المساجد التراثية

المسـاجد التُّراثيـة

مُنذ أن اعتنق أهل عُمان الإسلام طواعيةً في العام السّادس الهجري، شيّد الصّحابي مازن ابن غضوبة السّعدي العُماني، والذّي كان يسكن مدينة سمائل، أوّل مسجدٍ في عُمان، يُسمّى حاليًا مسجد “المضمار”. وكان هذا المسجد نقطة البداية لإنتشار المساجد وعمارتها في هذا البلد المُسلم. وتعاقبت الأيّام والسّنوات، والمساجد تزداد انتشارًا وتطوّرًا في أحجامها ومحتوياتها.

إنّ المساجد منارة علمٍ وتعليمٍ وهي أماكن عبادة وتعبّد، ولها أثرها وارتباطها بشؤون العباد كافّة، ودورها أساسيٌّ في حياة الإنسان المُسلم عمومًا والعُماني خصوصًا.

كانت المساجد في عُمان تتميّز في السّابق بعدم وجود مناراتٍ عاليةٍ، بل يوجد امتداد لسقف المسجد على إحدى الزوايا، وهو إشارة للمسجد. كما توجد فتحة في السّقف للرّقي لسطح المسجد متّصلة بالدّاخل بسلّمٍ يوصل إليها. هناك أيضًا أماكن خاصّة لتبريد الماء الموجود في الأواني الفخارية، إضافة إلى آبار (الطّويان) الماء للشرب والوضوء.

ومن النّماذج التي تدل على عراقة هذا البلد وازدهار الفن المعماري فيه، نورد الآتي:

1 – مسجد الشّواذنة: يقع هذا المسجد بمحلّة العقر إحدى ضواحي مدينة نزوى التّاريخية. بُنيَ في العام السّابع الهجري. وكان آخر مرّة أُعيد بناؤه عام 936 هـ، ويشير إلى ذلك محرابه الذّي يمثّل روعةً في فنّ الزّخرفة والإتقان الفنّي. وهذا المسجد كان بمثابة صرحٍ علميٍّ تخرّج فيه الكثير من العلماء والأدباء والمفكّرين، وتتلمذ فيه الكثير من الفُقهاء الذين كانوا مصدر إشعاعٍ في الأرض العُمانية. وما يزال هذا المسجد على حالته السّابقة منذ بنائه.

2 – مسجد العالي الذي يقع في المحلة القديمة بولاية منح، وقد بُنيَ عام 909م كما يشير إلى ذلك التاريخ في محرابه، ضمن الكتابات والنّقوش الهندسية البديعة. وهو مسجد متوسّط الحجم وما زال عامرًا بالصّلوات.

3 – مسجد المزارعة الواقع في محلّة المزارعة، بمدينة سمائل. وهو مسجد متوسّط الحجم، بُنيَ محرابه في عام 974هـ الموافق 1567م، وبه نقوش هندسيّة جميلة وكتابات مختلفة، أهمّها الآيات القرآنيّة.

4 – جامع نخل الذي يقع بمدينة نخل، وهو من المساجد القديمة، وقد جُدّد آخر مرّة في عام 944هـ الموافق 1586م. واستمر حتّى عام 1991م، حيث أعيد بناؤه على الطّراز المعماري الحديث.

5 – مسجد الشّيخ شبيب الواقع في مدينة الغبي الأثريّة التابعة لولاية عبري، والمدينة الآن مهجورة ولم يبق من المسجد إلاّ حيطانه.

6 – مسجد العقر الذي يقع في حلّة العقر بولاية شناص. وهو مسجد بقيت أطلاله على ساحل البحر، وبقيت بعض حيطانه شاهدة على قدمه.

7 – مسجد قصر، الواقع في قرية منال بولاية سمائل. وهو من المساجد القديمة التي مازالت تقاوم أعاصير الزّمان.

8 – مسجد الحليلة الواقع بولاية عبري. وهو مسجد صغير الحجم وبه منارة يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار، وبها سلّم وهو مبني بالجص والحجارة.

9 – مسجد أبو بقرة، ويقع على ساحل قرية أبو بقرة في ولاية شناص. وهو مسجد متوسّط الحجم، به منارة عالية الإرتفاع. وهو مبنيّ بالجص والحجارة، ومازال مقاومًا للعوامل الجوّية المُناخية.

10- مسجد السدرة، وبه ستّ قباب.

11- مسجد الفليج وبه أربع قباب.

وهناك عدد كبير من المساجد بين الجبال والوديان البعيدة عن المنطقة المأهولة بالسّكان، وتُسمّى بمساجد العباد. ونرى ذلك جليًا في ولايات نزوى، بهلا، الرّستاق. وهي، كما جاء في بعض الرّوايات عن الآباء والأجداد، مقرّ للعلماء والأئمّة والعباد الصّالحين الذّين يفرّون إليها للإعتكاف لعبادة ربّ العباد، بعيدًا عن شؤون الحياة ومشاغلها. ولا شكّ أن ذلك من الخصوصيات التّي تتمتّع بها المساجد في عُمان.

ويجود عدد كبير من المُصلّيات في شتى الولايات، وهي مخصصّة لأداء شعائر صلاة العيدين. وهي بسيطة الشكل، إذ إنّها أرض محاطة بسورٍ مع وجود محرابٍ صغيرٍ يُرشد إلى اتّجاه القبلة.

ويوجد عدد من المساجد بها كتابات قديمة على حيطانها وأعمدتها، تدلّ على قدم تلك المساجد من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى على وجود المواد المستخدمة في البناء وفي الأحبار التي كُتبَت بها الكتابات- وخير مثال على تلك المساجد، مسجد شعاع، ويقع بولاية عبري. حيطانه مليئة بالكتابات المختلفة. ومن أبرز ما كُتبَ تواريخ وأحداث مرّت بها عُمان في فترات متعاقبةٍ- من أهمها تاريخ خروج العجم من مسقط، وكان ذلك عام 1012 للهجرة. وتُعتبر تلك الكتابات سجلاً حافلاً بالتواريخ والأحداث.

كما يوجد الكثير من مصلّيات النساء بمعزلٍ عن المساجد، وقريبة من مصادر المياه، وذلك لتكوُن أكثر سترًا للمرأة.

تكثر من جهةٍ أخرى المساجد المبنية داخل الحصون والقلاع، وتُعتبر جزءًا من تلك المواقع الحصينة، فيما يُعدّ دليلاً على اهتمام العُمانييّن حتّى في الظّروف القتالية بالمساجد وعمارتها والتّفقه فيها وتعلّم أمور دينهم. ونذكر منها:

– مسجد حصن عبري.

– مسجد حصن ينقل.

– مسجد البياضة، بقلعة الرّستاق.

– مسجد حصن جبرين.

– مسجد حصن جعلان بني بو حسن.

– مسجد حصن صور.

تتميّز هذه المساجد بالبساطة في بنائها من حيث الشّكل الخارجي الذّي يتكوّن من الحوائط المبنيّة بمواد الطّين والحجر أو الصّاروج. ويوجد في إحدى الزّوايا شكلٌ على هيئة قبّةٍ صغيرةٍ يُطلَقُ عليها إسم “البومة”، ولها فتحة صغيرة للإرتقاء منها إلى سطح المسجد، إذ في الدّاخل سلّم خشبي ملتصق الزاوية إضافةً إلى الفناء الخارجي للمسجد والذي يُطلَق عليه الصّرح. أمّا الداخل فتتكوّن من عددٍ من الأعمدة والأروقة والأقواس، وذلك حسب مساحة المسجد. كذلك يوجد بها محاريب مختلفة الأشكال والأحجام، لكنّها تتميّز بالبساطة والأناقة في آنٍ واحدٍ. وبعض الجوامع بها منبر على هيئة سلّم درجاتٍ تتفاوت في عددها. أمّا النّوافذ والأبواب، فهي من الأخشاب، والسّقف يتكوّن من خشب الكندل أو جذوع النّخيل أو الأشجار الأخرى التّي تتميّز بصلابتها وتحمل ثقل السّقف وبعض القش أو السّميم أو الحصر.

وفي مرحلةٍ من مراحل التّطور في بناء المسجد، ظهر الإهتمام بالمحاريب حيث استُحدِثَ فنّ النّقش بمادّة الجص، وكان ذلك في القرن السّابع الهجري؛ وازدهر في القرن العاشر الهجري وامتدّ إلى نهاية الثّالث عشر الهجريّ.

ويُعدّ الصّانع عبدالله بن قاسم بن محمد الهُميمي، والصّانع مشمل بن عمر بن محمد وولده طالب مَدرَسةً لهذا الفن. وهؤلاء الثّلاثة من ولاية منح. ازدهر على أيديهم فنّ النقش على المحاريب. وتتكوّن النقوش من آياتٍ قرآنيّةٍ كريمةٍ والشهادتين بخطٍّ كوفيٍّ جميلٍّ من تواريخ الإنشاء، وأسماء مَنْ قاموا بتمويل البناء والصُنَّاع الذّين صنعوا هذه المحاريب، إضافةً إلى نقوشٍ هندسيّةٍ بديعةٍ. وما زال عدد لا بأس به موجودًا حتّى الآن يُقاوم عوامل الإندثار والتّهدّم.