الموسيقى في عصر الخلفاء الراشدين

الموسيقى في عصر الخلفاء الراشدين

توفي النبي عام633، فانتخب المؤمنون أبا بكر خليفة له وحيّوه بذلك اللقب. وكذلك انتخب الناخبون من المسلمين ثلاثة خلفاء آخرين هم: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن ابي طالب. ولم يكد النبي يذهب إلى جوار ربه حتى فرّقت المعارك بلاد العرب وظهر الأنبياء الكاذبون من كل ناحية وثارت القبائل من عُمان إلى أبواب المدينة نفسها على الخليفة وأعلنت الردة على الإسلام.

ولكن ما لبث الخليفة أن أخضع الجمهور الهائج الثائر وبسط سيطرته عليه في مدة لا تزيد على السنة الواحدة. وكانت أيام الخلفاء الراشدين الأربعة أيام الإسلام الحق، فكانوا يطبقون القانون تطبيقا حرفيا، كما وصفه النبي أو كما يفسره الصحابة. وحرّمت الموسيقى. فيقول ابن خلدون أعظم المؤرخين المسلمين بأن المسلمين احتكروا كل شيء وحرّموا الغناء في الأيام الأولى من الإسلام.

ولعل الخليفتين الأولين لم يحبا الموسيقى ولا عنيا بها. فلقد شغلتهما الحرب في سبيل تثبيت الإسلام لدرجة منعتهما من التمتع بالفنون، وعاشا أبسط عيشة بل انتظرا من غيرهما أن يحيا مثلهما.

وعلى الرغم من تشدد أبي بكر، يظهر أنه وجدت فئة قليلة انهمكت في الملاهي. فالطبيعة لا يمكن أن تحبس بل غالبا ما يحدث رد الفعل مفاجئا. والإنسانية في تحطيمها القيود كثيرا ما تتخطى حدود الأديان. فحاول الشباب المرح الذي أترع كأسه من ملذات الحريم، حين ابتعد إلى الخارج، أن يتجنب قيود العقيدة المتشددة وجرى وراء اللذة التي يبحث عنها أمثاله من الشباب وأصحاب اللهو في الخمر وفي الموسيقى وفي الإنفاق المسرف. لكن كانت تنتظرهم أيام ذات حرية أكبر وأشمل.

ويبدو أن عمر لم يختلف عن سلفه في هذا المضمار وإن كنا نجد حديثاً عن عائشة يروي أن عمر سمع إحدى القيان في بيت النبي.

وتروى في العقد الفريد عدة أخبار عن عمر وموقفه من الموسيقى. قال عمر في أحد هذه الأخبار بعد أن سأل رجلا أن يغني: “غفر الله لك”. ويوضح لنا هذا القول الحظر المضروب على الموسيقى.

تلاه الخليفة عثمان، فتغيرت في عهد حياة العرب الإجتماعية والسياسية تغييراً كبيراً، إذ كان عثمان شغوفا بالثروة والمظاهر بخلاف سلفه. واستطاع العرب بفضل الثروات الواسعة والرقيق الذي تدفق على الحجاز من الأقطار المفتوحة أن يقيموا الروائع الشبيهة بما كانوا يرونه في البلاد العربية الأخرى وفي فارس والإمبراطورية البيزنطية اللتين سقطتا تحت سيوفهم. فأصبحت القصور الشامخة والحشم الكثير من الرقيق والمواكب المترفة والمعيشة المرفهة، من الأمور المألوفة، لا في العراق وسورية فحسب اللتين كانتا تعرفان هذه الأمور من قبل، بل في مدن الحجاز المقدسة أيضا. وشغف العرب بالموسيقى والموسيقيين في جميع قصور الأشراف والأثرياء ودورهم بالرغم من حظر النبي وتذمر المسلمين من المتشددين.

أما علي فكان شاعراً، وكان أول خليفة أضفى حمايته المطلقة الحقيقية على الفنون الجميلة والآداب بشجاعة، وذلك بدراسة العلوم والشعر والموسيقى. ومنذ ذلك اليوم ضمنت الموسيقى مستقبلها. وعندما انتقلت الخلافة من أيدي الراشدين إلى بني أمية نشأ الفن وثبت في بلاط النبي نفسه.

أول موسيقي ظهر في الإسلام هو طويس (الطاووس الصغير) واسمه الكامل أبو عبد المنعم عيسى بن عبد الله الذائب، وكان مولى لبني مخزوم وينسب إلى المدينة، إذ نشأ في دار أروى أم الخليفة عثمان. وبينما هو في حداثته استرعت انتباهه ألحان الرقيق الفرس الذين كانوا يعملون في المدينة فقلد أسلوبهم. ويقول ابن بدرون إن طويسا اشتهر في الأعوام الأخيرة من عهد الخليفة عثمان.

أما بالنسبة للآلات الموسيقية والمصطلحات المختلفة في ذلك العصر، فإننا نجد بين الآلات الوترية المعزفة والمزهر. وكانت المعزفة شائعة في اليمن خاصة، وربما شاعت في الحجاز أيضا. وكان المزهر عوداً جلدي الصدر، وقد نال إعجاب العرب وإن احتل بعض مكانته العود ذو الصدر الخشبي الذي أتى من الحيرة حوالى نهاية القرن السابق. ويظهر أن الطنبور كان محبوباً كثيراً في العراق حيث نال الجنك الإعجاب أيضا.

ومن الآلات الهوائية كان الناي العمودي معروفاً باسم القصّابة أو القصبة، والناي الطويل معروفا باسم المزمار وهو الاسم الذي كان يطلق على الآلات الهوائية الخشبية عامة. وكان النفير يسمى البوق، ولكنه لم يستخدم في الحرب حتى ذلك الوقت.

والآلة الأولى بين آلات القرع هي القضيب الذي كان محبوباً وشائعاً عند أصحاب الغناء المرتجل. وكذلك كان الدف المربع آلة محبوبة لملاحظة الإيقاع أو الوزن. وكانت الصنوج الصغيرة من آلات الرقص. وأخيرا كان لفظ الطبل يطلق على جميع عائلة الطبول.