القـانـون

القانـون

كلمة “قانون” العربية مأخوذةٌ من اللّغة الإغريقية “الآرن”. والكلمة الإغريقية كانت تدلّ على آلةٍ ذات وترٍ واحدٍ تُعرَف بإسم “مونوكورد”، وهي آلةٌ تُستَعمل لقياس نسب أصوات السّلم الموسيقي. والقانون من أكمل الآلات الشّرقية من حيث اتّساع منطقتها الصّوتية، إذ إنّها تغطّي حوالى ثلاثة أوكتافات، وهي لهذا السّبب تُعَدّ بمثابة القانون أو الدّستور لبقية الآلات.

القانون من الآلات الوتريّة التي يُعزَف على أوتارها بواسطة الرّيشة، وهي عبارة عن قطعةٍ من قرن الحيوان، تُهَذّب وتُصقَل حتّى تُصبح رقيقةً مرنةً بقدرٍ كافٍ، وتوضع بين باطن الإصبع والكشتبان، ويبلغ طولها حوالى خمسة سنتيمتراتٍ وعرضها حوالى سنتمترٍ واحدٍ، وطرفها الذي تنبر به الأوتار مُستدير الشّكل. أمّا الكُشتبان فهو عبارة عن قطعةٍ أسطوانيّةٍ من المعدن، مفتوحة الطّرفين تُلبَسُ في السّبابة inst17aإلى ما قبل المفصل الثّاني. ويبدو أن استعمال الكشتبانات في العزف على القانون هو أمرٌ حديثٌ لم يكن معروفًا في العصور الوسطى، لا في الشّرق ولا في الغرب، حيث ترينا الآثار والمشاهد على القطع الفنية الأوروبية أنَّ العزف على القانون كان يتمّ بالأصابع بالدّرجة الأولى، وأحيانًا بمضرابٍ صغيرٍ مثل مضراب العود.

يُصنع القانون عادةً من خشب الجوز، وهو على شكل شبه منحرفٍ قائم الزّاوية، يترواح طول قاعدته الكُبرى بين75 و120 سنتيمترٍ وعرضه بين 33 و44 سنتيمرٍ وارتفاعه بين 3 و5 سنتيمتراتٍ. ويبلغ عدد أوتاره في الوقت الحاضر بين 36 و84 وترًا ولكنّ في الغالب يحتوي على 78 وترًا ولكلّ 3 أوتارٍ درجة صوتيّة واحدة، وتُشَدّ الأوتار بصورةٍ موازيةٍ لسطح الصّندوق الصّوتي. ويحتوي القانون على الأجزاء التّالية:

– الرّقمة وهي عبارة عن إطارٍ من الخشب يقعُ في الجهة اليُمنى من الصّندوق الصّوتي، وطوله يساوي عرض القانون. ويُساوي عرضه أكثر من نصف طول القبلة أو القاعدة الصّغرى للقانون، وهو يَنقسم إلى 4 أو 5 أقسام مشدود عليها قطعة من جلد السّمك.

– الفرس وهو قضيب من الخشب مُثبّت على حوامل من الخشب ترتكز على جلد السّمك الموجود في الرّقمة وفي وسطها تقريبًا. تحمل الفرس الأوتار قبل تثبيتها في الضّلع القائم للصّندوق الصّوتي والذي يُعرَف بإسم الكعب. وهذا الجزء المعروف بالفرس قابلٌ للحركة قليلاً ليتسنّى تكبير قوّة الصّوت.

– الرّكيزة وهي قطعةٌ ترتكز عليها الفرس وواسطة الإتّصال بينها وبين خشب الصّندوق الصّوتي.

– مسطرة الملاوي وهي عبارة عن قطعةٍ من الخشب تُشبهُ المسطرة مثبّتة في الجهة اليسرى من الصّندوق الصّوتي، وفيها ثقوب تُثبّت فيها الملاوي.

– الملاوي هي قطع صغيرة من الخشب ذات ثقبٍ يربط الوتر فيه. والنّصف الأسفل من الملاوي هو على شكلٍ أسطوانيٍ، والنّصف الآخر على شكل هرمٍ رباعيٍ يُسهّل إدارة الملاوي بواسطة مفتاحٍ من المعدن ذي تجويفٍ أو فراغٍ يُناسب شكل القسم الأعلى من الملاوي.

– الآنف وهو قطعةٌ خشبيةٌ مُثبّتة فوق خط اتّصال الصّندوق الصّوتي بمسطرة الملاوي وفيها عدّة حزوزٍ في مجموعاتٍ ثُلاثيةٍ تمرّ فيها الأوتار.

– الشّمسية وهي فُتَحٌ مستديرةٌ مُختلفة الحجوم، موجودة على سطح الصندوق الصّوتي تُساعد على تقوية الصّوت.

– السّرو وهي فتحةٌ غير مستديرةٍ موجودة في سطح الصّندوق الصّوتي بالقرب من القاعدة الكبرى من جهة الضّلع المائل للصّندوق الصّوتي (الآنف).

– العُرَب (بضمّ العين وفتح الرّاء) عبارة عن قطعٍ صغيرةٍ من المعدن تُرَكّب عند الآنف، يستعملها العازف في تقصير الوتر أو تطويله. وهي من التّحسينات التي أُدخِلَت على القانون في العصر الحديث. وعدد هذه العُرَب 4 لكلّ وترٍ. ويقوم العازف بتحريك العُرَب إلى الأعلى بيده اليُسرى بكلّ سهولةٍ. وفي حالة خلو القانون من هذه العُرَب، فإن العازف يضّطر عندئذٍ إلى استعمال إبهام يده اليُسرى للضّغط في النقطة التّي كان مفروضًا أن تكون فيها العُربَة.

القانون من الآلات التي استُعمِلَت في العصر العبّاسي وورد ذكره في ألف ليلةٍ وليلةٍ وبعض المخطوطات العربية والفارسية. وكانت قياسات القانون الذي وصفته هذه المخطوطات كالآتي: 81 سنتيمترًا طول القاعدة الكبرى و40 سنتيمترًا طول القاعدة الصّغرى و74.25 سنتيمترًا طول الضلع المائل. أمّا ارتفاع القانون آنئذٍ فكان تسعة سنتيمراتٍ، وهو يحتوي على 64 وترًا ثلاثية الشّد، أي كلّ 3 أوتار لها درجة صوتٍ واحدٍ.

يعتقد بعض المؤرّخين المصرييّن أنّ أصل القانون يعود إلى آلة الهارب الفرعونيّة، وهو رأي لا يمكن قبوله، لأنّ القانون والهارب آلتان مُختلفتان من حيث الشّكل وطريقة مَسك الآلة والعزف عليها. ويرجع أصل العود إلى آلةٍ وَتَريّةٍ مستطيلة الشّكل من العصر الأشوري الحديث (القرن التّاسع قبل الميلاد). والعزف عليها يُشبه تمامًا العزف على القانون في القرن الرّابع عشر.

القانون من الآلات الوترية الشّرقية التي اقتبستها أوروبا بواسطة عرب الأندلس في العصور الوسطى، واستمر استعمال أوروبا للقانون فترةً طويلةً من الزّمن، حيث توجد هذه الآلة في المخطوطات والقِطَع الفنيّة الأوروبية التي تعود إلى القرن الثّاني عشر الهجري.

تُردّدُ بعض المراجع العربيّة والأجنبية، القديمة منها والحديثة، روايةً تاريخيّةً من القرن الثّالث عشر الميلادي تَنسِبُ اختراع القانون إلى الفارابي، وذلك باعتمادهم على الوصف الذّي رواه الفارابي نفسه في “كتاب الموسيقى الكبير” عن آلةٍ قديمةٍ قريبة الشّبه من آلة القانون.