المعونة الاستثمارية للدول النامية

المعونة الاستثمارية للدول النامية

د. سعيد النجار

نشر المقال في تشرين الاول / اوكتوبر 1962 ، العدد الرابع والعشرون ، الرائد العربي

ينبغي لمن يحاول ان يفهم مشكلات المعونة الاقتصادية ان يدرك انها خبرة جديدة كل الجدة . فلأول مرة في تاريخ الانسانية تكرس بلدان العالم الغنية جزءاً كبيراً اوصغيراً من مواردها لمساعدة البلدان الفقيرة . كما نجد ان جانباً من هذه الموارد يقدم هبة خالصة ، والجزء الآخر يعطى كائتمان يسدد بشروط وفوائد ، وكأنه دين تجاري عادي حصل عليه المستدين بعد ان تعهد بتسديده بشكل او بآخر. وقد أقامت معظم الدول التي تقدم الهبات والمساعدات المالية او العينية جهازاً خاصاً يتولى الاشراف على اعطاء المعونة للدول النامية . وبمكن ان نقارن بذلك ايضاً عدداً من الهيئات الدولية الني تقوم بالعمل نفسه ، إن من حيث تقديم المعونات او من حيث الاشراف على صرفها . وبذلك أضحت التنمية الاقتصادية لبلد فقير ومحتاج من البلدان الواقعة في آسيا وافريقيا موضع اهتمام ايجابي او مصلحي لبلد آخر غني او منظمة من المنظمات التي يبعد مقرها الآف الاميال عن هذا البلد الفقير النامي .

عرف العالم منذ وقت طويل التعاون الاقتصادي الدولي ، وقد أرجعه بعض المؤرخين الى منتصف القرن التاسع عشر . وهناك أمثلة كثيرة تذكر في هذا الصدد منها ماعرف بالاعارة والتأجير كمشروع مارشال او بقروض التعمير في خلال المرحلة التي تلت الحربين الاولى والثانية . وكانت هذه العمليات تنطوي على تحويل بلايين الدولارات لاعادة اعمار ما هدمته الحروب ، لكنها لم تكن ، من الوجهة الانمائية ، شيئاً يذكر ، لأن الاطراف المعنية بالامر كانت تنتمي الى المستوى نفسه ، سياسياً واقتصادياً وكذلك ثقافياً ، وهذا هو الأهم . وكانت طبيعة المهمة وآلياتها التي وضعت موضع التنفيذ ، مادية خالصة . فهي لم تكن فنية لأن النواحي التكنولوجية بلغت شأواً من التقدم في كل من المعسكرين المتقاتلين آنذاك ، المانيا والولايات المتحدة على حد سواء ، ولم تكن البلدان الغارقة في تخلفها تحتاج اليها . فشتان ما بين هذه المعونة والمعونات الاخرى التي تهدف الى التنمية وتنطوي على مواجهة ثقافات متنوعة وبين معونات تتناغم مع وضع الشعوب المكافحة للتخلص من جهلها وفقرها وسوء وضعها . وتعود هذه المعونة الانمائية القادرة على احداث تغيرات اجتماعية اساسية الى عهد قريب لا يتعدى العقد الخامس من قرننا الحالي .

لم تكن الخبرة التي يمكن الاستفادة منها قصيرة ومحدودة فحسب ، بل كان المحتوى السياسي العام بعيداً كل البعد عن الاوضاع الملائمة . فلم يبدأ العالم عمليات المعونة الانمائية الا في اواسط الحرب الكورية عندما بلغت الهوة الفاصلة بين الكتلتين العالميتين المتنازعتين أقصى مداها ، كما بلغت المعركة العقائدية منتهاها الذي لم تبلغه من قبل وأضحت سلاحاً له فاعليته في معركة كسب الاصدقاء والحلفاء . فبرنامج النقطة الرابعة الذي اعلن عنه في الولايات المتحدة في شهر كانون الاول / يناير سة 1949 لم ينفذ في الواقع الا ابان الحرب الكورية ، وكان من العسير على الدول التي تمنح المعونة ، من جهتها ، ان تقاوم اغراء استخدام هذه المعونة على انها سلاح من اسلحة الحرب الباردة ، وكان على الدول المتلقية للمعونة ان ترتاب في الدوافع الكامنة وراء برنامج المعونة . وقد أيدت هذه الشكوك حقيقة واقعة وهي ان منح المعونة كان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاحلاف العسكرية والمعاهدات الدفاعية . وفي ضوء هذه الاعتبارات لم يكن غريباً ان يصبح تطبيق المعونة على النحو الذي حدث في العقد الخامس من القرن العشرين تطبيقاً يشوبه القصوروالجور . غير انه ينبغي ان ندرك ان هذا القصور الذي دخل على المعونات الانمائية من بابه الواسع ليس صفة محتومة . فلو توفرت الخبرة المحلية اللازمة والجو السياسي الملائم ، فان المعونة الانمائية لتمكنت آنذاك ان تعجل في عجلة التقدم وان ترفع من مستوى معيشة شعوب الدول المحتاجة وان تخلق احساساً بالتضامن والتفاهم الانساني . وهذا هوحجر الاساس . ولكي نبلغ هذه الاهداف ينبغي لنا ان ندرس التجارب التي مررنا بها في منتصف هذا القرن ، دراسة فاحصة بحيث نستطيع ان نضع ايدينا على الاخطاء فنتجنبها وعلى مواطن القصور فنتفاداها .

قبل ان نخوض في صلب الموضوع لا بد لنا من ان نحدد معنى المعونة الاستثمارية او الانمائية .  والمحك في ذلك ، وفقاً للمعونة الاقتصادية للامم المتحدة ، هو مقياس تدفق المنح والقروض الطويلة الامد المتبادلة بين الدول . وينطوي هذا المفهوم على كل الهبات والقروض التي تقدم نقدناً وعيناً . ويدخل في ذلك ايضاً توفير الخدمات والسلع (1) . وترى الامم المتحدة ان تعريف المعونة الاقتصادية لا يتضمن ما يلي :

1 – القروض بشكليها الطويلة والقصيرة الامد ، سواء أكانت عامة ام خاصة (2) . ويقصد بذلك القروض التي لا يمتد أجل سدادها الى ابعد من خمس سنوات من تاريخ تنفيذ القرض .

2 – القروض الخاصة ، حتى ولو كانت بضمان من الحكومة المقرضة .

3 – المنح التي يقدمها الاشخاص والمؤسسات الخاصة .

4 – المعونات العسكرية ودعم الدفاع الوطني طالما انهما غير محددين .

ومن الواضح ان الامم المتحدة تهتم بالقروض الرسمية او الحكومية دون القروض والمنح الخاصة . وهي محقة في ذلك ، لأن القروض الخاصة لها شروطها التجارية ، كما الهبات الخاصة لها طابعها الخيري بوجه عام . على انه من الجدير بالذكر ان :

أ –  قروضاً رسمية معينة تخضع لشروط القروض الخاصة نفسها ، او تكاد تخضع لها تقريباً ، وذلك بالنسبة لمعدلات الفائدة وشروط السداد . ولعل خير مثل على ذلك القروض التي يمنحها البنك الدولي .

ب – قد تكون الاستثمارات الخاصة المباشرة عبئاً آخر على ميزان المدفوعات بالنسبة للبلاد المتلقية للمعونة ، لكنها أخف وطأة من القروض الرسمية ذات الفوائد الثابتة .

ج – ينسحب هذا القول على كل من المنح الخاصة والعامة على حد سواء . على ان برنامج المعونة التي تقدمها منظمة اغاثة اللاجئين التابعة للامم المتحدة تعد أقل اتصالاً بالمعونة الاقتصادية من الجانب الاكبر لبرامج مؤسسة فورد ومؤسسة روكفلر .

لهذه الاعتبارات ، فان هذا البحث سوف يدخل في اعتباره تدفق رأس المال الخاص ، حتى ولو لم يكن يمثل المعونة الاستثمارية بمعناها الضيق والدقيق  . وقد أخذ بهذا الرأي كل من بول هوفمان (3) وبنهام (4) . على انه علينا ان نذكر ان الارقام المتعلقة بتدفق الاموال الاستثمارية ليست كلها سرية ، وانها تنطوي على جوانب من المعونة بدرجات مختلفة .

تلقت الدول النامية في الترة الممتدة بين 1951 و 1959 معونات اقتصادية من المصادر الثلاثة الرئيسة التالية:

أ – القطاع الخاص ، وبشكل خاص من هذا القطاع في الولايات المتحدة وبريطانيا والمانيا وسويسرا وفرنسا . وقد قدمت هذه البلدان الخمسة حوالى 96.6 بالمئة من مجموع المعونات . وكانت الولايات المتحدة وحدها قد قدمت نحو 70 بالمئة من هذه المعونات . وبلغت جملة المعونات نحو 30 بليون دولار اميركي ، بمعدل 3.3 بليون دولار سنوياً . ويهمنا ، في هذا المجال ، ان نعرف شيئاً عن توزيع المعونات وعملياتها المختلفة :

                                                                        بلايين الدولارات                         % من المجموع

الهبات الرسمية                                                                12.5                               41.6

راس المال الرسمي ( طويل الامد )                                   6.8                                 22.7

راس المال الخاص ( قصير الامد )                                      10.7                               35.7

المجموع                                                                          30.0                               100.00

يتضح من ذلك ان رأس المال الخاص يمثل ما يربو على ثلث مجموع المعونات . اما الهبات الرسمية فتقدر بما يربو على 40 بالمئة ، ويرجع ذلك الى الدور الرئيس الذي تلعبه الهبات في المعونات الاميركية .

ب – الاقتصاديات المخططة تخطيطاً مركزياً . ينبغي ان نذكر في البداية ان المعلومات المتعلقة بمجموع المعونات المخططة تخطيطاً مركزياً لا تزال غير كاملة . ومن ناحية اخرى نجد ان اتفاقيات الائتمان الطويلة الاجل تتصل بالالتزامات ، وهي تختلف اختلافاً بيناً عن الاستخدام الفعلي للقروض التي تقدم او التي يتعهد بتقديمها . ووفقاً لتقديرات الامم المتحدة (5)  نجد ان الالتزامات بالنسبة للدول النامية قد بلغت في نهاية سنة 1960 ما لا يقل عن 3.2 بليون دولار اميركي . وقد أسهم الاتحاد السوفياتي بمبلغ 2.6 بليون دولار ، أي ما يربو على 80 بالمئة من المجموع . اما الباقي فقد أسهمت يه كل من تشيكوسلوفاكيا بمبلغ 25 مليون دولار ويوغسلافيا بمبلغ 135 مليون دولار ة وبولندا بمبلغ 36 مليون دولار والمانيا الشرقية بمبلغ 29 مليون دولار ورومانيا بمبلغ 11 مليون دولار . ويجب التأكيد هنا ان الهبات لا تلعب دوراً يذكر بالنسبة لانظمة المعونة الخاصة بالكتلة السوفياتية ، إذ ان مجموع الهبات المقدمة من هذه الكتلة لا تتعدى 3 بالمئة .

ج – المنظمات الدولية ، ومن أهمها بالنسبة للفترة التي نتحدث عنها ، البنك الدولي للانماء والتعمير والتعاون المالي الدولي . وقد بلغت عمليات القروض التي قدمتها هاتان الهيئتان الدوليتان خلال الفترة الممتدة بين 1951 و 1959 ما مجموعه 1.9 بليون دولار اميركي . واذا ادخلنا في اعتبارنا السداد ، فان الصافي الذي ستحصل عليه هاتان الوكالتان لن يتعدى 1.6 بليون دولار اميركي . ومن جهته ، أنفق البرنامج الموسع للمعونة الفنية التابع للامم المتحدة في خلال الفترة الممتدة بين سنة 1950 و سنة 1959 حوالى 250 مليون دولار اميركي في مساعدة الدول النامية . اما الصندوق الخاص التابع للامم المتحدة والذي بدأ العمل في اول كاونون الثاني / يناير 1959 ، فقد منح في سنته الاولى ما يربو على 31 مليون دولار لتنفيذ 44 مشروعاً في البلدان النامية . واذا ما اخذنا بالاعتبار المعونات المقدمة من صندوق المعونة الاوروبية وبنك الاستثمار الاوروبي والميزانية المنتظمة للمعونةالفنية التابعة للامم المتحدة ، إضافة الى عروض من وكالات الامم المتحدة المتخصصة في أوجه النشاطات المختلفة ، وكذلك المنظمات الاقليمية التي قدمت حوالى 2.5 بليون دولار في خلال تسع سنوات ، فاننا نجد ان مجموع تدفق المعونة الاستثمارية الى البلدان النامية في الفترة ما بين 1951 و 1959 قد بلغ 35.7 بليون دولارموزعة على الشكل التالي :

                                                            بليون دولار                        %

أ – اقتصاديات القطاع الخاص                                            30                              84

ب – الاقتصاديات المخططة تخطيطاً مركزياً                              3.2                             9

ج – الوكالات الدولية                                                     2.5                             7

                                                                        ———                           —–

المجموع                                                                  35.7                           100

 اما بالنسبة لانواع المعونات فانها توزع على الشكل التالي :

                                                                        يليون دولار                        %

أ –  الهبات الرسمية                                                     13.2                           37

ب – راس المال الرسمي ( طويل الاجل )                                11.8                           33

ج –  راس المال الخاص( قصير الاجل )                                 10.7                           30

                                                             ——–                 —-                                                                                                                                         35.7                           100

من الجديرذكره ان الهبات الرسمية تمثل الجانب الاهم من المعونة ، وهي يبلغ 37 بالمئة . واذا صرفنا النظر عن راس المال الخاص ، فان مجموع المعونة يصل الى 25 مليون دولار ، منها 52.8 بالمئة على صورة رأس مال رسمي طويل الاجل .

إن مجموع حصيلة المعونة الاستثمارية لا يمكن ان يكون ذا دلالة ما لم يقترن بالمتغيرات ذات الدلالة بالنسبة للدول التي تقدم المنح والدول التي تتلقاها . والجدول التالي رقم 1 يبين عدد السكان والدخل الوطني للدول المقدمة للمعونة في سنة 1950 :

جدول رقم 1

                                     السكان                                         الدخل الوطني

                           مليون                   %                      بلايين                            %

                    في العالم                   الدولارات                في العالم              بالدولار للفرد

اميركا الشمالية         165.4                 6.6                  255.1             41.1         1552

استراليا ونيوزيلندا     10.1                  0.4                  7.8                 1.3           772

اوروبا الغربية         193.1                  7.8                  100.1             16.1         518

الاتحاد السوفياتي       192.0                 7.7                  78.3               12.6         400

                        ——–                ——                  ——–            ——          —–

 المجموع               560.6                22.5                  441.3             71.1

وفي عام 1950 كانت الدول المناحة (5)   تمثل أكثر بقليل من خمس سكان العالم ولكنها تمثل ما يربو على 70 بالمئة من الدخل العالمي . ولما كانت الارقام التي نذكرها في بحثنا عن المعونات الاستثمارية في خلال الفترة الممتدة بين 1951 و 1959 فان الدخل يجب ان يمثل المتوسط في هذا المجال . ففي اواسط الخمسينات كان الدخل الوطني للبلدان المانحة يبلغ حوالى 4 بليون دولار ، فان هذه الدول المقدمة للمعونات كانت تسهم بحوالى 70 بالمئة من دخلها الوطني . وكانت تقديماتها تشمل كل انواع المعونات . واذا صرفنا النظر عن راس المال الخاص فان مساهماتها تصبح اقل من نصف بالمئة من دخلها . اما بالنسبة للدول المتلقية للمعونة فان عدد سكانها ودخلها الوطني في سنة 1950 كان حسب ما يتضح من الجدول التالي .

جدول رقم 2

          السكان                                         الدخل الوطي

                        مليون                  %                     ملايين                 %  من                دولار

                                            في العالم                   الدولارات                المجموع               للفرد

اميركا اللاتينية        168.2              6.7                      35.9                    5.8                  213

الشرق الاوسط         84.9                3.4                      9.3                      1.5                  110

آسيا                    1291.7           51.8                     75.5                    12.2                58

افريقيا                 190.6              7.7                      9.2                      1.5                  48

                        ——–              —–                     —–                     ——-               ——

المجموع              1735.4           69.6                     129.9                  21.0

( المرجع : السكان والسياسة العالمية ، صفحة 129 )

كانت الدول النامية نمثل في سنة 1950 حوالى 70 بالمئة من سكان العالم ، بينما لا يزيد دخلها ، بالنسبة للعالم أجمع ، عن الخمس الا قليلاً . وفي أواسط الخمسينيات بلغ دخلها الوطني حوالى 160 بليون دولار . وهكذا ، أصبحت الاموال الاستثنارية تمثل حوالى 2.5 بالمئة من دخل هذه الدول الوطني . واذا ما صرفنا النظر عن رأس المال الخاص من حساب ما تسهم به الدول الغنية  فانها لا تمثل أكثر من 1.7 من دخل الدول المتلقية للمعونات .

مهما يكن المقياس الذي نتخذه ، فان معدل تدفق المعونات يقل كثيراً عن المستوى اللازم لجعلها اداة فعالة في مجالات التنمية الاقتصادية .            ويتضح لنا من العمود الاخير في الجدولين 1 و 2 ان هناك هوة كبيرة بين دخل الفرد في الدول المتقدمة ودخل الفرد في المناطق النامية .

وتصل هذه النسبة احياناً ما بين المعدلات العليا والمعدلات الدنيا الى أكثر من ثلاثين ضعفاً . وعلى الدول النامية ، اذا أرادت ان تتجنب دائرة الفقر المفرغة واذا ادخلنا في الاعتبار ارتفاع معدل زيادة السكان البالغ حوالى 2 بالمئة سنوياً ، ان ترفع دخلها الوطني الى حوالى 7 بالمئة او 8 بالمئة سنوياً . وهذا يعني ارتفاع دخل الفرد ما بين 5 و6 بالمئة سنوياً . وهذا معدل فيه الكثير من الطموح ، انما ما يدفع الى الاعتقاد بامكان تحقيقه ان معدلات مماثلة لهذا الدخل والنمو الاقتصادي سجلت بالفعل في دول اخرى مثل اليابان والمانيا الغربية وايطاليا والاتحاد السوفياتي بين 1951 و 1960 . كما ان خطط التنمية في الهند والجمهورية العربية المتحدة وغيرهما من البلدان تأمل بالوصول الى معدلات مماثلة . غير اننا اذا قبلنا النسبة المتواضعة وهي 5 بالمئة ، فان ذلك يعني زيادة جيدة في دخل الفرد . وهي تتضمن ايضاَ احتياجات استثمارية كافية ولكن غير مؤمنة . فهذه الاحتياجات الاستثمارية تعتمد بطبيعتها على نسبة رأس المال الى الانتاج . ويختلف الاقتصاديون اختلافاً كبيراً حول مستواها الفعال المقدر عادة ما بين 2.5 و 6 بالمئة . ويتضح ان النسبة بين رأس المال والانتاج تختلف بين دولة واخرى ، وفقاً للمستوى الاجتماعي بالنسبة الى رأس المال الفردي ، وكذلك بالنسبة الى انواع المشروعات التي تهدف الخطة تحقيقها بنجاح . ولهذا السبب نفسه نجد انها تختلف حتى في القطر الواحد وفقاً لاختلاف مراحل النمو في أجزائه . ونظراً الى الحاجة الملحة الى الرأس المال الفردي اجتماعياً في معظم الدول النامية ، فان نسبة مقدارها 3 بالمئة تعتبربرهاناً على الحاجة الى تعديله ورفعه . وعل هذا الاساس نجد ان زيادة المعدل بنسبة 5 بالمئة في الدخل الوطني تحتاج الى تخصيص 15 بالمئة من هذا الدخل لاغراض استثمارية . واذا كان المعدل الخاص بالنمو في عملية التخطيط هو 7 او 8 بالمئة ، فان الاستثمار يحتاج الى 21 او 24 بالمئة من الدخل الوطني العام . وتزيد معدلات الاستثمار هذه عن قدرة معظم البلدان النامية . فاذا ارادت هذه البلدان ان تتجنب التضخم او الكساد او انخفاض مستوى الاستهلاك ، فان المدخرات الداخلية لا تتحمل ان تدعم اكثر من 10 بالمئة من معدل الاستثمار ، وبذلك يتبقى 5 بالمئة كحد ادنى او 14 بالمئة كحد اعلى في مقابل المعونة الاستثمارية .

إن مفهوم القدرة على الاستيعاب يثار احياناً عندما يتحقق  مستوى مرتفع من تدفق راس المال على البلدان المتخلفة . ولا نعرف ماذا تعني بالضبط القدرة على الاستيعاب . لكننا ندرك ان لها ثلاثة معان مختلفة :

أ – انه اذا تجاوز معدل الاستثمار المستوى المعين لهكذا حالات فان الاقتصاديات النامية تصاب بالتضخم . وتدعم هذه الفكرة الاشارات المختلفة المحذرة من العبورباتجاهات تضخمية بسبب جمود البناء الاقتصادي وقلة المرونة في العرض . ومن الواضح ، على أي حال ، ان هذه الفكرة لا تصح الا اذا تجاوز المعدل في خطة الاستثمار معدل الادخار المحلي بدرجة كبيرة ، وكذلك عن طريق سد الهوة عن طريق الادخار الاجباري او ايجاد طريقة لتمويل العجز . ولا تنطبق هذه الحالة اذا ما جرى تمويل الفرق بين الاستثمار الموجه والادخار الاختياري المحلي عن طريق تدفق راس المال الاجنبي . واستكمالاً للادخار المحلي ، فان تدفق الرأس المال الاجنبي يصبح مضاداً للتضخم ، بل قد يكون انكماشياً .

ب – لا توجد في كثير من البلدان المتخلفة سوى فرص استثمارية قليلة بحيث تمنح المستثمرمعدلات عائد مرتفعة الى الحد الذي يجعل الاستثمار استثماراً له أهميته . وقد يكون هذا صحيحاً اذا فسر العائد بالصالح الخاص الذي يعود على المستثمر وحده . اما اذا فسر تفسيراً أشمل ، كما ينبغي ان يفسر، فانه يصبح قادراً على امتصاص اي مقدار مناسب اومطلوب من راس المال . وهكذا ، كلما زاد التقدم الاجتماعي زادت الفرص المتعلقة بالصالح الخاص . وفضلاً عن هذا الاعتبار فمن المتفق عليه عموماً ان ما يعرف عن طبيعة الموارد الخاصة المحلية ومداها في معظم البلدان المتخلفة ضئيل جداً . ولهذا السبب ، فان الدراسات المتعلقة بما يسبق الاستثمار لها أهمية كبرى لأنها تكشف عن الثروة والموارد الطبيعة لتلك البلاد . وهذه هي المهمة الرئيسة للصندوق الخاص التابع للامم المتحدة . ولا شك في ان عمليات الصندوق سوف تزيد كثيراً من فرص الاستثمار المربح .

ج – هناك ، من الناحية العملية ، عدد من البلدان المتخلفة التي لا تستطيع استخدام كل المعونة الاستثنارية المتاحة لها . هذا كلام صحيح ، لكن لا علاقة له باسطورة ” القدرة على الاستيعاب ” (6) . فاذا درسنا هذه المسألة دراسة فاحصة ، لوجدنا ان سبب عدم القدرة على استيعاب واستخدام المعونة يرجع الى نقص في التخطيط الملائم ، وكذلك نقص المعلومات المحددة المتعلقة بالمشروعات التي تعتمد على اطراف متعددة ومن هي هذه الاطراف وما هودورها . واخيراً ، بسبب النقص في وجود موظفين اكفاء ومعدات ضرورية . وقد يتساءل البعض ، لماذا لا نسمي هذه الانواع من النوافذ ” عدم القدرة على الاستيعاب ” ؟ . هذا لا يمكن ان يكون كذلك ، حيث ان عدم القدرة في هذه الحالة لا ترجع الى حجم المعونة وانما ترجع الى تكوينها ، وهو امر يمكن تعويضه على اي مستوى من مستويات المعونة سواء كان مرتفعاً او منخفضاً . ففي الواقع ، يمكن الجزم ان العمل على موازنة القدرة على الاستيعاب مع نقص هنا وهناك امر غير صعب اومستحيل . المهم ان نخرج الامر من ما يسمى من عنق الزجاجة . وبهذا التفسير نجد ان مفهوم القدرة على الاستيعاب يخلو من اي مغزى خاص .

ولو فرضنا ان مجموع دخول البلدان النامية سنة 1960 قد بلغ حوالى 200 بليون دولار اميركي، فان الحد الادنى للمعونة الاستثمارية اللازمة سيبلغ حوالى 10 بلايين دولار . وهذا المبلغ يساوي متوسط المعدل خلال 1950 – 1959 مرتين ونصف المرة . ويلاحظ ان هذا التقدير فيه تحفظ . فاذا فرض ان معدل النمو 1 بالمئة سنوياً لدخل الفرد ، فان ما توصل اليه المستر هوفمان (7) ان الرقم النهائي سيبلغ عندها 7 بلايين دولار سنوياً . ولو انه افترض معدلاً قدره 3 بالمئة سنوياً كمعدل لنمو دخل الفرد سنوياً ، لارتفع تقدير احتياجات المعونة الى درجة كبيرة . وينسحب القول نفسه على جماعة الخبراء الذين قدّموا تقاريرهم الى الامم المتحدة سنة 1951 عندما قدروا انه لا يمكن تحقيق زيادة مقدارها 2 بالمئة في الدخول الوطنية بالنسبة للفرد بدون استيراد سنوي لرأس مال يزيد على 10 بلايين دولار اميركي (8) . ولو ان الخبراء افترضوا ان معدل النمو هو 3 بالمئة بدلاً من 2 بالمئة على اساس اسعار سنة 1960 بدلاً من اسعار سنة 1951  ، لزاد تقديرهم عن العشرة بلايين دولار . فالبنسبة لمجموع دخول البلدان المقدمة للمعونات سنة 1960 نجد ان العشرة بلايين دولار تزيد قليلاً عن 10 بالمئة . وينبغي ان نذكر ان هذا التقديريتضمن كل انواع المعونة والقروض والاعانات ، العام منها والخاص . فاذا بدأنا بمعدلات ما بعد الحرب لوجدنا ان العشرة بلايين دولار ، او ما يبلغ 1 بالمئة من الدخول الوطنية للبلدان المانحة ، يبدو المبلغ أكبر قليلاً عما ينبغي . والواقع انه مبلغ في حدود امكانية هذه البلاد، وهو كذلك أقل بكثير مما كانت تستطيع بريطانيا ، مثلاً ، ان تؤديه في عصور الاستثمار البريطاني في ما وراء البحار . وقد عبّر الاستاذ نوركس الذي توفي مؤخراً عن ذلك بالعبارة التالية : ” في خلال السنوات الخمسين التي سبقت نشوب الحرب العالمية الاولى ، يبدو ان بريطانيا قد استثمرت يما وراء البحار مقدار ما يساوي 4 بالمئة من دخلها الوطني ” . وقد بلغت هذه النسبة في الجزء الاخير من الفترة الواقعة بين 1905 و 1913 نحو 7 بالمئة . ولو خصصت الولايات المتحدة اليوم حصصاً مئوية مماثلة من دخلها الوطني لاستخدامها في الاغراض نفسها ، فهي بذلك تصدر اموالاً تبلغ قيمتها 12 بليون دولار ، او اذا طبقنا نسبة مئوية أعلى ، فان مقدار ما تصدره من أموال سيبلغ حوالى 20 بليون دولار اميركي سنوياً (9) .

إن التوسع المقترح في حجم المعونات يثير المسألة الحيوية الخاصة بقدرة البلدان النامية على السداد . وتبعاً لابسط مستوى كان سائداً في ما بين 1951 و 1959 ، فقدكانت الديون ورسوم الارباح تستنفد موارد العملة الاجنبية الخاصة في  الكثير من البلدان النامية . ويوضح الجدول رقم 3 صافي الفوائد والارباح المدفوعة في صورة نسب مئوية للصادرات في 49 بلداً .

 جدول رقم 3

الاقليم                              عدد البلدان                         الفائدة والارباح نسبة الى الصادرات

                                                                                متوسط                     متوسط

                                                                        1951 – 1959             1956 – 1959

البلدان النامية                        49                                      9.4                            11.6

افريقيا                               8                                       9.9                            11.0

اميركا الجنوبية                      21                                      12.2                          14.7

الشرق الاوسط                       8                                       13.1                          16.8

جنوب شرقي آسيا                   9                                       3.6                            4.4

بلاد اخرى                             3                                       0.7                            0.2

تبلغ الفائدة والارباح المدفوعة حوالى 9.4 من صادرات البلدان المذكورة اعلاه في الجدول رقم 3 في خلال السنوات 1950 – 1959 ، كما تبلغ 11.6 بالمئة بين 1956 و 1959 . وقد سجل أعلى معدل في كل اقليم على حدة في منطقة الشرق الاوسط 16.8 بالمئة وتليها اميركا اللاتينية 14.7 بالمئة فافريقيا 11 بالمئة . وكانت شروط معدل خدمة الدين في جنوب شرقي آسيا 4.4 بالمئة من الصادرات ، وهومعدل مريح يشير الى المستوى المنخفض نسبياً للمعونة المتدفقة الى هذه المنطقة . ورغم المنح الرسمية الكبيرة ، فان العبء كان مرهقاً في خلال السنوات العشر التي تدقت في خلالها المعونات السخية (10) .

(1)     ” المعونة الاقتصادية الدولية للبلاد النامية ” ، منشورات الامم المتحدة ، رقم المبيعات 61 – 2 – ب- 20 .

(2)     تصنف القروض والمنح على انها عامة او خاصة وققاً لمقدم القرض او المنحة ، سواء كان المتلقي شخصاً اوهيئة عامة او خاصة .

(3)     مائة قطر ، مليون وربع بليون نسمة

(4)     المعونةالاقتصادية الدولية للبلاد النامية ، منشورات الامم المتحدة .

(5)     الامم المتحدة : التدفق الدولي لرأس المال الطويل الاجل والهبات الرسمية  ( 1951 – 1959 ) . المرجع : السكان والسياسة العالمية بقلم فيليب هازور ، صفحة 129 .

(6)     تستورد استراليا وكندا ونيوزيلندة جانباً كبيراً من رأس المال الخاص ولكنها تنمح هبات رسمية خالصة .

(7)     بنهام : ” المعونة الاقتصادية للبلاد المتخلفة ” صفحة 117 .

(8)     المرجع نفسه ، صفحة 12 .

(9)     قسم الشؤون الاقتصادية التابع للامم المتحدة : ” اجراءات التنمية الاقتصادية في البلاد النامية ” صفحة 79 .      كذلك   :    ر . نوركس : ” الاستثمار الدولي في الوقت الحاضر في ضوء تجربة القرن التاسع عشر ، النشرة الاقتصادية  صفحة 744 – 745 .

(10)  تمثل المنح الرسمية 76 بالمئة من مجموع تدفق راس المال الى جنوب شرقي آسيا في ما بين 1951 و 1959 مقارنة بنسبة 13 بالمئة ذهبت لاميركا الجنوبية و 60 بالمئة الى الشرق الاوسط .