بترول الصحراء الكبرى في المفاوضات بين فرنسا والجزائر

بترول الصحراء الكبرى في المفاوضات بين فرنسا والجزائر

معد كيالي

نشر المقال في ايار / مايو 1961 ، العدد السابع ، الرائد العربي

عندما أعلن الجزائريون ثورتهم الكبرى في مطلع تشرين الثاني / نوفمبر من عام 1954 لم يكن زيت الصحراء الكبرى ليخطر لهم على بال . ولا كان هو بالامر الذي يشغل على المستعمرين الفرنسيين تفكيرهم. ثم تغير الحال في سياق السنين القليلة التي أعقبت اعلان الثورة . حتى اذا سلَم الفرنسيون بعجزهم عن اقامة سلم في الجزائر ، ووجدوا أنفسهم مكرهين على مفاوضة الثوار الجزائرين ، كانت مشكلة البترول في صحراء الجزائر قد أصبحت من أهم المشكلات التي لا بد من حلها اذا ما أريد لهذه المفاوضات ان تنجح . بل ان كثيرين من المراقبين يرون انها المشكلة الكبرى . ومن المعروف ان المحادثات التمهيدية التي عقدها ممثلا حكومة الجزائر والحكومة الفرنسية في شهري شباط / فبراير وآذار / مارس تجاوزت حد التمهيد للمفاوضات المرتقبة وتناولت بعض المسائل الجوهرية التي كان من المفروض ان تترك للمفاوضات ، وكانت مشكلة البترول في طليعة المسائل التي تحادث المندوبون بشأنها .

ثروة الصحراء

لا تقتصر ثروة الصحراء الكبرى على البترول والغاز ، بل تضم عددأ كبيراً من المعادن مثل الحديد والفحم الحجري وسواها من المعادن المهمة ، فضلاً عن ان ارض الصحراء غنية بالماء المكنون في أعماقها . وليس من المستبعد ان يصبح في الامكان قريباً استخراج هذه المياه من الاعماق لري سطح الصحراء فتتحول الاراضي المقفرة الجدباء الى اراضٍ زراعية غنية . انما تبقى الثروة البترولية أهم ما تخزنه الصحراء في جنباتها من ثروة . وقد قدر ما ثبت وجوده من النفط حتى آخر عام 1960 بنحو 5200 مليون برميل ، أي ما يكفي لانتاج مستمر يفيض عن 14 سنة اذا ما تم انتاج مليون برميل يومياً . وهذا ما ينتجه العراق اليوم تقريباً . غير ان التنقيب عن البترول في الصحراء الكبرى ، ولم تمض بعد على بدئه غير سنوات قليلة ، ما زال في أول الشوط . ولا شك في ان السنوات المقبلة سوف تكشف عن احتياطي جديد من النفط يضاف الى ما ثبت وجوده حتى الآن .

أكثر من نفط الصحراء غازها . ففي حقل حاسي رميل ، وهو من أعظم حقول الغاز الطبيعي في العالم ، ما يقدر بنحو مليون متر مكعب من الغاز الثابت وجوده والممكن استخراجه . وهذا المقدار من الغاز الطبيعي يعادل تقريباً الف مليون طن من الزيت . فاذا قارنا بينه وبين الرقم الذي تقدم عن احتياطي النفط الخام لكان يعادله مرة ونصف المرة . أي أن الجزائر قادرة على انتاج مليون برميل من النفط يومياً وما يفوقه من الغاز الطبيعي لمدة 21 عاماً اخرى ، تضاف الى الاعوام الاربعة عشر التي سلف ذكرها .

المشاريع الفرنسية

ليس الغرض من هذه الارقام الا ان نتمثل احتياطي الصحراء الكبرى من النفط والغاز الطبيعي . أما الانتاج الفعلي فهو الآن دون المليون برميل في اليوم بكثير . فانتاج هذا القدر يحتاج الى إعداد طويل ومكلف مالياً . وكان التنقيب عن الزيت في الصحراء قد بدأ في عام 1951 ولكنه لم يكتشف إلا في سنة 1955 . ثم توالت الاكتشافات بعد ذلك وعمل الفرنسيون على مد خطين من الانابيب من حقول الزيت الرئيسة في قلب الصحراء الكبرى الى موانىء على شواطىء البحر الابيض المتوسط . وكان انتاج النفط الخام في سنة 1959 قد وصل الى نحو مليوني طن . ومن المنتظر ان يصل هذا العام الى 17 مليون طن ، ويقدر ان يرتفع الى 40 مليون طن في عام 1965 ، ثم الى مئة مليون طن في عام 1975 ، أي ما يعادل مليوني برميل في اليوم الواحد . ويجدر بنا ان نذكر ان هذه الارقام هي تقديرات فرنسية يغلب عليها التفاؤل . ويعمل الفرنسيون الآن على اعداد مشروع لمد خط او خطين من الانابيب عبر البحر الابيض المتوسط لنقل الغاز الطبيعي من الصحراء الكبرى الى اوروبا . ويزعم الفرنسيون أنهم قد ذللوا كل العقبات الفنية التي قد تعترض هذا المشروع الضخم وان مرحلة التنفيذ باتت قريبة .

لم تعمل فرنسا وحدها في استغلال موارد الصحراء الكبرى من النفط الخام ، بل اجتذبت الى الصحراء عدداً كبيراً من الشركات الاجنبية ، منها الاميركية والبريطانية والالمانية والايطالية ، إضافة بالطبع الى الشركات الفرنسية . واشترطت فرنسا على كل شركة غير فرنسية ان يكون لها شريك فرنسي يملك حصة في الشركة العاملة لا تقل عن 50 في المئة . وهكذا ، فان الشركات الفرنسية ، واكثرها شركات تابعة لحكومة فرنسا او خاضعة مالياً لسيطرتها ، اصبحت تملك اكثر من نصف الاستثمارات القائمة في الصحراء الكبرى . ويقدر مجمل ما جرى استثماره في الصحراء حتى الآن بنحو الف مليون دولار . وقيل إن هذا الرقم سوف يتضاعف في السنتين القادمتين .

أصدرت فرنسا قانوناً للزيت ينص على تقاسم الارباح بين الحكومة وبين الشركات . ثم انها لما أدركت في سنة 1958 احتمال خروجها من الجزائر عملت على فصل الصحراء الكبرى عن القسم الشمالي من الجزائر، وقسمت الصحراء الى مقاطعتين إداريتين والحقتها بالمقاطعات الفرنسية في اوروبا ، في حين بقيت للجزائر ادارة مستقلة . واتبعت فرنسا ذلك بتأليف مؤسسة اقتصادية اسمتها ” الادارة المشتركة لمناطق الصحراء ” وأوكلت اليها الاشراف على التنمية الاقتصادية في الصحراء . وفي ما بعد عمدت فرنسا الى اشراك جمهوريتي النيجر وتشاد ، وكلاهما عضو في اسرة الدول الفرنسية ، في هذه المنظمة .

تشبث فرنسا بالصحراء

مع ان اقدام فرنسا على فصل الصحراء عن سائر الجزائر في خرائطها لم يلغ حق الجزائريين في وحدة بلادهم ولا أكسب الفرنسيين حقاً شرعياً في الصحراء ، إلا انه أظهر ، بوضوح ، عزم فرنسا على التشبث ببترول الصحراء الكبرى اذا ما فقدت الجزائر . من هنا جاء هذا الاندفاع الفرنسي نحو الصحراء الكبرى بحثاً عن النفط ، ولم تدخر في هذا السبيل جهداً او مالاً . والسبب في ذلك ان فرنسا نفسها قد حرمتها الطبيعة من كفايتها من موارد توليد الطاقة كالفحم الحجري والزيت والكهرباء اذا ما قيست بدول العالم الصناعية الكبرى .وقد حز هذا الحرمان في نفوس المسؤولين الفرنسيين من اصحاب المصالح . فطمع فرنسا في البترول يتجاوز العوامل الاقتصادية المادية الى عوامل نفسية لها فعلها في نفوس اولئك الفرنسيين الذين يريدون لفرنسا عظمة باقية لا تنتقص منها المقارنة مع الدول الصناعية الكبرى . فديغول ، مثلاً ، يعتقد كما كتب في مذكراته ان هذا الحرمان من موارد توليد الطاقة غل يدي فرنسا في مجاراة البلدان الاوروبية الاخرى ، لا سيما المانيا وبريطانيا ، اثناء الثورة الصناعية . ومن هنا كان تشبث فرنسا ببترول الصحراء الجزائرية لا يقل عن تشبثها بحكمها للجزائر . وفي المؤتمر الذي عقده ديغول في 11 نيسان / ابريل أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية استعداده للتخلي عن الجزائر وشجب الاستعمار على اساس ان عهده قد ولى ، ثم نادى بتعزيز الصناعة الفرنسية ، دون علاقة ظاهرة لها بموضوع الجزائر . ولئن اقتنعت فرنسا أخيراً بأنه لا بد لها من ان تسلم باستقلال الجزائر عن الحكم الفرنسي ، فإنها قد تحتاج الى ان تخسر حرباً أخرى قبل ان تتخلى عما في الصحراء من نفط وغاز طبيعي . فهي ترى فيها طريقها الى الاثراء والى الصناعة والى العظمة . وهذا هو الهدف الأكبر الذي يتملك تفكير جمهورية ديغول .

موقف الحكومة الجزائرية

كان شأن الجزائريين في الصحراء شأن الفرنسيين ، إذ لم يدركوا أهمية ثروتها البترولية الا بعد إنقضاء ثلاث سنين على إعلان الثورة . ولما تنبهوا الى ما فاتهم ، أعلنت جبهة التحرير، في تشرين الثاني / نوفمبر من عام 1957 ” ان الجزائر لن تلتزم قط بأية معاهدة او عقود او اتفاقيات عقدتها او تعقدها فرنسا باسم الجزائر”. وفي السنة التالبة أصد وفد الحكومة الجزائية الموقتة في نيويورك كتيباً تعرض فيه لمنشآت النفط وأكد عزم جبهة التحرير على القضاء على اية استثمارات ترمي الى استغلال ثروة الجزائر الوطنية ، بما فيها ثروة الصحراء الكبرى ، من دون موافقة الجزائر المستقلة . وتلا ذلك انذارات وجهها الزعماء الجزائريون الى شركات النفط في الصحراء . وأيدت الجامعة العربية موقف الحكومة الجزائرية واتخذت في عام 1959 قراراً يقضي بمقاطعة شركات الزيت التي تعمل في استغلال الزيت الجزائري . لكن هذا القرار لم يوضع موضع التنفيذ .

الأطراف الأخرى

لا ينحصر التنازع على الصحراء الكبرى بين الجزائر وفرنسا ، بل هنالك دول عديدة لها في الصحراء مطامع ومطالب . والسبب الاول في ذلك هو التلهف على المشاركة في خيرات الصحراء الكبرى . غير ان هناك سبباً ثانياً هو اغراء فرنسا للدول المحيطة بالصحراء لكي تستعين فرنسا بها في الحفاظ على سهم وافر لنفسها ، فلا تستأثر الجزائر بكل ما في الصحراء من خيرات طبيعية . وعليه ، أشركت فرنسا دولتي النيجر وتشاد في المؤسسة التي كونتها لادارة الصحراء ، مع ان التشاد مثلاً تفصل بينها وبين حدود صحراء الجزائر مسافات بعيدة جداً . وهناك غير هاتين الدولتين ، وهما عضوان في أسرة الدول الفرنسية ، موريتانيا، وهي الاخرى عضو في هذه الاسرة ، و مالي التي استقلت عن فرنسا استقلالاً تاماً ، ثم الدول العربية وهي المغرب وتونس وليبيا . حتى اسبانيا أخذت صحفها تطالب بالمشاركة في استغلال زيت الصحراء .

ليس هنا مجال لاستعراض مواقف هذه الدول واحدة واحدة .غير انه من الجدير ان نذكر ان مالي، الدولة المستقلة حديثاً ، وقفت موقفاً يختلف تماماً من مواقف الدول الافريقية الاخرى المنضوية تحت لواء فرنسا . فرئيسها المعروف بميوله الاشتراكية ، أيد الجزائر تأيداً كاملاً في سعيها للحصول على الاستقلال ، حتى ولو كان الثمن حرمان مالي من موارد الصحراء الكبرى. وهذا الرئيس نفي من بلده عقاباً له لموقفه . وكانت صحيفة اسبانية اتهمته بدون دليل بأنه يعارض اي اتفاق مباشر بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية . غير ان موقف دول المغرب الملتبس يستحق منا اهتماماً خاصاً ، لاسيما وان الرئيس التونسي بورقيبه لعب دوراً فعالاً في التمهيد للمفاوضات بين الطرفين الجزائري والفرنسي . فقد صرح بعد زيارة لفرنسا انه لا يرى في وضع الصحراء المشكلة الكبرى التي يراها غيره ، بل يعتقد ان من الممكن تأخير البحث بها وان ما هو مهم هو اجتماع الطرفين للتفاوض . ولهذا الموقف خلفية تتمثل بأن في تونس من يعتقد ان فرنسا قد سلبت تونس بعض اراضيها وضمتها الى الجزائر ، وبالتالي فلتونس حقاً مشروعاً في جزء من الصحراء . وكان موقف بورقيبة يخالف تماماً موقف الجزائر الداعي الى رفض البحث في وضع الصحراء الكبرى منفصلة عن الجزائر . ولا شك ان فرنسا ستستغل اعظم استغلال هذه المطالب التي تنصب على اجزاء من الصحراء من جانب الدول الشقيقة والمجاورة . وليس الامر مجرد تحريض تقوم به فرنسا يقصد به ايقاع الشقاق بين الجزائريين واشقائهم العرب وجيرانهم من غير العرب . فهذا المهدي بن بركة ، رئيس اتحاد القوى الشعبية في المغرب ، وهو أبعد ما يكون عن الاتصال بفرنسا ، يقول في تصريح له ان القوى الشعبية في المغرب يجب ان تناصر سياسة تقوم على التعاون الدولي في استغلال موارد الصحراء ، لا في البلاد المجاورة فحسب ، بل كذلك مع البلاد الاوروبية التي لها مصالح مشروعة هناك .

هناك بالاضافة الى الدول التي ذكرنا ، شركات النفط ذاتها التي استثمرت أموالاً لا يستهان بها في الكشف عن الزيت في الصحراء . وتوجد الى جانب الشركات الفرنسية شركات اخرى اميركية واوروبية ومن اقطار مختلفة . ومع ان رؤوس اموال هذه الشركات ، ومعظمها اميركية ، ليست حكومية الا فيما ندر ، فانه ليس من المستغرب ان تتتبع الحكومات سير الاحداث والعمل على مؤازة الشركات التى من تابعيها .

الحلول الممكنة

لا بد ونحن نتحدث عن هذه الاطراف المختلفة التي لها مصالح مشروعة او غير مشروعة في موارد الصحراء الكبرى ان لا نغفل الدور الذي لا بد من تلعبه في الوصول الى حل لقضية الصحراء . والكلام عن حلول عديدة نختار واحداً منها ينطوي في حد ذاته على شىء من التفاؤل او التضليل . لكنه يطيب للمعلقين الغربيين في هذ الايام ان يوردوا عدداً من الحلول حتى يكون لتعليقاتهم مظهر البحث الوافي المستكمل . ومن الحلول التي يطرحها هؤلاء في تعليقاتهم اقامة دولة مستقلة في الصحراء الكبرى تحت الحكم الفرنسي او فصل الصحراء الكبرى نهائياً عن الجزائر وضمها مباشرة الى فرنسا . غير ان حلاً كهذا او ذاك لا بستحق التوقف عنده طالما ان الجزائريين يرفضونه جملة وتفصيلاً ويؤثرون عليه استمرار الحرب او الوصول الى حل يأتي عن طريق المفاوضات المباشرة بين دولتي الجزائر وفرنسا . ومثل هذا الحل يقوم على اخراج فرنسا من الصحراء ، حرباً او سلماً عن طريق التفاوض ، وحرمانها اقتصادياً من المشاركة في استغلال ثروة الجزائر الطبيعية . ففرنسا بدورها لن تقبل ، كما يبدو حتى الآن ، الحل التفاوضي وتفضل استمرار الحرب .

وبما أنه يصعب على اي من الطرفين ان يفرض على الآخر حلاً عسكرياً حاسماً ، وبما انه يستحيل التفكير في حل من الحلول السابقة الجائرة بحق الجزائر ، لذلك يترتب ان يقوم هذا الحل منطقياً ، عن طريق المفاوضات ، الى ابقاء الصحراء الكبرى جزءاً من الجزائر والاقرار بسيادة الشعب الجزائري على هذا الاقليم اسوة بباقي الاقاليم الجزائرية ، والسماح لفرنسا بالمشاركة اقتصادياً في استغلال ثروة الصحراء . وهذه في الواقع هي الخطوط الرئيسة لحل صار يتردد ذكره كثيراً في الدوائر الغربية ذاتها .

الكونسورتيوم

إقترن هذا الحل بكلمة كونسورتيوم ومعناها بالانكليزية اتحاد من الشركات تشارك في مشروع ضخم لا تستطيع احداها ان تنفرد به . غير ان الكونسورتيوم الذي يتجه اليه تفكير الفرنسيين لا يتألف من شركات تتعاون في ما بينها على تولي استثمار النفط في الصحراء كما هو الحال في الكونسورتيوم المطبق في ايران، بل يضيف الى هذه الشركات الحكومات الي سلف ذكرها . وغاية فرنسا من ذلك واضحة . فهي تخشى في حال قيام الكونسورتيوم ان لا تقبل الجزائر مشاركة الحكومات ، بل مشاركة الشركات وحدها . فهي تخشى ان لا يكون هناك من يضمن ما قد تفعله الجزائر باتحاد الشركات بعد ان تنسحب هي من الجزائر . وهذا ما روته الصحف الفرنسية وما جاهر به المبعوث الفرنسي بومبيدو وهو يسأل المبعوث الجزائري عن الضمانة التي يمكن ان تضمن الاستثمارات الفرنسية في الصحراء . ولم يتردد المبعوث الفرنسي فذكر تأميم قناة السويس سبباً يدعو فرنسا الى التخوف من ترتيبات اقتصادية لا تدعمها معاهدات سياسية وعسكرية . ولهذا عرضت فرنسا ، فيما لو قبلت التخلي للجزائرعن السيادة في الصحراء الكبرى ، ان تحتفظ بالمقابل بسيطرتها العسكرية . من هنا يتضح ان الكونسورتيوم الذي تفكر فرنسا فيه يتألف لا من الشركات وحدها بل من الشركات والحكومات وفي مقدمتها الحكومة الفرنسية . ثم ان الدعوة الى هذا النوع من الكونسورتيوم ، لها ايضاً من وجهة النظر الفرنسية ، ميزة اخرى وهي انها قد تكسب الى صفها عدداً من الدول الافريقية المنضوية تحت لوائها .

ليس التفاوض للوصول الى اتفاق سلمي ببعيد عن هذا الحل . فالمعتدلون في فرنسا يقولون ان كل ما تريده بلادهم هو الحصول على الزيت والغاز الطبيعي بالعملة الفرنسية لا بالعملة النادرة التي قد ينوء بها كاهلها . وفي تصريح اوردته الصحف الفرنسية عن بو منجل ، مبعوث الحكومة الجزائرية ، ان الجزائريين ” لا يمانعون متى استقلوا واستلموا دفة شؤون بلادهم ، في بيع البترول والغاز الى فرنسا والى الشركات المستثمرة وفق القواعد المنطقية المرعية لدى الدول الاخرى ” . واذا ما تذكرنا ان أكثر الشركات المستثمرة هي فرنسية ، بل حكومية جزئياً في رأس مالها ، نجد ان موقف الحكومة الجزائرية لا يحرٍم بيع كل ما تريده فرنسا من زيت وغاز طبيعي بالنقد الفرنسي . وسواء أكانت هناك من حاجة الى اقامة كونسورتيوم من الشركات ام لا ، فان حل هذه المشكلة لن يحتاج الى ايجاد كونسورتيوم تنضم اليه حكومة فرنسا وغيرها من الحكومات . ولعل في المبادرة الاميركية الاخيرة من الاتصال المباشر مع الجزائريين اسهاماً في حل القضية الجزائرية ما يرجح كفة الحل القائم على ايجاد كونسورتيوم من الشركات . فللاميركيين ، كما يذكر من تتبع ازمة النفط الايراني ايام مصدق ، سابقة في حل مشكلة البترول في بلد عن طريق تأليف كونسورتيوم من شركات النفط .

المفاوضات

التوصل الى حل من هذا النوع ، يصون سيادة الجزائر القومية كما يصون حقها في موارد الصحراء الطبيعية، ليس بالامر السهل . بل قد يكون ، كما أسلفنا ، أعظم مشكلة يواجهها المفاوضون . وكان من المفترض ان تبدأ هذه المفاوضات في السابع من شهر نيسان / ابريل الماضي ولكنها تعثرت . وأغلب الظن ان هذه العثرة ستكون واحدة من كثر ، وان المفاوضات ستطول اسابيع وشهوراً ، وقد تطول سنوات ، اذا حاول كل فريق من الفريقين ان يحصل من الفريق الاخرعلى كل ما يمكن له الحصول عليه . على ان تصميم الحكومة الجزائرية في رفضها حل مشكلة الجزائر على حدة ، باعتبارها قضية منفصلة ، يبعث على الثقة بأنها ، في صمودها حتى النهاية ، قادرة على اكراه فرنسا على التسليم لا باستقلال الجزائريين في بلادهم ، بما فيها من الصحارى فحسب ، بل كذلك الاقرار بحق الجزائريين في موارد بلادهم الطبيعية لا يشاركهم فيها أحد إلا كما يريدون وعلى ما يرضون .