بعد غزو غاغارين للفضاء

بعد غزو غاغارين للفضاء

تعدد الكواكب المأهولة مسألة مطروحة على الصعيد الكوني

تحليل كتبه  صلاح كامل

نشر المقال في حزيران / يونيو 1961 ، العدد الثامن ، الرائد العربي

صعود غاغارين الى الفضاء وعودته سالماً الى الارض حدث علمي خطير ومهم أعاد الى بساط البحث السؤال الابدي : هل ثمة كواكب مأهولة غير الارض ؟ . ماذا سيكتشف الرائد الاول الذي يغزو الزهرة والمريخ ؟

” تعدد العوالم ” مسألة مطروحة اليوم على الصعيد الكوني . ومن قبل وضع فونتينل كتاباً عنوانه ” محاورات حول وفرة العوالم ” بسط فيه لمرتكزات نظرية كوبرنيك . وبهذا اللون من الادب ، القائم على تبسيط العلم وتعميمه ، فتح فونتينل عام 1686 أفاقاً مثيرة لمعاصريه وجعلهم يتبنون نظريته القائلة : اذا كانت الكواكب في النظام الشمسي ” أخوات للارض ” فقد تكون مأهولة مثل الارض .

الشك الكبير

شكك تقدم علم الفلك ، خاصة الجيوفزيائي ، في القرن العشرين بوجود حياة على سطح الكواكب في النظام الشمسي ، وبيَن انها بعيدة الشبه عن كوكبنا . فالشروط التي يجب ان تتوفر حتى تفتح باب تطورات الحياة على مصراعيه ، مقيدة الى حد ان الارض وحدها استطاعت بين الكواكب التسعة في النظام الشمسي ان تجعلها تتفتح التفتح الكامل . ويقول بيار دي لا تيل ان نظرية العوامل المأهولة في النظام الشمسي يجب ان توضع في مخزن الخرافات الجميلة ، وان البحث عن هذه العوالم يجب ان يتناول كواكب اخرى تدور حول نجوم غير الشمس .

لا يخفى ، في هذا المجال ، ان احتمال وجود كواكب اخرى كان قد ضعف في النصف الاول من القرن العشرين بطغيان النظرية المسماة ” بالكارثية ” ، نسبة الى الكارثة ، على النظريات القائلة بأن مولد كوكب من الكواكب هو نتيجة تطور طبيعي في حياة احدى النجوم . وبهذا أصبحت ظاهرة الكواكب نادرة ، حتى ان ظهور نوع من الغبار البيولوجي الكميائي على سطح بعض الكواكب أصبح غير راجح ، رغم عدد النجوم الهائل في الكون .

خارج النظام الشمسي

أخذت المسألة القديمة التي طرحها فونتينل ، في السنوات الاخيرة ، وجهاً جديداً . فاكتشاف مجموعة كوكبية حول نجوم مجاورة ورؤيتها تتذبذب بعض التذبذب بتأثير جاذبية توابع مظلمة ، جعلا أكثر من عالم يتمسك بالنظريات القائلة ان مولد الكواكب عائد الى تطور طبيعي في حياة النجوم ، وان عدد الكواكب لا بد ان يكون هائلاً في الكون ، وبالتالي ، فان احتمال وجود الحياة في عوالم اخرى راجح جداً . ومن ثم ، فان مسألة وجود الحياة على كواكب اخرى يجب ان تطرح على أسس جديدة . فالعلماء الذين تطرقوا الى الموضوع سابقاً لم ينظروا اولاً الى توابع الشمس . اما اليوم فاصبح بامكاننا ، بفضل الاكتسابات الفلكية الحديثة ، ان نخرج بحرية من الاطار الشمسي . وما دام السؤال الاكبر المتعلق بالبيولوجية الكونية يعود الى سؤال يتعلق بتولد الكواكب ، فلا بد من النظر في المسألة الثانية ، بداءة .

ظاهرة الكواكب

في إطار منهج كوبرنيك ثمة نسب بين الشمس والكواكب : ” اليست هذه الاخيرة شذوراً منها تكاثفت وبردت؟”. وانطلاقاً من هذه الفكرة قامت ، في مطلع القرن الماضي ، اول نظرية عن تكون العالم . فقال “لابلاس ” ان الشمس ، وهي كتلة غازية هائلة في الأصل ، قد اتخذت خلال تقلصها حركة دورية . ومن ثم ، فان مادة الشمس الناشئة قد خضعت لقوة ” راحت تزداد أكثر فأكثر واتخذت شكلاً عدسياً ” . ولما كان التقلص مستمراً ، فان السرعة كانت تزداد ، وانتهت النجمة ، أي الشمس ، الى اطلاق مادة راحت تشكل حلقات متتابعة . وفي مرحلة لاحقة شكلت هذه الحلقات ،  ابان تكاثفها ، الكواكب .

ومع ان ” لاباس ” هو احد اكبر الرياضيين في العالم ، فقد خرج بهذه الفرضية ، بصورة فلسفية أكثر منها رياضية ، ولم يؤكدها بعملية حسابية . ومن هنا ، فان نظريته التي فرضت نفسها على مر القرن التاسع عشر، لم تصمد امام حسابات علم تكوين العالم في نهاية ذلك القرن .

لايخفى ، في هذا المجال ، ان العالم الفلكي الالماني ” بود ” كان قد اكتشف ، قبل لاباس ، قانوناً يحمل اليوم اسمه ، هو : ” اذا نظرنا الى الكواكب وفق تسلسلها ، ذهاباً من الشمس ، لاحظنا ان المسافة بين كوكب وكوكب تزداد بقدر الابتعاد عن الشمس ” . والحال ان لاباس لم تسترعه هذه الفسحة المتزايدة بين الكواكب . كذلك لم يلحظ لاباس ان حجم هذه الكواكب كان يزداد بقدر ما يبتعد الكوكب عن الشمس حتى يبلغ حده الاقصى مع المشتري ، ثم يعود الى النقصان مع زحل . من هنا ، فان كل النظريات التي يرد مادة الكواكب الى الشمس ، تصطدم بالصعوبة التالية :  يتحتم على الكواكب ان تدور قريبة جداً من الشمس ، لاسيما الكبيرة منها  . والحال ان الامر ليس كذلك .

هل ولدنا من كارثة ؟ .

ظهرت بعد لاباس نظريات كثيرة رأت في الكواكب شذرات مائع جمد بفعل التكاثف . وفي رأس هذه النظريات نظرية الفلكي الفيزيائي الالماني فون ويزشاخر . والقاسم المشترك بين هذه النظريات هو انها ترد مولد الكواكب الى تطور طبيعي في نظام نجمي واحد ، يطلق عليها اسم ” الوحدوية ” ، في تعارض مع نظريات اخرى يطلق عليها اسم ” الثنائية ” لأنها تفترض وجود فعل متبادل بين نظامين . ومن هنا يحسن ان نسمي هذه الاخيرة بالنظرية ” الكارثية ” .

النظرية الكارثية الاولى وضعها ” بوفون ” . ففي مؤلفه ” عرض لنظام العالم ” تصور ان نجمة قد اصطدمت بالشمس ، وان لطخاً من مادة نارية قد قذفت حول الشمس ، وان بعض اللطخ استطاع ان يفلت من أسرها ، والبعض الآخر لم يستطع الفرار ، وبالتالي شكل كواكب النظام الشمسي . غير ان الحسابات بينت بعدئذ ان مدارات الكواكب في هذه الحال ينبغي لها ان تكون اهليجية شديدة المدد ، وليس شبه دائرية .

أشار الفلكي البريطاني جيمز جيننز في مطلع هذا القرن الى كارثة أخرى . قال ان النجمة الغربية لم تصطدم بالشمس ، بل مرت بالقرب منها وأحدثت حداً شمسياً هائلاً اتخذ شكل الدموع . وبهذا نجد تفسير حجم الكواكب الذي يزداد بقدر الابتعاد عن الشمس ثم يعود الى النقصان . غير ان هذه النظريات التي تعيد تكوين الكواكب الى المادة الشمسية قد فاتها أمر مهم هو ان المواد الارضية لم تستطع ان تنشأ في الاتون الشمسي .

لسنا ابناء الشمس

إن 99 بالمئة من جرم الشمس مؤلف من الهيدروجين والهليوم . وبخلاف ذلك ، فان الحديد والكالسيوم والسيليسيوم والالمنيوم الخ .. هي مواد سائدة على الارض ، وكلها ذرات متوسطة الثقل . فلماذا هذا الانعكاس في الوضع ؟ . قد يفسر البعض هذه الظاهرة بأن كوكبنا فقد الايدروجين لضعف جاذبيته . غير ان الارض تنطوي على ذرات كثيرة ثقيلة مثل الرصاص ، وذرات ثقيلة جداً مثل الاورانيوم . وهذه الذرات الثقيلة لا يسعها ان تنشأ في الشمس .

يقدر بعض العلماء في كاليفورنيا ان تولد الكاربون والاوكسجين يتطلب 200 مليون درجة حرارة ، والحديد من مليونين الى اربعة ملايين درجة . والحال ان الحرارة في جوف الشمس لا تبلغ 15 مليون درجة ، وبالتالي ليست في الاتون الذي انصهرت فيه مادة الارض .

اذن ، ان انفجار نجمة من النجوم المعروفة ب”السوبر نوفا ” استطاع ان يكون في أساس تكوين الذرات الثقيلة، لا سيما الذرات الاشعاعية . ويقدر العلماء ان حرارة تبلغ عدة مليارات الدرجات قد انتشرت خلال الدقيقة التي حدث فيها أعظم ظاهرة كونية . والى هذه الظاهرة تعود هوية منشأ الارض .

السؤال : ما هي هذه النجمة التي انفجرت بهذه الصورة الرهيبة ؟

الجواب : ان التفكير بالنجوم المزدوجة يجعل كل شيء منطقياً .

وهنا نشير الى ان العالم البريطاني ليلتون قدم عام 1938 مفتاح اللغز . فقد كتب قائلاً : كان للشمس رفيقة في الماضي . وهذه الرفيقة انفجرت . وكواكب النظام الشمسي هو شذرات من هذه النجمة . وقال إن عند الانفجار اصبح بعض الذرات اشعاعاً . ولا يخفى ان تفجيراتنا الذرية الهزيلة في القرن العشرين ، تولد رماداً إشعاعياً وتسلك الاشعاعية داخل صخور التربة ، وان هذه الاشعاعية لا بد لها من ايام ، بل من أشهر او سنين حتى تنطفيء . وبالتالي فان معادننا الاشعاعية هي رماد الانفجار الذري الهائل الذي تولدت منه الارض، ولا بد لها من مليارات السنوات حتى تنطفيء .

النجوم تولد وتموت

كشف هذا السر قد أدهش الجميع . من هنا كان لا بد من التعمق في هذه المسألة ، وذلك بالتوقف عند ظاهرتين تجهلهما العامة وهما : ظاهرة ” السوبرنوفا ” وظاهرة النجوم المزدوجة . ومهما اختلفت احجام النجوم وتفاوت تألقها ، فانها تسلك سلماً ضيقاً :

1 – ثمة نجوم نادرة هي أثقل من الشمس من عشرة الى عشرين ضعفاً وتعرف ب “المردة ” البيضاء .

2 – ثمة نجوم تزن أقل من عشر وزن الشمس وتعرف ب”الاقزام ” الحمراء .

هذه الاخيرة ليست ساطعة . وهي كثيرة العدد . وما ان تبعد عنا بعض البعد حتى تغيب عن ابصارنا . ويقول العلماء ان جوفها مركز احتراقات ضعيفة النشاط ، ومن ثم فان بطء انصهار الوقود فيها يجعلها تعيش طويلاً. من هنا أطلقوا عليها اسم النجوم البخيلة .

ما هو مصير المردة ، ذات الحرارة الهائلة . فالطاقة التي تتحرر في جوفها لا بد لها من ان تجتاز مواد عديدة حتى تصل الى محيطها . وهذه الشاشة من المواد العديدة التي تحول دون فقدان الحرارة تحد بالطبع من ارتفاع درجات الحرارة ، ومن ثم فان انحرافاً ضعيفاً من الجرم يؤدي الى ردات فعل نووية كثيرة الاختلاف .

إن سطح المردة هو سطح هائل من الاشعاع . ويطلق العلماء على نجوم المردة اسم الاجرام المبذرة ، ذات العمر القصير . وفي الواقع فانهم يقدرون ان المردة تحرق مراحلها المختلفة في عشرة ملاين سنة . والمهم في الامر ان المردة الشديدة الحرارة تقذف في نوباتها الحرارية انفاساً من المادة . ويعرف هذا الامر بظاهرة ” النوفا ” . وبعض هذه النجوم يموت بانفجار ، وبالتالي فان كميات هائلة من المادة ذات الذرات الثقيلة والاشعاعية تتحرر في الفضاء .

من هنا نرى ان نجوماً من ” الرعيل الاول ” التي ولدت على حساب الغاز الكوني الأصيل ، أي الايدروجين ، قد مات كثير منها من جوعه للطاقة ، وغدت جثته المظلمة تملأ السماء ، وانفجر كثير منها وغدت مادته نجوماً ما يسمى ” الرعيل الثاني ” .. الى آخر السلسلة .

هنا يبرز سؤال مهم : والشمس ؟ .

الجواب ان الشمس ليست من الرعيل الاول . إنها نتاج الرعيل الاول . انها نتاج نجمة أخرى أكثر حرارة .

النجوم تتزوج

لفهم الوضع الذي نتج عنه النظام الشمسي لا بد من فهم حقيقة النجمة المزدوجة . فالعلماء في الماضي ، عندما كانوا يرون نجوماً قريبة الواحدة من الاخرى ، كانوا يردون هذه الظاهرة الى الوهم البصري . لكن احداث هيرشيل بينت ان هناك حقاً زوجاً نجمياً تدور الواحدة منه حول الاخرى ، وان هذه الظاهرة هي عامة وليست ظاهرة فريدة . ففي الواقع يوجد 15 نجمة ثنائية وثلاثية ورباعية بين 38 نجمة هي اقرب الاجرام الى الشمس . وفي الكون بين 200 و300 مليار نجمة بينها من 80 الى 120 مليار نجمة من النجوم المزدوجة . ونظام زواج النجوم هذا كثير التنوع ، فهناك :

1 – زوج من النجوم ، الواحدة من المردة والثانية من الاقزام .

2 – زوج من حجم مماثل .

3 – زوج ، واحدة من رعيل واخرى من رعيل .

4 – زوج ، واحدة تموت من الشيخوخة واخرى في عز شبابها .

هذا التنوع في نظام الزواج يسلمنا مفتاح لغز النجوم المزدوجة . فكيف تم هذا الزواج الغريب في السماء ؟ .

الجواب ، ان ثمة نجوم حارة واشعاعية قد بقيت منعزلة خلال ملايين السنين ، ثم قضفت ، في نوبة حرارية، بكميات هائلة من المادة فتشكلت في جوارها قطع سائلة ما لبثت ان تجمدت واخذت تجتذب شيئاً فشيئاً الكثير من المادة . وهكذا كانت نجمة من الرعيل الثاني تولد غير بعيد عن نجمة من الرعيل الاول .

شمسنا ولدت ، هي الاخرى ، بهذه الطريقة ، من انفاس نجمة من المردة قد انفجرت بعدئذ . وهكذا تكون الارض ليست ابنة للشمس بل ابنة ام مجهولة . فهل من يعرف هذه الام .

هويتنا

يقدر ” فريد هويل ” الابن الرهيب لعلم الفلك البريطاني ان هذه النجمة الام يتحتم ان تكون أثقل عشر مرات من الشمس . والحال ان كواكب النظام الشمسي لا يمثل سوى 1.4 من مليم من جرم الشمس ، وبالتالي لن تحتفظ الا بجزء صغير من النجمة التي تمزقت .

قال هويل ان الهيكل الرئيس لهذه ” السوبر نوفا ” قد نفذ من ربقة مدار الشمس ، وان شذرات منها فقط بقيت تابعة للشمس ، هي كواكب النظام الشمسي . وقد يتبدى ان هذه الكواكب وليدة النجمة الميتة لا يتفق وجودها والمعطيات التاريخية ، ذلك ان الصخور الارضية تعود الى اربعة مليارات سنة ، وبالتالي لا بد من مئات ملايين السنين قبل هذا التاريخ حتى تتركن القشرة الارضية . فكيف استطاعت النجمة الام ان تعيش وان تموت في هذه المدة القصيرة نسبياً ؟ .

يقول هويل ان الشمس ، النجمة المتوسطة الحجم والطاقة ، المقيد لها ان تعيش 50 مليار سنة ، لم تعش منها حتى اليوم سوى عشرها . غير ان رفيقتها قد بذرت طاقتها لأنها أثقل منها بكثير . وقال : لنفترض ان النجمة المندثرة أثقل عشر مرات من الارض ، فانها تستهلك هيدروجينها بسرعة تفوق الف مرة السرعة التي تقتضيها الارض . ومعنى هذا ان حياتها هي 500 مليون سنة .

تعدد العوالم المأهولة

ان نسبة النجوم المزدوجة كبيرة الى حد ان المغامرة التي عاشها نظامنا الشمسي ليست نادرة . ففي هذا العدد الكبير من الكواكب خارج نظامنا الشمسي لا بد ان تتوفر شروط ظهور الحياة في بعضها . وهذه الشروط هي:

1 – حجم كاف ليكون للكواكب جو ، لكن ليس كبيراً الى حد يسيطر فيه الايدروجين .

2 – حرارة تسمح بسيولة الماء

3 – وجود نجمة في جوار الكواكب ليست حارة كثيراً ولا باردة كثيراً ، وعلى مسافة ليست شديدة البعد ولا قريبته كثراً .

كلمة اخيرة

أكدت الاكتشافات الحديثة وجود اجرام غامضة حول النجوم . فبشأن النجوم القريبة ، فقد تمركز البحث حول نقطة هي : هل هذه النجوم تعاني الاضطراب بفعل جاذبية اجرام مجاورة ؟ . وتأكد العلماء ان هذا الامر واقع ، وان النجمة تدور مع رفيقتها الغامضة حول مركز ثقل مشترك وبالتالي يتحتم علينا اعتبار النجوم أضواء منعزلة في الفضاء . فالنجمة المتألقة هي شمس اخرى تدور حولها كواكب مظلمة ، مثل توابع الشمس. وبين هذه التوابع كوكب مثل الارض تتوفر فيه شروط ظهور الحياة .

كم في الكون من ملايين العناقيد النجمية، وبالتالي كم هي كثيرة الكواكب المأهولة .