ذكر أخبار كثير ونسبه

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء التاسع

ذكر أخبار كثير ونسبه

نسبه

هو فيما أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد بن سعيد بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو وهو خزاعة بن ربيعة وهو يحيى بن حارثة بن عمرو وهو مزيقيا بن عامر وهو ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن ” بن الأزد وهو درء وقيل دراء ممدوداً بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

وأخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن إسحاق الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو صخر بن أبي الزعراء الخزاعي عن أمه ليلى بنت كثير قالت: هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن مخلد بن سبيع بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وأمه جمعة بنت الأشيم بن خالد بن عبيد بن مبشر بن رياح بن سيالة بن عامر بن جعثمة بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وكانت كنية الأشيم جده أبي أمه أبا جمعة، ولذلك قيل له ابن أبي جمعة.
وكان له ابن يقال له ثواب من أشعر أهل زمانه، مات سنة إحدى وأربعين ومائة ولا ولد له.

ومات كثير سنة خمس ومائة في ولاية يزيد بن عبد الملك. وليس له اليوم ولد إلا من بنته ليلى. ولليلى بنته ابن يكنى أبا سلمة الشاعر وهو الذي يقول: صوت

وكان عزيزاً أن تبيتـي وبـينـنـا

 

حجابٌ فقد أمسيت مني على شهر

ففي القرب تعذيبٌ وفي النأي حسرة

 

فيا ويح نفسي كيف أصنع بالدهـر

في هذين البيتين غناء لمقاسة. ولحنه من الثقيل الأول بالخنصر عن حبس.

كنيته وطبقته في الشعراء ونحلته: ويكنى كثير أبا صخر. وهو من فحول شعراء الإسلام، وجعله ابن سلام في الطبقة الأولى منهم وقرن به جريراً والفرزدق والأخطل والراعي. وكان غالياً في التشيع يذهب مذهب الكيسانية ، ويقول بالرجعة والتناسخ، وكان محمقاً مشهوراً بذلك. وكان آل مروان يعلمون بمذهبه فلا يغيرهم ذلك لجلالته في أعينهم ولطف محله في أنفسهم وعندهم. وكان من أتيه الناس وأذهبهم بنفسه على كل أحد.

الحديث عنه وعلى شعره:  أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال حدثني سليمان بن فليح قال: سمعت محمد بن عبد العزيزيعني ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف يقول ما قصد القصيد ولا نعت الملوك مثل كثير.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال كتب إلي إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني إبراهيم بن سعد قال: إني لأروي لكثير ثلاثين قصيدة لو رقي بها مجنون لأفاق.
أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني بعض أصحاب الحديث قال: كنا نأتي إبراهيم بن سعد وهو خبيث النفس، فنسأله عن شعر كثير فتطيب نفسه، ويحدثنا.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عمر بن أبي بكر المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة قال: من لم يجمع من شعر كثير ثلاثين لامية فلم يجمع شعره. قال الزبير قال المؤملي: وكان ابن أبي عبيدة يملي شعر كثير بثلاثين ديناراً. قال وسئل عمي مصعب: من أشعر الناس؟ فقال: كثير بن أبي جمعة، وقال: هو أشعر من جرير والفرزدق والراعي وعامتهم يعني الشعراء، ولم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كثير.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازةً قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال: كان كثير شاعر أهل الحجاز، وهو شاعر فحل، ولكنه منقوص حظه بالعراق.

أخبرني أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلام قال سمعت يونس النحوي يقول: كثير أشعر أهل الإسلام. قال ابن سلام: وسمعت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جداً، ويقول: كان يستقصي المديح، وكان فيه مع جودة شعره خطلٌ وعجب.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري قال أخبرني إبراهيم بن إبراهيم بن حسين بن زيد قال: سمعت المسور بن عبد الملك يقول: ما ضر من يروي شعر كثير وجميلٍ إلا تكون عنده مغنيتان مطربتان.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائني عن الوقاصي قال: رأيت كثيراً يطوف في البيت، فمن حدثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذبه؛ وكان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ رأسك لا يصيبه السقف.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائني، وعن ابن حبيب عن أبيه عن جده عن جد أبيه عبد العزيز وأمه جمعة بنت كثير قال: قال جرير لكثير: أي رجل أنت لولا دمامتك! فقال كثير:

إن أك قصداً في الرجال فإنني

 

إذا حل أمرٌ ساحتي لطـويل

ما كان بينه وبين الحزين الديلي

أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائني عن الوقاصي قال، وأخبرنا الحرمي أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن يحيى عن بعض أصحابهم الديليين قال: التقى كثير والحزين الديلي في المدينة في دار ابن أزهر في سوق الغنم، فضمهما المجلس. فقال كثير للحزين: ما أنت شاعرٌ يا حزين، إنما توصل الشيء إلى الشيء. فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوك؟قال نعم. وكان كثير قال قبل ذلك وهو ينتسب إلى بني الصلت بن النضر بن كنانة:

أليس أبي بالنضر أو ليس إخـوتـي

 

بكل هجانٍ من بني الصلت أزهـرا

فإن لم يكونوا من بني الصلت فاتركوا

 

أراكاً بأذيال الخـمـائل أخـضـرا

قال: فلما أذن كثير للحزين أن يهجوه قال للحزين:

لقد علقت زب الذبـاب كـثـيراً

 

أسـاود لا يطـنـينـه وأراقـم

قصير القميص فاحشٌ عند بـيتـه

 

يعض القراد باستـه وهـو قـائم

وما أنتم منا ولـكـنـكـم لـنـا

 

عبيد العصا ما ابتل في البحر عائم

وقد علم الأقوام أن بني اسـتـهـا

 

خزاعة أذنـابٌ وأنـا الـقـوادم

ووالله لولا اللـه ثـم ضـرابـنـا

 

بأسيافنا دارت عليها المـقـاسـم

ولولا بنو بكر لذلت وأهـلـكـت

 

بطعنٍ وأفنتها السيوف الصـوارم

تهدده أبو الطفيل واستوهبه خندف الأسدي قال: فقام كثير فحمل عليه فلكزه. وكان الحزين طويلاً أيداً. فقال له الحزين. أنت عن هذا أعجز، واحتمله فكان في يده مثل الكرة، فضرب به الأرض، فخلصه منه الأزهريون. فبلغ ذلك ” أبا الطفيل عامر بن واثلة وهو بالكوفة، فأقسم لئن ملأ عينيه من الكثير ليضربنه بالسيف أو ليطعننه بالرمح. وكان خندفٌ الأسدي صديقاً لأبي الطفيل، فطلب إلى أبي الطفيل في كثير واستوهبه إياه فوهبه له. والتقيا بمكة وجلسا جميعاً مع عمر بن علي بن أبي طالب، فقال: أما الله لولا ما أعطيت خندفاً من العهد لوفيت لك. فذلك قول كثير في قصيدته التي يرثي فيها خندفاً:

ينال رجالاً نفعه وهو منهم

 

بعيدٌ كعيوق الثريا المحلق

أنكر على الأحوص ضراعته في الاستجداء أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وجبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: قال كثير: في أي شعر أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: في قوله فيهم:

وما كان لي طارفاً مـن تـجـارةٍ

 

وما كان ميراثاً من المال متـلـدا

ولكن عطايا مـن إمـامٍ مـبـاركٍ

 

ملا الأرض معروفاً وجوداً وسوددا

فقال كثير: إنه لضرع قبحه الله ! ألا قال كما قلت: صوت

دع عنك سلمى إذ فات مطلبها

 

واذكر خليليك من بني الحكم

ما أعطياني ولا سألتـهـمـا

 

إلا وإني لحاجزي كـرمـي

إني متى لا يكن نوالـهـمـا

 

عندي مما قد فعلت أحتشـم

مبدي الرضا عنهما ومنصرفٌ

 

عن بعض ما لو فعلتُ لم ألم

لا أنزر النائل الـخـلـيل إذا

 

ما اعتل نزر الظؤور لم ترم

عروضه من المنسرح. غنى في هذا الشعر يونس ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وغنى فيه الغريض ثاني ثقيلٍ بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. و فيه لحن من الثقيل الأول ينسب إلى معبد، وليس بصحيح له. قال الزبير بن بكار في تفسير قوله: لا أنزر النائل الخليل يقول: لا ألح عليه بالمسألة، يقال: نزرته أنزره إذا ألححت عليه. والظؤور: المتعطفة على غير أولادها.

حديثه مع عبد الملك في استقطاعه أرضاً له: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثنا المؤملي عن أبي عبيدة، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال: دخل كثير على عبد الملك بن مروان فقال: ياأمير المؤمنين، إن أرضاً لك يقال لها غرب ربما أتيتها وخرجت إليها بولدي وعيالي فأصبنا من رطبها وتمرها بشراءٍ، مرة وطعمة مرة. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعمرنيها فعل. فقال له عبد الملك: ذلك لك. فندمه الناس وقالوا له: أنت شاعر الخليفة ولك عنده منزلة، فهلا سألت الأرض قطيعةً !. فأتى الوليد فقال: إن لي إلى أمير المؤمنين حاجةً فأجلسني قريباً من البرذون. فلما استوى عليه عبد الملك قال له: إيهٍ ! وعلم أن له إليه حاجةً. فقال كثير:

جزتك الجوازي عن صديقك نضرةً

 

وأدناك ربي في الرفيق المقـرب

فإنك لا يعطى عـلـيك ظـلامةً

 

عدوٌ ولا تنأى عن المـتـقـرب

وإنك ما تمنـع فـإنـك مـانـعٌ

 

بحقٍ، وما أعطيت لم تتـعـقـب

فقال له: أترغب غرباً؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين. قال: اكتبوها له، ففعلوا.

هجاء الحزين له في مجلس ابن أبي عتيق: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثنا عمر بن أبي بكر المؤملي قال حدثني عبد الله بن أبي عبيدة قال: كان الحزين الكناني قد ضرب على كل رجل من قريش درهمين في كل شهر، منهم ابن أبي عتيق. فجاءه لأخذ درهميه على حمارٍ له أعجف قال: وكثير مع ابن أبي عتيق فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين. فقال الحزين لابن أبي عتيق: من هذا معك؟ قال: هذا أبو صخر كثير بن أبي جمعة قال: وكان قصيراً دميماً فقال له الحزين: أتأذن لي أن أهجوه ببيت من شعر؟ قال: لا ! لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي، ولكني أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين ودعا له بهما. فأخذهما ثم قال: لا بد من هجائه ببيت. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين آخرين، ودعا له بهما. فأخذهما ثم قال: ما أنا بتاركه حتى أهجوه. قال: أو أشتري ذلك منك بدرهمين. فقال له كثير: إيذن له، ما عسى أن يكون في بيت ! فأذن له ابن أبي عتيق. فقال:

قصير القميص فاحشٌ عند بيته

 

يعض القراد باسته وهو قائم

قال: فوثب كثير إليه فلكزه، فسقط هو والحمار، وخلص ابن أبي عتيق بينهما، وقال لكثير قبحك الله ! أتأذن له وتسفه عليه ! فقال كثير: أو أنا ظننته أن يبلغ بي هذا كله في بيت واحد ! ادعى أنه قرشي فرده الشعراء وسبه الكوفيون: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه، وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن الخضر الخزاعي عن ولد جمعة بنت كثير أنه وجد في كتب أبيه التي فيها شعر كثير: أن عبد الملك بن مروان قال له: ويحك ! إلحق بقومك من خزاعة، فأخبر أنه من كنانة قريش، وأنشد كثير قوله:

أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتـي

 

بكل هجانٍ من بني النضر أزهرا

فإن لم تكونوا من بني النضرفاتركوا

 

أراكاً بأذناب القوابـل أخـضـرا

أبيت التي قد سمتني ونكـرتـهـا

 

ولو سمتها قبلي قبـيصة أنـكـرا

لبسنا ثياب العصب فاختلط السـدى

 

بنا وبهم والحضرمي المخـصـرا

فقال له عبد الملك: لا بد أن تنشد هذا الشعر على منبري الكوفة والبصرة، وحمله وكتب به إلى العراق في أمره. قال عمر بن شبة في خبره خاصة: فأجابته خزاعة الحجاز إلى ذلك. وقال فيه الأحوص ويقال: بل قاله سراقة البارقي:

لعمري لقد جاء العراق كـثـيرٌ

 

بأحدوثةٍ من وحيه المـتـكـذب

أيزعم أني مـن كـنـانة أولـى

 

وما لي من أمٍ هـنـاك ولا أب

فإن كنت حراً أو تخاف مـعـرةً

 

فخذ ما أخذت من أميرك واذهب

فقال كثير يجيبه وفي خبر الزبير: قال هذا لأبي علقمة الخزاعي:

أيا خبثٌ أكرم كنـانة إنـهـم

 

مواليك إن أمرٌ سما بك معلق

وفي رواية الزبير: أبا علقمٍ.

بنو النضر ترمي من ورائك بالحصى

 

أولو حسبٍ فيهم وفـاءٌ ومـصـدقٌ

يفيدونك المال الكثـير ولـم تـجـد

 

لملكهم شبهـاً لـو انـك تـصـدق

إذا ركبوا ثارت عـلـيك عـجـاجةٌ

 

وفي الأرض من وقع الأسنةً أولق

فأجابه الأحوص بقوله:

دع القوم ما حلوا ببطن قـراضـمٍ

 

وحيث تفشى بيضه المـتـفـلـق

فإنك لو قاربت أو قلـت شـبـهةً

 

لذي الحق فيها والمخاصم معلـق

عذرناك أو قلنا صدقـت وإنـمـا

 

يصدق بالأقوال من كان يصـدق

ستأبى بنو عمروٍ عليك وينتـمـي

 

لهم حسبٌ في جذم غسان معـرق

فإنك لا عمراً أباك حـفـظـتـه

 

ولا النضر إن ضيعت شيخك تلحق

ولم تدرك القوم الذين طلبـتـهـم

 

فكنت كما كان السقاء المعـلـق

بجذمة ساقٍ ليس منه لـحـاؤهـا

 

ولم يك عنها قلـبـه يتـعـلـق

فأصبحت كالمهريق فضـلة مـائه

 

لبادي سرابٍ بالمـلا يتـرقـرق

قال: فخرج كثير فأتى الكوفة، فرمي به إلى مسجد بارق. فقالوا له: أنت من أهل الحجاز؟ قال نعم. قالوا: فأخبرنا عن رجل شاعر ولد زناً يدعى كثيراً. قال سبحان الله ! أما تسمعون أيها المشايخ ما يقول الفتيان ! قالوا: هو ما قاله لنفسه. فانسل منهم وجاء إلى والي الكوفة حسان بن كيسان، فطيره على البريد. فقال عمر بن شبة في خبره: إن سراقة البارقي هو المخاطب له بهذه الشتيمة وإنه عرفه وقال له: إن قلت هذا على المنبر قتلتك قحطان وأنا أولهم، فانصرف إلى منزله ولم يعد إلى عبد الملك.

نبذة عن سراقة البارقي وقصته مع المختار حين أسر: وكان سراقة هذا شاعراً ظريفاً. فأخبرني عمي قال حدثني الكراني عن النضر بن عمر عن الهيثم بن عدي عن الأعمش عن إبراهيم قال: كان سراقة البارقي من ظرفاء أهل العراق، فأسره المختار يوم جبانة السبيع، وكان للمختار فيها وقعةٌ منكرة، فجاء به الذي أسره إلى المختار فقال له: إني أسرت هذا. فقال له سراقة: كذب ! ما هو الذي أسرني، إنما أسرني غلامٌ أسود على برذون أبلق عليه ثيابٌ خضرٌ، ما أراه في عسكرك الآن، وسلمني إليه. فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة ! خلوا سبيله فخلوه، فهرب فأنشأ يقول:

ألا أبلغ أبا إسحـاق أنـي

 

رأيت البلق دهماً مصمتات

أري عيني ما لم تبصـراه

 

كلانا عالمٌ بالـتـرهـات

كفرت بدينكم وجعلت نذراً

 

علي قتالكم حتى الممـات

كان يرى أن ابن الحنفية لم يمت وكان ذلك رأي السيد: أخبرنا الحرمي قال أخبرنا الزبيرقال أخبرنا عمرو ومحمد بن الضحاك قالا: كان كثير يتشيع تشيعاً قبيحاً، يزعم أن محمد بن الحنفية لم يمت. قال: وكان ذلك رأي السيد، وقد قال فيه يعني السيد شعراً كثيراً، منه:

ألا قل للوصي فدتك نفـسـي

 

أطلت بذلك الجبل المـقـامـا

أضر بمعشـرٍ والـوك مـنـا

 

وسموك الخلـيفة والإمـامـا

وعادوا فيك أهل الأرض طرا

 

مقامك عنهم ستـين عـامـاً

وما ذاق ابن خولة طعم مـوتٍ

 

ولا وارت له أرضٌ عظامـا

لقد اوفى بمورق شعب رضوى

 

تراجعه الملائكة الـكـلامـا

وإن له به لـمـقـيل صـدقٍ

 

وأنـديةً تـحـدثـه كـرامـا

هدانا اللـه إذ جـرتـم لأمـرٍ

 

به ولديه نلتمس الـتـمـامـا

تمام مودة المـهـدي حـتـى

 

تروا راياتنا تترى نـظـامـا

وقال كثير في ذلك:

ألا إن الأئمة من قـريشٍ

 

ولاة الحق أربعة سـواء

عليٌ والثلاثة من بـنـيه

 

هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبطٌ سبط إيمـان وبـرٍ

 

وسبطٌ غيبتـه كـربـلاء

وسبطٌ لا تراه العين حتـى

 

يقود الخيل يقدمها اللـواء

تغيب لا يرى عنه زمانـاً

 

برضوى عنده عسلٌ وماء

شعره في ابن الحنفية حين سجنه ابن الزبير في سجن عارم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الحارث بن محمد عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: كان عبد الله بن الزبير قد أغري ببني هاشم يتبعهم بكل مكروه ويغري بهم ويخطب بهم على المنابر ويصرح ويعرض بذكرهم. فربما عارضه ابن عباس وغيره منهم. ثم بدا له فيهم فحبس ابن الحنفية في سجن عارمٍ ، ثم جمعه وسائر من كان بحضرته من بني هاشم، فجعلهم في محبس وملأه حطباً وأضرم فيه النار. وقد كان بلغه أن أبا عبد الله الجدلي وسائر شيعة ابن الحنفية قد وافوا لنصرته ومحاربة ابن الزبير، فكان ذلك سبب إيقاعه به. وبلغ أبا عبد الله الخبر فوافى ساعة أضرمت النار عليهم فأطفأها واستنقذهم، وأخرج ابن الحنفية عن جوار ابن الزبير منذ يومئذٍ. فأنشدها محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدنا محمد بن حبيب لكثير يذكر ابن الحنفية وقد حبسه ابن الزبير في سجن يقال له سجن عارم:

من ير هذا الشيخ بالخيف من منىً

 

من الناس يعلم أنه غير ظـالـم

سمي النبي المصطفى وابن عمه

 

وفكاك أغلالٍ ونـفـاع غـارم

أبي فهو لا يشري هدىً بضـلالةٍ

 

ولا يتقي في الـلـه لـومة لائم

ونحن بحمد الله نتلـو كـتـابـه

 

حلولاً بهذا الخيف خيف المحارم

بحيث الحمام آمن الروع ساكـنٌ

 

وحيث العدو كالصديق المسالـم

فما فرح الدنيا بـبـاقٍ لأهـلـه

 

ولا شدة البلوى بـضـربة لازم

تخبر مـن لاقـيت أنـك عـائذٌ

 

بل العائذ المظلوم في سجن عارم

أنشد علي بن عبد الله شعراً له في ابن الحنفية وحديثه معه: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال حدثنا يحيى بن الحسن العلوي قال حدثنا الزبير بن بكار، وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن سعيد عن عقبة الجهني عن أبيه قال: سمعت كثيراً ينشد علي بن عبد الله بن جعفر قوله في محمد بن الحنفية:

أقر اللـه عـينـي إذ دعـانـي

 

أمين الله يلطف في الـسـؤال

وأثنى في هواي علـي خـيراً

 

وساءل عن بني وكيف حالـي

وكيف ذكرت حال أبي خبـيبٍ

 

وزلة فعله عـنـد الـسـؤال

هو المهدي خبـرنـاه كـعـبٌ

 

أخو الأحبار في الحقب الخوالي

فقال له علي بن عبد الله: ياأبا صخر، ما يثني عليك في هواك خيراً إلا من كان على مثل مذهبك. قال: أجل بأبي أنت وأمي !. قال: وكان كثير كيسانياً يرى الرجعة. قال الزبير: أبو خبيب عبد الله بن الزبير، كناه بابنه خبيب وهو أكبر ولده، وكان كثير سيئ الرأي فيه. قال الزبير: فأخبرني عمي قال: لما قال كثير:

هو المهدي خبـرنـاه كـعـبٌ

 

أخو الأحبار في الحقب الخوالي

فقيل له: ألقيت كعباً؟ قال: لا. قيل: فلم قلت خبرناه كعب؟ قال: بالتوهم.

غلوه في التشيع والقول بالرجعة وأخبار له في ذلك: قال: وكان كثير شيعياً غالياً يزعم أن الأرواح تتناسخ، ويحتج بقول الله تعالى: ” في أي صورةٍ ما شاء ركبك ” ويقول: ألا ترى أنه حوله من صورة في صورة !.

قال: فحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة قال: خندفٌ الأسدي الذي أدخل كثيراً في الخشبية.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي عن محمد ابن معن الغفاري قال: كنا بالسيالة في مشيخةٍ نتحدث، إذا بكثير قد طلع علينا متكئاً على عصاه.

فقال: كنا ببيداء فأشرف السيالة وبهذه الناحية، فما بقي موضع ببيداء إلا وقد جئته، فإذا هو على حاله ما تغير وما تغيرت الجبال ولا الموضع الذي كنا نطوف فيه، وهذا يكون حتى نرجع إليه. وكان يؤمن بالرجعة.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد قال: دخل عبد الله بن حسن على كثير يعوده في مرضه الذي بات فيه. فقال له كثير: أبشر ! فكأنك بي بعد أربعين ليلة قد طلعت عليك على فرس عتيق. فقال له عبد الله بن حسن: مالك عليك لعنة الله ! فوالله لئن مت لا أشهدك ولا أعودك ولا أكلمك أبداً.

كان أبو هاشم يتجسس أخباره

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني يحيى بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز أحسبه عن أبن الماجشون قال: وكان أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي قد وضع الأرصاد على كثير فلا يزال يؤتى بالخبر من حبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا وكنت في كذا، إلى أن جرى بين كثير وبين رجل كلامٌ فأتي به أبو هاشم. فأقبل به على أدراجه ، فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا وكذا وقال لك كذا وكذا. فقال له كثير: أشهد أنك رسول الله.

كان يقول عن الأطفال من آل البيت إنهم الأنبياء الصغار: أخبرنا محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا محمد، وأخبرنا ! الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل عن موسى بن عبد الله فيما أحسب قال: نظر كثير إلى بني حسن بن حسن وهم صغار فقال: بأبي أنتم ! هؤلاء الأنبياء الصغار. وكان يرى الرجعة. وروى علي بن بشر بن سعيد الرازي عن محمد بن حميد عن أبي زهير عبد الرحمن بن مغراء الدوسي عن محمد بن عمارة قال: مر كثير بمعاوية بن عبد الله بن جعفر وهو في المكتب، فأكب عليه يقبله وقال: أنت من الأنبياء الصغار ورب الكعبة !.

أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا قعنب بن المحرز قال حدثني إبراهيم بن داجة قال: كان كثير شيعياً، وكان يأتي ولد حسن بن حسن إذا أخذ عطاءه، فيهب لهم الدراهم ويقول: وا بأبي الأنبياء الصغار ! وكان يؤمن بالرجعة. فيقول له محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو أخوهم لأمهم ،: يا عم هب لي، فيقول: لا ! لست من الشجرة.
كان عمرو بن عبد العزيز يعرف بحبه صلاح بن هاشم و فسادهم: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عثمان بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبيد الله قال: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم من فسادهم بحب كثير: من أحبه منهم فهو فاسد، ومن أبغضه فهو صالح، لأنه كان خشبياً يقول بالرجعة.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن أبي لهيعة عن رجاء بن حيوة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: إن مما أعتبر به صلاح بني هاشم وفسادهم حب كثير، ثم ذكر مثله.

قال لعمته إنه يونس بن متى: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا علي بن صالح عن ابن دأب قال: كان كثير يدخل على عمه له برزة فتكرمه وتطرح له وسادةً يجلس عليها. قال لها يوماُ: لا والله ما تعرفينني ولا تكرمينني حق كرامتي ! قالت: بلى والله إني لأعرفك. فقال: فمن أنا؟ قالت: ابن فلان وابن فلانة، وجعلت تمدح أباه وأمه. فقال: قد عرفت أنك لا تعرفينني. قالت: فمن أنت؟ قال: أنا يونس بن متى.

كان عاقاً لأبيه: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني أبي قال: كان كثير عاقاً لأبيه ، وكان أبوه قد أصابته قرحةٌ في إصبع من أصابع يده. فقال له كثير: أتدري لم أصابتك هذه القرحة في إصبعك؟ قال: لا أدري قال: مما ترفعها إلى الله في يمين كاذبة.

ضافه مزني وذمه بأنه لم يقم لصلاة الصبح: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه وغيره قال حدثني رجل من مزينة قال: ضفت كثيراً ليلة وبت عنده ثم تحدثنا ونمنا. فلما طلع الفجر تضور ، ثم قمت فتوضأت وصليت وكثير راقد في لحافه. فلما طلع قرن الشمس تضور ثم قال: يا جارية اسجري لي ماء. قال قلت: تباً لك سائر اليوم ! أو هذه الساعة هذا! وركبت راحلتي وتركته. قال الزبير: أسخني لي ماء.

كان يهزأ به ويصدق ما يسمع عن نفسه: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران المحمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبيد الله قال: ما رأيت قط أحمق من كثير. دخلت عليه يوماً في نفر من قريش وكنا كثيراً ما نتهزأ به، وكان يتشيع تشيعاً قبيحاً. فقلت له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ وهو مريض، فقال: أجدني ذاهباً. فقلت: كلا ! فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ فقلت: نعم ! يتحدثون أنك الدجال. قال: أما لئن قلت ذاك إني لأجد في عيني ضعفاً منذ أيام.

كان تياهاً ويستحمقه فتيان المدينة لذلك: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران: أن ناساً من أهل المدينة كانوا يلعبون بكثير فيقولون وهو يسمع: إن كثيراً لا يلتفت من تيهه. فكان الرجل يأتيه من ورأه فيأخذ رداءه فلا يلتفت من الكبر ويمضي في قميصه.

سأله عبد الملك عن شيء وحلفه بأبي تراب: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: بلغني أن كثيراً دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن شيء فأخبره به. فقال وحق علي بن أبي طالب إنه كما ذكرت؟ قال كثير: يا أمير المؤمنين، لو سألتني بحقك لصدقتك. قال: لا أسألك إلا بحق أبي تراب . فحلف له به فرضي.

تمثل عبد الملك بشعر له حين منعته عاتكة من الخروج لحرب مصعب وحديثه معه عن هذه الحرب: أخبرنا الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني عثمان بن عبد الرحمن، وأخبرنا محمد بن جعفر النحوي قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة، وأخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا المؤملي عن ابن أبي عبيدة، قالوا جميعاً. لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب لاذت به عاتكة بنت يزيد بن معاويه وهي أم ابنه يزيد، وقالت: يا أمير المؤمنين، لا تخرج السنة لحرب مصعب، فإن آل الزبير ذكروا خروجك، وابعث إليها الجيوش، وبكت وبكى جواريها معها. وجلس وقال: قاتل الله ابن أبي جمعة ! فأين قوله: صوت

إذا ما أراد الغزو لم تثن همه

 

حصانٌ عليها عقد درٍ يزينها

نهته فلما لم تر النهي عاقـه

 

بكت فبكى مما شجاها قطينها

غناه ابن سريج ثاني ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق والله لكنه يراني ويراك يا عاتكة، ثم خرج. قال محمد بن جعفر النحوي في خبره ووافقه عليه عمر بن شبة: فلما خرج عبد الملك نظر إلى كثير في ناحية عسكره يسير مطرقاً، فدعا به وقال: لأعلم ما أسكتك وألقى عليك بثك، فإن أخبرتك عنه أتصدقني؟ قال نعم ! قال: وحق أبي تراب لتصدقني، قال: والله لأصدقنك. قال: لا أو تحلف به، فحلف به. فقال تقول: رجلان من قريش يلقي أحدهما صاحبه فيحاربه، القاتل والمقتول في النار، فما معنى سيرى مع أحدهما إلى الآخر ولا آمن سهماً عائراً لعله أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما ! قال: والله يا أمير المؤمنين ما أخطأت. قال: فارجع من قريب، وأمر له بجائزة.

بكى لقتل آل المهلب فزجره يزيد وضحك منه: أخبرنا وكيع قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثنا أبو تمام الطائي حبيب بن أوس قال حدثني العطاف بن هارون عن يحيى عن حمزة قاضي دمشق قال حدثني حفص الأموي قال: كنت أختلف إلى كثير أتروى شعره. قال: فوالله إني لعنده يوماً إذا وقف عليه واقف فقال: قتل آل المهلب بالعقر . فقال: ما أجل الخطب ! ضحى آل أبي سفيان بالدين يوم الطف، وضحى بنو مروان بالكرم يوم العقر ! ثم انتضحت عيناه باكياً. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به. فلما دخل عليه قال: عليك لعنة الله ! أترابيةً وعصبية ! وجعل يضحك منه.

سأله عبد الملك عن أشعر الناس فأجابه: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد عن أبيه قال: قال عبد الملك بن مروان لكثير: من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر؟ قال: من يروي أمير المؤمنين شعره. فقال عبد الملك: أما إنك لمنهم.

جواب عبد الملك له وقد سأله عن شعره: أخبرنا وكيع قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثنا حماد بن إسحاق عن ابن أبي عوف عن عوانة قال: قال كثير لعبد الملك: كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين؟ قال أراه يسبق السحر، ويغلب الشعر.
كان عبد الملك يروي أولاده شعره: أخبرنا عمي عن الكراني عن النضر بن عمر قال: كان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كثير إلى مؤدب ولده مختوماً يرويهم إياه ويرده.

نزل مرعي لإبله فضيق عليه أهله فذم جوارهم: أخبرنا الحرمي قال أخبرنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن خالد الجهني: أن كثيراً شب في حجر عمٍ له صالح، فلما بلغ الحلم أشفق عليه أن يسفه، وكان غير جيد الرأي ولا حسن النظر في عواقب الأمور. فاشترى له عمه قطيعاً من الإبل وأنزله فرش ملل فكان به، ثم ارتفع فنزل فرع المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بن جبل جهينة الأصغر، وكان قبل المسور لبني مالك بن أفصى، فضيقوا على كثير وأساءوا جواره، فانتقل عنهم وقال:

أبت إبلي ماء الـرداة وشـفـهـا

 

بنو العم يحمون النضيح المبـردا

وما يمنعون المـاء إلا ضـنـانةً

 

بأصلاب عسرى شوكها قد تخددا

فعادت فلم تجهد على فضل مـائه

 

رياحاً ولا سقيا ابن طلق بن أسعدا

قال: ويروى أنه أول شعر قاله.
روايته عن بدء قوله الشعر: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي قال: قال كثير: ما قلت الشعر حتى قولته. قيل له: وكيف ذاك؟ قال: بينا أنا يوماً نصف النهار أسير على بعيرٍ لي بالغميم أو بقاع حمدان ، إذا راكبٌ قد دنا مني حتى صار على جنبي، فتأملته فإذا هو صفر وهو يجر نفسه في الأرض جراً. فقال لي: قل الشعر وألقاه عليه. قلت: من أنت؟ قال: أنا قرينك من الجن. فقلت الشعر.

عزة عشيقته وأول عشقه لها: ونسب كثير لكثرة تشبيبه بعزة الضمرية إليها، وعرف بها فقيل كثير عزة. وهي عزة بنت حميل بن وقاص. أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الحسن قال: أبو بصرة الغفاري المحدث واسمه حميل بن وقاص هو أبو عزة التي كان ينسب بها كثير. وكان ابتداء عشقه إياها على أنه قد قيل: إنه كان في ذلك كاذباً ولم يكن بعاشق، وذلك يذكر بعد خبره معها فيما أخبرني به الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن إبراهيم السعدي قال حدثني إبراهيم بن يعقوب بن جميع الخزاعي: أنه كان أول عشق كثير عزة أن كثيراً مر بنسوة من بني ضمرة ومعه جلب غنم، فأرسلن إليه عزة وهي صغيرة، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا كبشاً من هذه الغنم وأنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشاً وأعجبته. فلما رجع جاءته امرأة منهن بدراهمه، فقال: وأين الصبية التي أخذت مني الكبش؟ قالت: وما تصنع بها ! هذه دراهمك. قال: لا آخذ دراهمي إلا ممن دفعت الكبش إليها. وخرج وهو يقول:

قضى كل ذي دينٍ فوفى غريمه

 

وعزة ممطولٌ معنىً غريمهـا

قال: فكان أول لقائه إياها.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن الخضر بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبي جندل عن أبيه عبد العزيز الخزاعي وأمه جمعة بنت كثير عن أمه جمعة عن أبيها كثير: أن أول علاقته بعزة أنه خرج من منزله يسوق خلف غنمٍ إلى الجار ، فلما كان بالخبت وقف على نسوةٍ من بني ضمرة فسألهن عن الماء، فقلن لعزة وهي جارية حين كعب ثدياها: أرشديه إلى الماء، فأرشدته وأعجبته. فبينا هو يسقى غنمه إذ جاءته عزة بدراهم، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا بهذه الدراهم كبشاً من ضأنك: فأمر الغلام فدفع إليها كبشاً، وقال: ردي الدراهم وقولي لهن: إذا رحت بكن اقتضيت حقي.. فلما راح مر بهن، فقلن له: هذا حقك فخذه. فقال: عزة غريمي ، ولست أقتضي حقي إلا منها. فمزحن معه وقلن: ويحك ! عزة جارية صغيرة وليس فيها وفاء لحقك فأحله إلى إحدانا فإنها أملأ به منها وأسرع له أداء. فقال: ما أنا بمحيلٍ حقي عنها. ومضى لوجهه، ثم رجع إليهن حين فرغ من بيع جلبه فأنشدهن فيها:

نظرت إليها نظرةً وهي عاتـقٌ

 

على حين أن شبت وبان نهودها

وقد درعوها وهي ذات مؤصدٍ

 

مجوبٍ ولما يلبس الدرع ريدها

من الخفرات البيض ود جليسها

 

إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها

في هذا البيت وأبيات أخر معه غناءٌ يذكر بعد تمام هذا الخبر وما يضاف إليه من جنسه. وأنشدهن أيضاً:

قضى كل ذي دينٍ فوفى غريمه

 

وعزة ممطولٌ معنىً غريمهـا

فقلن له: أبيت إلا عزة ! وأبرزنها إليه وهي كارهة. ثم أحبته عزة بعد ذلك أشد من حبه إياها. قال الزبير: فسألت محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الخزاعي المعروف بأبي جندل عن هذا الحديث، فعرفه وحدثنيه عن أبيه عن جده عبد العزيز بن أبي جندل عن أمه جمعة بنت كثير عن أبيها.

سؤال عبد الملك لعزة عن كثير وسبب إعجابه بها: وأخبرني عمي الحسن بن محمد الأصفهاني رحمه الله قال حدثني محمد بن سعد الكراني قال حدثنا النضر بن عمرو قال حدثني عمر بن عبد الله بن خالد المعيطي، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إبراهيم بن إسحاق الطلحي، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني يعقوب بن عبد الله الأسدي وغيره، قال الزبير وحدثني محمد بن صالح الأسلمي قال: دخلت عزة على عبد الملك بن مروان وقد عجزت، فقال لها أنت عزة كثير ! فقالت: أبا عزة بنت حميل. قال: أنت التي يقول لك كثير:

لعزة نارٌ ما تبـوخ كـأنـهـا

 

إذا ما رمقناها من البعد كوكب

فما الذي أعجبه منك؟ قالت: كلا يا أمير المؤمنين ! فوالله لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة القرة. وفي حديث محمد بن صالح الأسلمي: فقالت له: أعجبه مني ما أعجب المسلمين منك حين صيروك خليفة. قال: وكانت له سن سوداء يخفيها، فضحك حتى بدت. فقالت له: هذا الذي أردت أن أبديه. فقال لها: هل تروين قول كثير فيك:

وقد زعمت أني تغيرت بعدها

 

ومن ذا الذي يا عز لا يتغير

تغير جسمي والخليفة كالتـي

 

عهدت ولم يخبر بسرك مخبر

قالت لا ! ولكني أروي قوله:

كأني أنادي صخرةً حين أعرضـت

 

من الصم لو تمشي بها العصم زلت

صفوحاً فما تلقاك إلا بـخـيلةً

 

فمن مل منها ذلك الوصل ملت

فأمر بها فأدخلت على عاتكة بنت يزيد وفي غير هذه الرواية: أنها أدخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فقالت لها: أرأيت قول كثير:

قضى كل ذي دينٍ فوفى غريمه

 

وعزة ممطول معنىً غريمهـا

ما هذا الذي ذكره؟ قالت: قبلةٌ وعدته إياها. قالت: أنجزيها وعلي إثمها.

قصة غلام له مع عزة وإعتاقه بسبب ذلك: أخبرنا الحسن بن الطيب البجلي الشجاعي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال روى ابن جعدبة عن أشياخه، وأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو بكر بن يزيد بن عياض بن جعدبة عن أبيه.

أن كثيراً كان له غلام تاجر، فباع من عزة بعض سلعه ومطلته مدة وهو لا يعرفها. فقال لها يوماً: أنت والله كما قال مولاي:

قضى كل ذي دينٍ فوفى غريمه

 

وعزة ممطولٌ معنىً غريمهـا

فانصرف عنه خجلة. فقالت له امرأة: أتعرف عزة؟ قال: لا والله !. قالت: فهذه والله عزة. فقال: لا جرم والله لا آخذ منها شيئاً ولا أقتضيها. ورجع إلى كثير فأخبره بذلك، فأعتقه ووهب له المال الذي كان في يده.

لقيت قسيمة بنت عياض عزة ووصفتها: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن حكيم السلمي عن قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلمية، وكنيتها أم البنين، قالت: سارت علينا عزة في جماعة من قومها بين يدي يربوع وجهينة، فسمعنا بها، فاجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئناها فرأينا امرأة حلوةً حميراء نظيفة، فتضاءلنا لها، ومعها نسوةٌ كلهن لها عليهن فضلٌ من الجمال والخلق، إلى أن تحدثت ساعةً فإذا هي أبرع الناس وأحلاهم حديثاً، فما فارقناها إلا ولها علينا الفضل في أعيننا، وما نرى في الدنيا امرأة تروقها جمالاً وحسناً وحلاوة.

سأل عبد الملك كثيراً عن أعجب خبر له مع عزة فذكر له ملاقاتها له مع زوجها إذ أمرها بشتمه: أخبرني عمي قال حدثني الفضل اليزيدي عن إسحاق الموصلي عن أبي نصر شيخ له عن الهيثم بن عدي: أن عبد الملك سأل كثيراً عن أعجب خبر له مع عزة، فقال: حججت سنًة من السنين وحج زوج عزة بها، ولم يعلم أحد منا بصاحبه. فلما كنا ببعض الطريق أمرها زوجها ببتياع سمن تصلح به طعاماً لأهل رفقته، فجعلت تدور الخيام خيمةً خيمةً حتى دخلت إلي وهي لا تعلم إنها خيمتي، وكنت أبري أسهماً لي. فلما رأيتها جعلت أبري وأنا انظر إليها ولا أعلم حتى بريت عظامي مرات ولا أشعر به والدم يجري. فلما تبينت ذلك دخلت إلي فأمسكت يدي وجعلت تمسح الدم عنها بثوبها، وكان عندي نحيٌ من سمن، فحلفت لتأخذنه، فأخذته وجاءت إلى زوجها بالسمن. فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف لتصدقنه فصدقته، فضربها وحلف لتشتمني في وجهي. فوقفت علي وهو معها فقالت لي: يا بن الزانية وهي تبكي، ثم انصرفا. فذلك حين أقول:

يكلفها الخنزير شتمي وما بها

 

هواني ولكن للمليك استذلت

نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء: صوت

خليلي هذا رسـم عـزة فـاعـقـلا

 

قلوصيكما ثم ابكـيا حـيث حـلـت

وما كنت أدري قبل عزة ما البـكـى

 

وما موجعات القلب حتـى تـولـت

فليت قلوصي عـنـد عـزة قـيدت

 

بحبل ضعيفٍ بان منها فـضـلـت

وأصبح في القوم المقيمين رحلـهـا

 

وكان لهـا بـاغٍ سـواي فـبـلـت

فقلت لـهـا ياعـز كـل مـصـيبة

 

إذا وطنت يوماً لها النـفـس ذلـت

أسيئي بنا أو أحسـنـي، لا مـلـومٌة

 

لدينـا ولا مـقـلـيةٌ إن تـقـلـت

هنيئاً مـريئاً غـير داءٍ مـخـامـرٍ

 

لعزة من أعراضنا ما استـحـلـت

تمنيتـهـا حـتـى إذا مـا رأيتـهـا

 

رأيت المنايا شرعـاً قـد أظـلـت

كأني أنادي صخرةً حين أعـرضـت

 

من الصم لو تمشي بها العصم ذلـت

صفوحاً فما تـلـقـاك إلا بـخـيلةً

 

فمن مل مها ذلك الوصـل مـلـت

أصاب الردى أن كان يهوى لك الردى

 

وجن اللواتي قلـن عـزة جـنـت

عروضه من الطويل. غنى معبد في الخمسة الأول ثقيلاً أول بالوسطى. وغنى إبراهيم في الثالث والرابع ثقيلاً أول بالبنصر عن عمرو، وغنى في هنيئاً مريئاً والذي بعده خفيف رملٍ بالوسطى. وغنى إبراهيم في الخامس وما بعده ثاني ثقيل. وذكر الهشامي أن لابن سريج في هنيئاً مريئاً وما بعده ثاني ثقيل بالبنصر. وذكر أحمد بن المكي أن لإبراهيم في ” كأني أنادي ” والذي بعده وفي أسيئي بنا أو أحسني هزجاً بالسبابة في مجرى البنصر، ولإسحاق فيه هزج آخر به ” . ولعريب في ” كأني أنادي أيضاً رمل. ولإسحاق في وما كنت أدري ثقيل أول. وله في أصاب الردى ثقيل أول أخر، وقيل: إن لإبراهيم في فقلت لها يا عز خفيف ثقيل ينسب إلى دحمان وإلى سياط.

اجتمعا ذات ليلة ووصف ذلك صديق له: أخبرني الحرمي وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير قال حدثنا يعقوب بن حكيم عن إبراهيم بن أبي عمرو الجهني عن أبيه قال: سارت علينا عزة في جماعة من قومها، فنزلت حيالنا، فجاءني كثير ذات يوم فقال لي: أريد أن أكون عندك اليوم فاذهب إلى عزة، فصرت به إلى منزلي. فأقام عندي حتى كان العشاء، ثم أرسلني إليها وأعطاني خاتمه وقال: إذا سلمت فاستخرج إليك جارية، فادفع إليها خاتمي وأعلمها مكاني. فجئت بيتها فسلمت فخرجت إلي الجارية فأعطيتها الخاتم. فقالت: أين الموعد؟ قلت: صخرات أبي عبيد الليلة، فواعدتها هناك، فرجعت إليه فأعلمته. فلما أمسى قال لي: انهض بنا، فنهضنا فجلسنا هناك نتحدث حتى جاءت من الليل فجلست فتحدثا فاطألا، فذهبت لأقوم. فقال لي: إلى أين تذهب؟ فقلت: أخليكما ساعة لعلكما تتحدثان ببعض ماتكتمان. قال لي: إجلس ! فوالله ما كان بيننا شيء قط. فجلست وهما يتحدثان وإن بينهما لثمامةً عظيمه هي من ورائها جالسة حتى أسحرنا، ثم قامت فانصرفت، وقمت أنا وهو فظل عندي حتى أمسى ثم انطلق.

سامته سكينة بجمله فلما رأى عزة معها تركه لهم: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا إسحق بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي قال: خرج كثير في الحاج بجمل له يبيعه، فمر بسكينة بنت الحسين ومعها عزة وهو لا يعرفها. فقالت سكينة: هذا كثير فسوموه بالجمل، فساموه فاستام مائتي درهم فقالت: ضع عنا فأبى. فدعت له بتمر وزبد فأكل، ثم قالت له: ضع عنا كذا وكذا لشيء يسير فأبى. فقالوا: قد أكلت يا كثير بأكثر مما نسألك ! فقال: ما أنا بواضعٍ شيئاً. فقالت سكينة: اكشفوا، فكشفوا عنها وعن عزة. فلما رأهما استحيا وانصرف وهو يقول: هو لكم هو لكم !.

قال بعض الرواة أنه لم يكن صادقاً في عشقه: من ذكر أن كثيراً كان يكذب في عشقه: أخبرنا أبو خليفة قال حدثنا ابن سلام قال: كان كثير مدعياً ولم يكن عاشقاً، وكان جميلٌ صادق الصبابة والعشق.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال زعم إسحاق بن إبراهيم أنه سمع أبا عبيدة يقول كان جميل يصدق في حبه، وكلن كثير يكذب.

ومما وجدناه في أخباره ولم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزة ذات يوم وهي منتقبة تميس في مشيتها، فلم يعرفها كثير فاتبعها وقال: يا سيدتي ! قفي حتى أكلمك فاني لم أر مثلك قط، فمن أنت ويحك؟ قالت: ويحك ! وهل تركت عزة فيك بقية لأحد؟ قال: بأبي أنت ! والله لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك.

قالت: فهل لك في المخاللة؟ قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: إني وكيف بما قلت في عزة؟! قال: أقلبه فأحوله إليك. فسفرت عن وجهها ثم قالت: أغدراً يا فاسق وإنك لهكذا ! فأبلس ! ولم ينطق وبهت. فلما مضت أنشأ يقول:

ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي

 

من السم جدحاتٌ بماء الذرارح

فمت ولم تعلم عـلـي خـيانة

 

وكم طالبٍ للريح ليس برابـح

أبوء بذنبي إنني قد ظلمـتـهـا

 

وإنني بباقي سرها غير بـائح

لقي عزة في طريقه إلى مصر وتعاتبا: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال زعم ابن الكلبي عن أبي المقوم قال أخبرني سائب راوية كثير قال: خرجت معه نريد مصر، فمررنا بالماء الذي فيه عزة فإذا هي في خباء، فسلمنا جميعاً، فقالت عزة: وعليك السلام يا سائب. ثم أقبلت على كثير فقالت: ويحك ! ألا تتقي الله ! أرأيت قولك:

بآية ما أتيتـك أم عـمـرو

 

فقمت لحاجتي والبيت خالي

أخلوت معك في بيت أو غير بيت قط ؟! قال. لم أقله، ولكنني قلت:

فأقسم لو أتيت البحر يومـاً

 

لأشرب ما سقتني من بلال

وأقسم إن حبك إم عمـرو

 

لداءٌ عند منقطع السعـال

قالت: أما هذا فنعم. فأتينا عبد العزيز ثم عدنا فقال كثير: عليك السلام يا عزة قالت: عليك السلام يا جمل فقال كثير.
صوت

حيتك عزة بعد الهجر فانصرفت

 

فحي ويحك من حياك يا جمـل

لو كنت حييتها ما زلت ذامـقة

 

عندي وما مسك الإدلاج والعمل

ليت التحية كانت لي فأشكرهـا

 

ما كان يا جملٌ حييت يا رجـل

ذكر يونس أن في هذه الأبيات غناء لمعبد. وذكر الهشامي أن فيها لبثينة خفيف رمل بالبنصر. وذكر حبش أن فيها للغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى، ولإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

قصته مع أم الحويرث الخزاعية وحديث عشقه لها: أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني علي بن محمد البرمكي قال حدثني إبراهيم بن المهدي قال: قدم علي هشام بن محمد الكلبي فسألته عن العشاق يوماً فحدثني قال: تعشق كثير امرأة من خزاعة يقال لها أم الحويرث فنسب بها، وكرهت أن يسمع بها ويفضحها كما سمع بعزة، فقالت له: إنك رجلٌ فقير لا مال لك، فابتغ مالاً يعفى عليك ثم تعال فاخطبني كما يخطب الكرام. قال: فاحلفي لي ووثقي إنك لا تتزوجين حتى أقدم عليك، فحلفت ووثقت له. فمدح عبد الرحمن بن إبريق الأزدي، فخرج إليه، فلقيته ظباءٌ سوانح ولقي غراباً يفحص التراب بوجهه، فتطير من ذلك حتى قدم على حي من لهب فقال: أيكم يزجر؟ فقالوا: كلنا، فمن تريد؟ قال: أعلمكم بذاك. قالوا: ذاك الشيخ المنحني الصلب. فأتاه فقص عليه القصة، فكره ذلك له وقال له: قد توفيت أو تزوجت رجلاً من بني عمها. فأنشأ يقول: صوت

تيممت لهباً أبتغي العلـم عـنـدهـم

 

وقد رد علم العائفـين إلـى لـهـب

تيممت شيخـاً مـنـهـم ذا بـجـالةٍ

 

بصيراً بزجر الطير منحنى الصلـب

فقلت له ماذا تـرى فـي سـوانـحٍ

 

وصوت غرابٍ يفحص الوجه بالترب

فقال جرى الطير السنيح بـبـينـهـا

 

وقال غرابٌ جد منهمر الـسـكـب

فإلا تكن ماتت فقـد حـال دونـهـا

 

سواك خليلٌ باطنٌ من بني كـعـب

غناه مالك من رواية يونس ولم يجنسه قال: فمدح الرجل الأزدي ثم أتاه فأصاب منه خيراً كثيراً، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلاً من بني كعب، فأخذه الهلاس ، فكشح جنباه بالنار. فلما اندمل من علته وضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: إنه أخذك الهلاس وزعم الأطباء أنه لا علاج لك إلا الكشح بالنار فكشحت بالنار. فأنشأ يقول: صوت

عفا الله عن أم الحويرث ذنبها

 

علام تعنيني وتكمـي دوائيا

فلو آذنوني قبل أن يرقموا بها

 

لقلت لهم أم الحـويرث دائيا

-في هذين البيتين لمالك ثقيلٌ أول بالوسطى. ولآبن سريج رملٌ بالبنصر كلاهما عن عمر والهشامي. وقيل: إن فيهما لمعبد لحنا وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزاه بالرواية فذكر نحو هذا وقال فيه: إنه قصد ابن الأزرق بن حفص بن المغيرة المخزومي الذي كان باليمن، وإنه فعل ذلك بعد موت عزة. وسائر الخبر متقارب.

سأله ابن جعفر عن سبب هزاله فأجابه: وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن إسماعيل الجعفري عن محمد بن سليمان بن فليح أو فليح بن سليمان أنا شككت عن أبيه عن جده قال: جاء كثير إلى عبد الله بن جعفر وقد نحل وتغير. فقال له عبد الله: مالي أراك متغيراً يا أبا صخر؟ قال: هذا ما عملت بي أم الحويرث، ثم ألقى قميصه فإذا به صار مثل القش وإذا به آثار من كيٍ، ثم أنشد:

عفا الله عن أم الحويرث ذنبها

الأبيات.
أغرت عزة به بثينة لتتبين حاله: أخبرني عمي قال حدثني ابن أبيٍ قال حدثني الحزامي عمن حدثه من أهل قديد : أن عزة قالت لبثينة: تصدي لكثير وأطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به. فأقبلت إليه وعزة تمشي وراءها مختفيةً، فعرضت عليه الوصل، فقاربها ثم قال:

رمتني على عمدٍ بثينة بعدما

 

تولى شبابي وارججن شبابها

وذكر أبياتاً أخر سقط من الكتاب ذكرها. فكشفت عزة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:

ولكنما ترمين نفساً مريضةً

 

لعزة منها صفوها ولبابها

فضحكت ثم قالت:أولى لك بها قد نجوت، وانصرفتا تتضاحكان.

قال لأهله إذ بكوا في مرضه سأرجع بعد أيام: أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري قال: بكى بعض أهل كثير عليه حين نزل به الموت. فقال له كثير: لا تبك، فكأنك بي بعد أربعين ليلةً تسمع خشفة نعلى من تلك الشعبة راجعاً إليكم.

مات هو وعكرمة في يوم واحد سنة 105: أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثني ابن جعدبة و أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: مات كثير وعكرمة مولى ابن عباس في يوم واحد، فاجتمعت قريش في جنازة كثير، ولم يوجد لعكرمة من يحمله.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن مصعب قال حدثني الواقدي قال حدثني خالد بن القاسم البياضي قال: مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي صاحب عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً صلي عليهما في يومٍ واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.

ما جرى في جنازته بين أبي جعفر الباقر وزينب بنت معيقب: وقال ابن أبي سعد الوراق حدثني رجاء بن سهل أبو نصر الصاغاني قال حدثنا يحيى بن غيلان قال حدثني المفضل بن فضالة عن يزيد بن عروة قال: مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد، فأخرجت جنازتاهما، فما علمت تخلفت امرأة بالمدينة ولا رجل عن جنازتيهما. قال: وقيل مات اليوم أشعر الناس وأعلم الناس. قال: وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه ويذكرن عزة في ندبتهن له. قال: فقال أبو جعفر محمد بن علي: افرجوا لي عن جنازة كثير لأرفها. قال: فجعلنا ندفع عنها النساء وجعل يضربهن محمد بن علي بكمه ويقول: تنحين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهن فقالت: يا بن رسول الله لقد صدقت، إنا لصواحبات يوسف وقد كنا له خير منكم له. قال: فقال: أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا. قال: فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرارة النار. فقال لها محمد بن علي: أنت القائلة إنكن ليوسف خير منا؟ قالت: نعم ! تؤمنني غضبك يا بن رسول الله؟ قال: أنت آمنةٌ من غضبي فأبيني. قالت: نحن يا بن رسول الله دعوناه إلى اللذات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم، وأنتم يا معشر الرجال ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان وحبستموه في السجن. فأينا كان عليه أحنى وبه أرأف ؟! فقال محمد: لله درك ! ولن تغالب إمراة إلا غلبت. ثم قال لها: ألك بعل؟ قالت: لي من الرجال من أنا بعله. قال: فقال أبو جعفر: صدقت، مثلك من تملك بعلها ولا يملكها. قال: فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه زينب بنت معيقب .
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء: صوت

نظرت إليها نظرةً وهـي عـاتـقٌ

 

على حين أنشبت وبان نـهـدوهـا

نظرت إليها نظـرة مـا يسـرنـي

 

بها حمر أنعام الـبـلاد وسـودهـا

وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضـهـا

 

أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جلـيسـهـا

 

إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعـيدهـا

عروضه من الطويل. البيت الأول لكثير. والثاني والثالث لنصيب من قصيدته التي أولها:

لقد هجرت سعدى وطال صدودها

غنى في البيت الثاني والثالث جحدر الراعي خفيف رمل بالبنصر. وغنى فيهما الهذلي رملاً بالوسطى. وغنى في الثالث والرابع دعامة ثقيلاً أول بالبنصر.

عمر الوادي يأخذ صوتاً من راعي غنم في شعر له: أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال عمر الوادي، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني مكين العذري قال: سمعت عمر الوادي يقول: بينا أنا أسير بين الروحاء والعرج إذ سمعت إنساناً يغني غناء لم أسمع قط مثله في بيتي كثير:

وكنت إذا ما جئت سعدى بأرضـهـا

 

أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جليسها

 

إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

قال: فكدت أسقط عن راحلتي طرباً، وقلت: والله لألتمسن الوصول إلى هذا الصوت ولو بذهاب عضو من أعضائي، فتيممت سمته فإذا راعٍ في غنم، فسألته إعادته عليه. قال: نعم ! ولو حضرني قرى أقريكه ما أعدته، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا غرثانٌ فأشبع، وعطشانٌ فأروى، ومستوحشٌ فآنس، وكسلانٌ فأنشط. قال: فأعادهما عليه حتى أخذتهما، فما كان زادي حتى ولجت المدينة غيرهما.

أخبار عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كان عالماً ومغنياً ونسب غنائه لجاريته شاجي ترفعاً: وهو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، ويكنى أبا أحمد. وله محلٌ من الأدب والتصرف في فنونه ورواية الشعر و قوله والعلم بالغة وأيام الناس وعلوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى والهندسة وغير ذلك مما يجل عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعةٌ في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدل على ما ذكرناه ها هنا من توصله ما عجز عنه الأوائل من جمع النغم كلها في صوت واحد تتبعه هو وأتى به على فضله فيها وطلبه لها. وكان المعتضد بالله، رحمة الله عليه، ربما كان أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناءً وبحضرته أكابر المغنين مثل القاسم بن زرزور وأحمد بن المكي ومن دونهما مثل أحمد بن أبي العلاء وطبقتهم، فيعدل عنهم إليه فيصنع فيها أحسن صنعة، ويترفع عن إظهار نفسه بذلك، ويومئ إلى أنه من صنعته جاريته شاجي ، وكانت إحدى المحسنات المبرزات المقدمات؛ وذلك بتخريجه وتأديبه، وكان بها معجباً ولها مقدماً.

كان المعتضد يتفقده لما رقت حاله وطلب منه جاريته ليسمع غناءها فأرسلها له: فأخبرني أحمد بن جعفر بن جحظة قال: لما أختلت حال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر كان المعتضد يتفقده بالصلات الفينة بعد الفينة. واتفق يوماً كان فيه مصطحباً أن غني بصوت الصنعة فيه لشاجي جارية عبيد الله؛ فكتب إليه كتاباً يقسم أن يأمرها بزيارته ففعل. قال: فحدثني من حضر من المغنيات ذلك المجلس بعد موت المعتضد قالت: دخلت إلينا وما منا إلا من يرفل في الحلي والحلل وهي في أثواب ليست كثيابنا، فاحتقرناها؛ فلما غنت احتقرنا أنفسنا. ةلم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل وصرنا كل شيء. قال: ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة. ودخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن أمرها وما رأت مما استظرفت وسمعت مما استغربت. فقالت: ما استحسنت هناك شيئاً ولا استغربته من غناءٍ ولا غيره إلا عوداً من عود محفور فإني استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمد عينه لشيء يستحسنه فيها إلا عوداً !.

كانت شاجي جاريته تلحن للمعتضد بعض الشعر: قال محمد بن الحسن الكاتب وحدثني النوشجاني قال: كان المعتضد إذا استحسن شعراً بعث به إلى شاجي جارية عبيد الله بن طاهر فتغنى فيه. قال: وكانت صنعتها تسمى في عصره غناء الدار.
ماتت شاجي فرثاها قال محمد بن الحسن: وماتت شاجي في حياة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وكان عليلاً، فقال يرثيها وله فيه صنعة من خفيف الثقيل الأول بالوسطى:

يميناً يقيناً لو بليت بـفـقـدهـا

 

وبي نبض عرقٍ للحياة أو النكس

لأوشكت قتل النفس قبل فراقهـا

 

ولكنها ماتت وقد ذهبت نفسـي

له كتاب الآداب الرفيعة في الغناء

ومن نادر صنعة عبيد الله وجيد شعره قوله وله فيه لحنان ثقيلٌ أول وهزجٌ، والثقيل الأول أجودهما:

أنفق إذا أيسرت غـير مـقـتـر

 

وأنفق على ماخيلت حين تعسـر

غير الجود يفنى المال والمال مقبلٌ

 

ولا البخل يبقي المال والجد مدبر

وأشعاره كثيرة جيدة كثيرة النادر والمختار. وكتابه في النغم وعلل الأغناي المسمى ” كتاب الآداب الرفيعة ” كتاب مشهور جليل الفائدة دالٌ على فضل مؤلفه.

قص عليه الزبير بن بكار قصة فاستحسنها وأمر له بمال: أخبرني جحظة قال حدثني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني موسى بن هارون، فيما أرى، قال: كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وقد جاءه الزبير بن بكار فأعلمه أن المتوكل أو المعتز – وأراه المعتز – بعث إلى أخيه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمر بإحضاره وتقليده القضاء. فقال الزبير بن بكار: قد بلغت هذه السن وأتولى القضاء ! أو بعد ما رويت أن من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين ! فقال له: فتلحق بأمير المؤمنين بسر من رأى، فقال له: أفعل. فأمر له بمال ينفقه، وبظهر يحمله ويحمل ثقله. ثم قال له إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا شيئاً قبل أن نفترق ! قال: نعم ! انصرفت من عمرة المحرم؛ فبينا أنا بأثايةٌ العرج، إذا أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت إليهم وإذا رجل كان يقنص الظباء وقد وقع ظبي في حبالته فذبحه، فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فنشب القرن فيه فمات. وأقبلت فتاة كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميتاً شهقت ثم قالت:

ياحسن لو بطلٌ لكـنـه أجـل

 

على الأثاية ما أودى به البطل

ياحسن جمع أحشائي وأقلقهـا

 

وذاك يا حسن لولا غيره جلل

أضحت فتاة نهـدٍ عـلانـيةً

 

وبعلها بين أيدي القوم محتمل

قال: ثم شهقت فماتت. فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، والرجل جريح ميت، والفتاة ميتة حرى .
فأمر له عبيد الله بمال آخر. ثم أقبل إليه أخيه محمد بن عبد الله بعد خروج الزبير فقال: أما إن الذي أخذناه من الفائدة في خبر حسن وفي قولها :

أضحت فتاة بني نهدٍ علانيةً

– تريد ظاهرة – أكثر عندي مما أعطيناه من الحباء والصلة. وقد أخبرني الحسين بن علي عن الدمشقي عن الزبير بخبر حسن فقط، ولم يذكر فيه من خبر عبيد الله شيئاً.

ومن الأصوات التي تجمع النغم العشر: صوت لحنه في شعر ابن هرمة يجمع النغم العشر: وهو يجمع النغم العشر كلها على غير توالٍ:

وإنك إذ أطعمتني منك بالرضا

 

وأيأستني من بعد ذلك بالغضب

كممكنة من ضرعها كف حالبٍ

 

ودافقة من بعد ذلك ما حلـب

عروضه من الطويل. الشعر لإبراهيم بن علي بن هرمة. والغناء في هذا اللحن الجامع للنغم لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى في مجراها وعليها ابتدأ الصوت.

أثبت في كتابه نقد أبي نواس لشعر لابن هرمة وشعر لجرير: وقال عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات حدثني بعض أصحابنا عن أبي نواس أنه قال: شاعران قالا بيتين وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه. فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع بيت الآخر، وأخذ بيت ذاك فجعل مع هذا لصار متفقاً معنى وتشبيهاً. فقلت له: أنى ذلك؟ فقال: قول جرير للفرزدق:

فإنك إذ تهجو تميماً وترتشي

 

تبابين قيس أو سحوق العمائم

كمهريق ما إن بالفلاة وغره

 

سرابٌ أذاعته رياح السمائم

وقول ابن هرمة:

وإني وتركي ندى الأكرمين

 

وقدحي بكفي زندا شحاحا

كتاركةٍ بيضها بالـعـراء

 

وملبسةٍ بيض أخرى جناحا

فلو قال جرير:

فإنك إذ تهجو تميماً وترتشي

 

تبابين قيس أو سحوق العمائم

كتاركةٍ بيضها بـالـعـراء

 

وملبسةٍ بيض أخرى جناحـا

لكان أشبه منه ببيته. ولو قال ابن هرمة مع بيته:

وإني وتركي ندى الأكرمين

 

وقدحي بكفي زندا شحاحـا

كمهريق ما إن بالفلاة وغره

 

سرابٌ أذاعته رياح السمائم

كان أشبه به. ثم قال: ولكن ابن هرمة قد تلافى ذلك بعد فقال:

وإنك إذ أطعمتني منك بالرضا

 

وأيأستني من بعد ذلك بالغضب

كممكنة من ضرعها كف حالبٍ

 

ودافقة من بعد ذلك ما حلـب

وقد أتى عبيد الله بن عبد الله بهذا الكلام بعينه في الآداب الرفيعة . وإنما أخذه من أبي نواس على ما روي عنه.
ومما يجمع النغم العشر صوت ابن أبي مطر في شعر نصيب: ووجدت في كتاب مؤلف في النغم غير مسمى الصانع: أن من الأصوات التي تجمع النغم العشر صوت ابن أبي مطر المكي في شعر نصيب وهو: صوت

ألا أيها الربع المقيم بـعـنـبـب

 

سقتك السوافي من مراح ومعزب

بذي هيدبٍ أما الربى تحت ودقـه

 

فتروي وأما كـل وادٍ فـيزعـب

عروضه من الطويل. ويروي الربع الخلاء بعنبب أي الخالي. وعنبب: موضع، ويروي سقتك الغوادي من مرادٍ”. والمراد. الموقع الذي يرتاد فيرعى فيه الكلأ. والمراح: الموضع الذي تروح إليه المواشي وتبيت فيه وفي الحديث أنه رخص في الصلاة في مراح الغنم ونهى عنها في أعطان الأبل. والمعزب: الموضع الذي يعزب فيه الرجل عن البيوت والمنازل. وأصل العزوب: البعد يقال عزب عنه رأيه وحلمه أي بعد، والعزب مأخوذ من ذلك وهيدب السماء أطرافٌ تراه في أذنابه كأنه معلق به. قال أوس بن حجر:

دانٍ مسفٌ فويق الأرض هيدبه

 

يكاد يدفعه من قام بـالـراح

ويزعب: يطفح، يقال: زعبه السيل إذا ملأه . الشعر لنصيب يقوله في عبد العزيز بن مروان.

وفد نصيب على عبد العزيز بن مروان ومدحه فأجازه: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني جميع بن علي النميري عن عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن النصيب، قال الزبير وكتب إلي بذلك عبد الله بن عبد العزيز يذكره عن عوضة بنت النصيب قالت: وفد أبي على عبد العزيز بن مروان بمصر، فوقف على الباب فاستأذن فلم يؤذن له. فأرسل إليه حاجبه فقال: استنشده، فإن كان شعره رديئاً فاردده، وإن كان جيداً فأدخله. فقال نصيب: قد جلبنا شيئاً للأمير، فإن قبله نشرناه عليه وإلا طويناه ورجعنا به. فقال عبد العزيز: إن هذا لكلام رجلٍ ذهنٍ، فأدخله. فلما واجهه أنشد قصيدته التي يقول فيها:

ألاهل أتى الصقر بن مروان أنـنـي

 

أرد لدي الأبواب عنـه وأحـجـب

وأني ثويت اليوم والأمـس قـبـلـه

 

على الباب حتى كادت الشمس تغرب

وأني إذا رمت الـدخـول تـردنـي

 

مهابة قيسٍ والرتاج الـمـضـبـب

قال: وكان حاجب عبد العزيز يسمى قيساً. قال: وتشبيب هذه القصيدة:

ألا أيها الربع المقيم بـعـنـبـبٍ

 

سقتك السواقي من مراحٍ ومعزب

قال: فلما دخل على عبد العزيز أعجب بشعره وأوجهه ، وقال للفرزدق: كيف تسمع هذا الشعر؟ قال: حسنٌ إلا من لغته. قال: هذا والله أشعر منك !. قال: وقال نصيب فيها أيضاً:

وأهلي بأرضٍ نازحـون ومـا لـهـم

 

كاسـبٌ غـيري ولا مـتـقـلــب

فهل تلحقنـيهـم بـعـبـلٍ مـواشـكٍ

 

على الأين من نجب ابن مروان أصهب

أبو بـكـرات إن أردت افـتـحـالـه

 

وذو ثبتاتٍ بـالـرديفـين مـتـعـب

فقال له عبد العزيز: ادخل على المهاري فخذ منها ما شئت، فلو كنت سألت غيره لأعطيته فدخل فرده الجمال. فقال عبد العزيز: دعه فإنما يأخذ الذي نعت، فأخذه.
قال الزبير وحدثني بعض أصحابنا عن محمد بن عبد العزيز قال: نزل عبد العزيز بن عبد الوهاب على المهدي بعنبب من وادي السراة الذي عنى نصيب بقوله:

ألا أيها الربع الخلاء بعنبب

والمهدي هو الذي يقول فيه الشاعر:

اسلمي يا دار من هند

 

بالسويقات إلى المهدي

صوت له يجمع ثماني نغم وقد مدحه إسحاق صوت وهو يجمع من النغم ثمانيا:

يا من لقلبٍ مقصـرٍ

 

ترك المنى لفواتهـا

وتظلف النفس التـي

 

قد كان من حاجاتها

وطلابك الحاجات من

 

سلمى ومن جاراتها

كتطرد العنس الذمو

 

ل الفضل من مثناتها

قوله: يا من لقلب مقصر تأسف على شبابه، ويدل على ذلك قوله:

وتظلف النفس التي

 

قد كان من حاجاتها

يقال:اظلف نفسك عن كذا أي أمنعها منه لئلا يكون لها أثر فيه. وهو مأخوذ من ظلف الأرض وهو المكان الذي لا أثر فيه. قال عوف بن الأحوص:

ألم أظلف عن الشعراء عرضي

 

كما ظلف الوسيفة بالـكـراع

الوسيقة: الجماعة من الأبل. يعني أنها تساق فلا يوجد لها أثر في الكراع، وهو منقطع الجبل. قال الشاعر:

أمست كراع الغميم موحـشةً

 

بعد الذي قد خلا، من العجب

وقوله:

كتطرد العنس الذمو

 

ل الفضل من مثناتها

يقول: طلابك هذه الحاجات ضلالٌ وتتابعٌ كتطرد العنس وهي الناقة المذكرة الخلق الفضل من مثناتها. والتطرد: التتبع، ومثله قول الشاعر:

خبطت الصبا خبط البعير خطامه

 

فلم أنتبه للشيب حتى عـلانـيا

الشعر لمسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وهذا الصوت يجمع من النغم ثمانيا، وكذلك ذكر إسحاق ووصف أنه لم يجمع شيءٌ من الغناء قديمه وحديثه إلى عصره من النغم ما جمعه هذا الصوت، ووصف أنه لو تلطف متلطف لأن يجمع النغم العشر في صوت واحد لأمكنه ذلك، بعد أن يكون فهماً بالصناعة طويل المعاناة لها وبعد أن يتعب نفسه في ذلك حتى يصح له. فلم يقدر على ذلك سوى عبيد الله بن عبد الله إلى وقتنا هذا.