النفط السوري بين البحث والتنقيب

النفط السوري بين البحث والتنقيب

 محمد فياض دندشي

نشر المقال في كانون الاول / يناير 1962 ، العدد الخامس عشر ، الرائد العربي

منذ اوائل القرن الحالي ، اي في القرن العشرين ، وأهمية استخراج النفط في ازدياد مطرد نظراً للتوسع الهائل في استخدام الالة وما تتطلبه هذه الالة المحركة من مواد احتراقية تستخدم كوقود في دفع العديد من حركات الانتاج والخدمات في سبيل انماء الاقتصاد العالمي وازدهاره . وقد اصبح النفط ، في عصرنا بالذات ، وسواء كان في شكل خامات او صناعات بترولية ، ليس مصدراً من مصادر الثروة فحسب ، بل وسيلة لتحقيق ازدهار عالمي . لهذاهبت  شركات البترول العالمية ساعية ، وهي تجوب الدنيا قاطبة باحثة ومنقبة عن مصادر النفط ودخلت المشرق العربي ، بصورة خاصة ، والشرق الاوسط عامة ، حيث ظهرت بعد الحفر والتنقيب كميات ضخمة من الخام في حقول البترول . ففي العراق ، مثلاً، ابتدأت عمليات التنقيب منذ سنة 1927  ، ولم ينقض اكثر من سبع سنوات حتى تبين ان المادة البترولية تتفجر بشكل ينابيع غزيرة في اراضيها  ، ومن ثم في صحراء الجزيرة العربية القاحلة . وفي عام 1946 تم اكتشاف حقول الكويت الغنية بهذه المادة . ورويداً رويداً تحولت الصحارى العربية من مصدر نقمة الى نعمة ، ومن مورد للتشاؤم والقنوط الى مورد للقوة والثروة والمنعة ، تبشر بأمل مشع ومستقبل باسم .

 اما بالنسبة لعمليات البحث الجدي عن البترول في الجمهورية العربية السورية ، فقد بدأت فعلاً في اواخر سنة 1939 ، عندما منحت الحكومة السورية آنذاك شركة البترول السورية حق التنقيب عن النفط الخام بموجب امتياز في مساحة قدرها حوالى 96 الف كيلومتر مربع . غير انه بنتيجة الحفريات التي جرت في القسم الاكبر من هذه المساحة لم يعثر على البترول الخام بشكل تجاري ، وان تكن قد ظهرت بعض آثار خام النفط في مناطق متفرقة ، الامر الذي حدا بالشركة الى التنازل عن الامتياز برمته في سنة 1951 . ويعزى فشل هذه العمليات التنقيبية في المناطق السورية الى عوائق مادية عديدة ، أهمها ثلاثة عوائق هي :

اولاً ، وجود بعض الطبقات الافقية الكثيفة من الترسبات اللحقية تعود الى العهد الرباعي.

ثانياً ، وجود بعض الاغطية البازلتية الممتدة على مساحات واسعة في مناطق التنقيب .

ثالثاً ، ظهور نوع من الطبقات الارضية تتميز بعدم التوافق الطبقي .

وكان من البديهي ان تمر عملية البحث والتنقيب عن النفط بمراحل متنوعة أهمها اربع مراحل .

اولاً ، مرحلة المسح الطوبوغرافي . وتقسم هذه المرحلة الى قسمين رئيسن : القسم الاول ويهدف الى قياس المرتفعات والمنخفضات عن سطح البحر ؛ والقسم الثاني ويعمل على تجهيز خرائط طوبوغرافية عامة . وتجري اثناء هذه المرحلة عمليات التصوير الجوي الرامية الى أخذ الصور الجوية المتنوعة مباشرة وعلى ارتفاعات مختلفة حسب المقاييس المطلوبة . اما المرحلة الثانية من مراحل المسح الجيولوجي فتهدف الى تحضير خرائط عامة وتفصيلية لبعض المناطق بقصد جمع عينات من الصخور المنتشرة على سطح الارض وتبيان انواعها وكيفية توزيعها في مختلف المناطق في البلاد . والجدير ذكره ، هنا ، انه لم يكن في الجمهورية السورية آنذاك ، أي خلال الفترة التي سبقت عهد الاستقلال ،  سوى خريطة عامة واحدة وبضع خرائط صغيرة مفصلة .

تتعلق المرحلة الثالثة بطرق التنقيب الجيوفيزيائي . وتهدف هذه المرحلة الى دراسة الاختلافات التركيبية بين الصخور العادية وبين صفات الفلز الفيزيائي المجاور لتلك الصخور . وتقسم هذه المرحلة الى اربعة أقسام رئيسة هي :

1 – الطرق الثقيلة ( طرق الجاذبية ) المعتمدة على الكثافة .

2 – الطرق السيزمية الاهتزازية المعتمدة على قابلية المرونة مع الكثافة .

3 – الطرق المغناطيسية المعتمدة على القابلية المغناطيسية .

4 – واخيراً الطرق الكهربائية المعتمدة على قابلية النقل الكهربائي .

المرحلة الرابعة والاخيرة تشمل عمليات الحفر الاستكشافي ، وهي عبارة عن حفر بئر استكشافية عميقة في كل تركيب من التراكيب الجيولوجية القابلة لتجمع النفط الخام بغية التأكد من وجود المادة البترولية او عدم وجودها، ثم يصار بعدها الى حفر آبار استكشافية اخرى الغاية منها تحديد مكان ابتداء حقل النفط في التركيب الجيولوجي المكتشف .

دلت دراسة التركيبات النيوية ( التكتونية ) انه بالامكان تقسيم الاراضي السورية الى ست مناطق اولية هي :

اولاً ، امتداد تركيب فالق الأردن الانهدامي الواقع في المنطقة الغربية الممتدة من شمال البلاد باتجاه جنوبها .

ثانياً ، المنطقة الواقعة الى الشمال من اللاذقية والحاوية على الصخور الخضراء ، وهي منطقة تكتونية .

ثالثاً ، السلسلة التدمرية وتمتد من الجنوب الغربي الى الشمال الشرقي .

رابعاً ، المنطقة الشمالية الشرقية ، أي البقعة المسماة حوض الجزيرة .

خامساً ، هضبة حلب .

سادساً ، القاعدة العربية مع مرتفع جارا ، أي البقعة الجغرافية المسماة أطراف العتبة العربية .

ظهرت ، بنتيجة الحفرايات التي قامت بها شركات التنقيب عن البترول ، بعض الصخور المختلفة التي تدل على وجود مادة النفط في الجمهورية العربية السورية . فهنالك مناطق كثيرة ظهرت فيها بشكل واضح الصخور البنيومينية التي تحتوي على نسبة كبيرة من المادة الاسفلتية . كما تبين ان الصخور الكلسية والدلوميتية موجودة في كل مناطق حقول البترول في الشرق الاوسط . ويعتبر وجودها دليلاً مادياً على توفر النفط الخام لكونها الخزان الصالح لحفظ النفط عبر السنين . وظاهرة اخرى تثبت امكانية وجود النفط تتعلق بوفرة المصايد والمحدبات ( انتي كليتال ) النفطية ، وهي عباة عن محدبات قببية او صدوع تتجمع فيها مادة النفط والغاز . وبالنظر الى ان التراكيب الموجودة في الشمال الشرقي من البلاد والتي تعتبر امتداداً طبيعياً تساوي عدوياً لتلك التراكيب الملتوية الجبلية الموجودة في شمال العراق ، فانه يمكننا القول بأن مصايد المحدبات القببية الكبيرة هذه تحتوي على خزانات كبيرة من الترسبات الزيتية مماثلة لتلك الموجودة في مناطق اخرى من الشرق الاوسط .

لعل منطقتي حوض الجزيرة وشمال شرقي اللاذقية تعتبران من المناطق الرئيسة ذات الامكانية النفطية الجيدة . وتليها في الاهمية المنطقة الواقعة ضمن امتداد تركيب فالق غور الاردن الانهدامي . ومنذ ان أخذ البحث والتنقيب عن النفط الخام يشق طريقه في الجمهورية العربية السورية ومنطقة حوض الجزيرة ، أخذ يجتذب الاهتمام الكبير . ويعود السبب في ذلك الى امتداد التجعدات الامامية الواقعة بين نهري دجلة والفرات والتي تعتبر العنصر البنيوي الرئيس الذي تعزى اليه الترسبات البترولية في جنوبي غربي ايران وشمال العراق وتركيا ، حيث يتابع هذا الامتداد الى شمال سلسلة جبال عبد العزيز المتممة لسلسلة جبال طوروس وزغروس فيشكل وحدة متكاملة للتجعدات الامامية التي لا يمكن فصلها عن مناطق البترول الخام في البلدان الانفة الذكر . لهذا يمكن القول بشكل قاطع ان امكانية وجود البترول في هذه المنطقة متوفرة ، وان كان القسم الذي يدخل ضمنها جغرافياً يعتبر صغيراً نسبياً .

تبين نتيجة اعمال السبر التي اجريت قبل عام 1956 بواسطة شركة نفط سورية المحدودة ، وهي كما ذكرنا سابقاً صاحبة اول امتياز ( 1939 ) للتنقيب عن البترول في الجمهورية العربية السورية ، ان كميات النفط الخام في المناطق التي اجريت فيها التحريات لا تشجع على الاستمرار في اعمال التنقيب ، مما حمل الشركة السورية المذكورة على التنازل عن امتيازها . وقد عزت الشركة قرارها هذا الى اسباب فنية عديدة منها :

1 – انه وجد في بعض الحقول نفط ميت ، أي ان البترول قد هاجر منها بسبب عدم التجانس الطبقي وضعف سماكة الطبقات الغطائية .

2 – ظهور الغازات الطبيعية الرطبة وكميات ضعيفة من النفط لا تبلغ المستوى التجاري وغير قابلة للاستثمار.

3 – وجود نفط قاتم ثقيل في ثنايا الطبقات الصوانية العميقة مصحوب بقليل من الغاز في طبقات تحتوي شقوقها على تجمعات من الاسفلت غير قابلة للاستثمار ايضاً .

غير ان عمليات التنقيب التي قامت منذ سنة 1956 كانت موضع أمل كبير ، إذ تبين من البئر الاول ان هناك كميات كبيرة من النفط الخام في منطقة حوض الجزيرة . وفي منطقة كراتشوك بالذات تم حفر عشر آبار جاءت بنتائج باهرة ، اذ اصبح الانتاج الكلي من هذه الابار ما يزيد عن 1100 طن يومياً ، أي ما يعادل 500 الف طن سنوياً . ولا تزال اعمال الحفر والتنقيب جارية في مناطق عديدة مختلفة ، وكلها تبشر بنتائج عظيمة . ويسود الاعتقاد ان كميات النفط المختزنة والمقيسة بالطريقة الحجمية في الجمهورية العربية السورية تتراوح ما بين 120 و 150 مليون طن ، ويمكن استخراج ما يزيد عن ثلث هذه الكمية الى سطح الارض .

لقد اصبح من الواضح ان الجمهورية العربية السورية سائرة في طريقها نحو استثمار حقول البترول المكتشفة في شتى الميادين الصناعية والزراعية ، إذ ان وجود النفط يسهل تأسيس الصناعات البتروكيميائية المهمة ، وبفسح في المجال انشاء مصانع الغاز المسيل وصناعات الزيوت الزيتية وصناعة الاسفلت وصناعة الاسمدة وصناعات اخرى متنوعة كصناعات المطاط الصناعي والاصبغة واللدائن ( البلاستيك ) وحامض الكبريت . هذا ، بالاضافة الى ان النفط يعتبر في وقتنا الحاضر مظهراً مهماً من مظاهر القوة الاقتصادية المتطلعة الى غد مشرق ومزدهر يسوده الرخاء في ظل عدالة اجتماعية .