المهدية

المهـديـة

المهدية واحدة من أنشط حركات الإصلاح التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي. وهي ذات مضمون ديني وسياسي. أسس الحركة محمد أحمد المهدي.

ولد محمد أحمد المهدي بن عبد الله سنة 1845م في جزيرة لبب جنوب مدينة دنقلة في السودان. يقال بأن نسبه ينتهي إلى الأشراف. حفظ القرآن وهو صغير ونشأ نشأة دينية متتلمذاً على الشيخ محمود الشنقيطي، سالكاً الطريق السمّانية القادرية الصوفية. ثم التحق بالشيخ القرشي وَدْ الزين في الجزيرة وجدد البيعة على يديه. ويلاحظ أن شيخيه الأول والثاني من أشهر مشايخ الطرق الصوفية آنذاك. استقر عام 1870م في جزير أبا حيث يقيم أهله والتزم أحد الكهوف مستغرقاً في التأمل والتفكير. وعندما توفي شيخ القرشي قام المهدي بتشييد ضريحه وتجصيصه وبناء القبة عالية، وصار خليفته من بعده حيث توافد عليه المبايعون مجددين الولاء للطريقة في شخصه.

وفي عام 1881 أصدر فتواه بإعلان الجهاد ضد المستعمرين الإنكليز، وأخذ يعمل على بسط نفوذه في جميع أنحاء غرب السودان. وقابل قوة الحكومة التي أرسلت لإخماد حركته عام 1881م وأحرز عليها انتصاراً دعّم موقفه ودعواه. هاجر بعدها إلى جبل ماسة ورفع رايته هناك.

التقى جيش المهدي بجيش القائد البريطاني غوردون في الخرطوم، وفي 26 يناير 1885م اشتدت المعركة وقتل غوردون الذي جُزّ رأسه وبعث إلى المهدي الذي كان يأمل إلقاء القبض عليه حياً ليبادل به أحمد عرابي الذي أجبر على مغادرة مصر إلى المنفى. وكان سقوط الخرطوم بين يدي المهدي آنذاك إيذاناً بانتهاء العهد العثماني على السودان.

من يومها لم يبق للمهدي منافس حيث قام بتأسيس دولته مبتدئاً ببناء مسجده الخاص الذي تم إنهاء بنائه في 17 جمادى الأولى 1305هـ.

توفي في يوم 9 رمضان/ يونيو 1885م بعد أن أسس أركان دولته الوليدة، وهي دولة لم تدم طويلاً. ففي عام 1896م قضى اللورد كتشنر الذي كان سرداراً لمصر على هذه الدولة ونسف قبة المهدي ونبش قبره وبعث بجمجمته إلى المتحف البريطاني انتقاماً لمقتل غوردون.

كانت شخصية المهدي القوية والمعتقد الديني الذي يدعو إليه، والسخط العام الذي كان سائداً ضد الولاة الذين فرضوا الضرائب الباهظة على الناس، وتفشي الرشوة والمظالم، وسيطرة الأتراك والإنكليز، كان لذلك كله دور مهم في تجميع الناس حول هذه الدعوة بهدف التخلص من الوضع المزري الذي هم فيه إذ وجدوا في المهدي المنقذ والمخلّص.

دعا المهدي إلى ضرورة العودة مباشرة إلى الكتاب والسنة دون غيرهما من الكتب التي يرى أنها تبعد بخلافاتها وشرورها عن فهم المسلم البيسط العادي، وأوقف العمل بالمذاهب الفقهية المختلفة، وحرّم الاشتغال بعلم الكلام، وفتح باب الاجتهاد في الدين، وأقر كذلك كتاب كشف الغمة للشعراني، والسيرة الحلبية، وتفسير روح البيان للبيضاوي، وتفسير الجلالين.

ألغى المهدي جميع الطرق الصوفية وأبطل جميع الأوراد داعياً الجميع إلى نبذ الخلافات والالتفاف حول طريقته المهدية مؤلفاً لهم ورداً يقرأونه يومياً. ومن هذا الباب دخلت المهدية مرة أخرى في بوتقة الصوفية وانصهرت فيها.

كان من أبرز ما في دعوة المهدي إلحاحه الشديد على موضوع الجهاد والقوة والفتوة. ويقول بأن مهديته قد جاءته بأمر من رسول الله، إذ يقول: “وقد جاءني في اليقظة ومعه الخلفاء الراشدون والأقطاب والخضر عليه السلام وأمسك بيدي وأجلسني على كرسيه وقال لي: أنت المهدي المنتظر ومن شك في مهديتك فقد كفر”. ونسب إلى نفسه العصمة وذكر بأنه معصوم نظراً لامتداد النور الأعظم فيه من قبل خالق الكون إلى يوم القيامة.

كان المهدي يلح على ضرورة التواضع وعدم البطر وتشديد النكير على الانغماس في الملاذ والبذخ والنعمة، ويعمل على التقريب بين طبقات المجتمع. وقد عاش حياته يلبس الجبة المرقعة هو وأتباعه. وحرّم الاحتفال بالأعراس والختان احتفالاً يدعو إلى النفقة والإسراف. ويسّر الزواج بتخفيف المهور وبساطة الولائم وتحريم الرقص والغناء وضرب الدفوف. كما منع البكاء على الأموات، وحرّم الاشتغال بالرقى والتمائم، وحارب شرب الدخان وزراعته والاتجار به، وشدد في تحريمه. وأقام حدود الشريعة في أتباعه كالقصاص وحيازة خمس الغنائم ومصادرته أموال السارقين والخمّارين، وصك العملة باسمه ابتداء من فبراير 1885م.

أقام المهدي في المنطقة التي امتد إليها نفوذه نظاماً إسلامياً، ونظّم الشؤون المالية وعين الجباة لجمع الزكاة. وكانت مالية الدولة التي أقامها مكونة مما يجبى من زكاة وجبايات على القبائح ولمشروعات ولواق الغنائم الحربية والمحصولات والألقام.

تأثر المهدي بالشيعة في ادعائه المهدية التي ستملأ الأرض عدلاً، وفي التأكيد على أهمية نسبه الممتد إلى الحسن بن علي، وفي فكرة العصمة والإمام المعصوم. وأخذ عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب قوله بضرورة الأخذ عن الكتاب والسنة مباشرة، وفتح باب الاجتهاد. كما أخذ عن جمال الدين الأفغاني وعن الإمام محمد عبده، الذي كان على صلة بأفكارهما، الدعوة إلى تحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار الأوروبي وتوحيدها وضرورة تطبيق الشريعة في حياة المسلمين.

ابتدأ المهدي دعوته من جزيرة أبا التي ما تزال مركزاً قوياً للمهدية إلى الآن، وقد وثّق صلته في القبائل في مختلف أنحاء البلاد. ومما لا شك فيه أن الثورة المهدية استطاعت أن تصهر السودانيين في بوتقة واحدة، وجعلت منهم شعباً واحداً جاهد مع قائده وزعيمه وحقق انتصارات باهرة على أعدائه. وقد أسقطت المهدية المذهبية وألغت الطرق الصوفية وأعلنت أنها سلفية تدعو إلى عقيدة السلف في التوحيد والاجتهاد وفق المصالح المتجددة. وقد اعتبرت الجهاد ضد الكفار مقدم على الفرائض الأخرى. وهي تعتبر من أبرز حركات اليقظة في العالم الإسلامي.