المجتمع المحلي في الكويت : خصائصه وتطوره

 المجتمع المحلي في الكويت : خصائصه وتطوره

نشر المقال في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي

تمر الكويت بمرحلة من التطور السريع الذي يشمل شتى مظاهر الحياة في البلاد وتبدو آثاره واضحة ، وبصفة خاصة ، في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وفي القيم السائدة في المجتمع . اما حدود بحثنا الحالي، فلم يدع لنا في المجال تبيان هذا التطور واتجاهاته بالتفصيل ، لكننا أشرنا اليه بالقدر الذي يلقي الضوء على طابع المجتمع المحلي في مدينة الكويت بالذات . ولا ريب ان الملامح الحقيقية لهذا المجتمع تكون أكثر وضوحاً من خلال التطورات التي مرت بها البلاد قبل اكتشاف البترول ، ثم بعد التوسع الكبير في انتاجه .

لمحة تاريخية

تقع مدينة الكويت في الركن الشمالي الغربي من الخليج العربي . وقد كانت لنحو قرنين من الزمن ، وحتى الحقبة الثالثة من القرن العشرين ، تمثل مجتمعاً صغيراً يحمل كل ملامح المجتمعات المحلية من حيث انها بقعة جغرافية محدودة المساحة وثابتة الى حد كبير ، يرتبط أهلها بمصالح اقتصادية واجتماعية مشتركة وتسودها مجموعة من العادات والتقاليد والروابط والقيم الاجتماعية التي تخلق عند أهلها شعوراً بالانتماء الى مجتمعهم ، وتجعلهم يتمتعون بقدر من التميز والشخصية المحددة المعالم .

كانت حياة هذا المجتمع ، حتى حقبة قريبة من الزمن ، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبحر . فاقتصاديات هذا المجتمع قامت على الغوص لصيد اللؤلؤ والنقل البحري والتجارة . وكان الانتاج منظماً تنظيماً حرفياً يذكرنا ، من حيث علاقاته بنظام الطوائف والاعراق التي عرفتها اوروبا وبلدان الشرق الاوسط العربي طوال العصور الوسطى وظلت آثاره باقية الى عهد قريب . فاذا أخذنا الغوص ، وكان الحرفة الرئيسة للمجتمع ، كمثل لهذا التنظيم لوجدنا انها كانت تقوم على ثلاث مراتب حرفية هي :

1 – مرتبة النواخذة ، وهم قباطنة مراكب الغوص والعارفين باسرار المهنة ومناطق تواجد اللؤلؤ .

2 – مرتبة الغواصين والسيوب ، وهم الذين يقومون بالانتاج . فالغواصون يغوصون لصيد اللؤلؤ ، والسيوب يساعدونهم بسحبها من الماء .

3 – مرتبة التبابين ، وهم الصبية الذين يرافقون المركب لتعلم الحرفة والقيام ببعض الخدمات السهلة وغير المضنية .

مرت العلاقات بين هذه المراتب بمراحل من التطور ، لكنها لم تفقد طابعها الاساسي ، باعتبارها مراتب في نظام حرفي او طائفي للانتاج . ففي المرحلة المبكرة لحرفة الغوص كان ” النوخذة ” يملك مركب الغوص وما عليه من معدات ، وهو في ذلك يذكرنا ” بالمعلم ” (1)  في النظام الحرفي الذي ساد اوروبا والشرق طوال العصور الوسطى . ويعمل مع النوخذة على ظهر المركب عدد من الغواصين والسيوب ، وهم يمثلون طبقة ” العرفاء ” (2 ) . فكانوا يعملون ولا يملكون شيئاً من معدات الحرفة ووسائلها الا النزر اليسير . ويرافق المركب ، عادة ، عدد من الصبية او ” التبابين ” (3 ) ، يتعلمون الحرفة ويتلقنون اسرارها ويصبحون في المستقبل غواصين او سيوباً ، كل بحسب استعداداته الجسمانية والذهنية .

يمثل مركب الغوص ، في هذه المرحلة ، وحدة الانتاج . وهي وحدة صغيرة مستقلة ، يرأسها النوخذة الذي يملك المركب ويقوده ، وأوامره مطلقة . ويقوم النوخذة بتقديم المآكل لبحارته ويسدد لهم اجورهم بمنحهم جزءاً معيناً ومتعارفاً عليه من حصيلة الانتاج بعد ان يبيع اللؤلؤ في سوق المدينة او في منطقة الغوص ذاتها ، حيث كان يمر به عدد من التجار ( الطواشين ) لشراء المحصول ونقله الى الاسواق العالمية في الهند واوروبا .

لم يكن هذا الوضع ليستمر طويلاً . فلم تلبث هذه العلاقات ان دخلت مرحلة جديدة من التطور بسبب الظروف التي احاطت بحرفة الغوص وتسويق اللؤلؤ . فقد أخذ عدد من النواخذة القدامى ، وأكثر النواخذة الجدد ، يلجأون الى الطواشين والتجار لتمويلهم في بدء الموسم ، تمويلاً يضمن لهم تغطية مصاريف الرحلة وتكاليف المآكل وتجهيز المعدات والرجال . والتزم النواخذة ، مقابل ذلك ، بيع محاصيلهم لمن يدينونهم من الطواشين والتجار . وكثيراً ما كانوا يضطرون ، في مواسم الكساد ، للتنازل عن مراكبهم وفاء لديونهم وقبول العمل لدى المالك الجديد مقابل نصيب معلوم من الانتاج . ومع مرور الوقت قوي نفوذ التجار في حرفة الغوص واصبحوا يملكون مجموعات كبيرة من مراكب الغوص التي تعمل لحسابهم ، وقلت أهمية ” النوخذة المنفرد ” الذي عرفناه في المرحلة المبكرة للحرفة ، وأصبح اسطول الغوص (4 ) الذي يملكه التاجر ، وليس مركب الغوص بمفرده ، وحدة الانتاج الاساسية . وكان ذلك ايذاناً بظهور الرأسمال التجاري الكويتي الذي سيلعب دوراً مهماً في بناء الثروة الوطنية في المستقبل .

في منتصف الحقبة الثالثة من القرن الحالي ( القرن العشرين ) بدأ الكساد القاتل في حرفة الغوص نتيجة اكتشاف اللؤلؤ المولد في اليابان . وقد عانى المجتمع الكويتي من ذلك فترة من الشدة الاقتصادية ، الى ان أخذ الرأسمال التجاري ينسحب من الغوص ويتحول الى الاستثمار في النقل البحري ، وتحول العدد الاكبر من النواخذة والغواصين والسيوب في هذا الاتجاه ايضاً . وبالرغم من الاختلاف الواضح بين الحرفتين وحساباتها ، فان العلاقة بين طائفة التجار من ناحية ، وطائفة النواخذة والبحارة من ناحية اخرى ، لم يطرأ عليها تعديل كبير.

انتعش النقل البحري خلال الحرب العالمية الثانية بسبب استخدام الاسطول التجاري الكويتي في نقل التموين بين شرق افريقيا والهند وامارات الخليج العربي . وقبل ان ننتقل بهذا العرض الى مرحلة اكتشاف البترول وآثاره ، سنحاول ان نعرض ، اولاً ، ملامح المجتمع المحلي القديم وخصائصه التي ميزته في ظل الغوص والسفر (5).

المجتمع المحلي القديم : ملامحه وخصائصه

لعبت العلاقات الحرفية التي أوضحنا مراحلها دوراً رئيساً في تحديد ملامح المجتمع المحلي القديم في مدينة الكويت ، وظهرت آثارها واضحة في شتى النظم والظواهر والقيم السائدة في هذا المجتمع . فقد كانت ” الاسرة ” في علاقاتها الاولية وتقاليدها المرعية في الزواج والطلاق والحجاب ، هي الوحدة الاساسية في التنظيم الاجتماعي . وهي تستمد مكانتها من صلاتها القبلية التي انحدرت منها ، ومن علاقاتها بالنشاط الحرفي في الغوص او السفر او التجارة . وكبير الاسرة ، مثل النوخذة ، له الكلمة العليا في تصريف امور الاسرة المالية وفي معالجة مشاكلها الاجتماعية . وكادت العلاقات العائلية ، في هذه الفترة ، ان تمحو شخصية الفرد تماماً .

تشترك الاسرة ، اوجزء منها ، في سكنى واحدة لها ” ديوانية” مستقلة ، تقوم بمثابة ندوة دائمة لكبارها واتباعهم، يبحثون فيها الامور العامة ويلتقون فيها في الاعياد والمناسبات . وتعرف الديوانية باسم الاسرة ، وليس باسم كبيرها . ويشار اليها ، لا باعتبارها مكاناً ، لكن باعتبارها “نظاماً اجتماعياً ” يرمز الى مكانة الاسرة ومركزها الاجتماعي .

ارتبط التعليم ، كغيره من النظم ، باحتياجات النشاط الاقتصادي ، سواء في الغوص او في السفر. فالاطفال يلقنون مباديء القراءة والكتابة والحساب في ” المكاتب ” التي يديرها نفر من رجال الدين . وقد يستمر ابناء التجار في هذه ” المكاتب ” لتعلم حسابات الغوص والسفر او يلتحقون بالمراكب ليصبحوا نواخذة او تجاراً . اما ابناء البحارة ، فانهم يعملون كتبابين ثم يرفعون الى مرتبة الغواصين او السيوب بحسب استعدادهم . اما الصناعة المحلية فارتبطت ايضاً بأعمال البحر ، فنشأت في الكويت صناعة المراكب وصيانتها بصورة مرموقة ومميزة بالمقارنة مع هذه الصناعة في امارات الخليج العربي . كما نمت حركة صيد الاسماك وصناعة الشباك وسواها من الاعمال الوثيقة الصلة بالبحر وباحتياجات المجتمع المحلي في ذلك الوقت .

كان من الطبيعي في مثل هذه الظروف ان يرتبط التبادل والمعاملات التجارية في السوق المحلي بحرفة الغوص ومحصوله واسعار اللؤلؤ . فالنشاط التجاري يبلغ قمته في بدء الموسم ، بين شهري نيسان / ابريل وايار / مايو، عندما يجهز التجار والنوازخذة مراكبهم للابحار ويتسلم البحارة  مقدماً جانباً من نصيبهم لتموين منازلهم وتأمين افراد اسرهم بالغذاء والكساء قبل مغادرتهم . ويدب النشاط في السوق ، للمرة الثانية ، في نهاية شهر آب / اغسطس مع عودة المراكب واتمام حسابات الغوص وتسريح البحارة . وكان طابع هذه المعاملات هو ” الثقة التامة بين الافراد ، ووجود مجموعة من القواعد المتبعة في تسديد الديون او تسويتها ولتبادل السلع او تسويقها نقداً ، من دون حاجة كبيرة الى مستندات او وثائق ” . ويتولى كبار العارفين بحرفة الغوص والسفر ، ويسمون بأهل الصنف ، بتسوية المنازعات ، خاصة ما اتصل منها بحسابات الغوص وتسوبة ديون البحارة والنواخذة . وقد تضافرت هذه العوامل كلها ، وما خضع له المجتمع الكويتي من مؤثرات دينية وتاريخية وبدوية ، تضافرت في نفوس الاهالي ، على غرس شعور عميق بالانتماء الى المجتمع الواحد ، وابراز الشخصية الكويتية المتميزة في اروع مظاهر الانتماء وهي :

اولاً ، التكافل الاجتماعي الذي طبع العلاقات العائلية وعلاقات الانتاج الحرفي بروح تتمثل في الرغبة الصادقة لمساعدة القريب واعانة الجار والصديق واغاثة منكوبي الغرق والحريق والمطر وتعويضهم بما يعيد اليهم مكانتهم وثروتهم .

ثانياً ، التضامن في الدفاع عن المدينة امام الغارات الخارجية من دون ان يكون هنالك جيش منظم . وكان يكفي، في هذه الاحوال ، ان تزود كل اسرة ابناءها القادرين بالمؤن والسلاح للاشتراك الاختياري في الدفاع عن المدينة . وجدير بالذكر ان الكويتيين قاموا في سنة1921 ،  كبارهم وصغارهم ، ببناء سور حول المدينة لصد احدى هذه الغارات او الغزوات ،فكان مثلاً رائعاً لروح التكاتف والشعور العميق بالانتماء الى مجتمع واحد موحد (6 ) .

والباحث الآن في خصائص هذا المجتمع لن يجد صعوبة في التماس آثار التنظيم الحرفي الانتاج،  خاصة انتاج الغوص ، مطبوعة على الظواهر الفنية في المجتمع المحلي . ولعلها أوضح ما تكون انطباعاً في الموسيقى المحلية و الاغاني والرقص الشعبي (7 )  . فقد كانت كلها او أغلبها مرتبطة بحياة البحر والغوص والسفر . ف”النهام ” ، وهو حادي البحارة ، له مكانته المرموقة في الطرب الكويتي ، وتجد أغانيه أعمق الصدى في نفوس الاهالي ،  بل ان الكثير من الاعياد والاحتفالات الشعبية ، مثل السنجلي ، كان جزءاً من حياة البحر والغوص ( 8 ) . وليس من المستغرب اطلاقاً ان نجد ان اتجاه الثقافة الشعبية ، في الملبس والمأكل ، قد تلونت بالوان الشرق عامة وبالهند خاصة . فقد تسللت التعابير والكلمات الهندية الى اللغة العربية العامية في الكويت ، خاصة ان الهند كانت السوق الرئيسة للؤلؤ والتجارة الكويتية الخارجية . وقد تغير هذا الاتجاه بعد اكتشاف النفط فاستدار نحو البلاد العربية واوروبا الغربية .

المجتمع المحلي بعد اكتشاف البترول وانتاجه

رأينا من خلال هذا العرض لملامح المجتمع المحلي في مدينة الكويت في ظل العلاقات الانتاجية الحرفية كيف ان هذه الملامح كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذا العلاقات . ثم كان كساد الغوص في البحار في الحقبة الثالثة من هذا القرن ( القرن العشرين )  فوجه ضربة اولى موجعة هزت كيان المجتمع القديم ، على الرغم من استمرار العلاقات الحرفية حيناً بفضل ازدهار النقل البحري الذي استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية . لكن اكتشاف النفط في نهاية هذه المرحلة وبدء الانتاج البترولي منذ عام 1946 كان ايذاناً بميلاد حقبة جديدة من التطور الاقتصادي والاجتماعي كادت تطيح بملامح المجتمع المحلي القديم ليحل محله مجتمعاً جديداً لا تزال خصائصه في بوتقة التكوين . ولعل أهم ما حدث في اعقاب الانتاج البترولي الكبير هو تحول الرأسمال التجاري الكويتي من النقل البحري ، بشكل تدريجي ، الى الاستثمار الداخلي في اعمال الانشاءات الحديثة التي تطلبت توسعاً كبيراً في مجالات الانتاج والخدمات . كما اتجه هذا الرأسمال نحو التجارة الخارجية بصورة لم تعهدها البلاد من قبل ، وذلك لسد حاجة السوق المتزايدة الى السلع الاجنبية ، وأهمها مواد البناء والملابس والمأكولات المحفوظة والكماليات . وكما أفاد التجارفي السابق افادة كبيرة في تجاربهم واستثماراتهم الماضية ، فانهم أخذوا الان بالوسائل الحديثة في الادارة وفي اعمال الاستيراد والتصدير ، مثل المعاملات المصرفية ، فأنشأوا الشركات المساهمة الكبيرة وأسسوا اول مصرف وطني في تاريخ الكويت ( 9 ) ، بل في تاريخ منطقة الخليج كلها ، ثم اتبعوه بمؤسسات مصرفية وتجارية اخرى متعددة .

اما النواخذة القدامى ، الذين لم يرتفعوا الى درجة التجار ، قد اضطروا لهجر البحر واتجه جانب منهم الى العمل التجاري المحدود بما تجمع لديهم من متوفرات ، بينما اجتذبت الادارة الحكومية الناشئة الجانب الاكبر منهم للعمل في الوظائف الكتابية والادارية . اما البحارة فلم يكن الامر سهلاً بالنسبة لهم . فقد توجه بعضهم للعمل في شركة النفط وفي الدوائر الحكومية والشركات الاهلية ، لكن خبراتهم ومهاراتهم القديمة كانت قد فقدت قيمتها في سوق العمل الحديث ولم تعد ثمة حاجة لخدماتهم ، مما اضطرهم لقبول الاعمال غير الفنية باجور متدنية لعجزهم عن منافسة العمال الاجانب الذين وفدوا على البلاد جالبين معهم مهارات فنية متقدمة ، تتفق ومتطلبات الانتاج الحديث . وبتحلل العلاقات الحرفية القديمة واقبال النواخذة والبحارة على العمل مقابل اجر ، زالت عنهم مظاهر الرونق والبهاء والمكانة الاجتماعية المرموقة التي كانت تضفيها عليهم مهنهم في الماضي ، ومزقة الحجب العاطفية التي كانت مسدلة على العلاقات الحرفية في الانتاج  فاستحالت هذه العلاقات تدريجياً الى علاقات مالية صرفة لا تقيم مكانة للفرد الا بقدر كفايته الفنية او ثروته المادية ( 10 ) .

هكذا اخذت العلاقات الحرفية القديمة تختفي بالتدريج واصبحت ملامح المجتمع القديم تتلاشى رويداً . وقد ساعد على ذلك وفود الآف العمال المهاجرين الى المدينة والى منطقة البترول ، حاملين معهم عادات وثقافات واذواقاً جديدة ، بل انهم نقلوا الى المدينة احتياجات جديدة جعلت السوق التجارية تنشط من جديد وعلى نطاق واسع . وكاد المهاجرون يفرضون احتياجاتهم ومتطلباتهم وطرق عيشهم على الاهالي الاصليين فرضاً . ومع هذا الواقع الجديد اخذت الصلات القديمة التي ميزت الاسر الكويتية في الزوال ونمت روح الفردية بين افرادها الى حد ظاهر ، بحيث أصبح من غير المستغرب او المستهجن انفصال الابناء عن آبائهم والاستقلال في حياتهم مالياً واجتماعياً . واخذت روح الفردية تغرق الحمية والحماسة الجماعية التي كانت قرين العلاقات العائلية القديمة ، لتحل الادارة الحكومية الناشئة ببطيء محل سلطة كبير الاسرة .

لم تعد مظاهر التكافل الاجتماعي القديمة تكفي احتياجات المجتمع الجديد الى التعليم والخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية والمرافق العامة ، وضاعف من الحاح هذه الاحتياجات نمو الوعي الاجتماعي في المدينة وازدياد النشاط الاختياري المنظم بين الاهالي وخاصة بين الشباب . كما دعا التطور الاقتصادي الاجتماعي ، وازدياد احتياجات الاهالي والجالية الاجنبية الى اعادة تخطيط المدينة تخطيطاً شاملاً ” طبقاً لأعلى مستوى في تنظيم المدن الحديثة ” . وكانت الغاية من التخطيط ، كما وضعه الخبراء ، تحقيق مجموعة من الأهداف العمرانية ، أهمها :

1 – اختيار مناطق لبناء مساكن جديدة ومبان اخرى في مواقع داخل السور وخارجه .

2 – اختيار مواقع لاقامة متنزهات وملاعب رياضية للمدارس وساحات عامة .

3 – ايجاد مناطق مناسبة للعمارات الحكومية وللمناطق الصناعية والتجارية والمدارس وسواها.

4 – ادخال نظام الطرق الحديثة في داخل المدينة وخارجها وانشاء ميادين جميلة ومشجرة في المدينة ، مع غرس الاشجار على جوانب الطرق وفي المواقع الرئيسة والمهمة في المدينة .

وتحقيقاً لهذه الاهداف قسمت المدينة الى مناطقة عديدة ، بحيث تستعمل كل منطقة لما خصصت له ، وبحيث تكون قادرة على استيعاب الزيادة المطردة في عدد السكان . وشمل التخطيط تزويد كل منطقة سكنية بجوامعها ومدارسها وساحات للعلب الاطفال ومراكز تسوق .

لعل أهم ما يميز التخطيط الجديد هو طابعه الاجتماعي لما يتضمنه من ساحات شعبية للرياضة وخدمات عامة للاهالي ، مثل توفير مياه الشرب والكهرباء والهاتف والمجاري ووسائل النظافة ، فضلاً الاشتراطات الصحية والهندسية المعمارية . وخصص المشروع كذلك منطقتين للصناعة ، احداها في غرب المدينة أنشئت فيها معامل تقطير المياه وتوليد الكهرباء وعدد من الورش الميكانيكية ومصانع المياه الغازية ، كما وضعت تصاميم لتحسين المنطقة التجارية داخل المدينة وحول الميناء . وعلى بعد ثلاثين كيلومتراً الى الجنوب من المدينة ، أنشيء مجمع صناعي حديث ممثلاً ” بمدينة الاحمدي ” ، المركز الرئيس لصناعة البترول في البلاد . و كانت قد سهلت مدينة الاحمدي لمجموعة كبيرة من مواطني مختلف الجنسيات والقوميات مكاناً عاشت فيه باستقرار وطمأنينة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية تخلله جو من الالفة والالتئام والتفاهم يدعمه اشتراكهم في انتاج واحد ونشاط اقتصادي معين .

ثمة عامل مهم كان له أبعد الأثر في تنمية الاحمدي كمجتمع صناعي ، ألا وهو نمو الخدمات العامة ، سواء كان ذلك من جانب شركة نفط الكويت او الحكومة الكويتية . ومنطقة الاحمدي في الوقت الحاضر خاضعة لتخطيط معين يصل بين مناطق السكن ومناطق العمل والتخزين . وهي مزودة بالقوى الكهربائية ومياه الشرب والغاز . وقد أنشأت شركة النفط الكويتية عدداً من الاندية واحواض السباحة لعمالها وموظفيها . وفي المدينة عدد من دور السينما المدعومة مالياً من قبل الشركة . اما العلاج الطبي فتوفره الشركة مجاناً لعمالها وموظفيها ، كما توفر الحكومة الكويتية ، من جانبها ، الكثير من الخدمات العامة ، خاصة في ميداني التعليم والصحة .

دور دائرة الشؤون الاجتماعية في تنمية المجتمعات المحلية

إن دراسة المجتمع المحلي في مدينة الكويت وتحليله ينبغي ان يتخذ أساساً للنهوض به وتنميته في المستقبل . وقد عنيت دائرة الشؤون الاجتماعية منذ انشائها في كانون الاول / ديسمبر 1954 بموضوع تنمية المجتمعات المحلية في داخل المدينة ، فانشأت لهذا الغرض عدة وحدات اجتماعية لخدمة الاحياء وتوصيل الخدمات الى الاهالي على أساس لامركزي فعال . وتقوم هذه الوحدات الان بأعمال البحث الاجتماعي والمساعدات العامة ومكافحة البطالة والاغاثة في مجالها المحلي . وترمي سياسة الدائرة مستقبلاً الى تدعيم هذه الوحدات وتوثيق صلاتها بالمواطنين عن طريق اللجان الاستشارية المشتركة لتنفيذ مشروعات التنمية الاجتماعية في الحي وجذب الاهالي للمشاركة الاختيارية في هذا الميدان . ولا ريب ان هذه الجهود لا تمثل ” مشروعاً ” شاملاً للتهوض بالمجتمعات المحلية في المدينة ، لكنها ستفيد حتماً في تنفيذ مثل هذه المشروعات في المستقبل . ومن الجدير ذكره في هذا المجال ان دائرة الشؤون الاجتماعية اتخذت خطوات موفقة للبدء بتنفيذ مثل هذه المشروعات في القرى . وقد دعاها الى البدء بالقرية العديد من الاعتبارات التي كان أهمها :

1 – ان التغيرات الاجتماعية في المدينة وآثار التخطيط الجديد لا تطال في الوقت الحاضر حدود المجتمعات المحلية القروية او خصائصها او احتياجاتها ، مما يجعل مهمة تنفيذ مشروعات التنمية الشاملة غير ميسرة التطبيق حالياً .

2 – ان نصيب المدينة من مشاريع الخدمات العامة في ميادين التعليم والصحة والمرافق العامة كان نصيباً مجزياً اذا ما قيس بما حصلت عليه القرى من خدمات ، الامر الذي يحعل للقرى نوعاً من الأولوية في مشاريع التنمية الاجتماعية التي وضعتها الدائرة .

وقد بدأت دائرة الشؤون الاجتماعية بالفعل جهودها هذه باعداد دراسة اجتماعية شاملة لعدد من القرى بينها الجهرة والفنطاس وابو حلية وجزيرة فيلكا . وعلى أساس هذه الدراسة ، أعدت الدائرة مشروعاً بانشاء مركز اجتماعي تجريبي في احدى هذه القرى مهمته القيام بتطبيق “مباديء ” التربية الاساسية في خدمة القرية . ولا يخفى على القاريء ان التربية الاساسية تهدف الى مكافحة الامية والجهل في المجتمعات المحلية المختلفة ، ليس باعتبار ذلك هدفاً تقف عند تحقيقه ، بل وسيلة لتحسين حياة الافراد والجماعات ، وكأداة لمعرفة البيئة المحلية واصلاحها . فالتعليم ، في ظل التربية الاساسية ، يتجه الى جميع الناس ويرتبط أشد الارتباط بمشاكلهم واحتياجاتهم ، ويعنى ، أكثر ما يعنى ، باكتساب مهارات مفيدة للاهالي ، كاستخدام الاساليب المحسنة في الانتاج وتعليم الصناعات الصغيرة واكتساب العادات الصحية السليمة . كما تعنى التربية الاساسية بالنشاط الترويحي عن طريق تشجيع الرياضة والالعاب الشعبية وألوان التمثيل والغناء والسمر الشعبي لأنها تمثل جزءاً أساسياً من الثقافة الشعبية وتساعد في تكوين شخصية الفرد .

يتجاوب المشروع ، من هذه الناحية ، مع التوصيات التي أوردها خبيرا التعليم بشأن التربية الاساسية في الكويت ، وهما الاستاذ اسماعيل القباني والدكتور متى عقراوي في تقريرهما عن التعليم في الكويت الصادر سنة 1955 ، كما يتجاوب مع حاجة القرى الكويتية الى الخدمات والى رفع مستوى سكانها الاجتماعي .

نقطة البدء في امال المركز الاجتماعي ، كما رسمته الدائرة ، هي مكاحة الجهل والامية بين الاهالي وجعل القراءة والكتابة اداة فعالة لكسب مهارات جديدة تسهم في تحسين احوال الناس وتمكنهم من التعرف الى بيئتهم المحلية واحتياجاتها . والمبدأ الذي يسير عليه نظام العمل في المركز هو ان يتولى الاهالي خدمة أنفسهم بتوجيه من الموظفين الفنيين الذين تعينهم دائرة الشؤون الاجتماعية . ومن اجل تحقيق هذا الهدف ستؤلف لجان عديدة مشتركة من الفنيين ونفر من ابناء القرية النابهين لتبادل الرأي واتخاذ القرارات وتعبئة القوى للتنفيذ .

1 – ” المعلم ” يقابله بالانكليزية master tradesman .

2 – ” العراء ” يقابله بالانكبيزية journeymen .

3 – لم يكن العمل كتباب هو الوسيلة الوحيدة للعمل في حرفة الغوص ، اذ ان عدداً من الصغار كانوا يتدربون على السباحة والغوص عند ساحل البحر ثم يلتحقون مباشرة بالمراكب .

4 – نقصد به عدداً من المراكب لا يزيد عادة عن ثلاثة .

5 – نقصد به النقل البحري ، خاصة في فصل الشتاء .

6 – استغرق بناء السور شهرين ويبلغ طوله ستة كيلومترات ومعدل ارتفاعه اربعة امتار وله سبعة ابراج كبيرة وستة وعشرين برجاً صغيراً .

7 – مثل أغنية البريخة التي يترنم بها البحارة عند سحب الهلب .

8- هو الحفل الذي يجري عادة عند انزال مركب او سحبه من البحر .

9 – أنشيء البنك الوطني في سنة 1952 .

10 – نظمت دائرة الشؤون الاجتماعية ودائرة المعارف اول برنامج للتدريب المهني للعمال الكويتيين بالكلية الصناعية في كانون الثاني / يناير 1956 .