المقاييس والمواصفات

المقاييس والمواصفات

عنصر ايجابي في التخطيط الاقتصادي العربي

د. امين احمد الشريف

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1962 ، العدد الثالث والعشرون ، الرائد العربي

بمناسبة انعقاد الدورة الثانية للجنة الفنية الدائمة لمؤتمر المقاييس والمواصفات العربي في بيروت في 15 ايلول / سبتمبر الحالي ، طلبنا الى الخبير الفني الدكتور امين الشريف كتابة بحث حول هذا الموضوع المهم لقراء مجلة ” الرائد العربي ” ، فكتب يقول :

توطئة

ينعقد في الخامس عشر من الشهر الحالي في معهد البحوث الصناعية في بيروت ، الاجتماع الثاني للجنة الفنية الدائمة للمواصفات والمقاييس التابعة لادارة الشؤون الاقتصادية لدى جامعة الدول العربية . ويشكل هذا الاجتماع خطوة اساسية جديدة لتكريس المقاييس والمواصفات على الصعيد العربي العام  ، وتدليلاً على ما نعلقه من آمال على التعاون المجدي بين الدول العربية على الصعيد التكنولوجي ، كوسيلة للنهوض باقتصادنا وصناعتنا كمجموعة بشرية مدركة لمقتضيات التطور ومسلتنزماته . فاعتمادنا المقاييس والمواصفات سبيلاً عملياً لهذا التعاون هو امر ييسر لنا مهمتنا ويبرهن على وعينا ويعود علينا جميعاً بالخير الذي عادت به المقاييس والمواصفات على الشعوب التي سبقتنا اليها ، والتي أخذت بها اعترافاً بقيمتها الانمائية وحرصاً منها على عدم التخلف في هذا المجال الحيوي . كذلك ، فان انظمة المقاييس والمواصفات تكون ، بلا شك ، أكثر فعالية اذا جاءت منسجمة مع المعطيات الاقتصادية والفنية العامة لدى الدول الاعضاء في الجامعة العربية ، إذ ان الفائدة الكبرى لتطبيق هذه الانظمة على الصعيدين الاقليمي والدولي تكمن في تسهيل تبادل المنتجات والخدمات بين مختلف الدول .

الفرصة مؤاتية في هذا الظرف بالذات لوضع أسس هذا التعاون . فالبلاد العربية اليوم في مستهل موجة عارمة من المشاريع التخطيطية يتحتم عليها فيها ان تستفيد من اعتماد انظمة مدروسة للمقاييس والمواصفات ، يجنب تطبيقها الفوضى في تنفيذ المشاريع ، ويحول دون بذل الجهود في غير أوجهها السليمة ، ويمكن بالتالي تفادي المزالق التي كان لا بد للبلاد العريقة في الصناعة من ان تتخبط فيها نتيجة لاعتماد انظمة المقاييس والمواصفات بعد مرور زمن طويل على بدء التصنيع فيها . فالتصنيع في البلاد العربية عامة لم يبلغ بعد مبلغ التشعب الذي يزداد تصلباً مع تقادم الزمن ، بل هو لا يزال في هذه المرحلة الانمائية المبكرة ، على مبلغ من الليونة يمكنه من الاخذ باسباب التقييس دون كبير عناء او خسارة مادية تذكر . وان لنا في اليابان والهند مثلين عظيمين لما يمكن لبلد ان يقوم به في هذا المجال . فلقد بدأت هاتان الدولتان العمل الجدي في حقل المقاييس والمواصات بعد الحرب العالمية الثانية واستطاعتا انشاء منظمتين من اكبر المنظمات العالمية ومن أغزرها انتاجاً ، رغم ان الهند كانت آنذاك لا تزال تعتبر من البلدان المتخلفة اقتصادياً . أما اليابان ، فبعد ان كان انتاجها الصناعي قبل الحرب العالمية الثانية معروفاً بتدني اسعاره ورداءة اصنافه ، تراها اليوم قد سنت المقاييس الصناعية وراقبت جودة المنتجات المعدة للتصدير ، بوجه خاص . و كان من نتيجة هذه التدابير ان احرزت اليابان الثقة التي تؤهلها لمنافسة المصنوعات المماثلة في الاسواق الحرة . وما الصيت الحسن الذي تتمتع به اليابان في صناعة العدسات والاجهزة الالكترونية وسواها من الصناعات المتقدمة ، الا نتيجة للجودة التي بلغتها هذه المنتجات كلها عن طريق تطبيق المقاييس والمواصفات بامانة ودقة .

المقاييس والمواصفات على الصعيد العربي

يعود تاريخ العمل في مجال المقاييس والمواصفات على الصعيد العربي الى عام 1958 حين قام معهد البحوث الصناعية في بيروت ، بالاشتراك مع وزارة الاقتصاد الوطني وجمعية الصناعيين اللبنانيين وغرفة التجارة والصناعة في بيروت ، بالدعوة الى عقد المؤتمر الاول للمقاييس والمواصفات للشرق الاوسط الذي حضره اكثر من مئة وعشرين ممثلاً من مختلف الهيئات الحكومية والمؤسسات الاهلية العربية ، وتكلم فيه مديرو مؤسسات المقاييس والمواصفات في بريطانيا وفرنسا والمانيا والجمهورية العربية المتحدة . وقد أظهرت المحاضرات والمناقشات التي تلت ، الاهتمام البالغ الذي اولاه الحضور بالنسبة الى حيوية موضوع المقاييس والمواصفات والشعور بالحاجة الماسة اليها في هذا الجزء من العالم ، وضرورة دعمها مادياً ومعنوياً من قبل الحكومات عن طريق انشاء مؤسسات وطنية للمقاييس والمواصفات تتمثل فيها كل الفئات المعنية من صناعيين وتجار ومستهلكين ، وان تعتمدها الدول العربية مرجعاً فنياً في حقل اختصاصاتها  وتجعل من مواصفاتها اساساً لمشتروات الدول والهيئات الحكومية ودفاتر الشروط والمناقصات ، كما تجعل منها اداة مراقبة فعالة في مجالات الاستيراد والتصدير والصحة العامة والسلامة الصناعية .

تبع هذا المؤتمر الاول الاجتماع الاول للجنة الفنية الدائمة للمواصفات والمقاييس لدى جامعة الدول العربية الذي عقد في القاهرة في اواخر كانون الثاني / يناير 1961 ، وتبعه في القاهرة ايضاً المؤتمر الثاني للمقاييس والمواصفات في الشرق الاوسط . وانبثقت عن كل من اجتماع اللجنة المذكورة والمؤتمر الثاني المومأ اليه مقررات وتوصيات وضعت على جدول اعمال الاجتماع الثاني للجنة المقاييس والمواصفات ، والذي نحن يصدده ، ليصار الى البحث في مدى تطبيقها من قبل الدول الاعضاء خلال الفترة التي انقضت منذ انعقاد الاجتماع الاول . ومن جملة هذه التوصيات ان تسرع الدول الاعضاء بانشاء هيئة او مؤسسة وطنية للمقاييس والمواصفات والعمل على تنسيق النظم المنبثقة عنها مع المنظمات الدولية العاملة في هذا المجال . كذلك ، فان جدول الاعمال يعرض للوسائل الناجعة لتبادل المعلومات بين الدول العربية يما يتعلق يتطبيق المواصفات وطرق الفحص والتحليل والقياس بالسبل التي تيسر المشورة بين الدول العربية بشأن مشاريع المواصفات والمقاييس قبل اعتمادها ، والعمل على توحيد المصطلحات الفنية وتبادل الزيارات بين المختصين .

اذن ، وقد تكرس الوعي العربي العام على الصعيد الرسمي والفني بهذا الشكل ، فلسنا بعد بحاجة الى تبرير الضرورة الملحة للاخذ بانظمة المقاييس والمواصفات في بلادنا ، وانما نحن بحاجة ، تجاه الرأي العام الواعي، الى جلاء الفائدة التي تنجم عن تطبيق هذه الانظمة على اقتصادياتنا . فالبلاد العربية ، من الناحية الانتاجية ، بلاد لا تزال تغلب عليها الصنعة الزراعية . لكنها ، لما لها من موارد طبيعية كالنفط والخامات المعدنية ، آخذة باسباب استغلال هذه الثروات لرفع مستوى حياة الشعوب فيها عن طريق التصنيع الذي يؤدي بدوره الى التوسع في التجارة الداخلية  كما في التجارة الخارجية عن طريق تبادل المنتجات والخدمات . وعلى هذا الاساس ، فالبلاد العربية بحاجة الى مقاييس ومواصفات في ميادين التجارة والزراعة والتكنولوجيا ، وفي كل ما يتعلق بانظمة السلامة والصيانة .

لنعرض الآن بايجاز لكل من هذه المجالات على حدة .

إن الانتاج الزراعي الذي يمتاز بوفرته وتنوعه في بلادنا لا يزال بحاجة الى تصنيف وتبويب مبنيين على تجارب علمية قويمة تشكل الاساس الذي يجب ان ترتكز عليه كل عمليات التصدير . ولنا من مشاكل تصدير الفاكهة في لبنان خير مثل على التحسن الكبير الذي يمكن تحقيقه في الاسواق الخارجية اذا وضعنا مواصفات لما نصدره من انتاجنا الزراعي و منعنا تصدير كل ما لا تنطبق عليه هذه المواصفات . ففي السمعة الحسنة التي تكون من نصيبنا عند ذاك ما يكفل التوسع في الاسواق الخارجية ، نظراً لما تحوزه بضاعتنا من ثقة المستورد والمستهلك على السواء . فالمواصات تحدد طريقة التوضيب وخواص البضاعة وما يدخل عليها من مركبات كميائية عند اللزوم ، كل ذلك بشكل واضح لا غموض فيه . وثمة مثل آخر يعيننا على ادراك أهمية المواصفات . فبذور القطن تعد من المصادر الرئيسة للزيوت النباتية في بلادنا ، إلا ان صفقات بيعها وشرائها في الاسواق الداخلية لا تزال تعتمد على الوزن ، في بعض الاحيان ، كأساس لقيمة البضاعة ، بينما نجد ان المنطق يقضي بان يستند الثمن الى مقدار ما تحويه هذه البذور من زيت وما تحمله من رطوبة وما يزال عالقاً بها من وبر القطن . هذه كلها امور يمكن وضع مواصفات ضابطة لها يستفيد منها المشتري ، وهو على علم تام بنوعية ما يدفع ثمنه .

ما يصدق على الصادرات الزراعية يصدق ايضاً ، من حيث المبدأ ، على كل ما يتعلق بالصادرات الاخرى ، لأن المواصفات تحدد للشاري الاجنبي جودة ما يستورد وتجعله على بينة وثقة تامتين بالصفقة التي هو مقبل عليها . وغني عن الذكر ان التعامل بين طرفين يعتمدان المقاييس اساساً امر يخلق جواً من الطمأنينة بينهما ويحقق للمنتج سوقاً دائمة ومستقرة ومتزايدة ويضمن للمستورد انتاجاً موثوقاً يعود عليه بالفائدة المادية والمعنوية .

اما بالنسبة للتجارة الخارجية في حقل الاستيراد ، فان اخضاع السلع المستوردة لمواصفات واضحة وصحيحة ، قد يحد من عدد مصادر الاستيراد ، الا انه يؤمن لنا اصنافاً تتوافق مع ما نريد استيراده لأن هذه المستوردات قد أخضعت لمقاييس ومواصفة صارمة وصريحة . وهذا ما يحول دون وقوع مشاكل اساسية لاحقة بين طرفي التجارة الخارجية : المصدّر والمستورد . فالحرية المطلقة في التجارة وغير الخاضعة لمواصفات ملزمة ، أمر يقدم العامل الشخصي والمزاجي الذي قد يستهدف الربح السريع ولو على حساب بضاعة رديئة . نكون عندها ، ونتيجة لعدم التزامنا بمواصفات مقبولة من الجميع ، وكأننا قد فتحنا ابوابنا لاستقبال ما ترفضه الاسواق الاخرى التي تؤمن وتلتزم بالمقاييس والمواصات وتعمل بهديها .

نأتي الآن الى مجال الصناعة ، هذا المجال الذي نما كثيراً في السنوات الاخير في اكثر الدول العربية . فقد أدركت هذه الدول ان التصنيع ضرورة اساسية لكل مجتمع يسعى الى رفع مستوى معيشته وتحقيق ما يمكن له تحقيقه من الاكتفاء الذاتي . ففي هذا المجال ، مجال التصنيع ، يمكن للمقاييس والمواصفات ان تلعب دوراً أساسياً في دفع عجلة التصنيع بسبب ما يمكنها تحقيقه من توفير الجهود وتنسيقها ، الأمر الذي يؤدي بدوره الى زيادة الانتاج وخفض التكاليف . ولعل اول ما يمكن للمقاييس والمواصفات ان تؤديه من خدمة لهذا القطاع الانتاجي المهم ، ما يتعلق بقواعد تصميم المصانع والمنشآت الهندسية ، ومراعاة الاسس العلمية في تركيب المعدات والاجهزة الصناعية والاهتمام بقواعد الحيطة والسلامة في العمل . فلقد اتضح ، في مناسبات متعددة ، ان اكثر الحوادث الطارئة من حريق او انفجار او تعطيل ، هي امور غالباً ما تنجم عن خطأ في الصميم او اهمال في اتخاذ الحيطة التي تمليها ظروف العمل ، إهمالاً لا يتسبب فقط في وقف الانتاج او تأخيره ، بل يسبب ايضاً خسارة في الارواح او الاصابة بعاهات دائمة . وغني عن القول انه اذا كان لاعتماد التصميم الصحيح والملائم اثره البين في خفض التكاليف ، فان اتباع الاساليب الصحيحة في الحيطة والصيانة اثناء العمل ، تنعكس ايجاباً على انتاجية العامل لأنها تشعره بالاطمئنان أن اصحاب المؤسسة مهتمون بسلامته الشخصية . ولا أظنني مغالياً اذا انا أكدت في هذا المقام ان التصنيع لا  يمكن ان يؤتي أكله كاملاً الا اذا استند الى برنامج شامل للمقاييس والمواصفات ، تتبلور فيه خبرة أهل الخبرة والعلم ، وتنعكس فيه رغبة المسؤولين في طبع برامج الانماء بطابع الجدية .

سبق ان قلنا ان البلاد العربية بأكثرها بلاد زراعية تتجه نحو التصنيع واستغلال ثرواتها لسد حاجاتها والتصدير الى الخارج . لذلك ، فقيام الصناعات الزراعية كالسكر والزيوت النباتية ومشتقاتها والكحول والمعلبات ، وكذلك الصناعات النفطية والمعدنية كالاسمدة والخلائط والصلب ، ومعها الصناعات الميكانيكية الخفيفة ، تتطلب كلها الانسجام مع مثيلاتها من الصناعات في البلدان التي لديها أنظمة معمول بها للمقاييس والمواصفات . وبهذه الوسيلة نكون قد توخينا انتاجاً محلياً لا يقل جودة عن الانتاج الذي قد نرغب في استيراده . كما اننا اذا أردنا التصدير ، فاننا نصدر عندئذ وفق مواصفات ومقاييس مقبولة في الاسواق الخارجية .

أعتمدت أكثر البلدان التي تتقيد بالمقاييس والمواصفات شارة للمطابقة ، هي عبارة عن علامة مميزة تسمح مؤسسة النقاييس والمواصفات الوطنية بوضعها على انتاج يتقيد بهذه المقاييس والمواصفات ، بعد ان تتحقق من مطابقة الانتاج للمقاييس المتعلقة به وبعد ان تأخذ تعهداً خطياً من المنتج بان ما ينتجه ويبيعه يتقيد بالمستوى المحدد . وكل مخالفة تعرض صاحبه للملاحقة القانونية . وليس ادل على حرص بلد ما على سمعته من مراقيته لجودة ما يصدره واعتماده شارة المطابقة المذكورة دليلاً على مستوى صادراته . وبالمقابل ، فان المنتج الذي تسمح له جودة انتاجه استعمال هذه الاشارة سيكون  مطمئناً ان انتاجه سيلاقي اهتماماً اكبر لدى المستهلك الواعي .

لنا وطيد الأمل ان تنجم عن اجتماع اللجنة الفنية الدائمة للمقاييس والمواصفات حلول عملية لما يعرض من مشاكل وان تسهم بما تتوصل اليه من قرارت في دعم اقتصاديات الدول العربية .