النقل السياحي البري وشبكات الطرق في البلاد العربية

النقل السياحي البري وشبكات الطرق في البلاد العربية

رشاد بربير

مدير شركة اتحاد النقل السياحي في لبنان

نشرت هذه المحاضرة في آب / أغسطس 1961 ، العدد العاشر ، الرائد العربي

ليس هذا المقال دراسة شاملة لموضوع النقل البري وشبكات الطرق في البلدان العربية ، بل استعراض لمشاريع ما برحت قيد الدرس منذ سنوات عديدة والتعليق عليها . وهي اذا ما تحققت فستعود بفوائد جمة على البلدان العربية . ويمكن تلخيص هذه الفوائد بما يلي :

1 – فوائد انسانية وحضارية

2 – فوائد سياسية

3 – فوائد اقتصادية

وإذ نحن نتحدث هنا عن موضوع النقل البري ، أي النقل بالسيارات والحافلات ، فلأنه في حد ذاته نقل مستقل ، خلافاً للنقل الجوي والبحري والنهري والحديدي الذي يحتاج كل منها الى وسيلة اضافية هي السيارة. ومهما قيل في ميزات النقل السريع بالطائرة وطاقة النقل في السفن البحرية والنهرية والقطارات ، فان السيارة تبقى ، من دون شك ، وسيلة النقل الاولى في عصرنا هذا ، وستبقى كذلك في المستقبل . وأكبر دليل على ذلك ان صناعة السيارات أضحت واحدة من أضخم الصناعات الثقيلة في العالم وعدد مقتنيها في ازدياد مستمر ، وهو ازدياد لا حد له ، فضلاً عن انه قد أصبح شغل الدول الشاغل من حيث بناء الطرق وايجاد الاماكن داخل المدن لاستيعابها وتسهيل سيرها . والدول لا تفتأ تعد التصاميم لشبكات طرق جديدة لتنفيذها في سنوات مقبلة بعد تخصيص الاموال اللازمة لها ، وهي اموال طائلة بكل المقاييس .

ليس من ينكر على الولايات المتحدة الاميركية ، مثلاً ، تملكها لاحدث واوسع شبكة طرق برية في العالم حالياً ، ومع ذلك فهي قد رصدت في العام الماضي مبلغ مئة مليار دولار لصرفها خلال السنوات العشر القادمة في بناء طرق سريعة تربط بين المدن التي يتجاوز عدد سكانها الخمسين الف نسمة ، شرط ألا تعرقل هذه الطرق السريعة السير على الطرق الاخرى ، بخاصة الداخلية منها . ولا بد ان نشير هنا ان الولايات المتحدة الاميركية تملك حالياً من شبكات النقل الاخرى ، كالطائرات والقطارات الحديدية وناقلات الناس والبضائع فوق البحيرات والأنهر ما لا تملكه دولة اخرى نسبياً .

إن كثرة عدد السيارات المصنعة الان في الولايات المتحدة مستفيدة من تدني اسعار المحروقات هناك ، تستوجب الحذر والاستدراك للمستقبل . فالسيارة سهلة القيادة ، محببة الاقتناء ، فضلاً عن خدماتها التي لا تحصى في نقل البضائع والركاب في السلم والحرب . وهي تحتاج باستمرار الى انشاء طرق جديدة ، خاصة الطرق السريعة ، والى صيانة هذه الطرق . وقد تبين من الاحصائيات ان السيارة أصلح وارخص كلفة من السكك الحديدية التي كانت سيدة النقل البري في القرن الماضي . وهي اليوم تعاني من ازمة حادة من جراء تنافس السيارات والحافلات لها . وكانت هذه المنافسة قد بدأت منذ ربع قرن ونيف وما زالت تزداد حدة سنة بعد اخرى . وقد لا يمضي وقت قصير حتى تفقد السكك الحديدية نهائياً زبائنها من البشر ويقتصر عملها على نقل البضائع ، ألهم الا اذا وضعت في الخدمة سكك حديد سريعة ، كما هو الحال في بعض البلدان الاوروبية حالياً .

بعض الاسباب التي أضعفت الاعتماد على السكك الحديدية هي سهولة شق الطرق بالوسائل الآلية الحديثة وسهولة التصرف في تخطيطها وتنفيذها ، فضلاً عن ان نفقات انشائها وصيانتها هي أقل كلفة من نفقات الخطوط الحديدية والمائية . ثم ان أسعار السيارات أصبحت الآن في متناول الناس ، حتى اولئك من ذوي الدخل المحدود ، وغدت نوعاً من المفاخرة ، كما سهلت على الناس التنقل مباشرة من مكان الى آخر من دون الحاجة للذهاب الى محطة سكة حديد او مرفأ عابرات صغيرة . فما من شك الآن ان السيارات ستزداد اعدادها ويتوسع انتشارها في كل انحاء العالم .

النقل البري في البلدان العربية

بعد هذه النبذة القصيرة عن مدى شعبية السيارة ومميزاتها ، ننتقل الى البلدان العربية لنستعرض احوال النقل البري فيها ، وما يجب عمله لتحسينها .

الحقيقة أن البلدان العربية في حاجة ماسة الى خطوط مواصلات جديدة ، بقدر ما هي بحاجة الى وسائل للنقل لافتقارها اليها . فهذه البلدان تشهد الآن تطوراً صناعياً وتجارياً واجتماعياً سريعاً منذ ان نالت استقلالها . وهذا التطور يتوقف سيره ونموه ، في الدرجة الاولى ، على نسبة انجاز شبكات جديدة للمواصلات ، وتحسين الموجود منها ورفع مستواها .

وهناك حقيقة أخرى مؤسفة تتمثل في ان البلدان العربية ، بصورة عامة ، ما زالت تستخدم الشبكات التي تركها لها العهد العثماني او العهد الاستعماري الغربي والتي لم تنشأ في زمنها الا خدمة لاغراض ومصالح سياسية واستراتيجية تتعلق بتلك العهود ومصالحها . وتركت هذه الشبكات على حالها من دون تحسين بعد ان انتهت مهمتها ، وبقيت من دون تحسين او تبديل يذكر . ونذكر على سبيل المثال الخطوط الحديدية في بعض بلداننا اثناء الحربين العالميتين ، الاولى والثانية في الاقطار التالية :

العراق : جرى مد خط حديدي ضيق عام 1917 من البصرة الى بغداد ، وآخر في سنة 1941 من بغداد الى الموصل .

مصر وفلسطين : جرى مد خط عريض بين سنتي 1917 و 1918 من قناة السويس الى غزة واللد وحيفا . ثم من حيفا الى الناقورة  حيث مد خط عريض في سنة 1941 .

لبنان :  جرى مد خط عريض في سنة 1941 من طرابلس الى الناقورة .

كل هذه الخطوط الحديدية أنشئت في زمن الحرب بصورة عاجلة لاسباب استراتيجية تطلبها زحف الجيوش البريطانية وتموينها من دون ادنى مراعاة للفن والاستثمار السليم في زمن ما بعد الحرب . ومعظم هذه الخطوط غير مكتمل التجهيز . وقد بقيت على حالتها هذه ايام الانتداب والاحتلال وحتى ايام الاستقلال . وهي في تدهور مستمر ، إذ لا تستطيع الحكومات صاحبة العلاقة ان تقرر مصيرها ، كأن تصرف النفقات الباهظة لاعمال التجديد والتجيز ، أم تقوم بانشاء الطرق الجديدة الحديثة وتوسيع الموجود منها وتهمل الخطوط الحديدية . وليس ذلك بالامر المستغرب لأن استثمار السكك الحديدية في معظم البلدان أصبح في عجز مزمن من جراء مضاربة وسائل النقل الاخرى . ولا بد في هذا المجال إلا أن نشير الى انشاء الخط الحديدي بين الدمام والرياض في المملكة العربية السعودية والذي تم تمديده بعد الحرب العالمية الثانية . ولا نعلم حتى الآن ما اذا كانت حكومة الرياض عازمة على تمديده حتى المدينة المنورة وجدة ام لا . أما في ما يتعلق بالطرقات الجديدة ، فاننا لا نجد لها المبررات التي رافقت انشاء الخطوط الحديدية . ولعل السبب يعود الى ان السيارات خلال الحرب العالمية الاولى لم يكن شأنها آنذاك على ما هو عليه الآن ولم تكن متوفرة بالسهولة كما هو الحال اليوم . واذا استثنينا شق الطرقين الصحراويين من غزة الى الاسماعيلية على قناة السويس قبل الحرب العالمية الثانية ، ومن الرمادي في العراق الى المفرق في الاردن خلال الحرب المذكورة ايضاً ، فاننا لا نجد من الطرق الدولية الجديدة المعبدة ما يذكر في البلدان العربية ، عدا الطرق الصحراوية الداخلية في مصر والعراق والكويت والسعودية والاردن .

إن الطرقات الموجودة حالياً بعيدة كلها عن ان تملأ الفراغ الذي تشكو منه البلدان العربية في خطوط مواصلاتها ، سواء أكانت هذه الخطوط داخلية أم دولية . فهناك اماكن عديدة في هذه البلدان ما زالت محرومة من خطوط المواصلات ومن نعمة كل تطور حضاري . ورغم اننا لا نتطرق في هذه المحاضرة الى شبكات الطرق الداخلية بالنسبة الى موضوع شبكات الطرق الدولية الذي يهمنا في الدرجة الاولى ، فانه لا بد لنا من ان نناشد الحكومات العربية الاهتمام بانشاء مواصلات داخلية لائقة ، وتحسين الموجود منها ، لتكون تلك الخطوة الاولى في اقامة شبكات الطرق الدولية الحديثة . وهذا الموضوع ، على ما يبدو ، لم تنسه الحكومات العربية بتاتاً اذا ما رجعنا الى اعمال اللجنة الدائمة للمواصلات التابعة لجامعة الدول العربية في عام 1946 ، وخصوصاً منذ عام 1953 ، واهتمام المجلس الاقتصادي العربي ومؤتمر غرف التجارة والصناعة والزراعة في البلدان العربية . غير ان كل هذه المجالس والغرف لم تستطع ، وللأسف الشديد ، إلا تقديم التوصيات والتمنيات الظرفية ، مرفقة ببعض التفاصيل والاراء الفنية مما لا يأتي بنتيجة اذا لم يتقرر تخطيط شامل يقوم على دراسات فنية ومالية وسياسية تعدها لجان تنسيق مشتركة دائمة ، بعد ان تتخذ الحكومات العربية صاحبة العلاقة قراراً جماعياً تنفيذياً او قابلاً للتنفيذ .

فما هي هذه التوصيات والدراسات المتعلقة بالمواصلات البرية ، أي بالسكك الحديدية والسيارات والحافلات الكبيرة  ؟ .

قبل ان نتحدث عن ذلك ، لا بد من الاشارة الى العدد الضخم من المجلدات والتقارير والرسائل التي ما زالت تتنقل بين الامانة العامة لجامعة الدول العربية بفروعها الخاصة ، من اللجنة الدائمة للمواصلات الى المجلس الاقتصادي وسائر الحكومات الاعضاء منذ سنة 1953 . إن هذا العدد من المجلدات والتقارير والرسائل يدخل الأمل لأول مرة . لكنني لا أظن انه يشجع على مراجعتها ودراستها بامعان ، فهي مهملة هنا وهناك في الدوائر المختلفة ولا تعيرها هذه الدوائر ، بدورها ، اي اهتمام . ونحن لا ننكر ان النية في تحقيق اي شيء ملموس تراود ، من دون شك ، نفس كل مواطن عربي مخلص . ولا أريد هنا ان أشير الى الاستهتار الذي يرافق هذه الاجتماعات الدورية واعمالها المتشعبة من قبل المسؤولين ، بل بوصفي مواطناً يعنى بهذه الناحية من نشاطاتنا ويتوجب عليه ان يسهم بجهده فيها . فنحن ما زلنا بعيدين كثيراً عن دور التنفيذ ، إذ ان بعض الدول العربية لم توافق بعد على تصميم واقامة شبكة الطرق العربية التي اقترحها مؤتمر اللجنة الدائمة للمواصلات المنعقدة في كانون الاول / ديسمبر 1957 في القاهرة  والذي سبق لمؤتمر بيت مري في لبنان ان اوصى عام 1955 بضرورة انشاء هذه الطرق .

قبل ان نبحث في تصميم شبكة الطرق العربية كما أقرته اللجنة الدائمة للمواصلات ، لا بد من العودة الى مشروع الطريق الدولية الذي اثار الحديث عنه لاول مرة عام 1947 السيد وليم مور ، مدير ثم رئيس شركتي الزيت العربية الاميركية ( ارامكو ) وخط انابيب الجزيرة العربية (تابلاين ) وقدمه بشكل دراسة موجزة الى الحكومات العربية كافة ، كجزء من مشروع عام للتطور الصناعي والتجاري في الشرق الاوسط . وقد حصر السيد مور أهمية مشروعه في ربط مناطق الخليج العربي والعراق الغنية بالبترول والبحر الابيض المتوسط ، معتمداً على ما سينتج عنه من نقل المعدات والتموين لشركات البترول والاراضي الواقعة في نطاقها والمقبلة على تطور اجتماعي كبير. كما وان هذه الطريق قد تقصر مدة الشحن مقارنة بمدة الشحن  في البحر عن طريق قناة السويس والبحر الاحمر، خصوصاً وان موانيء الخليج في ذلك الوقت كانت مفتقرة الى التجهيزات ووسائل النفريغ الحديثة والمستودعات لتفي بالحاجات المتزايدة .

كانت فكرة السيد مور نقطة انطلاق جريئة ، ومشروعه يخدم في الدرجة الاولى مصلحة شركات البترول التي أيدته وساندته وشجعته وابدت استعداداً لتمويل قسم من نفقاته . وكانت هذه الفكرة ترمي الى انشاء مستودعات كبيرة لهذه الشركات في مناطق عديدة في لبنان وسوريا والاردن ، ترسل منها ، حسب الحاجة ، كل ما يلزمها من معدات واجهزة ومواد غذائية بسرعة وبنفقات أقل مما لو جاءت بها بطريق البحر او الجو، كما جرت العادة . كما وان الحصول على اليد العاملة المدربة وعلى الموظفين في البلدان الثلاثة المذكورة أسهل بكثير من بلدان الخليج العربي .

لم يتطرق السيد مور الى الطرقات البرية الدولية في افريقيا ، كما انه لم يتحدث من قريب او بعيد عن ربط هذه الطرق ببلدان اخرى غير عربية . لذلك لم يكن مشروعه اساساً لخطة مواصلات برية سياحية عربية . لذلك لا بد من تخطيط جديد شامل لهذه الطرق يتوفى خدمة اغراض الاقتصاد العربي عن طريق خدمة المرافق السياحية ، لا خدمة شؤون الاستثمار البترولي وحده . وهنا لا بد من الملاحظة ان السيد مور لم يأت بتاتاً على ذكر الخطوط الحديدية لأنه يعلم بصفته خبيراً في مختلف فروع الهندسة وادارة الاعمال في الولايات المتحدة ، بأن الطرق البرية هي أقل كلفة ، وفائدتها أعم من السكك الحديدية البالية . ورغم هذه الحقيقة فاننا نجد اللجنة الدائمة للمواصلات في جامعة الدول العربية تبحث جدياً في انشاء خطوط حديدية ، بعضها خطوط  طويلة وصعبة التحقيق . ونحن نخالفها الرأي في انشاء هذه المواصلات . مثال ذلك انها اوصت على تصميم الخطوط التالية :

في الشمال الافرقي

1 – من السلوم ( على الحدود الليبية المصرية ) الى قابس في تونس . وهذا الخط الساحلي يبالغ طوله حوالي الفي كيلومتر .

2 – من اسوان الى شبكة الخطوط السودانية في أنسب موقع .

في آسيا

3 – من الاسماعيلية الى تبوك ( المملكة العربية السعودية ) عبر خليج العقبة .

4 – من اللاذقية الى القامشلي .

5 – من الرياض الى المدينة المنورة ، فجدة .

6 – من حمص الى دمشق . و أخيراً إعادة تأهيل الخط الحجازي من معان ( الاردن ) حتى المدينة المنورة.

إن معظم هذه الخطوط ليس له فائدة اذا ما استبدل بأقل كلفة بطرقات حديثة او بتوسيع الطرق الموجودة وتحسينها . كما وان تطور النقل في العالم يعتمد حالياً على انشاء شبكات من الطرق ، وفي بعض الاحيان على انشاء الخطوط الحديدية ، لأن استثمار الخطوط الحديدية في العالم بصورة عامة ، واقع في عجز بسبب منافسة السيارات والحافلات والطائرات ، عدا عن ان ميزانيات الحكومات العربية ، بوجه عام ، لا تسمح بانشاء هذه الخطوط الحديدية واستثمارها .

أما مشروع الطرق العربية الذي أقرته اللجنة الدائمة للمواصلات في جامعة الدول العربية ، والذي وافقت على تصميمه كعظم الدول الاعضاء ، فهو يتلخص بانشاء وتوسيع الطرقات التي تربط المدن التالية :

1 – اللاذقية ( الاقليم الشمالي ) طرابلس بيروت، صيدا وصور ، وهو الطريق الساحلي الممتد على قسم من الشاطيء الشرقي للبحر الابيض المتوسط  .

2 – حلب حمص دمشق ( الاقليم الشمالي ) عمان معان ( الاردن ) تبوك المدينة المنورة جده جيزان (المملكة العربية السعودية) الحديدة ( اليمن ) .

3 – بيروت ( لبنان ) دمشق ( الاقليم الشمالي ) بغداد البصرة ( العراق ) الكويت ، الرياض .

4 – تبوك شيخ حمد ، شرم الشيخ ، السويس ، القاهرة ، الاسكندرية .

5 – الاسكندرية ، بنغازي ، طرابلس الغرب ، السويس ، مدينة الجزائر ، طنجة .

6 – القاهرة السودان

7 – عمانبغداد ( بين المفرق والرطبة ) .

أوصت اللجنة المذكورة باعطاء هذه الطرق المقام الاول من الاهتمام في البرامج الخاصة لانشاء الطرق في كل دولة ، على ان يتم انجازها وفقاً لظروف الميزانيات المالية في كل منها ، على ان لا تتجاوز المدة عشر سنوات . والى ان يتم تنفيذ هذه الشبكة ، يكون من الضروري اصلاح الاقسام التي يتعذر المرور عليها في الوقت الحاضر ولو بصفة موقتة ، كي تتمكن السيارات من المرور عليها وربط البلاد العربية بعضها ببعض.

هناك ايضاً توصيات اخرى تتعلق بالمواصفات وتعريض الطرقات الحالية كي تتفق مع هذه المواصفات . كذلك اوصت اللجنة بصيانة هذه الطرقات بشكل دائم .

اذا كان لدينا بعض المآخذ على هذا المشروع ، وكذلك على مشروع انشاء الخطوط الحديدية ، فهي تتلخص بما يلي :

1 – جاءت هذه التوصيات توصيات شاملة لا تعطي اية أفضلية تسلسلية لانشاء هذه الخطوط الحديدية والطرقات وفقاً لبرنامج محدد ومدروس.

2 – انشاء خطوط حديدية وطرقات في الاقسام نفسها . وهذا ما يتنافى مع اصول الاستثمار السليم ومع امكانات الدول العربية المالية .

3 – أهمل المشروع امر ربط الطرقات العربية ، بالرغم من صفتها الدولية ،  ببلدان غير عربية ، مثل ايران وتركيا ، وربطها بالتالي بالطرقات الدولية .

4 – عدم اعطاء المشروع أهمية كافية لمناطق انتاج البترول في العراق والكويت والمملكة العربية السّعودية، وهي تستحقها خلافاً لما ورد في مشروع السيد مور الذي ركز نجاح مشروعه على المناطق ذات المناخ الأفضل .

فما العمل الآن ؟ .

لا شك ان النشاط الملموس لدى الحكومات العربية في انشاء الطرق الداخلية ورفع مستوى الموجود منها ، هو الخطوة الاولى في تحقيق شبكة الطرقات العربية . لكن اذا كان مرادنا تعميم الفائدة على الجميع ، فيجب التفكير في ربط هذه الطرق بالطرقات الدولية . ونحن لا ننكر ما لخطوط المواصلات من تأثير في تنشيط العمران في المناطق التي تمر فيها ، فضلاً عن انشاء الروابط بين مختلف البلدان وتعزيز العلاقات الثقافية والتجارية والسياسية بينها . فالفائدة التي تحققها خطوط المواصلات هي اذن فائدة عامة ستنعم البلاد العربية كلها بفضلها .

إن هذه البلاد قادمة على عهد من النشاط الكبير في شتى الحقول والمجالات ، العلمية والصناعية منها والتجارية والسياحية الخ .. وهذا النشاط وما يرافقه من تطور وازدهار يتوقف ، الى حد كبير ، على ايجاد خطوط مواصلات بمختلف انواعها ، وعلى ازدياد حركة النقل والتبادل ، لا بين الاقطار العربية فحسب ، بل بينها وبين كل بلدان العالم .

واذا ما نحن حصرنا حديثنا اليوم في السياحة التي تهمنا في الدرجة الاولى والتي نبحث في طرق انمائها وازدهارها ، نجد ان العالم العربي ، بعد اكتمال تحرره واستقلاله وابعاد الدخلاء عنه ، يشكل في حد ذاته مجموعة فريدة من حيث التنوع في المناخ والطبيعة . إنه مهد تاريخ الانسان والاديان والفتوحات . وبهذه الصفات التي لا يملكها احد سوانا ، وبفضل سهولة المواصلات ، فاننا مقبلون ، ولا شك ، على ازدهار سياحي كبير ، شرط ان نهيء له الاستعدادات الضرورية الفعالة التي سبق لبلدان اخرى ان طبقتها ونجحت فيها .

إن قدوم السياح متوقف الى حد كبير على توفير خطوط المواصلات . واذا كانت البلاد العربية لا تشكو من قلة الخطوط الجوية والبحرية ، فهي تفتقر الى خطوط برية بمواصفات عالمية . فالسيارة احتلت في عصرنا هذا المركز الاول كوسيلة نقل سياحي مفضلة . وهي تستوعب حالياً اكبر عدد من السياح في العالم كافة . واذا استطعنا في البلدان العربية ان ننشيء شبكة طرق برية دولية المواصفات والمعايير ، فان عدد الزوار سيتضاعف مرات عديدة . وقد شهدت دول كثيرة طفرة كبيرة في اعداد السياح القادمين اليها بفضل ما بنته من طرق ذات معايير جيدة ، بل ايضاً ممتازة . وهذا ما نشهده في بعض البلدان العربية الآن ، رغم ان طرقنا ما زالت بحاجة الى ان ترفع من مستواها . فحركة السيارات الاجنبية الصغيرة والكبيرة تزداد اعدادها على طرقنا حاملة سياحاً جدد لم يسبق ان قدموا الى بعض بلداننا . وما يلفت ان بعض هذه السيارات تأتي محملة على البواخر وتنزل في مرافئنا ، هي وركابها لقضاء عطلة ، ولو قصيرة . لذلك يتوجب على الحكومات العربية ان تسرع في تنفيذ شبكات طرقاتها وان تجهزها تجهيزاً دولياً ووضع لوحات الارشاد والاشارات المتعارف عليها دولياً ، وانشاء محطات تجمع للسيارات حديثة التجهيز ، وتهيئة الخرائط المفصلة والمتعددة اللغات لتساعد الزوار في تنقلاتهم . أضف الى ذلك حسن اختيار الموظفين الاكفاء واختصار المعاملات على الحدود .

رب قائل يقول ان البلاد العربية يصعب زيارتها بالسيارات لبعدها عن اوروبا ، حيث السيارة هي الوسيلة المفضلة لدى سائحيها ، وانها ، اي البلاد العربية ، تكاد تكون معزولة عن القارة الاوروبية . ومع اعترافنا بأن البعد يحد من هذه الحركة ، غير انه لا يمنعها منعاً باتاً ، وسيبقى سياح كثر لا يردعهم هذا البعد بقدر ما يردعهم سوء حالة الطرقات وتعقيدات الدخول والخروج على حدود كل بلد . ففي السيارة متعة وفي زيارة البلدان الغريبة فائدة كبرى إن لمشاهد آثار او التعرف الى مدن وقرى جديدة وان للتعرف على اهل البلدان المضيفة وعاداتهم وحضاراتهم . ثم ان حركة نقل السيارات في البواخر المخصصة لقطع مسافات مائية قصيرة ، تنتشر الآن في الحوض الشرقي المتوسط . فايطاليا ، مثلاً تسير خطاً بحيراً منتظماً بين برنديزي وجزيرة كورفو اليونانية ، لا ينقل السياح الايطاليين فحسب ، بل ينقل سياحاً من دول البلقان ودول اوروبا الوسطى والشرقية . ويتحدثون اليوم عن انشاء خط ” فري ” بحري جديد يربط اليونان بجزرها وبجزيرة قبرص . فلماذا لا تسعى الحكومات العربية الى انشاء خطوط مماثلة ، او تساعد في انشائها لكي يتاح للسائح الاوروبي ان يصعد بسيارته في الموانئ الايطالية واليونانية والقبرصية لينزل بها في بيروت او اللاذقية او الاسكندرية او طرابلس الغرب ؟ .هذه الحركة تنشط حالياً بين اسبانيا والمغرب العربي الذي يشهد الآن حركة سياحية نشطة لم يعرفها في السابق .

في عصرنا هذا ، عصر التفكير بارسال الانسان الى القمر ، لم تعد المشاريع ، مهما سهلت او صعبت ، مجرد احلام ومستحيلة التحقيق ، بل اصبحت مشاريع قابلة للتنفيذ بنسب مختلفة . وقضية المواصلات وشبكات الطرق الحديثة لم تعد حلماً بعيد المنال ، بل أصبحت مهمة جداً وتحقيقها سهل اذا تبدلت بعض مفاهيمنا وعقليتنا ، واذ ما صممنا على مجاراة التقدم الحضاري العالمي ، خصوصاً واننا نملك ماضياً مضيئاً سجله انساننا القديم على انصع صفحات التاريخ البشري .