الفرق اليهودية

الفرق اليهودية

يقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي عاش في القرن الاول الميلادي انه كان هناك ثلاث فرق ” فلسفية يهودية” في فلسطين تنتمي الى ثلاث مدارس هي : الصدوقيون والفريسيون والاسينييون ويذكر فرقة رابعة عرفت بالغيوريين . غير انه يقول إنه لم يكن كل اليهود اعضاء في جماعة او اخرى من هذه الجماعات .

الصدوقيون

كان الصدوقيون جماعة صغيرة إلا انها كانت تتمتع بنفوذ كبير . وكانت الجماعة تتشكل اساساً من كبار الكهنة ومن الطبقات الغنية . وكانوا محافظين متشددين يمقتون التغيير وبخاصة التغيرات التي تؤثر في وضعهم البارز .

يعتقد البعض ان الاسم صدوقي جاء نسبة الى ” صادوق ” الذي ورد اسمه في العهد القديم . واعتقد آخرون ان الاسم مأخوذ من كلمة عبرية معناها البر والاستقامة الاخلاقية او من كلمة يونانية تعني أعضاء المجلس . وكان مجلس السبعين اليهودي ” السنهدريم ” يضم عدداً كبيراً من الصدوقين.

قال الصدوقيون إن الناموس الذي اعطى بيد موسى والذي جاء في الاسفار الخمسة الاولى من العهد القديم هو أساس التعليم الديني . وهذا يعني انهم لم يشاركوا اليهود الآخرين بعض معتقداتهم اليهودية والتي ليست واضحة تماماً في التوراة . فالصدوقيون لا يؤمنون بحياة مستقبلية او بالدينونة الاخيرة او بالقيامة .

الفريسيون

كان الفريسيون الطائفة التي نشأت في القرن الثاني ق.م. الاكبر عدداً بين اليهود ايام السيد المسيح وكان كثيرون منهم يحترفون دراسة العهد القديم . وكان لكل مجموعة منهم رؤساؤها وقوانينها .

أخذ الصدوقيون على الفريسيين انهم كوَموا كمية كبيرة من الاحكام والقواعد لكي يشرحوا من خلالها ناموس العهد القديم . واتهمهم الصدوقيون بأنهم كانوا يؤمنون ويعملون اشياء لا تتفق مع الفهم الحرفي للناموس . على ان الفريسيين أكدوا من جهتهم ان العهد القديم هو الدستور الاعلى لحياتهم وايمانهم إلا انهم ادركوا انه لا يلائم تماماً المجتمع الذي يعيشون فيه حالياً. ولكي تقوم علاقة نافعة فلا بد من تفسيره بطرق جديدة ، خصوصاً وان الناموس يتدخل في حياة الناس اليومية ويقيدها . ورغم هذه النظرة شبه المنفتحة فان الفريسيين بالغوا بالتشدد في احوال كثيرة . فمثلاً سمحوا لليهودي ان يتنزه يوم السبت على ان لا تزيد المسافة عن ثلثي ميل ، كما حرّموا اشعال النار يوم السبت . وكذلك لم يسمحوا للخياط مثلا بالخروج حاملا ابرته في وقت متاخر قبل حلول السبت لئلا تظل في جيبه عند حلول السبت .

لم يجد الفريسيون صعوبة في الايمان بالحياة الاخرى بعد الموت . وربما توقعوا ايضا مجىء ” المسيا ” ليصحح اخطاء الشعب . ورغم انهم لم يشتركوا مطلقاً في اي ثورة ضد الرومان الا انه من المحتمل انهم كانوا يعجبون بمن يقومون بها .

اما اسمهم فكان يعني ” المفرز ” . وكان معظمهم من اليهود العاديين وربما وصل عددهم ايام المسيح الى ستة الاف . وكان المسيح قد تجادل كثيراً مع الفريسيين ودان فيهم برّهم الذاتي وناموسيتهم بينما اظهر محبته لاولائك الذين احتقرهم الفريسيون . وكان بولس الرسول فريسياً قبل اهتدائه وكذلك كان نيقوديموس الذي صار تلميذاً للمسيح في السر .

الاسينيون

يعتقد المؤرخون المهتمون بالتاريخ الديني ان احدى الفرق الاسينية هي التي كتبت لفائف البحر الميت . وكان مقر هذه الجماعة في قمران قرب البحر الميت بفلسطين . وكانت هذه الجماعة قد انسحبت من الحياة العادية وعاشت حياة شراكة في الصحراء في محاولة للحفاظ على النقاء الديني والاخلاقي ، هذا النقاء الذي اعتقدوا انهم قد يجدوه في العهد القديم وفي حياة التقشف . ويقول المؤرخ اليهودي يوسيفوس انهم لم يتمركزوا في مدينة واحدة بل استقروا باعداد كبيرة في مدن عديدة . ويظن ان فريقاً منهم عاش في البرية قرب دمشق وان هذا الفريق كان يختلف في معتقداته بشكل قليل عن جماعة قمران .

نعرف اليوم من مخطوطات البحر الميت ان الاسنيين كانوا اقلية يهودية وانهم امناء لعهد الله وانهم اعتبروا الشعب اليهودي بأكثريته ، بل وحتى الهيكل والكهنة في اورشليم القدس ، غير امناء . واكدت الجماعة ان قائدها ” معلم البر ” واتباعه الامناء هم وحدهم الذين عرفوا اسرار العهد القديم .

آمن الاسينيون ان كارثة في التاريخ ستحل وعندها سيؤكد الله سيادته على العالم بعد ان يقهر الهراطقة والغرباء الغازين ( اي الرومان ) . وستصبح عند ذاك شيعة من اليهود ، وليس كل اليهود ، شعب الله المختار وستتولى هذه الشيعة الامور وتصحح اوضاع عبادة الله في الهيكل. وتوقع الاسينيون ظهور ثلاثة قادة : النبي الآتي الذي تحدث عنه موسى ، والمسيا الملك الذي سيكون من نسل داود ، والمسيا الكاهن الذي ستكون له الأولوية الكبرى . واعتقد الاسينيون كالفريسيين ان الله لديه خطة معدة لا يمكن ان تتغير نتيجة لاي تدخل بشري . وما على الانسان ، في نظرهم ، الا ان يكون في المكان الصحيح وفي حالة ذهنية سليمة حين يصل المخلص الموعود .

الى جانب هذه الفرق الثلاث كان هنال الرؤويون والغيوريون . وهما حركتان هامشيتان . فالغيوريون كانوا حركة فدائية منهمكة في مقاومة الرومان اكثر من كونهم حركة دينية . وكانوا في الواقع يشاركون الفريسيين في الكثير من معتقداتهم ، الا انهم كانوا لا يقبلون سيداً سوى الله . ويقول المؤرخ يوسيفوس ان مؤسس شيعتهم كان يهوذا ، وهو رجل جليلي قاد ثورة عام 6 م . ويعتقد ان احد تلامذة المسيح ويدعى سمعان كان من الغيوريين ، كما ساد اعتقاد بان يهوذا الاسخريوطي كان واحداً منهم .

اما الرؤويون فكانوا جماعة صغيرة ، ضيقة الافق ، لا يعرف عنهم الا القليل . وكل ما عرف عنهم جاء من خلال كتاباتهم التي ادعوا فيها انهم تسلموا اعلانات جديدة من الله . وقد شدد هؤلاء على الحياة السماوية وليس على الحياة الدنيوية اليومية . وقال احد الكتاب الرؤويين ان ” العلي ” لم يخلق عالماً واحداً بل اثنين . وتشدد كتاباتهم على الاحلام والرؤى والاتصال بواسطة الملائكة . وهذه الواسطة والوساطة ضرورية بنظرهم لان الله بعيد في عالمه الخاص ولا يمكن للبشر الوصول اليه الا بالواسطة والوسطاء.

ولما كانت كلمة رؤيا تعني حرفياً اناس يكشفون عن اشياء سوية ، فان كتاباتهم اتسمت بالغموض ذلك ان الرؤى لا توصف بعبارات صريحة بل باستخدام لغة رمزية . لذلك نجد عندهم اشارات عديدة الى كتب الانبياء في العهد القديم والى الوحوش الاسطورية ، كما استخدموا الاعداد الرمزية في اشارتهم الى امم او اشخاص . وكانت الكتابات الرؤوية تصدر باسم شخصية معروفة عاشت في الماضي مثل نوح وآدم واختوم وموسى وعزرا الخ..