القرامطة

القرامطة

القرامطة حركةٌ دينيّةٌ سياسيّةٌ تفرّعت من المباركية إحدى فرق الإسماعيلية. دُعِيَت بهذا الاسم نسبةً إلى مؤسّسها حمدان بن الأشعث قرمط الذي عاش في عهد الخليفة المعتضد العبّاسي، واتّبعت تنظيمًا سريًا دقيقًا.

كانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا: “لا يكون بعد محمد (ص) غير سبعة من الأئمّة. ساعدت الأوضاع الفاسدة والتّهالك والإنحلال في جسم الدولة العباسيّة على نمو الحركات الثّورية المعارضة، ومنها الحركة الإسماعيلية-القرمطيّة التي انتشرت بصورةٍ عجيبةٍ في المشرق الإسلامي وولّدت انفجاراتٍ عسكريةً اقضّت مضاجع الخلافة العبّاسية وحرمتها لذيذ الرّقاد.

اعتمدت الفرقة القرمطيّة على الجانب الإعلامي وبعث الدّعاة إلى الأقاليم، كاليمن والحجاز والهند ومصر وبعلبك وواسط وسلمية وعمان وخراسان، فاستطاعت بذلك جذب الأعداد الكبيرة من الموالين لها في تلك البلدان، ألّفوا في ما بعد القواعد الشّعبية التي مكّنتهم من تنظيم الجيوش والتّوجه لنشر عقائدهم.

تميّزت الفرقة القرمطية بالسّرية التّامة وتكتّمها وإخفائها للحقائق التي تنطوي عليها والتّستر على كبار قادتها حتّى أخفوا شخصياتهم على المُقرّبين إليهم، ما مكّنهم من النفوذ إلى الكثير من المجتمعات وتعليمهم مذهبهم من دون الكشف عن هوياتهم. اهتمّ زعماء القرامطة بكلّ ما يخدم طموحاتهم ومخططاتهم الثّورية والإجتماعية بدرجةٍ أنّهم لم يعيروا اهتمامًا للإنتماء الإسمي أو الدّيني أو البحث عن الرّسالة ومَن هو الخليفة أو ورثته أو المهدي المُنتظَر.

اتخذت القيادة القرمطيّة التدابير المالية بفرض ضرائب متعدّدةٍ لتحصل على رصيدٍ ماديٍ ضخمٍ يُمكّنها من تنفيذ مشاريعها وبرامجها، فطرحت أنواعًا من الضّرائب، كضريبة الفطرة وهي درهم على الرجال والنّساء والأولاد، وضريبة الهجرة وهي دينار عن كلّ مَن أدرك الحنث، وضريبة البلغة وهي سبعة دنانير، وضريبة الخمس وهي خمس الأرباح السنوية. وأسّست نظام الألفة وهي جمع الأموال في موضعٍ واحدٍ. كلّ هذا مكّنها لأن تبني كيانًا اقتصاديًا متينًا.

اتّبع القرامطة نهج العنف وانحرفوا عن مسير الحركة الإسماعيلية، وكانوا توّاقين بعنفٍ إلى إمامٍ مهديٍ مُنتَظر يسارع في إنقاذهم من الفوضى الإقتصادية والقلق النّفسي، فأصرّوا على أن يباشروا فورًا في إعلان دولةٍ في بلاد الشّام.

كان ابتداء أمر القرامطة أنّ رجلاً قدم من ناحية الأهواز إلى سواد الكوفة يُظهِرُ الزّهد والتّقشف، وأقام على ذلك فترةً. وكان إذا قعد إليه رجلٌ ذاكره أمر الدّين وزهده في الدنيا. ثمّ مرض فمكث على الطّريق مطروحًا. وكان في القرية رجل أحمر العينين حمل المريض إلى منزله واعتنى به حتى بَرِئَ ودعا أهل تلك النّاحية إلى مذهبه فأجابوه واتّخذ منهم اثني عشر نقيبًا أَمَرَهم أن يدعوا النّاس إلى مذهبهم، وقال: . فاشتغل أهل كور تلك النّاحية عن أعمالهم بما رسم لهم من الصّلوات، وكان للهيصم في تلك النّاحية ضياع فرأى تقصير الأكرة في عمارتها، فسأل عن ذلك فأخبر بخبر الرّجل فأخذه وحبسه وأغلق باب البيت عليه وجعل مفتاح البيت تحت وسادته واشتغل بالشّرب، فرقّت إحدى الجواري للرّجل وأطلقت سراحه من دون أن يعلم الهيصم، وشاع ذلك في النّاس فافتتن أهل النّاحية وقالوا: رُفِعَ ثمّ ظَهَر في ناحيةٍ أخرى ولقي جماعةً من أصحابه وغيرهم ثم خرج إلى ناحية الشّام”.

وقيل غير ذلك، إنّ حمدان، بن الأشعث قُرمُط، هو الذي التقى بالرّجل الدّاعي ـأحد دعاة الباطنيةـ فالتزم حمدان سرّه ثم اندفع الداعي في تعليمه واستجاب له في جميع مَن دعاه ، ثم انتدب حمدان للدّعوة وصار أصلاً من أصول هذه الدّعوة فسمّى أتباعه القرامطية.

وفي البحرين، ظهر رجلٌ من القرامطة يُعرَف بأبي سعيد الجنابي؛ فاجتمع إليه جماعةٌ من الأعراب وقوي أمره ثم سار إلى القطيف. وفي سنة 287 هـ، أغاروا على نواحي هجر وقرّب بعضهم من نواحي البصرة.

أسّسوا لهم موضعًا سمّوه “دار الهجرة” يُهاجرون إليها ويجتمعون بها؛ وبنوا حولها سورًا مَنيعًا عَرضُهُ ثمانية أذرعٍ ومن ورائه خندق عظيم، وانتقل إليها الرّجال والنّساء من كلّ مكانٍ، وذلك سنة (277هـ)، فلم يبق حينئذٍ أحدٌ إلاّ خافهم لقوّتهم وتمكّنهم في البلاد.

في سنة 289 هـ أحسّت الخلافة العباسية بخطر القرامطة وازدياد حشودهم، فأمرت عاملها في سورية، شبل الديلمي، فألّف جيشًا جرارًا وهاجم الجيوش القرمطيّة، لكنّهم دحروا هذه القوّة بعد أن قتلوا عددًا كبيرًا منها.

تمكّن الحسين بن زكرويه أبو مهزول، المُلقّب بصاحب الخال، من تجهيز الجيوش وفتح الرّقة وحلب وحماة وحمص ودمشق وسلميّة، وحقّق الإنتصارات الباهرة وخطب على المنابر وأيّده أهلها.

إلتبس على بعض كبار دعاة القرامطة الأمر في أنّ إمامهم هو عبيد الله المهدي، وكانوا ما يزالون يُدينون بالولاء والطّاعة للإمام محمّد بن إسماعيل الذي بذر بذور الدّعوة بينهم واعتبروه المهدي المُنتظر. ولم تفلح الحُجَج والبراهين التي اعتمدها الدّعاة في إقناعهم بأنّ الإمام عبيد الله المهدي بموجب النّص الذي أودعه الإمام محمد بن إسماعيل في عقبه. ويرجع هذا التّعنت من بعض دعاة القرامطة لإنقطاعهم في البادية ولعدم احتكاكهم الدّائم مع مركز الدّعوة الإسماعيلية في سلمية وتتبّعهم تطورات الدّعوة، فاعتبروا أنّ هذه التطورات خارجةٌ عن مفهوم التّعاليم الأولية التي لقّنوها.

وفي سنة 317 هـ، هاجم القرامطة مكّـة المكرّمة ونهبوا الكعبة واقتلعوا الحجر الأسود. ولما بلغ ذلك الإمام الإسماعيلي والخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي كتب إلى أبي طاهر ينكر ذلك ويلومه، ويقول: «حقّقت على شيعتنا ودُعاة دولتنا إسم الكفر والإلحاد بما فعلت»، وأمره أن يعيد الحجر الأسود إلى موضعه، فأعاده.

أنكر القرامطة على الإسماعيلييّن والفاطميين سياسة المُلاينة التي اعتمدوها في كسب العناصر غير الإسماعيليّة؛ وقد جسّدوا معتقداتهم بالعنف والبطش واستحلّوا استعراض الناس بالسيف وقتلهم وأخذ أموالهم والشّهادة عليهم بالكفر.

استغلّ القرامطة شعار الإنتساب إلى البيت العلوي الثّائر المُضطهد ونادوا بالعدالة الإجتماعية وطرحوا أنفسهم في قالبٍ دينيٍ ثوريٍ، ما أعطى لتحرّكهم الإطار الشّرعي. ولا يعرف التّاريخ الإسلامي مذهبًا ثوريًا لا يستندُ إلى أساسٍ روحيٍ أو حركةٍ ثوريةٍ عامةٍ لاترجع إلى الدّين. وكان من المألوف في العصور الإسلاميّة أن تظهر الجماعات الدّاعية إلى الثّورة السياسية مُستنيرةً بالمذهب الشّيعي في سبيل نشر رسالتها وتأليب رجالها إلى أن يستتبّ لها الأمر فتسفر عن حقيقة أمرها.

قالوا: إنّ النبي (ص) نصَّ على إمامة علي بن أبي طالب، وإنّ عليًا نصّ على إمامة ابنه الحسن، وإنّ الحسن نصّ على إمامة أخيه الحُسين، وإنّ الحسين نصّ على إمامة ابنه علي، وإنّ عليًا نصّ على إمامة ابنه محمد الباقر، ونصّ محمّد على إمامة ابنه جعفر الصّادق، ونصّ جعفر على إمامة ابن ابنه محمد بن إسماعيل. وزعموا أنّ محمد بن إسماعيل حيّ إلى اليوم ولم يمت، ولن يموت حتّى يملك الأرض، وأنّه هو المهدي الذي تقدّمت البشارة به، واحتجّوا في ذلك بأخبارٍ روُوها عن أسلافهم يخبرون فيها أن سابع الأئمّة قائمهم.

أثبتوا النّبوة ظاهرًا وأنكروا الوحي وهبوط الملائكة وأوّلوا المُعجزات فجعلوها رموزًا: فثُعبان موسى حجّته، والغمام أمره؛ وأنكروا كون عيسى من غير أب بل هو رمزٌ أخذ العلم من غير إمام وإحياء الموتى.

وقالوا إنّ جميع الأشياء التي فرضها الله تعالى على عباده، ومنها نبيّه محمد (ص) وأمر بها لها ظاهر وباطن، وإن جميع ما استعبد الله به العباد في الظّاهر من الكتاب والسنة أمثال مضروبة وتحتها معانٍ هي بطونها وعليها العمل.

وأقرّوا حصر ممتلكاتهم في بيت المال وسنّوا التّشريعات التي تحدّد صلاحية الفرد وتُبيّن حقوقه ضمن المجموع. وضمنوا حياة العاجز والعاطل والعامل والصّانع والفلاّح.

واستحلّوا استعراض النّاس بالسّيف وقتلهم وأخذ أموالهم والشّهادة عليهم بالكفر.

وزعموا أنّه يجب عليهم أن يبدأوا بقتل مَن قال بالإمامة مِمّن ليس على قولهم، وخاصةً مَن قال بإمامة موسى بن جعفر وولده مِن بعده.
وقسّموا المجتمع إلى أربع طبقاتٍ، وهي:

– الأولـى وهي طبقة الشّباب بين عمر 15-30 عامًا، ويُسمّون الأخوان الأبرار الرّحماء.

– الثّـانية وتشمل مَن كانوا بين 30-40 عامًا وهُم الرّؤساء وذوو السّياسات؛ ويُسَمّون الأخيار الفضلاء.

– الثـالثة وتشمل مَن كانوا بين 40-50 من العمر، وهُم أصحاب الأمر والنّهي ونصر الدّعوة.

– الرّابعة وهي مَرتَبةُ مَن يزيد عمرهم على الخمسين سنة وهي الأعلى في نظرهم، ويُطلَق عليهم طبقة المُريدين، ثم المعلّمين، ثم القادة، ثم المقرّبين إلى الله.

وقالوا إنّ محمد بن إسماعيل هو خاتم النّبييّن الذي حكاه الله في كتابه وأنّ الدّنيا اثنتا عشرة جزيرةٍ في كلّ جزيرة حَجّة، وأن ّالحجج اثنتا عشرة، ولكلّ داعيةٍ يد ويعنون بذلك أنّ اليد رجل له دلائل وبراهين يُقيمها.

وحرّموا زيارة القبور وتقبيلها.

انتشرت الفرقة القرمطيّة في الكوفة وواسط والبصرة من العراق، ثمّ ظهر دعاتهم في البحرين والقطيف. وعظُمَ أمرهم وأغاروا على نواحي هجر والإحساء والقطيف والطّائف، وبلغت دعوتهم إلى اليمن وتغلّبوا على سائر مدن اليمن وساروا إلى بعلبك وقتلوا عامّة أهلها ولم يبق منهم إلاّ اليسير. ثم ساروا إلى سلميّة وصالحوا أهلها وأعطوهم الأمان. واستولوا على دمشق عام 260 هـ، ومنها توجّهوا إلى مصر. واجتمع معهم خلق كثير من العرب والاخشيدية. وظهر أمرهم في المغرب وعمان، وفي بلاد الديلم حيث استطاع أبو حاتم نشر فكر القرامطة. وفي نيشابور تولّى الدعوة لهم الشّعراني.

في سنة 326 هـ، فسد حال القرامطة وقتل بعضهم بعضًا. وسبب ذلك أنّه كان رجل منهم يُقال له “ابن سنبر” وهو من خواص أبي سعيد القرمطي والمُطلعين على سرّه؛ وكان له عدو من القرامطة اسمه ابو حفص الشّريك، فعمد ابن سنبر إلى رجلٍ من اصبهان وقال له: “إذا ملكت أمر القرامطة أريد منك أن تقتل عدويّ، أبا حفص”. فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه. فأطلعه عندها على أسرار أبي سعيد وعلامات كان يذكر أنّها في صاحبهم الذي يدعون إليه، فحضر عند أولاد أبي سعيد وذكر لهم ذلك. فقال أبو طاهر: “هذا هو الذّي يدعو إليه”. فأطاعوه ودانوا له حتّى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله. وكان إذا كره رجلاً يقول له إنّه مريض، يعني أنّه قد شك في دينه، ويأمر بقتله. وبلغ أبا طاهر أن الأصبهاني يريد قتله ليتفرّد بالمُلك، فقال لإخوته: “لقد أخطأنا في هذا الرجل وسأكشف حاله”. فقال له: إنّ لنا مريضًا فانظروا إليه ليبرأ”. فحضروا وأضجعوا والدته وغطّوها بإزارٍ، فلمّا رآها قال: “إنّ هذا المريض لا يبرأ فاقتلوه”. فقالوا له: “كذبتَ هذه والدتك!”. ثم قتلوه بعد أن قُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ من عظمائهم وشجعانهم.

لمّا انتشر القرامطة بسواد الكوفة، وجّه إليهم المعتضد شبلاً غلام أحمد بن محمد الطائي، وظفر بهم وأُخِذَ رئيسًا لهم يُعرَف بأبي الفوارس. فسيّره إلى المعتضد فأحضره بين يديه وقال له: “أخبرني، هل تزعمون أنّ روح الله تعالى وأرواح أنبيائه تحلّ في أجسادكم فتعصمكم من الزّلل وتوفّقكم لصالح العمل؟ فقال له: “يا هذا إن حلّت روح الله فينا فما يضرّك؟ وإن حلّت روح إبليس فما ينفعك؟ فلا تسأل عما لا يعنيك وسِل عما يخصّك”.

وبعد أن قُتِلَ رئيس القرامطة أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي، سنة 301 هـ، تولّى ابنه أبو طاهر سليمان الجنابي أمر القرامطة في البحرين، فأراد أن يستولي على البصرة فغزاها مرارًا. وكانت أشدّ غزواته سنة 311هـ، فقد سار إليها في 1800 رجل ودخلها وقتل حاميتها وأقام بها 17 يومًا وحمل ما قدر عليه من المال والنّساء والصّبيان وعاد إلى هجر. ثمّ توجّه إلى طريق الحج، فقطع الطّريق على الحُجّاج ونهب القوافل حتّى مات أكثرهم جوعًا وعطشًا. فكتب إليه المُقتدر يطلب منه أن يطلق من عنده مِنَ الأسرى، فأطلقهم وطلب منه أن يوليه على البصرة والأهواز فلم يجبه المُقتدر إلى طلبه. فسار إلى الكوفة وتغلّب على عسكر الخليفة.

في سنة 339هـ، أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكّة، وقالوا: “أخذناه بأمرٍ وأعدناه بأمرٍ”.