القصة السرية لوعد بلفور

القصة السرية لوعد بلفور

 من هو “مالكولم ” الرجل الغامض

ملحق : الترجمة الحرفية لمفاوضات وعد بلفور

خيري حماد

نشر المقال في حزيران / يونيو 1962 ، العدد العشرون ، الرائد العربي

مرت على العرب في منتصف شهر ايار / مايو الماضي ذكرى أليمة ، تمر بهم في مثل هذا الوقت منذ اربعة عشر عاماً ، مسجلة ضياع فلسطين التي يجب ان تعود لابنائها . وترتبط هذه الذكرى ، كما هو معروف ، بوعد بلفور ، إذ كان هذا الوعد تجسيداً للتلاقى بين مصالح الاستعمار وأهداف الصهيونية . ويسرنا بهذه المناسبة ، ان نقدم الى قراء ” الرائد العربي ” في كل اجزاء الوطن العربي ، صفحة خفية من التاريخ ، وما إنطوت عليه تلك الصفحة من مساع وجهود جرت خلف كواليس السياسة الدولية واشترك فيها عدد كبير من دهاقنة السياسة الدولية وثعالبها ، مستهدفة فلسطين وشعب فلسطين . وقد ظهر منذ أيام مؤلف يحتوي على جوانب خطيرة من هذه القصة السرية التي نتحدث عنها اليوم ، عنوانه ” قضايانا في الامم المتحدة ” بقلم الكاتب العربي صاحب هذا المقال ، يطلعنا فيه على ما يتوجب على كل عربي ان يطلع عليه ، بالنسبة لقضاياه الحية في الميدان الدولي .

كثيرة هي الاخطاء التي عولجت بها قضية فلسطين في الماضي ، وما زالت تعالج بها حتى  يومنا . وهي أخطاء تدلل عليها الحالة التي وصلت اليها القضية اليوم ، والوضع الذي بات فيه الشعب العربي في فلسطين ، بعد ان شرد من وطنه الذي اغتصب . ولست الآن في موقف الذي يحلل هذه الاخطاء او يتحدث عنها او يعرضها ، وهي كثيرة ، وانما أود ان أشير الى ثلاث اخطاء رئيسة من تأريخنا لهذه القضية ، دلت على الكثير من السطحية في التفكير ، وعكست أضواء على الطريقة الخاطئة في معالجتنا للقضية نفسها . وإن ألقي نوراً على سر كبير رافق هذه القضية من أولها ، وألقت عليها الصهيونية ستاراً كثيفاً من التجاهل ومحاولة اخفاء الحقائق المتعلقة به لأكثر من سبب واحد من الاسباب التي تقف في مقدمتها رغبة الصهيونية الرسمية نفسها في اخفاء الفضل في ما حققته من نجاح ، وهو على ما  أعتقد  نجاح موقت سيتحطم في النهاية على صخرة التصميم العربي ، حتى ولو كان في هذا الاخفاء تجاهل كلي للحقائق التاريخية.

أول هذه الاخطاء التي تتعلق كلها بوعد بلفور الذي اعتبر حجر الزاوية في إقامة الدولة اليهودية في الجزء المحتل من فلسطين ، أن بلفور هو وحده صاحب الوعد المشؤوم ، وانه المسؤول عنه بوصفه هو الذي وضعه وأعلنه ، وان عداء العرب وكرههم يجب ان يتركز على هذا الرجل الذي لم تصب لعنات العرب في جميع اقطارهم على انسان في تاريخهم الطويل ، كما انصبت عليه ، الا اذا استثنينا ” ابارغال ” الذي ما تزال اللعنات والجمرات تلقى على قبره من الحجاج كل عام عندما يتوافدون الى بطاح مكة المكرمة لاداء فريضة الحج ، مع العلم ان بلفور هذا لم يكن الا الاداة التي استخدمت ، بوصفه وزيراً للخارجية البريطانية آنذاك ، للتعبير عن سياسة استعمارية مقررة قبل اكثر من عشر سنوات من صدور الوعد في سنة 1917 ، وعن التلاقي الذي وقع في هذا العام بين الاستعمار وأهدافه من ناحية ، وبين الصهيونية ومطامحها من ناحية ثانية ، وهي مطامح تعود الى ما قبل نحو من ربع قرن من صدور الوعد المشؤوم ، أي الى مؤتمر بال الصهيوني في حقبة التسعين من اواخر القرن الماضي .

لم يكن بلفور يعمل في وعده هذا بوحي من اتجاهاته هو وحده او ينسجم مع ميوله الشخصية ، وانما كان الرجل، الذي شاء له منصبه ان يكون الوسيلة المعبرة للارادة الاستعمارية البريطانية الممثلة بمجلس الوزراء كاملاً ، ووزارة الحرب بصورة خاصة التي أقرت الوعد وأصدرته وعهدت الى بلفور باذاعته واعلانه . فكان نصيبه فيه ، والحقيقة هذه ، لا يزيد عن نصيب أي عضو من اعضاء الوزارة او رئيسه المستر لويد جورج . وانا لا أقول هذا دفاعاً عن بلفور ، فهو يستحق ما قابله به العرب من سخط ونقمة ، بل يستحق أكثر من ذلك ، وانما أقول هذا القول لأبين ان هناك اكثر من ” بلفور ” واحد يستحق هذه النقمة ، بل هناك نظاماً ، هو الاستعمار ، الذي يستحق كل هذه الصفات . ولأظهر ان هذا الخطأ دفعنا طيلة السنوات التي مرت بها قضية فلسطين الى التركيز على ” بلفور” ، لا على زملائه في الوزارة البريطانية ، او النظام الذي دفعه الى إصدار وعده . وتدليلاً على هذا الخطأ من الناحية التاريخية ، أرى ان أترك للحقائق في المجال للتحدث عنه . فقد تحدث المستر لويد جورج نفسه ، وهو رئيس وزراء بريطانيا ابان الحرب العالمية الاولى والمسؤول الأول عن صدور وعد بلفور – وهنا اود ان اقترح اعادة تسمية الوعد بوعد لويد جورج او وعد الاستعمار البريطاني – تحدث في الجلسة التي عقدها مجلس العموم البريطاني في السابع عشر من تشرين الثاني / نوفمبر عام 1930 اثناء مناقشة القضية الفلسطينية قائلاً : ” هناك اولاً وعد بلفور . فلقد اصدره المستر بلفور ، كما كان آنذاك ( أي لم يكن قد غدا لورداً بعد ) ، بوصفه وزير خارجية الحكومة التي كنت رئيساً لها والذي كان وزير الخارجية الحالي ( يعني المستر آرثر هندرسون ) عضواً فيها . لقد كان بلفور عضواً في وزارة الحرب التي أقرت تلك السياسة وقد تولى اصدار الوعد تعبيراً عنها . وكان بين اعضاء الوزارة التي اصدرت الوعد عدد آخر من وزراء الحكومة الحالية . وكل قصدي ان أبين ان وعد بلفور كان وعداً قومياً ، إذ انه مثل وجهات نظر الاحزاب الثلاثة في الدولة . وقد صدر لاسباب إعتبرها الحلفاء في منتهى الاهمية بالنسبة للصراع العظيم ، واشتمل على تعهد بأن تغدو فلسطين في حال احتلالها وطناً قومياً لليهود يقام لهم في تلك البلاد . وقد نال الوعد قبل صدوره موافقة دول الحلفاء الكبرى جميعها وتصديق الرئيس ولسن بصفته ممثلاً لحكومة الولايات المتحدة الاميركية ” .

أنتقل الآن الى دليل آخر جاء على لسان السير ونستون تشرشل في خطاب ألقاه في مجلس العموم البريطاني في الرابع من تموز / يوليو سنة 1922 ، عندما كان وزيراً للمستعمرات ومسؤولاً عن قضية فلسطين . قال الداهية البريطاني الكبير : ” لقد ارتبط هذا المجلس بكامله ، في أكثر من مناسبة ، بالاقتراح القائل ان علينا ان نستخدم كل طاقتنا للوفاء بتعهداتنا وتسهيل تحقيق الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين . ولم يحدث قط ان تحدى البرلمان هذه السياسة تحدياً جدياً . وقد أعطيت هذه الوعود ، لا بدافع ما فيها من حق فقط ، وهو حق كبير ، بل ولأنها إعتبرت ذات قيمة كبيرة في نضالنا لكسب الحرب . وكنا قد اعتبرنا ان تأييد اليهود لنا في جميع انحاء العالم ولا سيما في الولايات المتحدة الاميركية وروسيا سيكون كبيراً . ومع انني لم أكن مسؤولاً آنذاك عن اعطاء هذه العهود ، ولوعن ادارة دفة الحرب التي كانت العهود جزءاً لا يتجزأ منها ، إلا انني بوصفي عضواً في وزارة الحرب قد أيدت سياستها . وقد قبلت ، وكنت معتزاً ، بأن أقبل المسؤولية في المساهمة بتنفيذ هذه الوعود كغيري من اعضاء الوزارة . وقد تقدمنا الى الناخبين على أساسها في الانتخابات العامة التي تلت ، وفزنا بمقاعدنا على أساسها ” . ثم شرع المستر تشرشل ينقل أقوال بعض الساسة البريطانيين البارزين في تأييد الوعد وبينهم اللورد روبرت سيسيل المحافظ والمستر هندرسون عن حزب العمال واللورد سيدنهام عن حزب الاحرار .

هكذا يتبين الخطأ الاول في هذين الدليلين ، كما يتبين الخطأ الثاني الذي وقعنا فيه من الفقرة التي اقتبستها من خطاب المستر لويد جورج ، وهو ان هذا الوعد لم يصدر الا عن بلفور دون سواه ، مع ان رئيس الوزارة البريطانية التي أقرته ، يعترف ان الوعد صدر بموافقة جميع دول الحلفاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الاميركية ورئيسها ولسن التي رحنا بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى نقترح في الاستفتاء الذي اجرته لجنة كنغ – كراين على اننا نريد انتدابها هي علينا ، وكأنها ليست مسؤولة عن وعد بلفور بقدر مسؤولية بريطانيا عنه .

تحدث لاندمان مؤرخ الحركة الصهيونية ، والذي كان يعمل سكرتيراً للمنظمة الصهيونية العالمية عند صدور وعد بلفور في سنة 1917 ، في مقال نشره في مجلة ” اليهودية العالمية ” بتاريخ الاول من آذار / مارس عام 1935 ، تحت عنوان ” التاريخ السري لوعد بلفور ” عن الرحلة التي قام بها الزعيم الصهيوني سوكولوف الى كل من باريس وروما بطلب من الحكومة البريطانية للحصول على موافقة الحكومتين الفرنسية والايطالية وقداسة البابا على الوعد قبل إصداره ، وعن مقابلاته في باريس مع جورج بيكو والمسيو بيشون ، وزير خارجية فرنسا آنذاك  ووزير خارجية ايطاليا وقداسة البابا في روما .

نقل المستر ويكهام ستيد رئيس تحرير صحيفة التايمز اللندنية ابان الحرب الكونية الاولى وبعدها في كتابه ” ثلاثون عاماً ” قولاً للماريشال لودندورف قائد المانيا العسكري ابان الحرب الكونية الاولى ، جاء فيه : ” لقد كان وعد بلفور من ابرع الخطوات التي قام بها الحلفاء في الحرب . وكم كان بودي لو فكرت المانيا بشيء من هذا القبيل قبلهم ” .

يقوم الدليل في كل ما ذكرناه ان وعد بلفور لم يكن مجرد تعهد شخصي عابر من الرجل الذي حمل اسمه ، وانما كان تعبيراً عن تلاقي الاستعمار ، ممثلاً بالدول الغربية المتحالفة  والصهيونية في اهدافهما على اغتصاب هذا الجزء من الوطن العربي وتسليمه للصهيونية لتقيم فيه دولة تتولى تنفيذ كل المخططات الاستعمارية الغربية.

نصل الآن الى الخطأ الشائع الثالث ، وهو ان بلفور فدّم هذا الوعد الى حاييم وايزمن ، الزعيم الصهيوني وأول رئيس لاسرائيل ، اعترافاً من الحكومة البريطانية بالجهود العلمية التي بذلها المذكور في اكتشاف  مادة ” الاسيتون ” التي كانت عاملاً جوهرياً في الصناعات الحربية التي أكسبت بريطانيا الحرب . وهذا الخطأ ينطوي ، كالخطأين السابقين ، على سطحية في التفكير وتبسيط هائل للفكرة القائمة وراء خلق اسرائيل ومحاولة لاخفاء الحقيقة المتعلقة بالمخططات الاستعمارية . وسنكشف مع محاولتنا اصلاح هذا الخطأ عن سر ضخم حاولت الصهيونية العالمية اخفاءه بكل السبل والوسائل ، وهو سر يكشف الحقيقة ، وهو ان دور وايزمان كان ثانوياً في صدور الوعد ، نسبة الى الدور الكبير الذي قام به شخص غامض يدعى ” مالكولم ” ، وهو أرمني من ايران لعب دوراً خطيراً في السياسات العربية ابان الحرب العالمية الاولى .

أبدأ بنقل رسالة بعث بها المستر مالكولم طومسون ، مؤلف كتاب ” تاريخ حياة لويد جورج ” المشهور ، الى صحيفة “التايمز” اللندنية ونشرتها في الصفحة الخامسة من عددها الصادر في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر عام 1949 بمناسبة الذكرى السنوية لوعد بلفور . كتب المستر طومسون : ” سيدي ، كان صدور وعد بلفور عن حكومة المستر لويد جورج في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1917 حدثاً بارزاً في تاريخ العالم ، إذ مهّد الطريق لاقامة دولة اسرائيل الجديدة . وأجد في هذه المناسبة السعيدة ، مناسبة الذكرى السنوية الثانية والثلاثين لصدور الوعد ،  فرصة طيبة لسرد بعض الحقائق الموجزة عن أصل هذا الوعد الذي سجل مؤخراً بصورة خاطئة من كتاب ” تاريخ حياة الدكتور حاييم وايازمن ” بقلمه والمعنون “بالتجربة والخطأ” ، وهو تسجيل خاطيء يبعث على الدهشة ، لا سيما وقد صاحبته موجة واسعة من التجاهل .

” فعندما كنت أضع التاريخ الرسمي لحياة لويد حورج ، تمكنت من دراسة الكثير من الوثائق الأصلية المتعلقة بهذه القضية . وقد اتضح لي من هذه الوثائق انه ، على الرغم من ان عدداً من أعضاء وزارتي عام 1916 و 1917 كانوا يعطفون على الآمال الصهيونية ، إلا ان الجهود التي بذلها الزعماء الصهيونيون للحصول على وعد من الحكومة البريطانية بتأيدها لهذه الامال ، كانت غير مجدية . كما ان اتفاق ساكيس – بيكو السري بينها وبين الحكومة الفرنسية لاقتسام مناطق ” المصلحة ” في الشرق الادنى كان هادماً للاهداف الصهيونية . وعلى أثر رفض الحكومة الاميركية لهذا الاتفاق وقع تبديل في الموقف ، نتيجة للجهود التي بذلها المستر “جيمس مالكولم” الذي قدّم الى المستر مارك سايكس ، وكيل وزارة الحرب آنذاك ، الفكرة القائلة بأن وعداً من الحلفاء باعادة فلسطين “كذا” الى اليهود يؤدي الى تحول النفوذ القومي الذي يملكه يهود اميركا ، وبينهم القاضي برندسي ، صديق الرئيس ولسن ومستشاره من جانب الالمان الى الحلفاء. وقد اهتم سايكس بالفكرة ، وقام مالكولم ، تلبية لطلبه ، بتقديمه الى الدكتور وايزمان وغيره من الزعماء الصهيونيين ، وبدأت المفاوضات التي انتهت بصدور وعد بلفور .

” وقد أشيرالى هذه الحقائق في أكثر من مناسبة في بعض الكتب والمقالات. فقد ذكر الدكتور ادولف بوهيم في تاريخه المشهور عن الصهيونية في الصفحة 656 من المجلد الاول ما نصه : نصح مالكولم ، رئيس اللجنة القومية الارمنية في لندن ، السير مارك سايكس بان يتم التأثير على الرئيس ولسن عن طريق برانديس ضمان اعطاء فلسطين الى اليهود لكسب تأييدهم . وقد رجا سايكس ، بعد ان بحث في الموضوع مع اللورد ملز ، المستر مالكولم بان يجمعه مع الزعماء الصهيونيين ، لأن السير ادوارد غراي والمستر بلفور كانا مقتنعين بعدالة المطالب الصهيونية في فلسطين !! . وقد إتصل مالكولم بوايزمان عن طريق غرييبنبرغ .

” ولقد أدهشني ، على ضوء هذه الحقائق ، ان أجد تاريخ حياة الدكتور وايزمان” التجربة والخطأ” خالياً من أي ذكر للدور المتناهي من الاهمية الذي لعبه المستر ماكولم ، وان أجده يمضي الى اكثر من ذلك فينسب الفضل في تقديمه الى السير مارك سايكس والى الدكتور غاستر المتوفي . ولما كان مؤرخو المستقبل سيعتبرون رواية وايزمان صحيحة ، فقد إتصلت بالمستر مالكولم الذي لم يكتف بتأكيد هذه الحقائق فحسب ، بل عرض علي رسالة تلقاها في الخامس من آذار / مارس سنة 1941 من الدكتور وايزمان نفسه يقول يها : قد يهمك ان تعرف انني منذ أمد بعيد قد أتيحت لي المناسبة لاكتب الى المستر لويد جورج عن المبادرة النافعة التي جاءت في وقتها المناسب لما بذلته في عام 1916 لاجراء مفاوضات بيني وبين زملائي الصهيونيين من ناحية وبين السير مارك سايكس وغيره في موضوع فلسطين والتأييد الصهيوني لقضية الحلفاء في اميركا وغيرها .

” وليس ثمة من شك في وجود دوافع متشابكة ومعقدة عديدة وراء وعد بلفور ، بينها الاعتبارات الاستراتيجية والدبلوماسية ، وما يحس به بلفور ولويد جورج وسمطس من عطف أصيل على الصهيونية . لكن العامل الاساس ، ولا ريب ، هو تدخل المستر مالكولم بالخطة التي وضعها للحصول عن طريق هذه الامتيازات على تأييد صهيوني اميركا لقضية الحلفاء في الحرب الكونية الاولى “

                                                            المخلص – مالكولم طومسون

لم تكن هذه الاشارة الى دور مالكولم هي الوحيدة . فقد وردت إشارات اخرى في أكثر من مصدر. فقد روى المستر كريستوفر سايكس ، وهو قريب السير مارك بطل الرواية كلها ، في كتابه ” دراستان عن الفضيلة ” الصادر في لندن عام 1953 في الصفحات 180 – 188 ، ملخصاً للدور الذي لعبه ملكولم في مفاوضات وعد بلفور . كما ذكرمؤرخ الصهيونية  صمويل لندمان في كتابه ” بريطانيا العظمى واليهود وفلسطين ” في صفحاته الرابعة والخامسة والسادسة بعض الاشارات الواضحة الى دور مالكولم . وقد توجها بهذا الاعتراف الصريح الواضح الذي يؤيد ما ذهبنا اليه من رأي في ان اسرائيل لم تكن سوى اداة لتنفيذ السياسة البريطانية عندما قال :

” وكان من الاعتبارات المهمة التي بحث فيها مالكولم ، وإن لم تشكل جزءاً من الصفقة نفسها ، القيمة المحتملة العظيمة للصهيونية في المستقبل كأداة لتنفيذ السياسة الخارجية البريطانية ” . وكان لاندمان قد تحدث كذلك عن دور مالكولم في مقاله الذي نشره في مجلة ” اليهودية العالمية”  والذي سبق ان أشرت اليه .

لعل أصدق دليل على دور مالكولم ما ورد في الرسالة الشهيرة التي بعث بها هذا الاخير الى رئيس تحرير صحيفة “جويش كرونيكل” الصهيونية اللندنية بتاريخ الثامن من نيسان / ابريل 1949 . وهذا   هو نصها :

  ” سيدي ،

  ” على الرغم من ان قصة خدماتي للصهيونية لم تعد سراً من الاسرار ، بل نشرت بوضوح في

  بعض الكتب وبينها الكتاب الاخير الذي صدر عن حياة لويد جورج ، كما نشر شيء  عنها  في

  صحيفتكم قبل بضع سنوات … فقد تدهش اذا عرفت ان الدكتور وايزمان الذي اعترف  في

  الرسالة التي وجهها اليّ في الخامس من آذار / مارس سنة 1941 ، والتي أبعث اليك بصورة عنها ، قد تجاهلني تمام التجاهل ، حتى انه لم يذكر اسمي في كتابه .

  ” وقد يعنيك ان تعرف ان عدداً من الاصدقاء اليهود وغير اليهود قد هتفوا لي بعد ان قرأوا كتابه معربين عن دهشتهم . وقالوا ان مثل هذا النكران للجميل من جانب الدكتور وايزمان يلحق اكبر الاذى بالجنس اليهودي . وفي وسعك استخدام الرسالة المؤرخة في عام 1941 ” .

                                                                                                جيمس مالكولم

عزيزي مالكولم ،

رداً على سؤالك ، قد يعنيك ان تسمع انني منذ أمد بعيد قد اتيحت لي المناسبة للكتابة الى المستر لويد جورج عن المبادرة النافعة ، والتي جاءت في وقتها المناسب والتي بذلتها في عام 1916 ، لاجراء مفاوضات بيني وبين زملائي الصهيونيين من ناحية ، وبين المستر مارك سايكس وغيره في موضوع فلسطين ، والتأييد الصهيوني لقضية الحلفاء في اميركا وغيرها . لكنني لم استطع بالطبع ان أشير اشارة واسعة الى الحقيقة الواقعة وهي ان المستر لويد جورج كان قد اعتزم في سنة 1922 الاعتراف بخدماتك الثمينة اثناء الحرب في هذا الموضوع وغيره . ولسوء الحظ ، نسي الموضوع كله ، ولكنه قد يعود الى الذاكرة من جديد ، كما آمل ، لتنال ما تستحقه من اعتراف يليق بخدماتك .

                                                                                                حاييم وايزمان

من هو هذا الرجل الغريب الغامض الذي توفي في الثالث عشر من آب / اغسطس عام 1952 في لندن ، والذي صدرت صحيفة ” التايمز” اللندنية في عددها الصادر في الرابع عشر من آب / اغسطس تقول عنه : “لقد اثارت انباء وفاة المستر جيمس ( أي مالكولم ) الكثير من الألم بين اليهود والصهيونيين في بلدان كثيرة . لقد غدا لاسمه محراب آمن في التاريخ اليهودي .  فلقد ذكر الدكتور وايزمان ، رئيس دولة اسرائيل ، ان بادرة المستر مالكولم النافعة ، والتي جاءت في وقتها المناسب في عام 1916 ، هي التي جمعت بين اعضاء وزارة الحرب والزعماء الصهيونيين . وقد نتج عن هذا الاتصال في النهاية اتفاق ادى الى مساعدة الصهيونيين في كسب حسن نية اليهودية الاميركية في انضمام الولايات المتحدة الى الحلفاء مقابل اعادة فلسطين الى اليهود كهدف معلن من اهداف الحرب . وقد حافظ المستر جيمس مالكولم على اهتمامه بالصهيونية وايمانه بها طيلة حياته الطويلة . وكثيراً ما كتب الى الصحافة مدافعاً عنها . وقد بذل محاولات جمة لتحسين العلاقات بين اليهود والعرب ، ما زلنا نذكرها جميعاً لهذا الرجل الذي احبه واحترمه كل من تعرف اليه ” .

عمل هذا الرجل للصهيونية أكثر من أي انسان آخر . ومع ذلك فقد حاولت الصهيونية الابقاء على جهوده في الحصول على وعد بلفور خافياً عن الانظار ، ليحتفظ زعماؤها لانفسهم بالفضل في كل شيء . وهو الذي لم تنته خدماته لها بصدور وعد بلفور ، بل ظل يخدمها طيلة حياته ، حتى انه بعث الى اللورد بيل ، رئيس اللجنة الملكية البريطانية التي أوفدتها بريطانيا الى فلسطين في سنة 1936 للتحقيق بثورتها ، بمذكرة إضافية سرية وزعت نسخ منها على اعضاء اللجنة جميعاً ، حاول فيها التأثير على اللورد واعضاء لجنته لتبني البرنامج الصهيوني في فلسطين . اما القصة الحقيقية لوعد بلفور فقد كتبها المستر مالكولم نفسه ، لكن الصهيونية عملت على عدم نشرها واحتفطت بها في مجموعة ” الوثائق الصهيونية ” الموجودة في مكتبة ” الوثائق الصهيونية لصندوق الانشاء الفلسطيني ” في مدينة نيويورك .

ملحق

الترجمة الحرفية للوثيقة التاريخية التي كتبها مالكولم

نص الوثيقة

” يبدو لي ، ايضاحاً لتاريخ وعد بلفور ، انه من الضروري ان أوضح الاسباب التي جعلت من المشكلة اليهودية والاماني الصهيونية الرامية الى التجذر الذاتي في فلسطين ، موضع اهتمامي ، وكيف قدر لي ان اقابل الدكتور وايزمان وان أكون الدافع الى المفاوضات التي أدت الى اصدار ذلك الوعد التاريخي عن البعث القومي اليهودي.

” أنا أنتمي الى اسرة ارمنية الأصل ، كانت تقيم في ايران منذ الايام التي سبقت عهد الملكة اليصابات ( القرن السادس عشر ) . وكانت اسرتي تعمل مدة قرنين على الاقل في الملاحة والتجارة في بلدة بوشهر ، ولها اتصال دائم بالمصالح البريطانية في ايران وفي الامارات العربية على الخليج والمحيط الهندي . وكانت أسرتي تمثل الحكومة البريطانية بصور واشكال شتى في هذه الاجزاء . فقد كنا ، مثلاً ، وكلاءها الماليين ، وقمنا بدور الممول للبعثات البريطانية السياسية لدى شاه ايران . وقد تم زواج والدي ووالدتي على ظهر احدى البوارج البريطانية ، وقام بمراسم الزواج اميرال بريطاني . وكان وكلاؤنا في بغداد ،هم أفراد أسرة داود ساسون المشهورة والمهمة ، وهي أسرة فرت في الاصل من ارمينيا . واضطرت هذه الاسرة في احدى المناسبات الى الفرار من بغداد ، هرباً من ظلم الباشا التركي الذي كان يحكم حكماً مستقلاً فيها الى حد ما ، وظلت مختبئة في بيتنا في بوشهر عدة اسابيع ، الى ان تم اتخاذ الترتيبات اللازمة لارتحال افرادها مع كنوزهم على ظهر احد مراكبنا الى بومباي . وكان يهود جنوب ايران يتطلعون دائما  خلال حقب عديدة ، الى اسرتنا لحمايتهم ، وكثيراً ما عثر المئات منهم على الملجأ والامن في حظائر دورنا الفسيحة في بوشهر وشيراز . وكنا نتولى احياناً العمل كوكلاء للسير موسى مونتيفيوري الذي كان يبعث الينا بالمال لنتولى توزيعه كهبات منه على فقراء الطائفة اليهودية . وكان صرّافونا ، وكلهم من اليهود ، وهم المسؤولون عن كل اموال شركتنا ، يتولون هذا العمل نيابة عنا ، اذ لم تكن هناك مصارف في تلك الايام .

” وكان من الطبيعي والحالة هذه ، عندما أتيت الى انكلترا في عام 1881 كفتى يطلب العلم ، ان يعهد برعايتي هناك ، الى احد اصدقاء الاسرة القدامى ووكيلها العام في انكلترا ، وهو السير البرت ( عبد الله ) ساسون ، وان أقيم علاقات من الصداقة مع عدد من اليهود وبينهم العقيد غولد شميث . وعندما غادرت اكسفورد لابدأ العمل في الصحافة ، تعرفت الى المستر ادوارد فيتزجيرالد الذي كان يعمل مراسلاً متجولاً لصحيفة الدايلي نيوز في القارة الافريقية . وكان ادوارد هذا قد التقى بهرتزل في فينا والقسطنطينية ، فحدثني طويلاً عنه وعن آرائه الصهيونية ، التي اهتممت بها فوراً وبصورة طبيعية . وسمعت في لندن من العقيد غولد شميث وغيره من وجهاء اليهود عن مشاريع اسكان اليهود في فلسطين والعريش والارجنتين وكينيا . وكنت بالطبع قد قرأت شعر بايرون وجورج اليوت واوليفانت عن اليهود . وعندما بدأت برحلاتي التجارية فيما بعد الى اوروبا الشرقية وروسيا ، زرت المراكز اليهودية فيها ، وكنت أتذكر دائماً قول والدي ان اليهود حيثما يكونون لا ينسون ان يشربوا في عيد الفصح نخب ” وجودهم في السنة القادمة في ارض اسرائيل ” .

” قمت في مطلع عام 1915 بتأسيس الجمعية الروسية ، هادفاً الى نشر المعلومات عن روسيا عند الشعب البريطاني كوسيلة لتحسين العلاقات بين البلدين المتحالفين في الحرب . وقد تولى رئيس مجلس العموم المستر لوثر الذي غدا الآن اللورد اولزوتررئاسة هذه الجمعية وتولى نيابة رئاستها معظم اعضاء وزارة الحرب ، وبينهم المستر تشرشل . وكان من بين اوائل الاعضاء البارزين فيها الدكتور هرتز ، رئيس الحاخاميين ، والمستر غرينبرغ ، رئيس تحرير الجويش كرونيكل . وقد ذكر لي هذان الرجلان انهما يأملان في ان يؤدي التفاهم بين انكلترا وروسيا الى تحسين معاملة اليهود في البلدين .

” في مستهل سنة 1916 عينني قداسة كاثوليكوس الارمن ، بموافقة الحكومتين البريطانية والروسية ، عضواً في اللجنة الخماسية التي أطلق عليها اسم الوفد الارمني القومي ، والتي عهد اليها تولي مصالح الارمن ابان الحرب وبعدها . وهكذا غدوت الممثل الرسمي للجنة في لندن لأن رئيسها بوغوص نوبار باشا وبقية الاعضاء كانوا يقيمون في باريس .

” كانت لي بحكم منصبي الرسمي الجديد اتصالات وثيقة بمكاتب الحرب وبوزارتي الخارجية والحربية وبالسفارة الفرنسية وغيرها من السفارات المحلية في لندن . كما تحتم علي ان أكون على اتصال شخصي اثناء زياراتي الى باريس ، عن طريق زملائي هناك ، بكبار المسؤولين الفرنسيين . وكان من بين القضايا التي كنت أبحثها الترفيه عن اللاجئين الارمن في تركيا الذين أبدت الولايات المتحدة الاميركية اهتماماً كريماً وعملياً بهم ، وتوزيع المتطوعين الارمن من ارمينيا الشرقية الذين عملوا تحت قيادة الفريق اندرانيك ، على حد قول اللورد سيسيل ، كالجناح الشرقي للجيش البريطاني في شمال ما بين النهرين ( العراق ) . وكان تدريب المتطوعين الارمن الآخرين ، من الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا وكندا وغيرها يجري على قدم وساق في جزيرة قبرص ، واشترك مؤخراً منهم نحو احد عشر الفاً تحت قيادة الجنرال اللنبي في حرب فلسطين وأبلوا بلاء حسناً . وقد أدت هذه القضايا الى قيام علاقات وثيقة بيني وبين السير مارك سايكس ، وكيل وزارة الحرب لقضايا الشرق الادنى ، ومع المسيو غوت الذي يتولى منصباً مماثلاً في الكي دورسيه ، بالاضافة الى المسيو جورج بيكو مستشار السفارة الفرنسية في لندن .

” في غضون احدى الزيارات التي قمت بها لمكاتب وزارة الحرب فى هوايت هول في اواخر خريف سنة 1916 ، وجدت السير مارك سايكس ما عهدته فيه من مرح ونشاط . ولما كنت أعرف اسرته منذ أمد طويل ، و لما كانت علاقتي به وثيقة كل الوثوق ، فقد سألته عما يزعجه . فأخذ يحدثني عن الجمود الحربي في الجبهة الفرنسية ، وعن اشتداد خطر الغواصات ، وعن الوضع غير المرضي النامي باطراد في روسيا ، وعن الموقف الحربي السيء بصورة عامة . وقال لي ايضاً ان الثورة العربية في الصحراء التي كثر الحديث عنها والتي لقيت دعاية كبيرة على اساس ان القصد منها توجيه ضربة مميتة الى الاتراك من الداخل ، كانت فاشلة وباهظة الثمن والتكاليف . واضاف ان الوزارة تتلهف ، وهي قلقة من تدخل اميركا . فسألته عما تم من تقدم في هذا الاتجاه ، فهز رأسه بالنفي ، وهو لا يكاد يكتم اساه ، ثم قال : “لم نحقق الكثير ” .. وقال انه فكر في الاستعانة بالنفوذ اليهودي المهم في الولايات المتحدة ، ولكنه عجز عن تحقيق ذلك ، إذ تشير التقارير الواردة من الولايات المتحدة الاميركية الى ميول قوية موالية للالمان لدى كبار ارباب البنوك الاثرياء من اليهود والبيوت المصدرة للقروض ، ومعظمهم من اصل الماني، وكذلك لدى الصحفيين اليهود الذين يعملون بايحاء من أولئك . ومضى يعرب عن خيبة أمله ودهشته ومرارته من ان البعثتين اللتين اوفدتهما فرنسا وايطاليا الى اميركا قد أخفقتا في مهمتيهما. وبدا ان اضطهاد القياصرة الروس لليهود ، والسجل الفظيع للمذابح اليهودية قبل اي حركة انسحاب روسية ، قد تركت أثراً عميقاً عند يهود اميركا . ولما كان الالمان على النقيض من ذلك ، فقد أظهروا في كل اوامرهم العسكرية ، سيما في بولونيا المحتلة ، تفهماً عظيماً لليهود وعطفاً عليهم . فالميول الموالية للالمان عند هؤلاء اليهود الذين يرجعون في أصولهم الى المانيا، كانت قوية لا يلحق بها وهن .

” سألته عن الحجة المعينة او الاعتبار الذي يتقدم به الحلفاء لكسب اليهود الاميركيين ، فرد السير مارك بأنهم استخدموا الحجة نفسها التي يستعملونها مع الجميع ، وهي انهم سيربحون الحرب وان من الافضل ان يكون اليهود الى جانب الكاسب للحرب . وقلت له ان ثمة طريقة لكسب اليهود الاميركيين الى جانب الحلفاء واقناعهم بان انتصار الحلفاء فقط هو الذي يمكن ان يؤدي الى نفع دائم لليهود في كل انحاء العالم . ثم قلت : إنكم تسيرون في الطريق الخاطيء في هذه القضية . فأثرياؤهم الذين تعرفونهم في انكلترا ، وحاخاموهم ، ليسوا بالزعماء الحقيقيين للشعب اليهودي . وقد تغافلتم عن نداء القومية اليهودية الحقيقية . فهل تعرف شيئاً ،مثلاً ، عن الحركة الصهيونية ؟ . واعترف السير مارك بانه لا يعرف شيئاً عن الحركة ، فحدثته ببعض الشيء عنها وقلت في النهاية : بوسعكم ان تكسبوا عواطف اليهود في كل مكان بطريقة واحدة ليس الا ، وهي ان تحاولوا منحهم فلسطين وضمان وصولهم اليها .

” ذهل السير مارك واعترف لي بان ما قلته له شيء جديد للغاية ومؤثر كل التأثير . وأضاف انه سيتحدث الي في هذا الموضوع فيما بعد . وقد عاد فعلاً الى هذا الحديث بعد يوم او يومين ، وقال إنه على جانب كبير من الأهمية ولكنه ينطوي على الكثير من العقبات الهائلة . ولم أعرف آنذاك طبيعة هذه العقبات ، ولكنني عرفت فيما بعد : انها المعاهدة السرية المسماة بسايكس – بيكو ، والمعقودة بين فرنسا وانكلترا . واقترحت عليه ان يبحث الموضوع مع اللورد ميلر ، وهو عضو بارز في وزارة الحرب اشتهر عنه اهتمامه الكبير بقضايا القوميات في اوروبا التي يحتمل ان تثيرها الحرب . ووعد بذلك ووفى بوعده . وقال لي ان اللورد ميلر اهتم كثيراً بمعرفة شيء عن الحركة القومية اليهودية ، ولكنه لا يستطيع ان يرى امكاناً بوعد فلسطين لليهود . وقد رددت بانني أرى ان هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق النتيجة المرغوب فيها . وذكرت ان بين اصدقاء الرئيس ولسن الحميمين ، القاضي برانديس الذي يجل الرئيس غاية الاجلال لأراءه الانسانية . وهذا القاضي صهيوني صميم ويحتل مقعد القضاء في المحكمة العليا . إهتم السير مارك غاية الاهتمام بهذه الناحية الجديدة وقال بانه سيتحرى عن القضية ، وان كان لا يرى احتمالاً لتبني وزارة الحرب الفكرة . عندها سألته عن السبب ، فرد قائلاً : لا نستطيع ان نفعل شيئاً بدون حلفائنا . وانني أخشى انهم لن يوافقوا على هذه الفكرة ابداً . قلت له آنذاك، انه اذا كان الهدف ضمان مساعدة الولايات المتحدة ، فان الحلفاء سيوافقون بالتأكيد على الفكرة ، وانه اذا استطاع الحصول من وزارة الحرب على تأكيد العون في تأمين فلسطين لليهود ، فان من المؤكد ان اليهود في كل البلدان المحايدة ، لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية ، سيصبحون من انصار بريطانيا وانصار الحلفاء. ووعد السير مارك باثارة الموضوع ثانية مع اللورد ميلر ، مستخدماً الحجج الاضافية التي أوردتها .

” عاد السير مارك بعد اسبوع لينقل اليّ ان ميلر قد بحث القضية بصورة غير رسمية مع زملائه وانهم أصبحوا الآن يميلون الى قبول الفكرة . وهم لا يستطيعون ، بالطبع ، الالتزام بشيء ، لكنه نصحني بان أشرع في المفاوضات مع الزعماء الصهيونيين . وكان ردي ان مثل هذه المحاولة لا تجدي ، إذ انني لا استطيع ان أذهب اليهم خالي الوفاض . وأضفت انني أعتقد بان مثل هذه الخطوة تصبح ممكنة اذا اقتنعت شخصياً بجدية وزارة الحرب في نواياها ، ويصبح ، بالتالي ، في امكاني آنذاك ان أمضي اليهم قائلاً : اذا ساعدتم الحلفاء فستنالون تأييد بريطانيا في حصول اليهود على فلسطين . وبدا قولي معقولاً بالنسبة للسير مارك ، لكنه كان لا يزال يرى الكثير من العقبات . فمن الواجب اولاً  ، في رأيه ، اقناع فرنسا بتأييد فكرة اعطاء فلسطين لليهود . وهناك ايضاً الفاتيكان ( وكان السير مارك نفسه كاثوليكياً ) الذي يُخشى ان يعارض اي مشروع يضع الاماكن المقدسة المسيحية تحت سيطرة اليهود . فأجبت ان جميع هذه العقبات يجب تذليلها ، اذا كان الحلفاء يريدون الحصول على عون من الولايات المتحدة . ففلسطين ترتبط بالتأييد اليهودي ، وهو امر غدا ملحاً في ضرورته لدى الكثيرين من اليهود بينما تعارضه قلة من اليهود . وقلت له ان ترددكم سببه انكم لم تجتمعوا الى الطراز الآخر من اليهود الذين يؤلفون فريقاً خاصاً متعلقاً بفكرة صهيون أشد التعلق . ومضيت أقول ان هناك عشرات الألوف ، بل ومئات الألوف على الغالب من يهود هذا الطراز ، وان أرباب المصارف الاغنياء من يهود لندن ليسوا على اتصال بهذا الفريق . ووعد السير مارك بنقل حديثنا الى وزارة الحرب ، وأعرب عن رأيه ان اللورد ميلر وجورج بارنز سيتفهمان القضية . وبعد يوم او يومين ، عاد السير مارك وأبلغني ان وزارة الحرب قد وافقت على اقتراحي وانها تخولني البدء بالتفاوض مع الصهيونيين .

” تذكرت ما سبق لي من احاديث مع المستر غرينبرغ ، رئيس تحرير الجويش كرونيكل ، فكتبت اليه فوراً أقول بأنني ، لما ما لدي من معلومات ، أجد نفسي واثقاً من ان الوقت قد حان لكي يتخلى اليهود عن موقف المتفرج ، وان ينضموا بصورة علنية سافرة الى جانب الحلفاء ، باذلين كل ما لديهم من نفوذ ، لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية ، لضمان النصر للحلفاء . فاليهود يريدون فلسطين ، وها هي الفرصة متاحة لهم للحصول عليها ، وقد لا تتكرر هذه الفرصة . فمن الواجب اذاً ان يبادر كل صهيوني الى العمل فوراً . وختمت رسالتي طالباً اليه ان يعمل ، اذا أمكن ، على الجمع بيني وبين الزعماء الصهيونيين . رد غرينبرغ برسالة تنطق بالحماس ودعاني الى مقابلته لنتحدث في الموضوع .

” نقلت اليه عند اجتماعنا صورة الوضع والامال المواتية وعرضت ان يرتب اجتماعاً بيني وبين الدكتور وايزمان وغيره من زعماء الحركة . قدمني غرينبرغ الى الدكتور وايزمان بعد ان طلب مني موافاته الى منزله في شارع اديسون ، كما قدمني الى المستر سوكولوف وغيره من الزعماء الذين لا أذكر أسماءهم ، ولعل الدكتور تشيلنو كان بينهم ، وان كنت قد اجتمعت اليه فيما بعد . وكان الدكتور وايزمان قد انتقل من مانشستر الى لندن قبل بضعة أشهر وشرع يعمل في ابتكار المتفجرات للاميرالية ووزارة الذخيرة . وكان من المعروف انه اخترع عملية مهمة من صناعة الاسيتون . واشار الدكتور وايزمان الى محادثاته السابقة مع المستر سكوت ، رئيس تحرير المانشستر غارديان والمستر لويد جورج الذي كان وزيراً للذخيرة آنذاك ، والى محادثاته مع بلفور الذي كان وقتها وزيراً للاميرالية .

” سألني وايزمان عن الاسباب التي تدعوني الى هذه الثقة بالنجاح ، فتلوت على مسامع المجتمعين خلاصة ما دار بيني وبين السير مارك سايكس من احاديث ، وبينت لهم ان وزارة الحرب قد خولتني الاتصال بهم . وأبدى الدكتور وايزمان غاية الاهتمام وطلب من زملائه ان يبدوا وجهات نظرهم . ورأيت التشكيك قائماً لديهم جميعاً وفي مقدمتهم المستر سوكولوف بصورة بارزة . فالتفت الي الدكتور وايزمان ثانية وسألني اذا كنت مقتنعاً شخصياً تمام الاقتناع بأن الحكومة تعتزم بصورة جدية ان تعيدهم الى فلسطين مقابل ما تطلبه من مساعدة يهود اميركا  واذا ما كنت أنصحهم بالقبول . فرددت قائلاً : أجل انني مقتنع كل القناعة . هنا صافحني الدكتور وايزمان وقال : حسناً اني أقبل نصيحتك ، وسألني عن الموعد الذي يستطيع فيه مقابلة السير مارك سايكس . سألته اذا كان بوسعي ان أهتف للسير مارك من منزله ، فقد أتمكن من تحديد الموعد فوراً . وهاتفت بالفعل السير مارك من منزل الدكتور وايزمان وسألته عن الموعد الذي يستطيع فيه ان يقابله  برفقتي . فحدد السير مارك الموعد باليوم التالي ، وكان من ايام الآحاد .

” كان أول انطباع تكون لدي عن الدكتور وايزمان بعد هذه المقابلة الاولى انه رجل حذر ، لكنه سريع الخاطر في تفهم الامور ، وانه يتطلع الى نهاية الطريق ، وان كان يتوقع ظهور نكسات عديدة قبل الوصول الى النهاية المرضية . وقد ترك قوامه الفارغ ومظهره ووجهه الشاحب وعيناه المتألقتان ووداعته الطبيعية ، أثراً في نفسي لم يختف طيلة الثلاثين سنة التالية . وقد أثر علي الباقون بانهم رجال متحمسون ومخلصون في العمل لقضيتهم .

” لم يتمكن الدكتور وايزمان بسبب واجباته الحربية من مرافقتي الى بوابة بكنغهام في اليوم التالي لمقابلة السير مارك سايكس ، لكن المستر سوكولوف والمستر غرينبرغ وزعيمين صهيونيين آخرين مضوا معي الى المقابلة التي اسفرت عن نتيجة مرضية . وكانت الخطوة الاولى ابلاغ الزعماء الصهيونيين في كل انحاء العالم بالاتفاق . واكد السير مارك ان كل التسهيلات ستقدم اليهم لارسال البرقيات المتعلقة بالاتفاق عن طريق وزارتي الخارجية والحربية الى السفارات والقنصليات البريطانية في الخارج . وقد ارسالت فوراً برقية بالشيفرة خاصة مسهبة الى القاضي برانديس عن طريق وزارة الخارجية .

” جرت محادثات لاحقة في مختلف وزارات الدولة حضرها الدكتور وايزمان . ودارت كلها بمعرفة اللورد موريس هانكي ، سكرتير مجلس الوزراء ، واسفرت عن تفاهم عام أطلق عليه اسم اتفاق الجنتلمانيين ، وهو يقضي بان يعمل الصهاينة لضمان عطف اليهود الفعلي على قضية الحلفاء وتأيدهم لها ، لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية ، وذلك لتحقيق قيام اتجاه ميّال الى الحلفاء في الولايات المتحدة ، وان تقوم الوزارة البريطانية من جانبها بمساعدة اليهود بالفوز بفلسطين مقابل ذلك .

” دارت المفاوضات التفصيلية في غرفة السير مارك سايكس في وزارة الخارجية التي تسلمت الملف من وزارة الحرب لوضعه موضع التنفيذ ولاتخاذ الاجراءات اللازمة بصدده . وكان السير رونالد غراهام في ذلك الحين احد وكلاء الوزارة الرئيسيين في الخارجية وكان يعمل بتفاهم وثيق مع السير مارك سايكس ، كما كان كبير عون في هذه القضية طيلة الوقت الذي استمريعمل فيه في الخارجية . وكان القصد من الرسائل التي ابرق بها الى الزعماء الصهيونيين في روسيا بث العزيمة في نفوسهم ودفعهم الى تأييد قضية الحلفاء ، خصوصاً وان يهود روسيا كانوا يشكون من سوء معاملة الروس لهم . وارسلت برقيات اخرى الى الزعماء اليهود في البلدان المحايدة . وكانت النتيجة ان قوي عطف اليهود على الحلفاء في كل مكان . ومن ابرز الامثال على هذا العطف والتعاطف مع قضية الحلفاء ما حدث في بترو غراد بعد ان استلم اليهود البرقية الموجهة اليهم . فقد عرضت البرقية على احد كبار الاثرياء من اصحاب المصارف ومن خصوم الصهيونية متضمنة الوعد المبدئي باعطاء فلسطين لليهود فتأثر كثيراً وقال : كيف يمكن ليهودي ان يرفض مثل هذه الهبة ؟ . وسمعت فيما بعد ، نتيجة اخرى اكثر بروزاً ، إذ اخبرت ان الجديديين في مشهد بايرن ، وهم يشبهون يهود ” الدونمة ” في سلانيك في تظاهرهم بالاسلام ، كانوا على وشك اعتناق الاسلام جماعة عندما سمعوا بوعد بلفور ، فعدلوا عن قرارهم .

” إجتمعت بناء على طلب من السير مارك بالفريق حداد باشا ، ممثل الشريف حسين ونجله فيصل في لندن . وشهد المقابلة ايضاً ضابطان عربيان كبيران . ومع انهم كانوا قد استمعوا الى تلميح من السير مارك سايكس عن التطور الجديد بشأن فلسطين ، الا انهم لم يسروا بما ابلغتهم اياه من ان الوعد سيصدر باعطاء فلسطين لليهود مقابل مساعدتهم في كسب تأييد الولايات المتحدة للحلفاء ، وقالوا انهم لا يريدون ان يذهب اليهود الى فلسطين لانها ارض عربية . ولكن عندما شرحت لهم أهمية القضية ، وان وزارة الحرب قد اتخذت قرارها في هذا الصدد ، وافقوا على مضض لأنهم كانوا يدركون الاهمية القصوى للعون الاميركي . ولم تكن الحقيقة الواقعة ، وهي ان الثورة العربية التي كثرت الدعاية لها ، غير ذي اثر كبير ، الا عاملاً آخر في قرارهم هذا ، فتعهدوا بعدم اثارة اي اعتراض وقالوا ان في وسعنا ان نعتمد على موافقة القادة العرب على السياسة البريطانية المقررة . وعندما اجتعت بلورنس في لندن وباريس ايام الحرب وبفيصل ولورنس ابان مؤتمر الصلح ، وجدت لورنس مؤيداً تمام التأييد لتنفيذ الصقة ، بينما وجدت فيصل أقل عداء لها . ولعل الاتفاق الذي وقعه مع الدكتور وايزمان في نيسان / ابريل عام 1918 يدل على ذلك .

” عقد اجتماع غير رسمي ضم الانكليز والصهاينة في بيت الدكتور غاستر في السابع من شباط / فبرايرسنة 1917 لمقابلة السير مارك سايكس ، شهده هيربرت صمويل ( اللورد صمويل ألدن ) وجيمس دي روتشيلد والدكتور وايزمان والمستر سوكولوف والدكتور تشيلنو والمستر ساكر وآخرون . وحالت اعمالي الرسمية بيني وبين حضور الاجتماع . وكان الدكتور وايزمان في ذلك الحين منشغلاً كل الانشغال في اعماله الكيماوية لصالح الحكومة ، فحال ذلك بينه وبين تكريس كل وقته للمفاوضات ، يضاف الى ذلك ان المستر سوكولوف كان آنذاك عضواً في اللجنة التنفيذية الصهيونية ، التي لم يكن الدكتور وايزمان حينذاك عضواً فيها . فعهد وايزمان الى المستر سوكولوف بمواصلة المفاوضات مع السير مارك بالنيابة عن الزعماء الصهيونيين .

” كان المستر جي . يتزموريس ، المترجم ذو الشهرة العالمية للسفارة البريطانية في استانبول من الاصدقاء الذين ساعدوني اكبر المساعدة في تأيدي للفكرة الصهيونية . لقد كان كاتوليكياً متديناً ومخلصاً ، ومؤمناً بأن انتصارالصهيونية سيكون نافعاً للعالم كما لليهود أنفسهم ، أتاح لي بتأييده الكامل وبمشورته التي لا تقدر بثمن ، وبتجاربه الواسعة ، مجال الوصول الى كافة الجهات والقيام بالمفاوضات مع الموظفين والدوائر المختصة . واليه يرجع الفضل في كسب الفريق السير هنري ولسن ، رئيس اركان حرب الامبراطورية ، والفريق السير جورج مكدونو ، مدير المخابرات العسكرية ، والعقيد غريبون ، احد كبار مساعديه ، للفكرة ، فأسهموا إسهاماً كبيراً في نجاح المفاوضات .

” كان فيتز موريس قد عرض اثناء محادثاتنا مع السير مارك المساعدة في الحصول على موافقة الحكومتين الفرنسية والايطالية وتأييد الفاتيكان . ولم يكن يتوقع اي متاعب من روسيا اذا وافق جميع الفرقاء الآخرين ، لا سيما وان روسيا كانت قد وصلت آنذاك الى حد الانحلال . وبعد محادثات عديدة مع السير مارك سايسكس ، وجد ان من الضروري ان ابحث القضية مع جورج بيكو ، مستشار السفارة الفرنسية في لندن ، وهو الند المماثل للسير مارك في مثل هذه القضايا عند الفرنسيين . وكان جورج بيكو كثير التفهم والعطف ، لا على الارمن فحسب ، بل وعلى اليهود ايضاً . وكان على استعداد لتقديم ما يستطيعه من عون . لكنه كان يعتقد بوجود صعوبة واحدة كبرى ، وهي انه باستثناء البارون ادموند دي روتشيلد ، الذي تعرفت منذ سنوات عندما قدمني اليه المستر جورج شفيلد من باريس ، فان جميع اليهود البارزين في فرنسا كانوا مناوئين للصهيونية وكانوا يسخرون من الفكرة القائلة ان اي عدد من اليهود سيذهبون الى فلسطين . وقيل لبيكو ان الصهيونية فكرة مثالية تسلطت على عقول بعض اليهود الاوروبيين الشرقيين المتعصبين ، وانهم هم لن يذهبوا الى فلسطين ابداً ، كما لن يقيموا فيها . وقد تطلب ازالة هذه الافكار ، التي تشبع بها من اليهود انفسهم ، من فكره الكثير من المنطق الذي شاء الطالع ان أتميز به . وبعد ان تمكنت من ذلك ، وعدني بالمساعدة ، ومضيت الى باريس بناء على اقتراحه لبحث القضية مع المسيو غوت ، وكيل وزارة الخارجية الفرنسية آنذاك للشؤون الشرقية . وكان هذا الاخير وثيق الصلة باليهود الفرنسيين لذلك احتجت الى جهد كبير لاقناعه والحصول منه على وعد بالمساعدة . وليس ثمة من شك في ان يهود فرنسا ظلوا حتى اللحظة الاخيرة ، يمثلهم الاتحاد (الاليانس ) الاسرائيلي العالمي ذو النفوذ الكبيروسكرتيره المسيو بيغارت ، يبذلون كل جهد لتحطيم المشروع وافشاله .

” استقال اسكويت من رئاسة الوزارة في كانون الاول / ديسمبر سنة 1916 وخلفه المستر لويد جورج . وكان هذا التبديل نافعاً للقضية الصهيونية ، ذلك ان اسكويت لم يكن حادباً على آمالها ، بينما كان لويد جورج ، نظراً لانتمائه الى شعب صغير ومعتز بنفسه ولقوة ما يحمله من مشاعر دينية ، أكثر ميلاً للحركة الصهيونية وتفهماً لها . وقد تمكنت انا والسير مارك سايكس من الحصول على تأييده ، بتأثير من فيليب ( اللورد لوتيان يما بعد ) الذي كان يعمل سكرتيراً له. وكان الرئيس يعمل بتوجيهاته في مثل هذه الشؤون .

” على الرغم من انني كنت قد مهدت الطريق من باريس ، الى حد ما ، لاعادة النظر في القضية الفلسطينية ، فقد قررت وزارة الخارجية ان ارافق سوكولوف الى باريس لاضمن مقابلته في الكي دور سيه للمسيو بيشون والمسيو دي مارجيري . وكان هذا ما فعلته تماماً . فقد هاتفت المسيو بيكو فور وصولي ورتبي مقابلة لي ولسوكولوف معه في منزله . وبعد حديث طويل ونافع معه ، وعد بان يساعدنا في مقابلة بيشون ومارجيري ، وعاد يهتف لنا فيما بعد بانه تمكن من تحديد موعد في صباح الغد ، على الرغم من كل الصعوبات البالغة . لقد علم اعضاء الاتحاد الاسرائيلي وامينه بيغارت بالموعد وعملوا المستحيل لمنعه واحباطه . وكانوا واثقين حتى اللحظة الاخيرة من نجاحهم ، لكن بيكو ، هذا الصديق العظيم ، خيب آمالهم كلها . وكان اعضاء الاتحاد الاسرائيلي واثقين من نفوذهم حتى انهم لم يستطيعوا ان يصدقوا آذانهم عندما أبلغهم بعض اصدقائهم في الكي دور سيه ( وزارة الخارجية الفرنسية ) بعد وصول سوكولوف اليها ببضع دقائق نبأ وصوله . وكنت قد قررت انه ان الافضل ان يذهب سوكولوف وحيداً . فقد توافرت لدي معلومات تقول ان الكي دور سيه يشعر بانني اسعى وراء تحقيق مصلحة بريطانية . وواصل اعضاء الاتحاد الاسرائيلي التحدث هاتفياً الى غرفتنا في فندق موريس ، يسألون اذا كان سوكولوف قد مضى حقاً الى الوزارة . وكنت ارد عليهم قائلاً : لقد خرج سعادة المسيو سوكولوف . وعندما كانوا يسألون عن هوية المتكلم معهم كنت أقول : رئيس مكتب سعادته . وقد ضحك المستر سوكولوف طويلاً عندما حدثته عن مزاحي مع رجال الاتحاد . وسرعان ما قابلت حشداً من وجهاء اليهود في قاعة الفندق ، جاؤوا يسألونني عن المستر سوكولوف ومهمته ، وكنت ارى علائم السرور النفسي على وجوههم وان كانوا يتظاهرون بعدم الرضى ، شأنهم في ذلك شأن الوالد الذي يؤنب ولده على تخطيه حاجزاً خطراً ، على الرغم من شعوره بالاعتزاز لما فعله ولده .

” مضى سوكولوف من باريس الى روما . ونظراً للترتيبات الرائعة التي اعدها فتز موريس لم تكن ثمة ضرورة لذهابي معه ، لكنني أكدت عليه ان يحمل معه بذلة الفراك التي لا غنى عنها والقبعة الحريرية . وقد اشتهر امر تلك المقابلة إذ ذكر البلاغ الرسمي الذي صدر عنها ان البابا قال لزائره ان الفاتيكان واليهود سيكونان على علاقات من الجوار الطيب في فلسطين (1) . وكنت قد رتبت مع سايكس في لندن عن طريق المركيز امبريالي ، في السفارة الايطالية ، ان يستقبل البارون سبونينو ، وزير خارجية ايطاليا ، المستر سوكولوف في قصر الكيرينالي . وقد تمت كل هذه الترتيبات بمعرفة القاضي برانديس التامة وموافقته ، إذ كان هناك اتصال برقي مستمر بينه وبين الدكتور وايزمان .

” عندما دخلت الولايات المتحدة الاميركية الحرب في ربيع سنة 1917 ، كان العمل يسير سيراً مرضياً . وكان السير مارك سايكس على ثقة من ان وعد الحكومة البريطانية سيتأكد بصورة علنية عما قريب . لكن عدداً من النكسات الخطيرة جداً توالت لسوء الحظ أدت الى تأجيل القضية وجعلت اصدار الوعد يتعثر أكثر من مرة . كلنا يعرف ان نكسات عسكرية وبحرية عديدة وقعت في عام 1917 ، وكانت الوزارة مشغولة بها الى الحد الذي صرفها عن الاهتمام بمشكلة فلسطين واليهود . ولعل ما هو اخطر من ذلك ، ما وصلنا من انباء عن احد اعضاء الوزارة البريطانية كان يعمل بكل ما أوتي من قوة للحيلولة دون اصدار الوعد هو وزير شؤون الهند ادوين مونتاغو، وهو يهودي ونجل اللورد سويتلنيغ صاحب المصرف المعروف .

” برزت المعارضة ايضاً من الاوساط اليهودية في فرنسا وفي هذه البلاد ( انكلترا ) . ففي فرنسا كان جميع اليهود البارزين ، كما قلت ، باستثناء البارون دي روتشيلد يعارضون معارضة شديدة صدور الوعد الموالي للصهيونية . ولم تكن معارضتهم ناجمة فقط عن حبهم لوطنهم فرنسا ، بل عن خوفهم من ان يؤدي قيام وطن قومي لليهود في فلسطين الى التأثير على مركزهم السياسي في فرنسا . وكان هذا الحافز سبباً كذلك في اشتداد معارضة اليهود من أصحاب النفوذ في انكلترا. وقد اتحدت في ايار/ مايو سنة 1917 جهود زعيمي اليهود والانكليز كلود مونتفيوري ، رئيس اتحاد اليهود والانكليز ، وديفيد اليكساندر ، رئيس مجلس المنتخبين ، وعملا عن طريق لوسيان وولف ، رئيس اللجنة الخارجية المشتركة للاتحادين ، على جمع عدد من زملائهما وأعدوا رسالة مشتركة الى صحيفة التايمز يحتجون فيها على ما قيل عن عزم الحكومة البريطانية على اتباع سياسة مؤيدة للصهيونية في فلسطين . لكننا تمكنا ، لحسن الحظ ، بمساعدة المستر ويكهام ستيد ، رئيس تحرير الصحيفة ، والذي سبق له ان قضى سنوات عديدة في فينا حيث اجتمع الى هرتزل وتفهم الحركة الصهيونية ، من مواجهة هذه الحركة المعاكسة ، بنشر ردود فورية صادرة عن الدكتور هرتز رئيس الحاخامين ، واللورد روتشيلد والدكتور وايزمان . وكان رد رئيس الحاخامين مفيداً للغاية في دحض اراء كلود مونتفيوري الذي عرف بأنه من زعماء اليهود المتدينين والروحيين .

” واصل اللورد سويتلينغ وعصبة اليهود البريطانيين معارضتهم الشديدة وبعثوا بمذكرة الى مجلس الوزراء أعدها لوسيان وولف ، حملوا فيها على المطالب الصهيونية . بحثت الوضع مع السير مارك سايكس ، ونصحنا الزعماء الصهيونيين بان يقبلوا التحدي . فقد كان من الضروري جداً إقناع مجلس الوزراء البريطاني بان اليهود الانكليز صهيونيون في عواطفهم وارائهم على الرغم من ان الناطقين بلسانهم يناهضون الصهيونية . وشرعنا في حملة سريعة في اوساط مجلس المنتخبين اليهود لاقامة الدليل على ان اليهود البريطانيين لا يعادون الصهيونية ، فاتخذ المجلس قراراً مؤيداً للصهيونية باغلبية كبيرة . وأدى هذا القرار الى استقالة ديفيد اليكساندر ، رئيس المجلس ، ونائبه المستر هنريكس . وقامت صحيفة التايمز بنقل هذه الانباء وحذت الصحف البريطانية الاخرى حذوها ، مما ترك انطباعاً قوياً لدى الحكومة .

” كان من المدهش لي ان أجد هؤلاء اليهود الانكليز البارزين يقاومون بعناد ويحاولون منع الحكومة البريطانية من إصدار الوعد . وقد تمكنوا من تأجيل القضية مدة طويلة . عندها قررت الوزارة البريطانية استشارة زعماء اليهود في هذه البلاد قبل ان تتخذ قرارها الاخير . وعلى الرغم من ان اصدقاءنا في مجلس الوزراء كانوا كثيرين ويضمون لويد جورج وبلفور وميلر وبارنز وسمطس ، إلا اننا كنا قلقين من تأثير المال والنفوذ ، لاسيما وان اليهود المناهضين للصهيونية كانوا أكبر قوة من الزعماء الصهيونيين في لندن . وقد بعثت وزارة الحرب ، لا وزارة الخارجية وحدها ، بسؤال يتعلق بالوعد الى ثمانية اشخاص هم : ليونارد كوهن وكلود منتفيوري والسير ستيوارت صمويل والسير فيليب ماغنس واللور روتشيلد والمستر سوكولوف والدكتور وايزمان ورئيس الحاخامين . ورد ثلاثة منهم هم مونتيفوري وكوهن وماغنس رداً قوياً يعارضون فيه بصدور الوعد . اما السير ستيوارت صمويل ، شقيق اللورد صمويل ، فعلى الرغم من عدم ظهوره بمظهر العداء ، لم يكن شديد التحمس للوعد . وكان من حسن حظنا والحالة هذه ان رئيس الحاخامين ، بكل ما يضفيه عليه مركزه الديني من أهمية ، بعث يرد ايجابي مؤيداً الوعد كل التأييد . وقد عمل هذا الرد ، ولا ريب ، في اقناع الوزارة بأن الوعد المقترح سيقابل بالحماس من غالبية اليهود في الامبراطورية البريطانية . ولقد سررت غاية السرور شخصياً بهذه النتيجة ، إذ انها اتفقت مع وجهات نظري منذ البداية ، كما سر بها السير مارك سايكس .

” كانت طريقتنا في العمل منذ البداية على النحو التالي : عندما تقرر الحكومة تبني سياسية مثالية للصهيونية ، يصبح من الضروري الامساك بجميع الخيوط التي يجب حياكتها لتتفق مع هذه السياسة . وكان أهم هذه الخيوط العمل التثقيفي لابراز الاهداف الصهيونية الذي سبق ان ركز الدكتور وايزمان جهوده عليه ، اي العمل التثقيفي ، منذ نشوب الحرب . وقد تمكن الدكتور وايزمان في غضون سنوات ، بمساعدة المستر سكوت رئيس تحرير المانشستر غارديان والاستاذ صموئيل الكساندر من جامعة مانشستر ، من حمل المستر لويد جورج وبلفور واللورد كرو واللورد سيسيل والسير هوربرت صمويل وفيليب كير والاستاذ وبستر والسير رونالد غراهام والعقيد ماينرز تهاغن وغيرهم على الاهتمام بالاهداف الصهيونية . وكان الدكتور وايزمان قد بحث في موضوع الصهيونية مع بلفور منذ سنة 1906 ، كما كان مؤسس الحركة الدكتور هرتزل قد تحدث في شأنها منذ عام 1900 مع جوزف تشمبرلين واللورد لانسرون اللذين أظهرا عطفاً على الصهيونية . وشرعت جماعة صغيرة من حواري وايزمان واصدقائه وبينهم هربرت سايد بوتهام والاستاذ زيمرن وليدون سيمون وهاري ساكر وصمويل لاندمان وسيمون ماركس واسرائيل وربيكاسيف وتولكوفسكي من اصدار الكتب والنشرات والمطبوعات المتعددة. وكان سايد يوتهام يعمل مراسلاً حربياً للمانشستر غارديان والتايمز ويوقع بتوقيع سكروتير في صحيفة الاوبزرفر . وكان لمقالاته وكتبه المؤيدة للمطالب الصهيونية رواج كبير . وأدت المجلة الاسبوعية فلسطين الناطقة بلسان لجنة فلسطين البريطانية والتي صدرت في مانشستر سنة 1916 بوحي من الدكتور وايزمان أثراً كبيراً . كما أدت اتصالات وايزمان بالعلماء والوزراء الى تحول عدد من الاصدقاء المهمين الى جانبنا وبينهم اللورد ميلتشيت .

” كان الخيط الثاني ما أظهرته وحدة المتطوعين الصهيونيين من كفاية عسكرية في معركة غاليبولي في سنة 1915 اولاً ومن ثم في فلسطين . ويرجع الفضل في انشاء هذه الوحدة ، كما يعرف كل انسان ، الى فلاديمير جابوتنسكي الذي اعتبره من ابرز الزعماء الصهيونيين الذين قابلتهم في حياتي . وقد تمكن في آب / اوغسطس سنة 1917 من الحصول على موافقة اللورد ديربي ، بالنيابة عن وزارة الحرب ، على انشاء وحدة عسكرية يهودية ، مهد انشاؤها الطريق لصدور الوعد الذي طال انتظاره .

” كان هناك خط آخر ارتبط باسم اهرون اهرونسون ، الخبير الزراعي الذي اكتشف نوعاً جديداً من الحنطة البرية . وكان اهرونسون ، الذي اشتهر اسمه في الولايات المتحدة ، يقيم في فلسطين وظل فيها حتى صيف سنة 1916 ، ثم تمكن من شق طريقه عبر خطوط العدو بشجاعة ومهارة الى ان وصل الى لندن في تشرين الاول / اكتوبر سنة 1916 . وكان اهرونسون قد اعد خطة لمساعدة الحملة العسكرية البريطانية في الشرق الادنى ورحبت دوائر المخابرات العسكرية بهذه الخطة بحماس ، وأوفدته في مهمة سرية الى القاهرة . وتمكن من هناك ، بواسطة رسله ومبعوثيه المخلصين ومعظمهم من اصدقائه واقربائه في فلسطين ، من تنظيم جهاز مخابرات سري يهودي اطلق عليه اسم ” نيلي ” وقدم مساعدات لا تقدر بثمن للجنرال اللنبي ابان حملته العسكرية . وقد أثر اهرونسون بشخصيته على الفريق ماكدونو ، رئيس المخابرات العسكرية ، وغيره من المسؤولين ، وخلق جواً مواتياً لاتباع السياسة المثالية الصهيونية التي كنا نعمل لاجلها جميعاً .

” أعد الدكتور وايزمان واصدقاؤه في لندن في صيف سنة 1917 ، بايعاز من السير مارك سايكس المسودة الاصلية للوعد ، وأصبح النص بعد ادخال بعض التعديلات عليه ، تلبية لرغبات خصوم الصهيونية ، كما يلي :

” تنظر حكومة جلالة الملك بعين العطف الى اقامة وطن قومي في فلسطين للجنس اليهودي ، وستبذل أفضل جهودها لتسهيل بلوغ هذه الغاية ، على ان يفهم جلياً انه لا يجوز عمل شيء قد يؤثر على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين ولا الحقوق او المركز السياسي الذي يتمتع به اليهود في اي بلاد غيرها من الراضين تمام الرضى عن جنسيتهم ورعويتهم الحاليتين “

” أبرق السير رونالد غراهام بالنص الى برانديس من واشنطن لتقديمه الى الرئيس ولسن ونوال موافقته عليه . ووافق البارون ادموند دي روتشيلد ايضاً على هذا النص ، ثم رفع نص الوعد الى وزارة الحرب والى المستر بلفور الذي كان من المقرر ان يتولى التوقيع عليه بوصفه وزيراً للخارجية . وقد طرأت عليه بعض التعديلات الاخرى فحلت كلمة الشعب اليهودي مكان كلمة الجنس اليهودي ، كما حذفت العبارة الاخيرة ” من الراضين تمام الرضى الخ.. ” وظل في شكله النهائي في وزارة الخارجية ، ترقباً لتحسن الاوضاع العسكرية في الشرق .

” أبلغني السير مارك في نهاية شهر تشرين الاول / اكتوبر ان مجلس الوزراء سيبحث في الوعد فوراً ، بسبب تحسن الوضع العسكري في فلسطين ، وطلب مني ان انتظره في رواق وزارة الحرب ، واتفقنا على كلمة رمزية اذا قالها فهمت منه النتيجة ، ثم مضى الى مجلس الوزراء . وعندما خرج هتف باعلى صوته ” جاء المولود صبياً ” . ففهمت ان القضية قد نجحت . وعرفت منه فيما بعد ومن المستر اورمسي غور ( اللورد هارتيش الآن ) ان وزير الخارجية بلفور شرح لزملائه في خمس دقائق وبطريقة مقنعة أهمية الوعد ، وسرعان ما انبرى لتأييده ميلز وسمطس ورئيس الوزراء نفسه ، وتوصل المجلس الى قرار اجماعي في الموضوع . وهكذا علمت آنذاك ان البذرة التي زرعتها قد انبتت ثمارها بعد اسابيع وشهور من القلق ، وان الحكومة البريطانية قد غدت حليفة للصهيونية . وصدر الوعد الذي نقلت نصه قبل قليل بعد ادخال التعديلات الاخيرة عليه ، في الثاني من تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1917 ، وهو الوعد الذي أصبح معروفاً في التاريخ بوعد بلفور، لأن بلفور قد بعث به على شكل رسالة الى اللورد روتشيلد .

” وفت الحكومة البريطانية باصدارها هذا الوعد اخيراً بوعدها الذي كنت دائماً واثقاً من وفائها به ، وارتبطت بأنها ستساعد اليهود في الحصول على فلسطين . ولهذا ، فان من الصحيح كل الصحة بالنسبة الى الاستاذ تمبرلي ، المؤرخ الرسمي لمؤتمر الصلح في باريس ، ان يصف وعد بلفور بانه عقد بين بريطانبا العظمى واليهود . وكان اليهود قد درسوا هذا الوعد قبل تاريخ صدوره بأمد طويل .

” عندما أتطلع الآن الى الجهود الشاقة التي بذلتها ، أشعر بالسعادة حقاً لأن العناية الآلهية شاءت ان تمنحني الفرصة لاضع كل علاقاتي الشخصية والرسمية كاملة وبلا مقابل تحت تصرف اصدقائي الصهيونيين . وهكذا تمكنت من ان أكون ذا نفع للشعب اليهودي في فترة تاريخية عظيمة ، وكنت أعرف انني بعملي هذا أخدم بريطانيا والعالم أجل الخدمات ! .

” على الرغم من ان الدكتور وايزمان قد اعترف في رسالة بعث بها اليّ بما بذلته من جهد في هذا العمل ، أرى ان من العدل ان أقول : إنه لولا شخصيته الديناميكية والمقنعة ، ولولا حسمه في اتخاذ القرارات بسرعة وشجاعة ، ولولا المهمات السرية المليئة بالاخطار التي قام بها بنجاح وراء الكواليس ، لما كنا على الغالب قد حققنا أي نجاح . فلقد تولى القيادة طيلة النضال ، وكان يعتبر من الجميع الذين اتصلوا به بأنه الرجل الوحيد الذي يستطيع ان يتخذ القرارات بالنسبة الى الحركة . ولا ريب في انه محظوظ في ان السيدة وايزمان قد اشتركت معه وساعدته في جهوده الى أقصى حد .

” سمعت من أوثق المصادر ان الدكتور وايزمان رغب أشد الرغبة في رؤية المستر تشرشل عندما غدا ، هذا الاخير ، رئيساً للوزراء في الحرب العالمية الثانية ، لكن تشرشل ظل يسوف ويؤجل موعد المقابلة . وعندما سأله احدهم عن السبب في هذا التأجيل قال : انني واثق من انني اذا قابلته فسيقنعني بما يريد .

” حقاً انها شهادة عظيمة تجيء من اعظم الزعماء البريطانيين في وايزمان ، ابرز الشخصيات اليهودية في العصور الحديثة . ولما كنت أعرف قول ماركوس اوريليوس المأثور بأن ” اي قائد مهما كان عظيماً لا يستطيع ان يحتل احدى القلاع من دون عون ” ، قد كان هدفي ان اذكر اسماء كل الذين اسهموا بصورة مباشرة او غير مباشرة في نجاح مساعيّ . وان كنت بمحض الصدفة قد نسيت احد الاسماء او أخطأت في تاريخ ، فذلك لأن بعض وثائقي قد دمرت ابان غارات القوى الجوية الالمانيةعلى لندن . وهنا انا اكتب هذه الجملة الاخيرة وارى نوافذ مسكني تهتز من جراء انفجارات القنابل الالمانية الطائرة التي تتساقط على مقربة من مسكني في بالاس غيت ، لندن دبليو 8 ، انكلترا ، في هذا اليوم الثامن من تموز / يوليو سنة 1944 ” .

                                                                                    انتهى نص الوثيقة

هذه هي القصة الكاملة لوعد بلفور كما رواها بطلها الاول ، الرجل الذي تجاهله وايزمان في تاريخ حياته ، وحاولت الصهيونية طمس الدور الذي لعبه في صدور الوعد لتضفي الفضل فيه على قادتها وحدهم ، حتى ولو كان في ذلك تحريف كبير للتاريخ . فقد عودنا الصهيونيون مثل هذا التحريف دائماً ، إذ ليس أبرع منهم في ادائه . واذا كنت قد بذلت كل هذا الجهد في سرد هذه الحقائق المثيرة ، التي قامت الادلة والبراهين التي اوردتها في البداية مؤيدة لصحتها ، فان الغاية من ذلك بسط بعض الحقائق التي ما زالت مجهولة لدى القاريء العربي من ناحية ، وتبيان الطريقة التي التقت فيها الصهيونية بالاستعمار وكيف تم التآمر بينهما على ادخال الولايات المتحدة في الحرب الكونية الاولى ، ونجاح هذا التآمر على حساب فلسطين والشعب العربي في فلسطين من ناحية اخرى .

(1) من الغريب ان كل المصادر العربية والانكليزية التي وقعت تحت ايدينا لم تشر الى هذا البلاغ او الى ما تم اثناء المقابلة . كل ما يذكر عن هذا البلاغ جاء في مصادر صهيونية . كما ان مالكولم لم يذكر نص البلاغ وانما اكتفى بالاشارة اليه .