهما ، ان المحافظة على معدل نمو الدخل يفترض على الأقل اعتماد النسبة نفسها من النتاج الوطني للتثمير مع المحافظة على مستوى الاسعار نفسه او معدل الارتفاع في هذه الاسعار . وسبق ان ذكرنا ان القطاعين العام والخاص في اسرائيل يستهلكان الناتج الوطني ، وان “رصيد  الاستيراد ” الذي زاد عن العشرين بالمئة من الناتج الوطني القائم ، وفر امكانية التثمير، التي بدورها أدت الى ازدياد الدخل . وبما ان الناتج الوطني يتزايد ، فمعنى ذلك ان ” رصيد الاستيراد ” الذي كان حتى اليوم منبع التثمير ، يجب ان يزداد ليبقى على نسبته السابقة للنتاج الوطني . وقد لا تكون الحال على هذا الشكل لو ان الاسرائيليين يرتضون الحد من استهلاكهم والاعتماد على مواردهم الداخلية للتثمير . غير ان هذه الخطوة لا تحظى بالقبول على ما يبدو في الوقت الحاضر . فالنتيجة الظاهرة هي ان اسرائيل سوف تضطر الى العمل على زيادة ” رصيد الاستيراد ” للمحافظة على معدل ارتفاع الدخل . اما الحقيقة الثانية فتتعلق بمدفوعات التعويضات الالمانية لاسرائيل البالغة حوالى 80 مليون دولار اميركي سنوياً والتي تنتهي في مطلع سنة 1964 . وقد ورد في الانباء ان اسرائيل تجري مفاوضات مع المانيا الغربية لزيادة التعويضات . فلو صح هذا الخبر وقبلت المانيا بذلك فان الضغط المالي المشار اليه سيخف . وهذا ما يدلنا بوضوح الى قيمة هذه التعويضات في اعتماد اسرائيل على الدعم الخارجي لتلافي الصعوبات الى ذكرنا .

تستحق حوالى هذا الوقت ديون طويلة الامد على اسرائيل  للخارج . وهي تبلغ حوالى 50 مليون دولار سنويا . وهذا يعني ان النقص المتوقع في ” رصيد الاستيراد ” ، كنتيجة لتوقف التعويضات والتحويلات الالمانية واستحقاق بعض الديون الاخرى ، سيرتفع بما يزيد عن 130 مليون دولار اميركي سنوياً .

لم يكن من المستغرب اذن ان تعتمد السلطات الاسرائيلية ، وهي تواجه بالاحوال الاقتصادية الصعبة التي بحثناها في هذا المقال ، الى وضع مخطط صناعي واسع بقصد استيعاب النمو في السكان والمحافظة ، في الوقت نفسه ، على ارتفاع مستوى المعيشة والتقليل من الاعتماد على ” رصيد الاستيراد ” .

ملحق

                                    مدفوعات المنح والهبات والقروض والتعويضات لاسرائيل

                                    من الخارج خلال الفترة الممتد من سنة 1949 حتى 1960

( القيمة بملايين الدولارات الاميركية )

                                    السنة                                       المبلغ

                                    1949                                        225

                                    1950                                        282

                                    1951                                        360

                                    1952                                        307

                                    1953                                        263 ( 3 )

                                    1954                                        238

                                    1955                                        283

                                    1956                                        357

                                    1957                                        337

                                    1958                                        334

                                    1959                                        398

                                    1960                                        365 ( مبلغ تقديري )

المصدر : International Financial Statistics , July 1959

(1) د. يوسف عبدالله صايغ ، الخبز والكرامة ، دار الطليعة ، ص . 88

(2) راجع الملحق.

(3) يعزى النقص خلال سنتي 1953 و 1954 الى هبوط معدل الهجرة الى اسرائيل وتثبيت ارتفاع الاسعار .