اللؤلؤ: من قاع البحر الى جيد الحسان

اللؤلؤ

من قاع البحر … الى جيد الحسان

تحقيق فردوس المأمون

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1961 ، العدد الحادي عشر ، الرائد العربي

كانت الكويت منذ عصور قديمة وما زالت ، مركزاً تجارياً مزدهراً . وكان العرب من كل انحاء شبه الجزيرة العربية يلجأون اليها لشحن بضائعهم على السفن التي تجوب البحار الى الدول الاسيوية والى دول شرقي افريقيا . فاكويت ، منذ نشأتها ، يرتبط تاريخها بالبحر . فمن طريق البحر نزل اليها اول من استوطنها، وعلى موارد البحر عاش سكانها ، وعلى التجارة البحرية اعتمد أهلوها . وكانت الكويت تعتمد على نوعين من التجارة : النوع الاول ، تجارة البضائع والمواد الغذائية ؛ والنوع الثاني ، تجارة اللؤلؤ التي شكلت المورد الرئيس لسنين عديدة . ورغم أهمية النقل والتجارة البحرية ، فان هذه المهن كانت تأتي في الدرجة الثانية بالنسبة لمهنة الغوص على اللؤلؤ . ولا عجب في ذلك ، فالكويت ارتبط اسمها باللؤلؤ ارتباطاً وثيقاً منذ ان نشأت البلاد وعرفت .

أجمل الآلىء في العالم

عرف الغوص في الخليج العربي منذ عصور قديمة ، واشتهر الشاطىء الغربي منه بأنه من أفضل الاماكن التي يتواجد فيها اللؤلؤ . لهذا اشتهرت اللالئ المستخرجة من سواحل الكويت والبحرين ومسقط وعمان وقطر الخ.. بأنها من أجمل اللالئ الطبيعية في العالم . ويقال ان تكوين الخليج وطبيعة ارضه وضحالة مياهه ودفأها في فصل الصيف جعلته اشهر مغاصات اللؤلؤ في العالم . وهذا ما دفع أهل منطقة الخليج وشجعهم على الاستمرار ، سنوات بعد سنوات ، على استخراج اللؤلؤ . وكانت الهند ، التي حافظت على صلة قوية بالخليج منذ أقدم العصور ، على تبؤ المركز الاول في استيراد اللؤلؤ الخليجي والاتجار به .

أما عرب الساحل الخليجي فقد مارسوا تجارة الغوص على اللؤلؤ منذ ما قبل ظهور الاسلام ، وما يزالون . ولم تكن تجارة اللؤلؤ تقتصر على اسواق الهند وحدها ، بل كان لؤلؤ الخليج يصدر الى العراق وسوريا ومصر وتركيا وايطاليا وفرنسا وبريطانيا وسواها من البلدان التي عرفت قيمة هذا اللؤلؤ الطبيعي . وبقيت مهنة الغوص على هذا الدر الثمين ، مهنة معروفة ومألوفة ، تنتقل من جيل الى آخر ، وتخضع دائماً في ازدهارها على عامل الاستقرار الذي تميزت به مناطق الخليج .

اللؤلؤ والشعراء

إستهوى اللؤلؤ نفوس الشعراء ، فوصفوا المرأة بالدرة واللؤلؤة الزاهرة . وخلد الشاعر الاعشى اسم “دارين”، احدى اشهر المغاصات في الخليج عندما قال :

            كأنها  درة  زهراء   أخرجها               غواص ” دارين ” يخشى دونها الغرقا

            قد رماها حججاً مذ طر شاربه         حتى  تسعسع   يرجوها   وقد  خفقا

العاملون في الغوص

كثر هم الذين يحترفون مهنة الغوص في الخليج العربي ، حتى بلغ عددهم في مطلع هذا القرن ما يزيد على ثمانين الف رجل . وبلغت المهنة أوج ازدهاراها قبيل الحرب العالمية الأولى وجاوز عدد السفن العاملة في الغوص في الكويت وحدها الالف وخمسمئة سفينة ويقدر مجموع بحارتها بثلاثين الف رجل . إلا أن الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الاولى أدت الى فتور متزايد في تجارة اللؤلؤ . وزاد في تدهور اسواق هذا اللؤلؤ الطبيعي وأسعاره ظهور اللؤلؤ الصناعي في اليابان . ثم كان سقوط المهراجات في الهند ليزيد من كساد هذه التجارة لأنهم كانوا في طليعة من يشترون اللؤلؤ الطبيعي . ثم قامت حكومة الهند بمنع استيراد اللؤلؤ واقفلت ابواب الهند الواسعة امام لؤلؤ الخليج . اما اسواق هذا اللؤلؤ فتكاد تنحصر باسواق المملكة العربية السعودية والعراق والكويت . ومع بدء انهيار اللؤلؤ اخذ البحارة الكويتيون يتحولون تدريجياً الى استغلال مهاراتهم البحرية في العمل في سفن النقل البحري والتجارة البحرية .

مرت بالكويت ، من جراء ذلك ، فترة ركود اقتصادي خانقة ، استمرت حوالى عشرين عاماً ، كانت مهنة الغوص تسير خلالها من سيء الى أسوأ ، حتى أنعم الله على تلك الارض بينابيع البترول التي لا تنضب . وأصبح للذهب الاسود المكانة الاولى في ثروت البلاد . ولم يعد الآن في الكويت سوى سفن صيد لا يزيد عددها عن الست تعمل في الغوص ، أصحابها هواة أكثر منهم محترفين .

مهنة الغوص ومشقاتها

تعد مهنة الغوص من أكثر المهن التي مارسها الانسان صعوبة وشدة وخطورة . فيها ضنى وشظف ، وفيها عناء مضني . فهي تحتاج الى صبر شديد وتتطلب الابتعاد عن الوهن واليأس والتذمر .

يبدأ موسم الغوص في أوائل شهر حزيران / يونيو وينتهي في اواخر شهر ايلول / سبتمبر . وعلامة انتهاء الموسم في الكويت هي عندما يتساوى الليل بالنهار .

نظام الغواصين

ليست مهنة الغوص سهلة . كما انها ليست مهنة لا نظام لها ولا أحكام . فهي تتقيد بنصوص رمزية لا كتابية. وما سفينة الغوص إلا شبه دولة قائمة بذاتها ، فيها موظفون ولها اداريون تربط بينهم نصوص يعمل بها ولا تكتب . هذا ما أخبرني به الغواص الحاج محمد علي الذي قضى في هذه المهنة أكثر من 45 سنة . قال : يحكم السفينة اثناء الموسم نظام دقيق صارم . يعطى الربان سلطة مطلقة لا تحدها حدود ، إنما تحكمها تقاليد بحرية عريقة وعادات متبعة أهمها الطاعة المطلقة والنظام الدقيق .

صفات الغواص

لا يستطيع كل بحار ان يكون غواصاً . فمهنة الغوص لها شروطها ومطالبها وميزاتها . فيتوجب على الغواصين ان يتصفوا ، قبل كل شيء ، بالامانة التامة والتقيد بتعليمات الربان .

العمال ودرجاتهم

ما ان يهل شهر حزيران / يونيو حتى يذهب العاملون في مهنة الغوص لصيد اللؤلؤ في المياه الاقليمية . ويتراوح عدد الغواصين في كل سفينة ما بين عشر وعشرين غواصاً ، يعمل جميعهم من على مراكب شراعية ، تخرج كلها في شكل اسطول . وعند انتهاء الموسم يعود الاسطول ، بقيادة ربان اكبر سفينة . وهذا الربان يعطي اشارة انتهاء موسم الغوص .

ينقسم العمال الى فرق ودرجات . ولهذه الدرجات اسماء وتنظيم هو كالتالي :

اولاً ، فربق النواخذة ، وهم أصحاب السفن واصحاب الحق في ما يستخرج من اللؤلؤ .

ثانياً ، فريق الغواصين ، وهم الذين يغوصون الى أعماق المياه ويستخرجون اللؤلؤ من قاع البحر .

ثالثاً ، فريق السيوب ، وهم الذين يقومون بسحب الغواصين من قاع البحر الى السفينة . وهؤلاء أقل تعرضاً للمخاطر ، كما انهم أقل منزلة في مجتمع الغواصين .

رابعاً ، فريق التباين ، وهم الصبية الصغار الذين يرافقون السفن لاداء الخدمة والتدرب على مهنة الغوص .

سألت الحاج محمد علي ، الغواص المخضرم : هل من ميزات خاصة للغواصين ومكافآت يستفيدون بها اكثر من السيوب الذين هم ، كما قلت ، أقل منزلة من الغواصيين .

قال : نعم . فهناك ، عدا الميزة المعنوية التي يتمتعون بها ، ميزة مادية . فعندما يوزع المحصول في آخر الموسم ، بعد تنزيل مصاريف الطعام والشراب ، يعطى صاحب السفينة خمس المحصول ، ويعطى الغواصون ثلاثة اسهم من الارباح ، وينال السيوب سهمين . واذا كان في السفينة مساعد ، يسمى الرضيف ، فيعطى سهماً واحداً . وربما اخذ النواخز او بعض البحارة صبيانهم معهم لاكتساب الخبرة والخدمة على ظهر السفينة ، فهؤلاء ليس لهم نصيب من المحصول . اما نصيب النواخذ فهو يساوي نصيب الغواص . ثم ان هناك درجات ووظائف تتعلق بأعمال السفينة ، مثل ” السكوني ” الذي بيده ادارة دفة السفينة ، و” المجدمي ” الذي يكون مسؤولاً عن جميع البحارة .

تقاليد الغوص

ينهض أهل الغوص في الصباح الباكر ويتناولون القهوة العربية والتمر بقدر قليل ، خاصة الغواصين منهم . والغاية من ذلك اداء العمل براحة ومن دون تعب بسبب الاكل والشرب . يستمر عمل هؤلاء طوال النهار . ولا يتناولون اثناء النهار شيئاً من المأكولات ، حتى يحين المساء فيتناولون عشاءهم . وهم يعتمدون على هذه الوجبة في مقاومة التعب وفي تغذية اجسامهم الجائعة .

يقوم الغواصون في اليوم التالي بفتح المحار ( بتشديد الحاء ) ، اصداف اللؤلؤ ، التي جمعوها في اليوم السابق بحثاً عن درها . وتفتح المحار بطريقة فنية تتطلب مهارة وحذراً وحزماً ، كي لا يصاب اللؤلؤ الراقد داخل المحار ، بخدوش تقلل من قيمته . وتفتح المحارة بآلة حادة من احد جوانبها ، ثم يستخرج اللؤلؤ ويزال من حوله ما يحيط من اغشية . وبعد ان تستخرج اللآلئ المكنونة يضعها الغواصون داخل قطع كبيرة من القماش الاحمر او الأسود . ويعتقد ان هذين اللونين مفضلان عند صيدي اللؤلؤ لأنهما يمنعان الضوء من الحاق اي ضرر بالجوهرة الزاهية .

طريقة الغوص

سألت الحاج محمد عن طريقة الغوص والملابس التي يرتديها الغواص وعن سلاحه الذي يحمله معه عند نزوله الى قاع البحر والتعرض ، احياناً ، للحيوانات البحرية المتعددة ، فقال :  يحمل الغواص على خاصرته عندما ينزل الى الماء قطعة قماش تتدلى حتى ركبتيه ، ويضع على انفه مشبكاً ملقطاً يمنع دخول الماء . كذلك يحمل معه كيساً من الشبك القطني يسمى ” الديين ” او الزنبيل يعلقه في رقبته ليضع فيه ما يصطاده من اللؤلؤ . ويربط في احدى رجليه ثقلاً من الرصاص يزن نحواً من ستة كيلوغرامات او يزيد ليعينه في النزول الى قاع البحر . كما يربط حول رقبة الكيس حبلاً من الكنبار طويلاً يمسك بطرفه ” السيب ” الذي يسحب الغواص من على ظهر السفينة . وعندما يصل الغواص الى قعر البحر ، يمشي على يديد ، ورجلاه مرفوعتان الى فوق  . اما حبل الاستغاثة فمربوط بقدمه . وعندما ينتهي من جمع  المحار ويملأ كيسه بها  يشد حبل الاستغاثة فيحس به السيب الذي على ظهر السفينة فيسحبه الى السطح . اما مدة مكوث الغواص تحت الماء فيعتمد على طول النفس او حصره . وكانوا قديماً يعتزون بالغواص الماهر ذي النفس القوي ويحترمونه ويطلبون وده . حتى ان كبار ربابنة السفن كانوا يقدمون اليه الاموال ويكرمونه تكريماً خاصاً .

مخاطر الغوص

يتعرض الغواص لمخاطر عويصة . وليس السمك ووحوش البحر وحدها الخطر الاكبر على الغواص ، بل السيب نفسه الذي يتولى سحبه من الماء . فاذا غفل عنه لسبب ما ونسي استغاثة الغواص ولم يشد الحبل بل تركه مرخياً ، يستحيل عندها سحب الغواص وانقاذه من الموت مختنقاً في البحر . فحياة الغواص متعلقة بيقظة ” السيب ” وحذره . وهناك خطر آخر يتأتى من العواصف الجوية والريح البحرية العنيفة التي تضرب السفينة وتقلبها برجالها في أغوار اليم . هكذا يتعرض صائدو اللؤلؤ اثناء عملهم لاخطار جمة قد يسلمون منها، وقد لا يعودون الى أهلهم وديارهم البتة .

انواع اللؤلؤ وقيمته

تمر عملية الحصول على اللؤلؤ في ثلاث مراحل اساسية هي :

–          مرحلة جمع المحار بواسطة الغواصين .

–          مرحلة فرز المحار الفارغ من المحار الحامل .

–          مرحلة تصنيف اللؤلؤ .

يقوم الغواصون ، في المرحلة الاولى ، بجمع المحار من قعر البحر من دون تمييز . فليس في مقدورهم التمييز بين المحار . فالمحار متشابه في اشكاله ، ولا يمكن للغواص ان يعرف ان كان مليئاً او فارغاً الا بعد فتحه . وفي المرحلة الثانية يقوم الغواصون وجهاز سفينة الصيد ، تحت اشراف صاحب السفينة او وكيله ، بعملية فتح المحار وفرز الحامل والاحتفاظ به والقاء الفارغ منها في البحر. اما المرحلة الثالثة ، فهي مرحلة تصنيف اللؤلؤ المستخرج . فاللؤلؤ متعدد الانواع والألوان .  منه الابيض ومنه الزهري ومنه الازرق السماوي والرمادي المسود . ويعتبر اللؤلؤ الابيض أغلى هذه الانواع ، يليه الزهري فالأزرق فالرمادي . ويرجع التفاوت في قيمته الى حجم اللؤلؤة ودرجة نقاوتها وصفاء لونها .

انعكاس مهنة الغوص على المجتمع

كان انعكاس مهنة الغوص على المجتمع الكويتي واضحاً . فقد تزدهر التجارة وتروج حسب كثرة اللؤلؤ وحسن موسمه واسعاره ، فينشط البحارة بتزويد بيوتهم واسرهم بما تحتاجه من غذاء وكساء ، ويدب في البلد النشاط عند انتهاء الموسم ، فتلبس المدينة ثوباً بهيجاً زاهياً . ومن لم يفرح من النساء والاطفال بالكسب الذي جاء به رب المنزل ، فهو لا ريب يفرح بعودة الزوج  والوالد سالماً بعد غيبة طويلة شاقة .

هذا العقد الآخاذ الذي نراه على جيد حسناء ليس الحصول عليه بالشيء السهل . فوراءه قصة من التعب والشقاء والجهد والصبر والشجاعة والمخاطرة لا يقدرها الا من دفع ثمنه بالمال الوفير . إنه اللؤلؤ المكنون الذي لا يقدر بثمن .