برامج تنمية القرية الاردنية وتدريب العاملين لتنفيذها

برامج تنمية القرية الاردنية وتدريب العاملين لتنفيذها

محمد صالح : رئيس بعثة اليونسكو الى المملكة الاردنية

نشر المقال في تموز / يوليو 1962 ، العدد الواحد والعشرون ، الرائد العربي

موضوع تنمية القرية الاردنية موضوع لمّا تتضح بعد معالمه ولمّا تستقر أسسه ، لذلك كان البحث فيه في هذه المرحلة بالذات بحثاً شائكاً ليس من السهل الاحاطة به بشكل يغني المستقصي الذي يريد ان يضع هذه التنمية في اطارالمخطط العام للتنمية العامة للاردن .  ولعل اهم سبب لهذه الصعوبات هو كون فكرة تنمية القرية الاردنية زراعياً وصحياً وثقافياً واجتماعياً فكرة جديدة لا يزيد عمرها عن بضع سنوات فقط ، مضى قسم كبير منها في التلمس والتجربة . ولنسرع الى القول انه لا بد من مضي بضع سنوات اخرى قبل ان تصبح برامج هذه التنمية واضحة الاهداف ، محددة المعالم ، فيها نوع من الاستقرار . ومن المعروف جيداً انه ما لم تتضح هذه الاهداف وتحدد تلك المعالم لا يمكن الحصول على اية نتيجة مرضية في اي مشروع من مشاريع التنمية . أردت من ذلك كله ان قول ان برامج التنمية هذه لا تزال في مراحلها الاولى الصعبة ، لكنني واثق من انها ، اذا قدر لها الاستمرار والرعاية ، فانها لا بد وان يكتب لها النجاح ولا بد ان تثمر أحسن الثمار . ولعل من المناسب قبل البحث في برامج التنمية التي تستهدف القرية الاردنية وفي تدريب العاملين على تنفيذها ، ان نحاول اعطاء فكرة مجملة عن القرية او الريف الاردني بشكل عام . فذلك سيوضح ، ولا شك ، الكثير من النقاط التي سيجري بحثها عندما نتعرض للبرامج والتدريب .

وضعية الريف الاردني

في الاردن اليوم ثمانمائة وثلاث وثلاثون قرية ومدينة ، يقدر مجموع مساحتها ب 96642 كيلومتراً مربعاً ، منها صحاري مساحتها 81048 كيلومتراً مربعاً موجودة في الضفة الشرقية من المملكة الاردنية الهاشمية . هذا ما جاء في التعداد الزراعي لسنة 1953 ، وهو آخر احصاء من نوعه تم في الاردن ، وقامت به آنذاك دائرة الاحصاءات العامة في وزارة الاقتصاد الوطني . واذا استثنينا الصحارى من مجموع المساحة يتبين ان المساحة الباقية للمدن والقرى تبلغ 15594 كيلومتراً مربعاً مقسمة بين شطري نهر الاردن الذي يقسم البلاد الى ما يعرف بالضفة الشرقية ومساحتها من دون الصحارى طبعاً 9952 كيلومتراً مربعاً والضفة الغربية ومساحتها 5642 كيلومتراً مربعاً . والى القاريء هذا الجدول الذي يبين عدد المدن والقرى في الالوية السبعة التي قسمت اليها المملكة ادارياً كما جاء في الاحصاء المذكور :

 

                        لواء عجلون                                 236

                        لواء نابلس                                  189

                        لواء البلقاء                                  169

                        لواء القُدس                                 129

                        لواء الكرك                                  84

                        لواء الخليل                                  20

                        لواء معان                                   16

يتضح من هذا الجدول ان عدد القرى والمدن في الضفة الشرقية هو 495 مقابل 338 قرية ومدينة في الضفة الغربية . كما يلاحظ ان عدد القرى يقل كلما ابتعدنا عن الشمال باتجاه الجنوب.

توزيع الملكيات في الريف الاردني

يمكن القول انه ليس في الاردن اقطاع كبير بالمعنى المعروف في بعض البلدان المجاورة ، إذ ان أكثر الملكيات صغيرة . لذلك نلاحظ ان غالبية سكان القري يملكون ارضهم . إلا ان الشيء الوحيد الذي تحتاج اليه بعض المناطق بشكل ملح هو تجميع ملكيات الشخص الواحد في القرية الواحدة بشكل عملي معقول  وهذا يقتضي اعادة النظر في توزيع الارض بين مالكيها في القرية الواحدة . فليس مما يساعد في الاعمال الزراعية ان يملك احدهم بضع قطع من الارض يزيد احياناً طول الواحدة منها على الكيلومترين ويقل عرضها عن الخمسة امتار. وكل ذلك في اماكن متباعدة من ارجاء القرية الواحدة .

يشير التعداد الزراعي لسنة 1953 الى ان مجموع الملكيات في الاردن هو 118776 ملكية مختلفة المساحة ، منها 26708 ملكية تقل مساحة كل منها عن عشرة دونمات ( الدنم الواحد يعادل الف متر مربع ) . اما الملكيات التي تبلغ مساحة الواحدة منها عشرة دونمات فما فوق وتقل عن مئة دونم فعددها 65231 ملكية ، بينما عدد الملكيات الكبيرة التي مساحة كل منها بين الف دونم و عشرة الاف دونم فما فوق لا تتعدى 67 ملكية،  منها فقط 22 ملكية ، مساحة كل منها عشرة الاف دونم فما فوق .

الطابع القبلي للحياة الاجتماعية في الريف الاردني

على الرغم من ان الريف الاردني قد اخذ بمفاهيم الحضارة الحديثة ، فان الحياة الاجتماعية فيه ، والعلاقات السائدة ، لا تزال تتسم بالطابع القبلي ، لا سيما في الضفة الشرقية . فلا تزال هناك رابطة العشيرة والقبيلة رابطة قوية كثيراً وتطغى على الروابط الاخرى ، علماً ان انتشار العلم والثقافة من شأنه ، في المجال الطويل ، ان يحد من هذه الروابط ليفسح في المجال لروابط المواطنة والقانون .

البيئة الريفية وبيئة المدينة في الاردن

لا يختلف الفرق بين حياة الريف وحياة المدينة كثيراً في الاردن عما هو عليه في اي بلد آخر ، اذا ما تجاوزنا الاعتبارات المحلية والطابع القبلي الذي سبق ان ألمحنا اليه . لسنا هنا في معرض اصدار الاحكام التقويمية او الاخلاقية على هذه الفروق ، انما هدفنا من تعدادها فيما سيأتي هو إيضاحها وتفهم مبررات الالحاح الذي تضعه عليها برامج التنمية التي سنتحدث عنها ، بغية جعل الريف مكاناً تطيب الاقامة فيه ، تماماً كما تطيب في المدينة:

1 – يلاحظ في الريف الاردني ، كما يلاحظ غالباً في الارياف الاخرى ، ان الاسرة كلها تعيش معاً وتشكل وحدة اقتصادية واجتماعية اساسية . وهي اكبر عدداً من الاسرة في المدينة.

2 – يرتبط كبر العائلة بالزواج المبكر وتعدد الزوجات مع قلة نسبية في حالات الطلاق .

3 – التجاور شيء اساسي مهم والاتصال اكثر تكراراً وأطول مدة . فالناس في الريف يعرفون جيرانهم وساكني بيئتهم معرفة جيدة . لذلك يتسم الاتصال بينهم بطابع الصراحة والاخلاص والتعاضد . أضف الى ذلك ان الناس في الريف اكثر تجانساً من الناس في المدن . فالفروقات الطبقية والاجتماعية والفوارق العرقية والفكرية وفروق الثروة ، كلها ذات اثر صئيل لا يذكر في الريف ، بخلاف الوضع في المدن الكبيرة .

4 – التنقل الاجتماعي في الريف باتجاهيه الافقي والشاقولي تنقل محدود . فقلما تجد من يغير وضعه الاجتماعي او يبدل العمل الذي يقوم به . واذا فعل ذلك انما يفعله من دون ان يبدل في مستواه السابق .

5 – تختلف الميزات السيكولوجية بين الريف والمدينة . ففي الريف الاردني يتمسك الريفيون بسلوكهم المحافظ ويؤمنون بتوفيرما يقدرون توفيره من دخلهم ، مهما بلغ هذا الدخل ، كما تسيطر فكرة القدرية على عقول الناس. واخيراً يلاحظ ان الريفي طلق الحديث رغم بساطته ، صافي الذاكرة ، خصب الخيال .

التنظيم في الريف الاردني

المراد بالتنظيم هنا هو التنظيم المدروس والمقصود الذي تسهر السلطات المسؤولة على سلامته وصيانته ونموه. ان مثل هذا التنظيم في الريف الاردني بسيط وقديم اجمالاً . وينطبق ذلك على التنظيم السياسي والاقتصادي والديني والصحي . ان الخدمات التعليمية والتربوية في الريف الاردني شيء لافت للنظر حقاً ، حيث لا تكاد تخلو قرية من مدرسة احدثت بشكل او بآخر . وقد جاء في احصائية وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 1959 – 1960 ان مجموع المدارس في المملكة هو 1501 مدرسة منها في القرى 1014 مدرسة يخصص للذكور منها 613 مدرسة وللاناث 229 مدرسة . ولعل اكبر مشكلة هي نوعية المعلم . فهذه المدارس الكثيرة لا يزال معظمها بحاجة الى المعلم الجيد ، شخصية واعداداً .

اما من الناحية الترفيهية ، فمن الملاحظ ان وسائل الترفيه القديمة آخذة في الزوال . ويبدو انها في حالتها الراهنة لم تعد قادرة على ان تنافس الوسائل الجديدة المستوردة كالسينما والسيارة الخ.. والمشكلة القائمة هنا هي كيفية جعل وسائل الترفيه المتوفرة في الريف قادرة على جذب الشباب وابعادهم عن مفاسد الوسائل الاخرى التي لا تهتم الا بالربح المالي ، ولو جاء ذلك على حساب الاخلاق .

التقاء الريف بالمدينة

ينبغي ان ننظر الى الفروقات التي سبق ذكرها بحذر وانتباه شديدين ، لا سيما في القسم الاكبر من الريف الاردني الآخذ باسباب الحضارة الحديثة يوماً بعد يوم . ويلاحظ ان هذه الفروق تخف تدريجاً مع الزمن ، ولعل ذلك يعود الى طرق المواصلات الحديثة والمستحدثة اضافة الى الراديو والصحف والسينما . كل هذه الوامل أسهمت وما تزال تسهم في ازالة الحواجز والوارق الكبيرة بين الريف والمدينة . ولا شك في ان انتظام البريد وانتشار الكهرباء فضلاَ كبيراً في هذا التطور  إذ انه من المعروف ان ما يتفرع عن ذلك من مرافق له اثره في هذا التقارب . وقد خلقت سهولة المواصلات المشار اليها مع ما يسمى اليوم بالضواحي تقارب بين سكان المدن والضواحي وسهلت للريفيين شؤون الترويح عن النفس والتسلية والتمتع بالهواء الطلق النقي . وتمثل هذه الضواحي تمازجاً بين طريقتي الحياة الريفية والمدنية ورفعاً للحواجز النفسية التي كانت سائدة بين ابناء المنطقتين .

تنمية المجتمع الريفي في الاردن

يمكن على ضوء هذه المعلومات التي بسطناها ان نبحث الآن بشكل أوضح في برامج تنمية المجتمع في الاردن.

تلتقي في هذا لجزء من الوطن العربي مختلف النظريات المتعلقة بخدمة الريف مع كل ما يتفرع عنها من طرق. فيجد المتتبع ، مثلاً ، مفهوم التربية الاساسية وتربية الراشدين يسير جنباً الى جنب مع مفاهيم الاصلاح الريفي والارشاد الزراعي والصحي . كما يجد مشاريع التعاونيات والصناعات الصغيرة ومراكز تنمية البيئة او التنمية الاجتماعية تعمل هنا وهناك . والفهوم الاخير للتنمية الاجتماعية ، بتأثير تبني سرس الليان له ، يصادف قبولاً متزايداً يوماً بعد يوم ، ويهدف كما هو معروف الى النمو الاجتماعي من خلال برامج التنمية المتوازنة السليمة للبيئة المحلية . وتعتمد هذه البرامج على ازدياد مساهمة الناس بشكل مستمر في وجوه العمل المختلفة . واذا ما تبنينا التعريف المأخوذ من التقرير العشرين الذي قدمته اللجنة الادارية للتنسيق الى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للامم المتحدة ، يمكن آنذاك ان نجمع تحت سقفه كل النظريات والفعاليات التي تجري في الاردن . فما هي التنمية الاجتماعية حسب هذا التعريف ؟

يقصد بتنمية المجتمع في الاستعمال الدولي ، تلك العملية التي بواسطتها تتحد جهود الجماعات مع جهود السلطات الحكومية لتحسين الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الجماعات من اجل دمج هذه الجماعات في حياة الامة ، ومن ثم مساعدتها على ان تسهم مساهمة فعالة في تقدم هذه الامة . ويضيف المرجع المشار اليه ان هذه العملية المعقدة تتكون من عنصرين اساسيين هما مساهمة الجماعات نفسها في الجهود الرامية لتحسين مستوى الحياة عندهم معتمدين قدر المستطاع اولاً على جهودهم الذاتية وثانياً على الخدمات الفنية بحيث تشجع جهود الجماعة وتسهل مساعدتها لنفسها وتعاونها الجماعي بشكل اوفى .ويضم مفهوم التنمية الاجتماعية الذي نتحدث عنه ثلاثةامور يسعى العاملون الى تحقيقها وهي :

1 – التحسين المادي ، كتحسين الطرق والمسكن والري والاعمال الزراعية بشكل عام .

2 – تحسين الفعاليات الوظيفية ، كحماية الصحة العامة ونشر التربية والتعليم والاهتمام بالترفيه   وسائله .

3 – تحسين الاعمال الجماعية ، كالمناقشات ضمن الجماعة ، وكمعرفةهذه الجماعة لحاجاتها وتحليل اسبابها وتكوين لجان عمل مهمتها سد هذه الحاجات بطرق البحث عن المساعدات الفنية واستعمالها او باصطفاء الافراد وتدريبهم .

بهذا المفهوم نجد ان فكرة التنمية الاجتماعية لا تروج في الاردن وحده ، بل هي تزداد انتشاراً في ارجاء العالم،  ويزداد الايمان بها رسوخاً مع الزمن . ومن يدري ، فقد تصبح من أهم الحركات في عصرنا الحاضر ، كما انها من الممكن ان تبدل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في كثير من البلدان ، تبدلاً يصعب علينا تصوره في الوقت الحاضر . إن حركة التنمية الاجتماعية هذه يمكن ان تطلق من عقالها طاقات كامنة وحماسة عظيمة قادرة ان تؤدي ، بفضل التوجيه والخبرات الفنية  الى حل الكثير من مشاكل الشعوب الاقتصادية والاجتماعية . وينبغي ان نضيف هنا ان عملية تنمية المجتمع هذه تستمد قوتها من ايماننا بقوة العلم وقدرته على تحسين احوال الانسان ، ومن كونها تقوم على فرضية اساسية مهمة مفادها ان التقدم الاجتماعي يمكن الاسراع في تحقيقه .

انه من الضروري ، من خلال هذا المعنى الواسع للتنمية الاجتماعية ان ننظر الى التنمية على انها جزء لا يتجزأ من عملية اكبر ، هي النمو الاقتصادي والاجتماعي القومي العام . وأخيراً ينبغي الا يغرب عن بالنا ان عملية تنمية المجتمع هي عملية نمو بطيء يمتد على سنوات طويلة، لذلك لا بد من التخطيط الطويل الامد .

برامج تنمية القرية الاردنية

تنحصر برامج تنمية القرية الاردنية الرسمية بالبرامج التالية ، علماً بان هناك محاولات غير رسمية بسيطة تعمل في القرى الاردنية وتقدم بعض الخدمات المتواضعة . وهذه المحاولات التي ليست موضوع بحثنا ، منها ما هووطني ومنها ما هو اجنبي :

  1 – برامج تتناول تنمية القرية من خلال المدرسة وتعرف باسم برامج التربية الاساسية .

  2 – برامج تتناول تنمية القرية من النواحي الاقتصادية والعمرانية وتعرف باسم برامج الاصلاح الريفي .

  3 – برامج تتناول تنمية القرية من النواحي الصحية وتعرف باسم الارشاد الصحي .

  4 – برامج متفرقة كالتعاونيات وسلطة المياه المركزية وسلطة قناة الغور الشرقية .

برامج التربية الاساسية

تتمثل هذه البرامج حالياً في الاردن في معهدين ريفيين لاعداد المعلمين الابتدائيين الذين تحتاج اليهم المدرسة الريفية . وهذان المعهدان هما دار المعلمين الريفية في بيت حنينا قرب القدس في الضفة الغربية ، ودار المعلمين في حواره قرب اربد في الضفة الشرقية . وتهدف الدراسة في كل من هذين المعهدين الريفيين ، ومدتها سنتان بعد الدراسة الثانوية ، الى اعداد معلمين اكفاء للمدرسة الابتدائية الريفية على اعتبارها الادارة الرئيسة في تنمية المجتمع . وهذا يعني ان المعلم يعد اعداداً وافياً للتدريس في صفوف المدرسة ورعاية الصغار خلال النهار ، كما انه يعد اعداداً وافياً للاتصال مع الاهلين لمساعدتهم وتوجيههم والتعاون معهم في سبيل رفع مستواهم الثقافي والصحي والزراعي والاجتماعي . إن هذين المعهدين قد اخذا بعين الاعتبار تلك الحقائق التي سبق ذكرها عن الريف الاردني ، وهما يضعانها دوماً نصب اعينهما اذ يقومان باعداد المعلمين الريفيين الذين يريدونهم ان يتجاوبوا مع الريف ومشاكله بغية خدمته ورفع مستوى سكانه . وبحسب السياسة التي يعمل المعهدان بوحيها يبقى المعلم ناقصاً مهما كانت شخصيته ومهما كان اعداده ما لم يعمل مع طلابه واوليائهم على الاستفادة من المعلومات التي يوصلها اليهم في البيئة المحلية . أليس الهدف من التعليم كله تعديل السلوك وتكييف البيئة بشكل افضل والنهوض بها ؟ . إن تدريس الاطفال وحدهم لم يعد كافياً في هذا العصر لاحراز التطور المطلوب في البيئة الريفية خاصة ، بل لا بد من تثقيف الراشدين ايضاً . فذلك يوفر الوقت ويمهد لانتقال الاثر الجيد والمعرفة التطبيقية من صفوف المدرسة الى البيت والبيئة ، مما يؤمن تجاوب الناس المحليين مع المدرسة . وبهذا التجاوب والتفاعل بين المدرسة والبيئة يحصل التقدم والنمو بشكل اوفى وزمن اقصر . وهذا التكامل بين البيئة والمدرسة هو في اساس عمل هذين المعهدين . فالمدرسة هي مدرسة المجتمع ، هي مدرسة البيئة ، هي ملتقى الناس وندوتهم ، وهي منهم ولهم . والمدرسة الريفية بحسب تلك الفلسفة التي يبشر بها المعهدان تهدف بدورها ، كما يهدف معلموها الحديثون  الى :

1 – نشر اسس الزراعة العلمية المتطورة والالحاح على الثقافة العلمية الاساسية التي لا بد منها اليوم في مزاولة اية مهنة بشكل ذكي ومرض .

2 – اعداد مواطنين ريفيين افضل واعداد زوجات ريفيات افضل قادرين على ادراك اهمية الحياة الريفية وتقدبر كرامتها الفكرية والاجتماعية وتجير طاقات الريف الكامنة .

3 – العمل على جعل البيئة الريفية بيئة يمكن ان يعيش فيها الواعون من ابنائها جياة منتجة وكريمة وقادرة على اجتذابهم والاحتفاظ بهم والاستفادة منهم ، خاصة وان اهل الريف ، في اي مكان من العالم ، هم مستودع الصحة البدنية السليمة وعنصر من عناصر القوة المعنوية . والمحاظة على كل هذه الميزات هو من مسؤولية المدرسة ايضاً .

إن المدرسة التي تحطم الجواجز بينها وبين البيئة والتي لا تكتفي بتعليم الاطفال وحسب ، والتي لا تفتح ابوابها فقط خلال بضع ساعات في النهار ، بل تحتضن الكبار كذلك وتنشغل معهم ساعات متزايدة من ساعات اليوم الاربع والعشرين ، هي المدرسة التي يعد المعهدان المعلمين لها. وعلى هؤلاء المعلمين ان يحملوا رسالة العمل الموحد المتكامل بين المدرسة والبيئة . انهم لا يؤمنون بالاثنينية القديمة التي تفصل بين عملهم في المدرسة وعملهم خارجها لأنهم يؤمنون ان عملهم خارج المدرسة ليس سوى عمل مكمل لعملهم في المدرسة . إن هذين المعهدين يؤمنان بان المعلم هو الزعيم الاساس في القرية عندما تحتاج هذه القرية الى زعامة . وما دام القادة المحليون في الطليعة وباتجاه بناء يصبح الزعيم – المعلم سعيداً بدعمهم ومعاضدتهم والتعاون معهم . واذا كان لا بد له من ان يتولى دور الطليعة والقيادة فهو جاهز ومعد للقيام بهذه المهمة .

إن الفلسفة التي يستوحيها المعهدان تؤمن بان عملية التربية هي عملية انتاجية اقتصادية ايضاً ، وليست عملية استهلاكية فحسب . وهذا ما يدفع بهما الى توسيع حركة مدرسة المجتمع والعمل على اقناع المسؤولين بان كثيراً من الفوائد يمكن ان تقدم للريف مباشرة بشكل خدمات بعيدة المدى تطال الشوارع وتعبيدها وتجميلها واصلاحها عند الحاجة ، وكذلك تنظيف الساحات العامة وتطهير المنازل وتوصيل مياه الشفة الى البيوت وادخال الانواع الحسنة او المحسنة من البذار والدواجن وبناء المداخن والمرافق الصحية وانشاء الجمعيات التعاونية وبناء الافران لتحل محل الطوابين والحاق النساء بمراكز التدبير المنزلي وتثقيف القابلات المحليات وبناء المدارس وانشاء رياض الاطفال وتحسين الطرق الزراعية ، كل ذلك مما استطاعت معاهد المعلمين والمدرسة الريفية ان تنجزه فعلاً في الريف الاردني بجهود ابنائه ووعيهم وتضامنهم وتعاونهم . وما يمكن انجازه ، في الواقع ، هو اكبر من ذلك بكثير، مما يزيد المعهدين ايماناً بصحة رسالتيهما وتصميمهما على المضي في نهجهما في خدمة القرية الاردنية .

تدريب المعلمين

بعد انتقاء المرشحين ممن انهوا الدراسة الثانوية واجتازوا الفحص الطبي المطلوب ، يدرب المنتقون مجاناً في المعهدين المذكورين الداخليين خلال سنتين دراسيتين في مجالين متكاملين هما اولاً مجال التربية وعلم النفس وطرق التدريس وما الى ذلك من مواضيع اساسية ، والمجال الثاني هومجال التربية الاساسية بما في ذلك الارشاد الزراعي والصحي وعلم الاجتماع الريفي واستخدام الوسائل السمعية والبصرية ومكافحة الامية وتعليم الكبار والعمل الميداني التطبيقي في القرى المجاورة ، مما يؤمن لهم سبل الاتصال بالناس وتفهم مشاكلهم والتعاون معهم في حل هذه المشاكل . والجدير ذكره ان التدريب في مجالات التربية الاساسية يقع كله تقريباً على عاتق الاساتذة الذين تخرجوا من مركز تنمية المجتمع في العالم العربي بسرس الليان . فلهم ، والحق يقال، الفضل في نشر هذه الحركة المباركة في الاردن منذ ان خرّج المركز اولى دفعاته وحتى الآن . فعدد المعلمين الريفيين الذين اعدهم المعهدان المذكوران يربو الآن على ثلاثمئة معلم ، جرى توزيعهم في مختلف ارجاء المملكة ، ويقومون بعملهم بشكل مرض . ولا بد ان يأتي ذلك اليوم الذي سيغطى فيه الريف كله بهؤلاء المعلمين ، وسيجني الاردن منهم وممن سيتخرجون لاحقاً احسن الثمار . ومما هو جدير بالذكر هنا ان وزارة التربية والتعليم تعد العدة لانشاء دار معلمات ريفية على غرار المعهدين المذكورين ، وذلك لاعداد المعلمات الريفيات اللواتي سيكون لهن الدور الاكبر في خدمة الريف والنهوض بمستواه ، إذ انهن سيتولين تثقيف النصف الآخر المهمل حتى الآن ورعايته حتى يستطيع ان يؤدي واجباته كما يؤديها الرجال .

يتصل ببرنامج التربية الاساسية هذا مركز آخر عمره اقل من سنتين ، أنشيء في القسم الجنوبي من المملكة ليكون نواة انطلاق في خدمة الجنوب . وهذا المركز هو مركز التربية الاساسية في الربة قرب الكرك ، وهدفه تقديم الخدمات المياشرة للجنوب المحروم . ويعمل فيه نخبة من خريجي سرس الليان ، وهم على اتصال وثيق بمعهد المعلمين في حوارة . ورغم حداثة المركزفان الامال المعلقة عليه ، في خدمة الجنوب بنوع خاص ، آمال كبيرة . ينبغي الا تفوتنا الاشارة الى ان عدداً من اختصاصيات التدبير المنزلي والشؤون الاجتماعية ممن تخرجوا من سرس الليان يعملن في كل من المعهدين المذكورين وفي مركز التربية الاساسية في الربة ، ويقدمن للبيئات التي يعملن فيها خدمات ممتازة ، رغم قلة عددهن في الوقت الحاضر . ومن المأمول ان هذا العدد سينمو وستنمو نتيجة لذلك الخدمات التي تقدم للمرأة الريفية المنسية حتى الآن . واخيراً نقول ان جني احسن ثمار هذا البرامج منوط الى حد بعيد بنوعية القائمين على تطبيقها، وبمدى ادراكهم لفلسفتها واخلاصهم وبعد نظرهم . وينطبق هذا القول بعينه على البرامج الاخرى ايضاً .

برامج الاصلاح الريفي

انها برامج تتألف من اندماج برامج دائرتين سابقتين ، هما دائرة الاصلاح الريفي التي كانت الى حد قريب جداً مرتبطة بمجلس الاعمار الاردني الذي هو سلطة مستقلة مرتبطة رأساً برئاسة الوزراء ودائرة الارشاد الزراعي التابعة لوزارة الزراعة . وقد جرى دمج هاتان الدائرتان اعتباراً من شهر تموز / يوليو 1961 في دائرة واحدة وظلت تحمل اسم دائرة الاصلاح .وهدف هذه الدائرة هو هدف اي مؤسسة تهدف الى التنمية الاجتماعية في الريف ، أي انها تهدف الى خلق الظروف للتقدم الاقتصادي والاجتماعي للبيئة بمساعدة اعضائها وبالاعتماد على مبادرتهم وحماستهم . وواضح ان هذه العملية تقتضي انسجام نوعين من القوى التي تعمل لخير الانسان ومصلحة المواطن الريفي هما:

1 – اتاحة الفرصة وتوجيه القدرة على التعاون ومساعدة الذات واطلاق الطاقات الكامنة والمهارات المتوفرة في كل جماعة انسانية لاقتباس طرق جديدة ومنتجة في الحياة .

2 – الخبرة الفنية والذخيرة الالية اللازمة في كل ميدان من ميادين الاجتماع والاقتصاد المستمدة من تجارب الناس الآخرين واصحاب الخبرة .

تدريب رواد الاصلاح الريفي

عندما كانت الدائرتان المذكورتان منفصلتين كان يجري تدريب جماعة الاصلاح الريفي في مركز للتدريب أنشيء قريباً من معهد المعلمين في بيت حنينا ، وقد عرف باسم مركز تدريب المرشدين الريفيين ، وكانت مدة التدريب فيه تمتد لستة اشهر لكل فوج . وكان هؤلاء يتقاضون اثناء تدريبهم راتباً مقطوعاً قدره ثمانية عشر ديناراً اردنياً . وكان برنامج تدريبهم في معظمه مقتبساً من برنامج التدريب في سرس الليان ، كما كان معظم المدربين من خريجي سرس الليان يعاونهم بعض الخبراء .  وتفيد المصادر الرسمية العلمية ان تدريب الرائد الواحد كان يكلف ما يقرب من 300 دينار اردني . ويتوزع الآن ما يربو على المائة رائد في انحاء المملكة . ويعمل الواحد منهم في مجموعة من القرى يتراوح عددها بين خمس وتسع قرى .

اما جماعة الارشاد الزراعي فكانوا ينتقون من بين خريجي المعاهد الزراعية الذين يمتازون بمعلومات زراعية جيدة . ثم هم يمرون قبل تعينهم بدورات تدريبية تساعدهم في عملهم الميداني والاتصال بالناس .وقد اتفق ان يتلقى هؤلاء المزيد من التدريب في ميدان التنمية الاجتماعية في المركز الذي كان يتدرب فيه جماعة الاصلاح الزراعي ، كما سيتلقى جماعة الاصلاح الريفي تدريباً اضافياً في ميدان الارشاد الزراعي .

بلغت تكاليف عملية الدمج هذه والتي انتهت بقيام الدائرة الجديدة اكثر من مائة الف دينار اردني . وقد رصد لهذه الدائرة مبلغ 540 الف دولار اميركي جاءتها من الدائرة التي كان يطلق عليها اسم دائرة القروض والمنح والتي اندمجت في بناء الدائرة الجديدة .

برامج الارشاد الصحي

تفترض هذه البرامج ان اية تنمية في القرية ، سواء أكانت اقتصادية ام ثقافية ام اجتماعية ، لا بد وان تبنى على اساس صحيح ومتين اذا اريد لها النجاح والاستمرار والتطور . ويتلخص الهدف العام لهذه البرامج في العمل على التحكم بالعوامل الطبيعية المحيطة بالانسان والتي تؤثر في صحته ونموه وبقائه . ويقوم بتخطيط هذه البرامج وتنفيذها جهاز خاص في وزارة الصحة يعرف بقسم ” صحة البيئة ” ، ويتكون من ثلاث شعب فنية هي: شعبة الهندسة الصحية ، شعبة رقابة الشؤون الصحية ، وشعبة التدريب الصحي . ولا يقتصر عمل هذا الجهاز على الريف وحده ، بل يشمل المدينة ايضاً ، إلا اننا سنحصر حديثنا في ما يتعلق من ذلك كله بالقرية الاردنية .

يزور المراقب الصحي القرى المخصصة له حيث يعقد اجتماعات ويحاضر ويرشد ويقدم عدداً من المشاهدات التوضيحية ، وقد يعرض بعض الافلام ، ثم يقدم بعد ذلك للقسم المختص تقريره الشهري عن الاعمال التي قام بها .

تعد وزارة الصحة ، كعمل متمم لعمل دائرة ” صحة البيئة ” ، ممرضات وقابلات ريفيات ، وتعمل على نشر مراكز الامومة والطفولة في الريف . والممرضات الريفيات اللواتي يعشن في هذه المراكز الموزعة في عدد من القرى يستجبن لدعوات القرى المجاورة بغية تقديم الخدمات . ولما كان هذا العمل حديث العهد في الاردن فان عدد هذه المراكز لا يزال قليلاً .

برامج اخرى مختلفة

تشمل البرامج الاخرى المختلفة :

1 – التعاونيات بانواعها ، لا سيما التعاونيات الزراعية وتلك المتعددة الاهداف . وهذه التعاونيات مرتبطة بوزارة الشؤون الاجتماعية وتقوم باعمال جد مفيدة في الريف والمدينة على السواء . وان قسماً كبيراً من الذين يعملون في هذا الميدان قد تدربوا في سرس الليان ايضاً . وتمكننا ان نذكر هنا ان وزارة الشؤون الاجتماعية تقوم الآن بانشاء مركز اجتماعي نموذجي في منطقة الفحيص القريبة من عمان ، وذلك بمساعدة الجامعة العربية ، وسيكون هدف المركز تقديم الخدمات لمجموعة القرى المجاورة .

2 – سلطة المياهه المركزية ، وهي جهاز تطور عن دائرة سابقة كانت تعرف بدائرة تنمية مصادر المياه . وسلطة المياه هذه لها مجلس خاص يعرف باسم مجلس سلطة المياه الرئيسة ويرأسه رئيس الوزراء . ويهدف هذا الجهاز المستحدث ، كما يدل اسمه ، الى البحث عن مصادر للمياه جديدة والعناية بها أنى وجدت في المملكة، إن فوق سطح الارض او في باطنها . فمشكلة قلة المياه في الاردن ، كما هو معروف ، مشكلة جدية ، لذلك سيكون من اولى اولويات هذه الدائرة القيام بجفر الابار الارتوازية وباصلاح البرك الموجودة حالياً ، لا سيما البرك الرومانية القديمة ، وتنظيفها كي تحفظ اكبر كمية ممكنة من مياه الامطار الصالحة للاستعمال . وقد بدأت هذه السلطة بتنفيذ برنامج جديد اطلق عليه اسم برنامج الابار التجريبية . ويهدف الببرنامج الى حفر 112 بئراً في البلاد ، حددت مواقعها ويتوقع القائمون على المشروع ان عدداً كبيراً منها سيمكن الاستفادة منه . وقد بديء فعلاً بهذا المشروع في منطقة الخليل . وهناك مشروع آخر لدراسة برك الازرق في الشمال دراسة جديدة، إذ من المعتقد ان المنطقة هناك تسبح في بحر من المياه . كما تفكر السلطة في دراسة مشروع اقامة السدود على الاودية ليستفيد منها البدو .

3 – سلطة قناة الغور الشرقية ، وهي جهاز شبيه بالجهازالسابق ويهدف الى استثمار مياه اليرموك ووادي الاردن ، استثماراً يعود بالفائدة على الاردن والجمهورية العربية السورية . وتشمل هذه العملية تخزين المياه ومراقبة الفياضانات والري والصرف وانتاج الطاقة الكهربائية وتحسين الاراضي في البلدين . وقد سبق ان وقعت اتفاقية تتعلق بهذا المشروع سنة 1953 بين القطرين الشقيقين ، عرفت آنذاك باسم اتفاقية اليرموك الاردنية السورية . وسيوفر هذا المشروع بعد تنفيذه الري لمساحة تبلغ مئات الالاف من الدونمات من الاراضي الصالحة للزراعة الكثيفة على ضفتي وادي الاردن في المملكة الاردنية الهاشمية .

4 – مشروع كهرباء لواء عجلون ، وهو مشروع تبنته وأسهمت بنصف اسهمه بلدية اربد وطرحت بقية الاسهم للبيع واقبل عليها المواطنون بحماس . والذي يهمنا من هذا المشروع في هذا المجال هو انه سيزود ، بالاضافة الى مدينة اربد ، قرى اللواء الشمالي كلها بالكهرباء ، وسيكون له اثره الفعال في تحسين حياة السكان هناك .

الخلاصة

هذا عرض عام وسريع لبرامج تنمية القرية الاردنية وتدريب العاملين على تنفيذها . وبمقدورنا ان نستنتج منه ان الريف الاردني يحظى في الواقع بانواع من الخدمات الزراعية والتثقيفية والاجتماعية والصحية والعمرانية التي من الممكن ان تؤدي في المستقبل غير البعيد الى نوع من الاصلاح والتقدم اللذين بحتاج اليهما هذا الريف ذو الطاقات البشرية الكبيرة والخيرات الوافرة . على ان ذلك يمكن ان يتحقق بشكل جيد وزمن اقصر اذا اتضحت الاهداف واتقن التخطيط والتنفيذ وجرى تنسيق الخدمات تنسيقاً وافياً ، في اطار من الاخلاص في العمل والايمان بقيمة الفرد والثقة بقدرته على التطور من داخل الجماعة بما يملك من طاقات تحتاج الى من يساعد في اطلاقها من عقالها ، وكذلك الى اكتشاف خيرات الارض واستثمارها بشكل جيد ومدروس ، خدمة لمواطنينا الذين يتوقون الى غد واعد .

اننا نعتقد جازمين ان الفرد العربي والشعب العربي حيثما كان ، سواء أعاش في المدينة ام في الريف ، قادر على ان يطلع دوماً بمسؤوليات أكبر وان يساير الركب الحضاري وان يتولى دور الطليعة فيه اذا تمتع بالفرص المؤاتية ليؤدي قسطه في الاسهام في تطوير حضارتنا ، تماماً كما سبق للاجيال التي سبقته ان فعلت .