الكنائس الأثرية

الكنائس الأثرية

في مدينة صيدا اللّبنانية ثلاث كنائس أثرية، إحداها للرّوم الأرثوذكس والثّانية للطائفة المارونية وهما داخل المدينة القديمة. والثّالثة للرّوم الكاثوليك وهي خارج سور صيدا القديم، في حيّ مار نقولا.

كنيسة الروم الأرثوذكس:

تنقسم هذه الكنيسة إلى كنيستين يفصل بينهما حائط، إحداهما للرّوم الأرثوذكس والثّانية للروم الكاثوليك والأخيرة مُهملة.

كانت هذه الكنيسة فيما مضى تُسمّى “كنيسة صيدا الكاتدرائية” فيها كُرسيّ مطران؛ تاريخ بنائها مجهولٌ حيث لم يُعثر على دليلٍ يوضح حقيقة الأمر سوى مخطوطة يحتفظ بها الأرشمندريت سليم غزال، الرّئيس العام للرّهبانية المخلّصية، أظهرت جوانب خفّية عن هذه الكنيسة..

فهي قديمة العهد. يُحتمل أنّ بناءها تمّ على أنقاض كنيسةٍ أقدم عهدًا منها وربّما بُنِيَت على أنقاض معبدٍ وَثَنيٍّ. ويذكر المؤرّخ الكَنَسي يوسبيوس “أنّ بولس الرّسول رأى كنيسةً في صيدا وجاليةً مسيحيةً في منتصف القرن الأوّل الميلادي خلال عبوره المدينة من أورشليم حتّى إنطاكية”. وفي أوائل القرن الرّابع الميلادي تحوّلت الكنيسة إلى مقرٍ أُسقفيّ، حضر مطرانها تيودورس المجمع الكنسيّ المشهور في نيقيةٍ عام 325م.

ورغم الإضطهاد المسيحي في عهد الأباطرة الرومانيين، وخصوصًا “ديوكليان” و”مكسيميان” اللذين أمرا بتدمير الكنائس المسيحية وتعذيب أبنائها، تنصّر معظم سكّان المدينة في أوائل القرن الخامس الميلادي. وقد سُمّيَت هذه الكنسية على إسم القدّيس “نيقولاوس العجائبي” رئيس أساقفة ميرا شفيع البحريين في عهد الإمبراطور البيزنطي “يوستينيانوس” في القرن السّابع الميلادي.

وفي العهد الصّليبي لم يكن من الكنائس الوطنيّة سواها في صيدا وكنيسة الإفرنج ضمن الخان المعروف بإسم “خان الفرنج”. غير أنّ الكنيسة كانت صغيرةً وفقيرةً ومتداعيةً. وبدأ التّفكير في ترميمها وتجديد بنيانها. فجرى ذلك في العهدين المعني والعثماني وجدّدها ورمّمها المطارنة إناطيوس عطية وإفتيموس الصيفي. والأخير استحصل على حجّة من الدّولة العثمانية في عهد السّلطان عبد الحميد الثاني بتجديد الكنيسة، ونال موافقة القاضي الشّرعي وأئمّة صيدا عليها. وتمّ العمل في 11 نيسان 1690م. وما زالت هذه الكنيسة إلى اليوم قائمة في محلّها.

كان في الكنيسة ثلاثة مذابح أو هياكل: المذبح الكبير الذي في الوسط على إسم القديس نقولاوس، والمذبح الثاني إلى جهة اليمين على إسم القديس ميخايل، والثالث إلى الجهة الشمالية ربما كان إسم السّيدة، واليوم على إسم القديس نقولاوس.. وحين سُمِحَ للرّوم الأرثوذكس في أوائل القرن الثامن عشر، في عهد أحمد باشا الجزّار، والي عكّا، بالتّقديس داخل الكنيسة أمام المذبح الشمالي، كان ذلك مبعثًا للنّزاع بين رجال الطّائفتين نتج عنه عام 1850م تقسيم الكنيسة يين الطائفتين الأورثوذوكسية والكاثوليكية وإقامة حائط في وسطها.. فأصبحت الكنيسة الأولى إلى الشمال للروم الأرثوذكس، والثانية إلى الجنوب للروم الكاثوليك. وما زال هذا التقسيم قائمًا حتّى اليوم.

مدخلها مدخل سوق النّجارين من الشرق، معقود واطئ يفضي بعد خمسة أمتارٍ تقريبًا إلى باب الولوج إلى الكنيسة، يليه فسحة ضيّقة في قسمها الأكبر غير مسقوف. وإلى الجنوب من هذه الفسحة باب كنيسة الرّوم الأرثوذكس. سقف الكنيسة منها معقود كسائر بنيان صيدا القديمة، والمذبح إلى الناحية الشّرقية من الكنيسة، وفي الجدار الخلفي منه محراب بيزنطي يؤكّد انتماء بنائها.

كنيسة الروم الكاثوليك:

هي أوّل كنيسةٍ بُنِيَت خارج سور صيدا القديمة. تقع حاليًا في سوق المطران على مقربةٍ يسيرةٍ من الكنيسة القديمة في منطقةٍ ذات تجمّعٍ أثريٍ ضخمٍ يضمّ قصر آل حمود “دبانة” ومدرسة عائشة والحمّام الجديد.

ويرجع الفضل في تشييد هذه الكنيسة إلى المطران باسيليوس حجّار من جزين 1887م. وأضيفت إليها أراضٍ من أملاك الخواجة جبران أبيلا. وكذلك الحائط الذي كان ملكًا للبلدية.

وعلى هذه الأرض شُيّدَت المخازن والدّور فوقها. ووضع حجر أساس الكنيسة في 9 حزيران 1892م. وتمّ الإنتقال من الكنيسة القديمة إلى الكنيسة الجديدة، وجرى أوّل قداسٍ فيها في 3 نيسان عام 1895 في أحد الشّعانين.

للكنيسة مدخلان أحدهما من جهة الشمال الغربي والآخر من جهة الجنوب. ينفَذُ منهما إلى صحن الكنيسة وهو فناءٌ واسعٌ تطلّ عليه عقود حجرية الصّنع تحملها أعمدةٌ حجريةٌ ضخمةٌ تشكّل ثلاثة أروقةٍ تحيط بالكنيسة من جهاتها الثّلاث. بناؤها ذو طابع هندسي شرقي إسلامي تركي.

كنيسة الموارنة:

في صيدا أربع كنائس للطائفة المارونية، جميعها شُيّدَت على إسم مار إلياس، إحداها داخل صيدا القديمة التي يرجع تاريخ بنائها إلى القرن السّابع عشر وتحديدًا 1616م. وحسب المُروى عنها أنّها كانت في بادئ الأمر معملاً للصّابون لآل العرقاوي اشتراه “أبو طالع” مارون من بلدة بشرّي بمبلغ خمسة عشر قرشًا ذهبيًا. ومن ثم تحوّلت المصبنة إلى كنيسةٍ وسُمّيت بكنيسة مار إلياس وهي مهملة حاليًا. بناؤها معقود ذو طابع هندسي شرقي إسلامي.

أمّا الكنيسة الحديثة فهي كاتدرائيّة كبيرة، افتُتِحَت سنة 1952م.