المساعدات الاقتصادية للدول المتخلفة

المساعدات الاقتصادية للدول المتخلفة

تأليف فردريك بنهام

نشر هذا العرض لكتاب فردريك بنهام في تشرين الثاني / نوفمبر 1961 ، العدد الثالث عشر ، الرائد العربي

يدور كتاب هذا الشهر حول موضوع المساعدات الاقتصادية للدول المتخلفة . وهو يبحث في ماهية المساعدات واهدافها والاستثمارات الخاصة الخارجية المصدر وقطاع التجارة الخارجية بالنسبة لاقتصاد البلدان المتخلفة .

يتناول الفصل الاول من الكتاب مسألتي التخلف والتقدم الاقتصاديين ويميز بين معدل الدخل الفعلي للافراد ومدى التصنيع . ويلاحظ فردريك بنهام ان تعبير ” التخلف الاقتصادي ” ، وهو تعبير يطلق على مجموعة من البلدان تضم حوالى ثلثي سكان العالم ، قد يوحي ببعض الافكار الخاطئة اذا ما اعتبر ” التخلف ” تشخيصاً لحالات اقتصادية موحدة المزايا ، من دون اعتبار الفوارق التي تميز البلدان المتخلفة بعضها عن بعض . هنلك اعتبارات ثلاثة يرى بنهام ان لها قيمة خاصة في معرض التمييز بين حالات ” التخلف الاقتصادي ” المختلفة ، كما تتجلى هذه الاعتبارات في اقتصاد الدول المتخلفة ، وهي : مسألة السكان ، مدى التخصص في الصادرات ، والدور الاقتصادي للحكومات . وبعد تحديد نقاط التمييز الثلاثة هذه ، يثير المؤلف بعض القضايا المتعلقة بطبيعة عملية التنمية الاقتصادية .

القضية الاولى التي يثيرها هي قضية التصنيع . وهنا يذهب بنهام مذهباً تقليدياً حيث يرى ان الاتجاه الانمائي الذي يقيم للتصنيع أفضلية خاصة قد لا يكون اتجاهاً مبرراً في الكثير من الحالات . فهو يرى ايضاً ان ” النمو المتوازن ” يفترض انشاء قاعدة زراعية متينة ورأس مال اجتماعي قبل البدء في عملية التصنيع . لذلك ، فهو يذهب الى ان النزعة الى التصنيع السريع لن يكون ، في كثير من الاحيان ، الطريق الاقصر الى الازدهار الاقتصادي . اما القضية الثانية التي  يثيرها بنهام فهي قضية ” مساحة المزارع ” ونظام ” ملكية الارض land tenure . ففي عدد من البلدان ، تعتبر مسألتا ” صغر ” مساحة الوحدات الزراعية ، ثم ” نظام ملكية الارض”، حاجزان في وجه الانتاجية العالية وادخال التقنية الزراعية الحديثة . ففي هذه الحالات يستحسن ان تجري بعض التعديلات الجذرية ، مع الاخذ بالاعتبار اوضاع البلد الخاصة .

القضية الثالثة هي قضية الخدمات الاجتماعية . هنا يرى بنهام انه اذا كان لا بد من المفاضلة بين الانفاق لزيادة الانتاج والانفاق للتوسع في الخدمات الاجتماعية ، فانه يفضل الاولى . اما القضية الرابعة فتتعلق بفعالية الاتجاه التضخمي في سرعة عملية التنمية . ويرى المؤلف ، في هذا المجال ، ان نسبة متدنية من التضخم قد تساعد في زيادة معدل التثمير ، على ان لا تتجاوز نسبة الاتجاه التضخمي حدوداً معينة . تبقى مسألة السكان ، وهي القضية الخامسة التي يتحدث عنها بنهام . فهو يرى ان مشكلة تزايد السكان تشكل العقبة الكبرى في وجه رفع مستوى المعيشة . فالمشكلة الرئيسة التي تواجهها دول متخلفة امثال الهند وباكستان وبنغلاديش هي في الحد من تكاثر السكان عن طريق تخفيض نسبة الولادة .

يحاول فردريك بنهام في الفصل الثاني من كتابه ان يخرج بتحديد ما لمصطلح ” المساعدات الاقتصادية ” . فهو يلاحظ ان التحديد الذي تتبناه الامم المتحدة يشمل الهبات زائد القروض الصافية الطويلة المدى لغير الاغراض العسكرية الواردة من حكومات او مؤسسات دولية . اما التحديد الذي تعتمده بعض الدول التي تقدم المساعدات ، فيضيف الى تحديد الامم المتحدة الاستثمار الخارجي من مصادر خاصة . ويتبنى بنهام تحديد الامم المتحدة بعد ان يسقط منه القروض الحكومية المعقودة على أسس تجارية .

إن ضرورة وضع تحديد ما لمصطلح المساعدات الاقتصادية يعود الى غموض المصطلح ذاته ، مما يؤدي الى تضخيم رسمي في قيمة المساعدات الاقتصادية . وان قيمة تحديد المساعدات في هذا المجال هو بقدر ما يميز التحديد بين المساعدات الفعلية والاسمية . من هنا يرى المؤلف ضرورة تحديد مصطلح ” المساعدات الخارجية” . وقد لاحظ ، في هذا المجال ، ان المساعدات العسكرية التي يستثنيها التحديد الذي تعتمده الامم المتحدة ، تؤدي ، بدون شك ، الى نفع اقتصادي بقدر ما تخفف اكلاف التسلح عن كاهل الدخل الوطني . ويتساءل بنهام عن المنطق من وراء تحديد هيئة الامم الذي يستثني الاستثمارات الخاصة الخارجية المصدر والقروض التجارية الحكومية من تحديد المساعدات الخارجية بينما يشمل التحديد القروض الطويلة الاجل .

بعد ان يعرض الكاتب الى المساعدات الخارجية الاميركية والاوروبية والمساعدات التي يقدمها الاتحاد السوفياتي للدول المتخلفة ، يتساءل اذا ما كانت هنالك من حاجة في الدول المتخلفة الى مساعدات اقتصادية اخرى . ويلاحظ بنهام ان الدول المتخلفة كمجموعة هي بحاجة الى المزيد من المساعدات الاقتصادية ، ذلك ان المساعدات المالية التي تقدم حالياً لا تبلغ أكثر من واحد بالمئة من دخول هذه البلدان . ويلاحظ ايضاً ان هذه المساعدات تذهب في أغلبيتها الى بعض الدول المرتبطة عسكرياً بالعالم الغربي .

يتساءل بنهام عن القيمة الفعلية من المساعدات التي تحتاج اليها الدول المتخلفة غير الشيوعية ويقر ان هدف المساعدات الخارجية يجب ان يكون دفع اقتصاد الدول المتخلفة الى ما يسميه روستو ” مرحلة الانطلاق ” ، وبالتالي فان تحديد قيمة المساعدات يجب يتم وفقاً لهذا العامل لا غير . لكن المؤلف يلاحظ هنا ايضاً ان العبور الى مرحلة الانطلاق لا يعتمد فقط على كمية الاستثمارات بل على عوامل تقنية واخرى غير اقتصادبة .

بعالج الفصل الثالث من الكتاب موضوع التجارة الخارجية ويقرر المؤلف ان تصدير المواد الاولية من الدول المتخلفة الى الدول المتقدمة لا يشكل نسبة عالية من مجموع التبادل الدولي ، ولكنه يشكل ، على كل حال ، جزءاً رئيساً من صادرات الدول المتخلفة ، مما يجعل تغيرات العرض والطلب ذات أثر كبير على مداخيل هذه البلدان ، وبالتالي ، على عمليات التنمية فيها . فالحاجة ، اذن ، كبيرة الى تثبيت المداخيل من التجارة الخارجية للتخفيف من انعكاساتها المؤلمة على الحياة الاقتصادية في الداخل .

يلاحظ المؤلف ان الاستثمارات الخاصة الخارجية المصدر في الدول المتخلفة تتجه في اغلب الاحيان الى الدول الاكثر تقدماً باعتبار عاملي ” الربح و” الامان ” ، وبالتالي ، فقد كان نصيب الدول المتخلفة من هذه الاستثمارات ، اذا استثنينا الدول المنتجة للنفط وبلاد اميركا اللاتينية بنسبة أقل ، كان صغيراً نسبياً . ويرى الكاتب انه رغم كون تحديد الامم المتحدة للمساعدات الخارجية يستثني الاستثمارات الخاصة ، فان هذه الاستثمارات ، المباشرة منها بنوع خاص ، تقوم بدور فعال في عمليات التنمية في الدول المتخلفة .

أخيراً يرى بنهام ان الدافع الرئيس للمساعدات الاقتصادية يجب ان يهدف الى مساعدة الدول المتخلفة في عمليات التنمية ورفع المستوى المعيشي لشعوبها وليس مجرد المنافسة الساسية لكسب هذه الدول ضد الزحف الشيوعي .

هذه ملاحظات قليلة عن محتوى كتاب فردريك بنهام ” المساعدات الاقتصادية للدول المتخلفة ” . والكتاب يشكل، من دون شك ، مقدمة مفيدة لدرس هذا الموضوع بشكل أكثر توسعاً وأكثر دقة .