الـغـز

الـغـز

الأوغوز أو الغز من الفروع الرئيسية للاقوام التركية يعتبرون اجداد الاتراك الجنوب غربيين الذي تضم اتراك تركيا وبلاد الشام وقبرص والبلقان واليونان وبلغاريا وتركمانستان وإيران. اسس الاوغز عدد من الممالك والامبراطوريات المشهورة كالسلاجقة والعثمانيون والصفويون.

كلمة الاوغوز مشتقة من كلمة السهم وقد استخدم السلاجقة هذا الرمز حيث كان رايتهم تحمل صورة قوس وسهم. يعتبر منطقة الاورال والالطاي في آسيا الوسطى بمثابة الوطن الام للاوغوز. اطلقت تسمية التركمان على الاوغوز الذين دخلوا الإسلام حيث اشتقت الكلمة من ترك وآمن.

ورد في “تاريخ ابن خلدون” لابن خلدون المجلد الخامس:

” كان هؤلاء الغز فيما وراء النهر، وهم شعب من شعوب الترك، ومنهم كان السلجوقية أصحاب  هذه الدولة، وبقوا هنالك بعد عبورهم، وكانوا مسلمين فلما استولى الخطا على ملك الصين وعلى ما وراء النهر حجر هؤلاء الغزّ إلى خراسان، وأقاموا بنواحي بلخ. وكان لهم من الأمراء محمود ودينار وبختيار وطوطي وأرسلان ومعز. وكان صاحب بلخ الأمير قماج فتقدّم إليهم أن يبعدوا عن بلخ فصانعوه فتركهم، وكانوا يعطون الزكاة ويؤمنون السابلة. ثم عاد إليهم في الانتقال فامتنعوا وجمعوا فخرج إليهم في العساكر وبذلوا له مالا فلم يقبل وقاتلوه فهزموه، وقتلوا العسكر والرعايا والفقهاء وسبوا العيال، ونجا قماج إلى مرو، وبها السلطان سنجر فبعث إليهم يتهدّدهم ويأمرهم بمفارقة بلاده فلاطفوه وبذلوا له فلم يقبل. وسار إليهم في مائة ألف فهزموه وأثخنوا في عسكره، وقتل علاء الدين قماج، وأسروا السلطان سنجر ومعه جماعة من الأمراء فقتلوا الأمراء واستبقوا السلطان سنجر وبايعوه، ودخلوا معه إلى مرو فطلب منه بختيار إقطاعها فقال: هي كرسي خراسان فسخروا منه. ثم دخل سنجر خانقاه فقسط على الناس وأطرهم وعسفهم، وعلق في الأسواق ثلاث غرائر وطالبهم بملئها ذهبا فقتله العامّة، ودخل الغز نيسابور ودمّروها تدميرا، وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوها، وقتلوا القضاة والعلماء في كل بلد. ولم يسلم من خراسان غير هراة وسبستان لحصانتهما. وقال ابن الأثير عن بعض مؤرّخي العجم: إن هؤلاء الغز انتقلوا من نواحي التغرغر من أقاصي الترك إلى ما وراء النهر أيام المقتفي وأسلموا، واستظهر بهم المقنّع الكنديّ على مخارقه وشعوذته حتى تمّ أمره فلما سارت إليه العساكر خذلوه وأسلموه، وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخانية. ثم طردهم الأتراك القارغلية عن إقطاعهم فاستدعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان، وأنزلهم بلاده واستظهر بهم على قماج صاحب بلخ، وسار بهم لمحاربته فخذلوه لأنّ قماج كان استمالهم فانهزم زنكي وأسر هو وابنه وقتلهما قماج وأقطع الغز في بلاده. فلما سار الحسين بن الحسين الغوري إلى بلخ برز إليه قماج ومعه هؤلاء الغز فخذلوه، ونزعوا عنه إلى الغوري حتى ملك بلخ فسار السلطان سنجر إلى بلخ وهزم الغوري واستردّها، وبقي الغّز بنواحي طخارستان. وفي نفس قماج حقد عليهم فأمرهم بالانتقال عن بلاده فتألفوا وتجمّعوا في طوائف من الترك، وقدموا عليهم أرسلان بوقاء التركي، ولقيهم قماج فهزموه وأسروه وابنه أبا بكر وقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها. وجمع السلطان سنجر وفي مقدمته محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد ابنه في محرم سنة ثمان وأربعين. وجاء السلطان سنجر على أثرهم وبعثوا إليه بالطاعة والأموال فلم يقبل منهم، وقاتلهم فهزموه إلى بلخ. ثم عاود قتالهم فهزموه إلى مرو واتبعوه فهرب هو وعسكره من مرو رعباً منهم، ودخلوا البلد وأفحشوا فيه قتلا ونهبا، وقتلوا القضاة والأئمة والعلماء.

 ولما خرج سنجر من مرو وأسروه أجلسوه على التخت على عادته وآتوه طاعتهم. ثم عاودوا الغارة على مرو فمنعهم أهلها وقاتلوهم، ثم عجزوا واستسلموا فاستباحوها أعظم من الأولى. ولما أسر سنجر فارقه جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك، ووصلوا إلى نيسابور واستدعوا سليمان شاه بن السلطان محمود، وخطبوا له بالسلطان في منتصف السنة، واجتمعت عليه عساكر خراسان وساروا لطلب الغزّ فبارزوهم على مرو، وانهزمت العساكر رعباً منهم، وقصدوا نيسابور والغز في اتباعهم، ومرّوا بطوس فاستباحوها وقتلوا حتى العلماء والزهاد، وخربوا حتى المساجد ثم ساروا إلى نيسابور في شوّال سنة تسع وأربعين ففعلوا فيها أفحش من طوس حتى ملؤا البلاد من القتلى، وتحصن طائفة بالجامع الأعظم من العلماء والصالحين فقتلوهم عن آخرهم، وأحرقوا خزائن الكتب. وفعلوا مثل ذلك في جوين واسفراين فحاصروهما واقتحموهما مثل ما فعلوا في البلاد الأخرى. وكانت، أفعال الغز في هذه البلاد أعظم وأقبح من أفعال الغز في غيرها. ثم انّ السلطان سليمان شاه توفي وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك في شوّال سنة ثمان وأربعين فاستوزر ابنه نظام الملك وانحلّ أمره وعجز عن القيام بالملك فعاد إلى جرجان في صفر سنة تسع وأربعين فاجتمع الأمراء وخطبوا للخان محمود بن محمد بن بقراخان وهو ابن أخت سنجر، واستدعوه فملكوه في شوّال من السنة وساروا معه لقتال الغز وهم محاصرون هراة فكانت حروبه معهم سجالا، وأكثر الظفر للغز. ثم رحلوا عن هراة إلى مرو منتصف خمسين، وأعادوا مصادرة أهلها. وسار الخان محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد كما يذكر فراسل الغز في الصلح فصالحوه في رجب.

استيلاء المؤيد علي نيسابور وغيرها:

هذا المؤيد من موالي سنجر واسمه… وكان من أكابر أوليائه ومطاعاً فيهم ولما كانت هذه الفتنة، وافترق أمر الناس بخراسان تقدم… فاستولى على نيسابور وطوس ونسا ، وان ورد وشهرستان والدامغان وحصنها، ودافع الغز عنها، ودانت له الرعية لحسن  سيرته فعظم شأنه وكثرت جموعه. واستبدّ بهذه الناحية وطالبه الخان محمود عندما ملكوه بالحضور عنده وتسليم البلاد فامتنع. وتردّدت الرسل بينهما على مال يحمله للخان محمود فضمنه المؤيد وكف عنه محمود، واستقر الحال على ذلك والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء ايتاخ علي الريّ:

وكان إيتاخ من موالي السلطان سنجر، وكانت الريّ أيضا من أعمال سنجر فلما كانت فتنة الغز لحق بالريّ واستولى عليها، وصانع السلطان محمد شاه بن محمود صاحب همذان وأصبهان وغيرهما وبذل له الطاعة فأقّره فلما مات السلطان محمد مدّ يده إلى أعمال تجاوزته، وملكها فعظم أمره، وبلغت عساكره عشرة آلاف فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره. وقد كان أنس به عند ولاية سليمان على خراسان سار إليه، وقام بخدمته وبقي مستبداً بتلك البلاد، والله سبحانه وتعالى أعلم .

الخبرعن سليمان شاه وحبسه بالموصل:

 كان سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملك شاه عند عمه السلطان سنجر، وجعله وليّ عهده، وخطب له على منابر خراسان فلما وقعت فتنة الغز وأسر سنجر قدمه أمراء خراسان على أنفسهم. ثم عجز ومضى إلى خوارزم شاه فزّوجه ابنة أخيه، ثم سعى به عنده فأخرجه من بلده، وجاء إلى أصبهان فمنعه الشحنة من الدخول فمضى إلى قاشان، فبعث السلطان محمد شاه ابن أخيه محمود عسكرا ليدفعه عنها فسار إلى خوزستان فمنعه ملك شاه منها فقصد اللحف ونزل. وأرسل المقتفي في أثره فطلبه في زوجته رهينة ببغداد فبعث بها مع جواريها وأتباعها فأكرمهم المقتفي، وأذن له في القدوم وخرج الوزير ابن هبيرة وقاضي  القضاة والفتيان لتلقيه، وخلع عليه المقتفي وأقام ببغداد. حتى إذا دخلت سنة إحدى وخمسين أحضر بدار الخلافة، وحضر قاضي القضاة والأعيان واستحلف على الطاعة والتجافي للخليفة عن العراق، وخطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه، وأمدّ بثلاثة آلاف من العسكر، وجعل معه الأمير دوران أمير حاجب صاحب الجبلة. وسار إلى بلاد الجبل في ربيع الأوّل من السنة، وسار المقتفي إلى حلوان وبعث إلى ملك شاه بن السلطان محمود يدعوه إلى موافقة عمه سليمان شاه، وأن يكون وليّ عهده فقدم في ألفي فارس وتحالفا وأمدّهما المقتفي بالمال والأسلحة، واجتمع معهم ايلد كز صاحب كنجة وأرانية، وساروا لقتال السلطان محمد فلما بلغه خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود بن زنكي ونائبه زين الدين علي كوجك في المساعدة والارتفاق فأجاباه، وسارا للقاء عمه سليمان شاه ومن معه، واقتتلوا في جمادى الأولى فهزمهما السلطان محمد وافترقوا، وتّوجه سليمان شاه إلى بغداد على شهرزور وكانت لصاحب الموصل، وبها الأمير بوران من جهة علي كوجك نائب الموصل فاعترضه هنالك كوجك وبوران فاحتمله كوجك إلى الموصل فحبسه بها، وبعث إلى السلطان محمد بالخبر وانه على الطاعة والمساعدة فقبل منه وشكر.له

فرار سنجر من أسر الغز:

قد تقدّم لنا ما كان من أسر السلطان سنجر بيد الغز وافتراق خراسان، واجتماع الأمراء بنيسابور وما إليها على الخان محمود بن محمد، وامتنعوا من الغز، وامتنع أتسز بن محمد أنوشكين بخوارزم وانقسمت خراسان بينهم، وكانت الحرب بين الغز وبينهما سجالاً ثم هرب سنجر من أسر الغز وجماعة من الأمراء كانوا معه في رمضان سنة إحدى وخمسين ولحق بترمذ. ثم عبر جيحون إلى دار ملكه بمرو فكانت مدّة أسره من جمادى سنة ثمان وأربعين ثلاث سنين وأربعة أشهر. ولم يتفق فراره من الأسر إلا بعد موت علي بك مقدّم القارغلية لأنه كان أشدّ شيء عليه. فلما توفي انقطعت القارغلية إليه وغيرهم ووجد فسحة في أمره والله سبحانه وتعالى أعلم.

حصار السلطان محمد بغداد:

كان السلطان محمد بن محمود لاّول ولايته الملك بعد عمه مسعود بعث إلى المقتفي في الخطبة له ببغداد والعراق على عادتهم، فمنعه لما رجا من ذهاب دولتهم استفحالهم واستبدادهم، فسار السلطان من همذان في العساكر نحو العراق، ووعده صاحب الموصل ونائبه بمدد العساكر فقدم آخر إحدى وخمسين. وبعث المقتفي في الحشد فجاء خطا وفرس في عسكر واسط. وخالفهم مهلهل إلى الجبلة فملكها، واهتم المقتفي وابن هبيرة بالحصار، وقطع الجسر وجمع السفن تحت التاج، ونودي في الجانب الغربي بالعبور فعبروا في محرم سنة اثنتين وخمسين. وخرب المقتفي ما وراء الخرسة صلاحا في استبداده. وكذلك السلطان محمد من الجهة الأخرى ونصبت المنجنيقات والعرّادات، وفّرق المقتفي السلاح على الجند والعامة.

وجاء زين الدين كجك في عسكر الموصل، ولقي السلطان علي أوانا، واتصلت الحرب واشتدّ الحصار وفقدت الأقوات وانقطعت المواد عن أهل بغداد، وفتر كجك وعسكره في القتال أدبا مع المقتفي. وقيل أوصاه بذلك نور الدين محمود بن زنكي أخو قطب الدين الأكبر. ثم جاء الخبر بأنّ ملك شاه أخا السلطان محمد وايلدكز صاحب ارّان وربيبه أرسلان بن طغرل قصدوا همذان فسار عن بغداد مسرعا إلى همذان آخر ربيع الأول، وعاد زين الدين إلى الموصل. ولما وصل ملك شاه وايلدكز وربيبه أرسلان إلى همذان أقام بها قليلا، وسمعوا بمجيء السلطان فاجفلوا، وساروا إلى الريّ فقاتلهم الشحنة انبانج فهزموه وحاصروه. وأمده السلطان محمد بعسكر بن سقمس بن قماز فوجدهم قد أفرجوا عنه، وقصدوا بغداد فقاتلهم فهزموه، ونهبوا عسكره فسار السلطان محمد ليسابقهم إلى بغداد. فلما انتهى إلى حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور. ثم وافاه رسول انبانج بأنه ملك همذان وخطب له فيها، وان شملة صاحب خراسان هرب عن ايلدكز وملك شاه إلى بلاده فعاد إلى أرّان، ورجع السلطان إلى همذان قاصدا للتجهز إلى بلاد ايلدكز باران.

وفاة سنجر:

ثم توفي السلطان سنجر صاحب خراسان في ربيع سنة اثنتين وخمسين، وقد كان ولي خراسان منذ أيام أخيه بركيارق. وعهد له أخوه محمد فلما مات محمد خوطب بالسلطنة، وكان الملوك كلهم بعدها في طاعته نحو أربعين سنة. وخطب له قبلها بالملك عشرين سنة، وأسره الغز ثلاث سنين ونصف، ومات بعد خلاصه من الأسر، وقطعت خطبته ببغداد والعراق. ولما احتضر استخلف على خراسان ابن أخته محمد بن محمود بن بقراخان فأقام بجرجان، وملك الغز مرو وخراسان، وملك به المؤيد نيسابور وناحيته من خراسان، وبقي الأمر على هذا الخلاف سنة أربع وخمسين، وبعث الغز إلى محمود الخان ليحضر عندهم فيملكوه فخافهم على نفسه، وبعث ابنه إليهم فأطاعوه مدّة ثم لحق هو بهم كما نذكر بعد.

منازعة ايتاق للمؤيد:

كان إيتاق هذا من موالي السلطان سنجر فلما كانت الفتنة، وافترق الشمل، ومات السلطان سنجر، وملك المؤيد نيسابور، وحصل له التقدم بذلك على عساكر خراسان حسده جماعة من الأمراء، وانحرف عنه إيتاق هذا فتارة يكون معه وتارة يكون في مازندران. فلما كان سنة اثنتين وخمسين سار من مازندران في عشرة آلاف فارس من المنحرفين عن المؤيد، وقصد نسا وابيورد، وأقام بها  المؤيد ايتاق فسار إليه وكبسه وغنم معسكره. ومضى إيتاق منهزما إلى مازندران، وكان بين ملكها رستم وبين أخيه علي منازعة فتقرب إيتاق إلى رستم بقتال أخيه علي فوجد لذلك غلبة ودفعه عنه، وسار يتردد في نواحي خراسان بالعيث والفساد. وألح على اسفراين فخربها. وراسله السلطان محمود الخان والمؤيد في الطاعة والاستقامة فامتنع، فساروا إليه في العساكر في صفر سنة ثلاث وخمسين فهرب إلى طبرستان، وبعث رستم شاه مازندران إلى محمود والمؤيد بطاعته، بأموال جليلة وهدية فقبلوا منه، وبعث إيتاق ابنه رهنا على الطاعة فرجعوا عنه واستقّر بجرجان ودستان وأعمالها.

منازعة سنقر العزيزي للمؤيد ومقتله:

كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر، وكان في نفسه من المؤيد ما عند الباقين فلما شغل المؤيد بحرب إيتاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد إلى هراة فملكها، واشترط عليه أن يستظهر بملك الغورية الحسين فأبى وطمع في الاستبداد لما رأى من استبداد الأمراء على السلطان محمود بن محمد فحاصره المؤيد بهراة، واستمال الأتراك الذين كانوا معه فأطاعوه، وقتلوا سنقر العزيزي غيلة. وملك السلطان محمد هراة، ولحق الفل من عسكر سنقر بإيتاق وتسلطوا على طوس وقراها، واستولى الخراب على البلاد والله تعالى أعلم.

فتنة الغز الثانية بخراسان وخراب نيسابور على يد المؤيد:

كان الغز بعد فتنتهم الأولى أوطنوا بلخ ونزعوا عن النهب والقتل بخراسان، وانفقت الكلمة بها على طاعة السلطان محمود بن محمد الخان وكان القائم بدولته المؤيد أبوابه . فلما كان سنة ثلاث وخمسين في شعبان سار الغز إلى مرو فزحف المؤيد إليهم، وأوقع طائفة منهم وتبعهم إلى مرو وعاد إلى سرخس، وخرج معه الخان محمود لحربهم فالتقوا خامس شوّال وتواقعوا مرارا ثلاثا انهزم فيها الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والأئمة. ثم أغاروا على سرخس وطوس واستباحوهما وخربوهما، وعادوا إلى مرووأمّا الخان محمود بن محمد فسار إلى جرجان ينتظر مآل أمرهم، وبعث إليه الغز سنة أربع وخمسين يستدعونه ليملكوه فاعتذر لهم خشية على نفسه، فطلبوا منه جلال الدين عمر فتوثق منهم بالحلف، وبعثه إليهم فعظموه وملكوه في ربيع الآخر من سنة أربع ثم سار أبوه محمود إلى خراسان وتخفف عنه المؤيد أبوابه  وانتهى إلى حدود نساوا بيورد فولى عليهم الأمير عمر بن حمزة النسوي فقام في حمايتهما المقام المحمود بظاهر نسا. ثم سار الغز من نيسابور إلى طوس لامتناع أهلها من طاعتهم فملكوها واستباحوها وعادوا إلى نيسابور فساروا مع جلال الدين عمر بن محمود الخان إلى حصار سارورا وبها النقيب عماد الدين محمد بن يحيى العلوي الحسيني فحاصروه، وامتنعت عليهم فرجعوا إلى نسا وأبيورد للقاء الخان محمود بجرجان كما قدمناه، فخرج منها سائرإلى خراسان واعترضه الغز ببعض القرى في طريقه فهرب منه وأسر بعضهم. ثم هرب منه ولحق بنيسابور. فلما جاء الخان محمود إليها مع الغز فارقها منتصف شعبان ودخلها الغز وأحسنوا السيرة، وساروا إلى سرخس ومرو فعاد المؤيد في عساكره إلى نيسابور، وامتنع أهلها عليه فحاصرها وافتتحها عنوة وخربها، ورحل عنها إلى سبق في شوّال سنة أربع وخمسين.

استيلاء ملك شاه بن محمود على خوزستان:

ولما رجع السلطان ملك شاه محمد بن محمود من حصار بغداد، وامتنع الخليفة من الخطبة له أقام بهمذان عليلاً، وسار أخوه ملك شاه إلى قم وقاشان فأفحش في نهبها ومصادرة أهلها، وراسله أخوه السلطان محمد في الكف عن ذلك فلم يفعل، وسار إلى أصبهان وبعث إلى ابن الجمقري وأعيان البلد في طاعته فاعتذروا بطاعة أخيه فعاث في قراها ونواحيها، فسار السلطان إليه من همذان، وفي مقدمته كرجان الخادم فافترقت جموع ملك شاه ولحق ببغداد. فلما انتهى إلى قوس لقيه موبذان وسنقر الهمذاني فأشاراعليه بقصد خوزستان من بغداد، فسار إلى واسط ونزل بالجانب الشرقي، وسار أثر عسكره في النواحي ففتحوا عليهم البثوق وغرق كثير منهم. ورجع ملك شاه إلى خوزستان فمنعه شملة من العبور فطلب الجوار في بلده إلى أخيه السلطان فمنعه فنزل على الأكراد الذين هنالك، فاجتمعوا عليه من الجبال والبسائط، وحارب شملة، ومع ملك شاه سنقر الهمذاني وموبذان وغيرهما من الأمراء فانهزم شملة، وقتل عامة أصحابه، واستولى ملك شاه على البلاد وسار إلى فارس، والله هو المؤيد بنصره.

وفاة السلطان محمد وولاية عمه سليمان شاه:

ثم توفي السلطان محمد بن محمود بن ملك شاه آخر سنة أربع وخمسين، وهو الذي حاصر بغداد يطلب الخطبة له من الخليفة ومنعه فتوفي آخر هذه السنة لسبع سنين ونصف من ولايته. وكان له ولد صغير فسلمه إلى سنقر الأحمديلي وقال: هو وديعة عندك فأوصل به إلى بلادك فإنّ العساكر لا تطيعه فوصل به إلى مراغة، واتفق معظم الجند على البيعة لعمه سليمان شاه. وبعث أكابر الأمراء بهمذان إلى أتابك أ،، زين الدين مودود أتابك ووزير مودود وزيره فأطلقه مودود، وجهزه بما يحتاج إليه في سلطانه وسار معه زين الدين على كجك في عساكر الموصل. فلما انتهى إلى بلاد الجبل، وأقبلت العساكر للقاء سليمان شاه ذكر معاملتهم مع السلطان ودالتهم عليه فخشي على نفسه، وعاد إلى الموصل، ودخل سليمان شاه همذان وبايعوا له والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة المقتفي وخلافة المستنجد:

ثم توفي المقتفي لأمر الله في ربيع الأول سنة خمس وخمسين لأربع وعشرين سنة من خلافته، وقد كان استبد في خلافته وخرج من حجر السلجوقية عند افتراق أمرهم بعد السلطان مسعود كما ذكرناه في أخبار الخلفاء، ولما توفي بويع بعده بالخلافة ابنه المستنجد فجرى على سنن أبيه في الاستبداد، واستولى على بلاد الماهلي ونزل اللحف، وولى عليها من قبله كما كانت لأبيه، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبارهما انتهى.

اتفاق المؤيد مع محمود الخان:

قد كنا قدمنا أنّ الغز لما تغلبوا استدعوا محمود الخان ليملكوه فبعث إليهم بابنه   عمر فملكوه. ثم سار محمود من جرجان إلى نسا وجاء الغز فساروا به إلى نيسابور فهرب عنها المؤيد ودخلها محمود والغز، ثم ساروا عنها فعاد إليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة وخربها في شوال سنة أربع وخمسين. ورحل عنها إلى سرخس فعاد إليها المؤيد فحاصرها وملكها عنوة ورحل عنها إلى بيهق. ثم رجع إليها سنة خمس وخمسين وعفر خرابها وبالغ في الإحسان إليها. ثم سار لإصلاح أعمالها ومحو آثار المفسدين والثوّار من نواحيها ففتح حصن أشقيل، وقتل الثوار الزيدية وخربه، وفتح حصن خسروجور من أعمال بيهق وهو من بناء كنجرو ملك الفرس أيام حربه مع جراسياق، وملكه ورتب فيه الحامية وعاد إلى نيسابور. ثم قصد مدينة كندر من أعمال طرسا وفيها متغلب اسمه خرسدة يفسد السابلة ويخرب الأعمال ويكثر الفتك، وكان البلاء به عظيما في خراسان فحاصره. ثم ملك عليه الحصن عنوة وقتله وأراح البلاد منه. ثم قصد في رمضان من السنة مدينة بيهق، وكانوا قد عصوا عليه فراجعوا الطاعة وقبلهم واستفحل أمره فأرسل إليه الخان محمود بن محمد وهو مع الغز بالولاية على نيسابور وطوس وما إليها فاتصلت يده به واستحكم الصلح بينه وبين الغز وذهبت الفتن.

الحرب بين عسكر خوارزم شاه والأتراك البرزية:

كان هؤلاء الأتراك البرزية من شعوب الترك بخراسان، وأميرهم بقراخان بن داود فأغار عليهم جمع من عساكر خوارزم شاه وأوقعوا بهم وفتكوا فيهم، ونجا بقراخان في الفل منهم إلى السلطان محمود بخراسان ومن معه من الغز مستصرخاً بهم، وهو يظن أن أيتاق هو الذي هيج عليهم فسار الغز معه على طريق نسا وابيورد، وقصدوا إيتاق فلم يكن له بهم قّوة فاستنصر… شاه مازندران فسار لنصره واحتشد في أعماله من الأكراد والديلم والتركمان وقاتلوا الغز والبرزية ، بنواحي دهستان فهزمهم خمسا. وكان إيتاق في ميمنة شاه مازندان، وأفحش الغز في قتل عسكرهم، ولحق شاه مازندان بسارية وايتاق شهرزور وخوارزم. ثم ساروا إلى دهستان فنهبوها وخربوها سنة ست وخمسين وخربوا جرجان كذلك، وافترق أهلها في البلاد. ثم سار إيتاق إلى بقراتكن المتغلب على أعمال قزوين فانهزم من بين يديه ولحق بالمؤيد وصار في جملته واكتسح إيتاق سائر أعماله ونهب أمواله فقوي بها.

وفاة ملك شاه بن محمود:

قد قدمنا أن ملك شاه بن محمود سار بعد أخيه السلطان محمد من خوزستان إلى أصبهان، ومعه شملة التركماني ودكلا صاحب فارس فأطاعه ابن الخجندي رئيس أصبهان وسائر أهلها وجمع له الأموال. وأرسل ملك شاه إلى أهل الدولة بأصبهان يدعوهم إلى طاعته وكان هواهم مع عمه سليمان فلم يجيبوه إلى ذلك، وبعثوا عن سليمان من الموصل وملكوه، وانفرد ملك شاه بأصبهان واستفحل أمره، وبعث إلى المستنجد في الخطبة له ببغداد مكان عمه سليمان شاه، وان تعاد الأمور إلى ما كانت ويتهدّدهم فوعد الوزير عميد الدين بن هبيرة جارية جاعلها على سمه فسمته في الطعام، وفطن المطبب بأنه مسموم، وأخبر بذلك شملة ودكلا فاحضروا الجارية وأقرت ومات ملك شاه، وأخرج أهل أصبهان أصحابه وخطبوا لسليمان شاه. وعاد شملة إلى خراسان فارتجع ما كان ملك شاه تغلب عليه منها.

قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان:

كان سليمان لما ملّك أقبل على اللهو ومعاقرة الخمر حتى في نهار رمضان، وكان بعاشر الصفاعين والمساخر، وعكف على ذلك مع ما كان فيه من الخرق والتهور فقعد الأمراء عن غشيان بابه، وشكوا إلى شرف الدين كردبازه الخادم، وكان مدبر مملكته، وكان حسن التربية والدين فدخل عليه يوما يعذله على شأنه وهو مع ندمائه بظاهر همذان، فأشار إليهم أن يعبثوا بكردبازة فخرج مغضبا، واعتذر إليه عندما صحا فأظهر له القبول وقعد عن غشيان مجلسه. وكتب سليمان شاه إلى انبانج صاحب الريّ يدعوه إلى الحضور فوعده بذلك إذا أفاق من مرضه. وزاد كردبازة استيحاشاً فاستحلف الأمراء على خلع سليمان، وبدأ بقتل جميع الصفاعين الذين كانوا ينادمونه وقال: إنما فعلته صونا لملكك. ثم عمل دعوة في داره فحضر سليمان شاه والأمراء، وقبض على سليمان شاه ووزيره أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الخاقدي وعلى خواصه، وذلك في شوّال سنة خمس وخمسين، وقتل وزيره وخواصه، وحبس سليمان شاه قليلا ثم قتله.ثم أرسل إلى ايلدكز صاحب أرّان واذربيجان يستقدم ربيبه أرسلان بن طغرل ليبايع له بالسلطنة، وبلغ الخبر إلى انبانج صاحب الريّ فسار إلى همذان، ولقيه كردبازة  وخطب له بالسلطنة بجميع تلك البلاد، وكان ايلدكز قد تزوج بأم أرسلان، وولدت له ابنه البهلوان محمد ومزد أرسلان عثمان فكان ايلدكز أتابك، وابنه البهلوان حاجبا، وهو أخو أرسلان لأمه. وايلدكز هذا من موالي السلطان مسعود. ولما ملك أقطعه ازّان وبعض أذربيجان، وحدثت الفتن والحروب فاعتصم هو بازان ولم يحضر عند أحد من ملوكهم. وجاء إليه أرسلان شاه من تلك الفتن فأقام عنده إلى أن ملك. ولما خطب له بهمذان بعث ايلدكز أتابك إلى انبانج صاحب الريّ، ولاطفه وصاهره في ابنته لابنه البهلوان وتحالفا على الاتفاق.وبعث إلى المستنجد بطلب الخطبة لأرسلان في العراق، وإعادة الأمور إلى عادتها أيام السلطان مسعود فطرد رسوله بعد الإهانة. ثم أرسل ايلدكز إلى أقسنقر الأحمديلي يدعوه إلى طاعة السلطان أرسلان فامتنع، وكان عنده ابن السلطان شاه بن محمود المدني أسلمه إليه عند موته فتهدده بالبيعة له، وكان الوزير ابن هبيرة يكاتبه من بغداد ويقمعه في الخطبة لذلك الصبي قصدا للنصر من بينهم فجهز ايلدكز العساكر مع البهلوان إلى أقسنقر. واستمدّ أقسنقر شاهر بن سقمان القطبي صاحب خلاط، وواصله فمده بالعساكر. وسار نحو البهلوان وقاتله فظفر به ورجع البهلوان إلى همذان مهزوما والله تعالى أعلم.

الحرب بين ايلدكز واينانج:

لما مات ملك شاه بن محمود بأصببهان كما قلناه لحق طائفة من أصحابه ببلاد فارس، ومعهم ابنه محمود فانتزعه منهم صاحب فارس زنكي بن دكلا السلقدي وأنزله في قلعة إصطخر فلما ملك ايلدكز السلطان أرسلان وطلب الخطبة ببغداد، وأخذ الوزير ابن هبيرة في استفساد الأطراف عليهم، وبعث لابن اقسنقر في الخطبة لابن السلطان محمد شاه الذي عنده، وكاتب صاحب فارس أيضاً يشير عليه بالبيعة للسلطان محمد ابن السلطان ملك شاه الذي عنده، وبعده بالخطبة له ان ظفر بايلدكز فبايع له ابن دكلا وخطب له بفارس، وضرب النوب الخمس على بابه وجمع العساكر وبلغ إلى ايلدكز فجمع وسار في أربعين ألفا إلى أصبهان يريد فارس فأرسل إلى زنكي في الخطبة لأرسلان شاه فأبى فقال له ايلدكز أن المستنجد أقطعني بلادك وأنا سائر إليها، وتقدمت طائفة إلى نواحي أرجان فلقيتها سريّة لأرسلان بوقا صاحب أرجان فأوقعوا بطائفته وقتلوامنهم، وبعثوا بالخبر إلى انبانج فنزل من الريّ في عشرة آلاف، وأمده أقسنقر الأحمديلي بخمسة آلاف فقصد ، وهرب صاحب ابن البازدان وابن طغايرك وغيرهما من أولياء ايلدكز للقاء انبانج، ورد عسكر المدافعة زنكي عن شهبرم وغيرها من البلاد فهزمهم زنكي بن دكلا، ورجعوا إليه فاستدعى عساكره من أذربيجان. وجاء هبيس بن مزد أرسلان واستمد انبانج، وقتل أصحابه ونهب سواده، ودخل الريّ وتحصن في قلعة طبرك. ثم ترددت الرسل بينه وبين ايلدكز في الصلح وأقطعه حربادفان وغيرها وعاد ايلدكز إلى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم.

الفتنة بنيسابور وتخريبها:

وفي ربيع سنة ست وخمسين قبض المؤيد على أحياء نيسابور وحبسهم وفيهم نقيب العلويين ابو القاسم زيد بن الحسن الحسني، وآخذهم على ما فعله آباؤهم بأهل البلد من النهب والاعتداء على الناس في أموالهم وأعراضهم فأخذ هؤلاء الأعيان ينهونهم كأنهم لم يضربوا على أيديهم وقتل جماعة من أهل الفساد فخرب البلد وامتدت الأيدي الى المساجد والمدارس وخزائن الكتب، وأحرق بعضها ونهب بعضها. وانتقل المؤيد الى الشادباخ فأصلح سوره وسدّ ثلمه وسكنه، وخرب نيسابور بالكلية. وكان الذي اختط هذا الشادباخ عبد الله بن طاهر أيام ولايته على خراسان، ينفرد بسكناه هو وحشمه عن البلد تجافيا عن مزاحمتهم. ثم خربت وجددّها ألب أرسلان. ثم خربت فجددّها الآن المؤيد، وخربت نيسابور بالكلية. ثم زحف الغز والخان محمود معهم، وهو ملك خراسان لذلك العهد فحاصروا المؤيد بالشادباخ شهرين. ثم هرب إلخان عنهم إلى شهرستان كأنه يريد الحمام وأقام بها، وبقي الغز إلى آخر شوّال. ثم رجعوا فنهبوا البلاد ونهبوا طوس. ولما دخل الخان إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى رمضان سنة سبع وخمسين، ثم قبض عليه وسلمه وأخذ ما كان معه من الذخائر وحبسه، وحبس معه جلال محمد فماتا في محبسهما، وخطب المؤيد لنفسه بعد المستنجد. ثم زحف المؤيد إلى شهرستان وقرب نيسابور فحاصرها حش نزلوا على حكمه في شعبان سنة تسع وخمسين، ونهبها عسكره، ثم رفع الأيدي عنهم واستقامت في ملكه والله أعلم. 

فتح المؤيد طوس وغيرها:

ثم زحف المؤبد إلى قلعة دسكرة من طوس وكان بها أبو بكر جاندار ممتنعا فحاصره بها شهراً، وأعانه أهل طوس لسوء سيرته فيهم. ثم جهده الحصار فاستأمن ونزل فحبسه، وسار إلى كرمان فأطاعوه، وبعث عسكراً إلى اسفراين فتحصن بها رئيسها عبد الرحمن بن محمد بالقلعة فحاصره واستنزله، وحمله مقيداً إلى الشادباخ فحبر، ثم قتل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين. ثم ملك المؤيد قهندر ونيسابور واستفحل ملكه وعاد إلى ما كان عليه. وعمر الشادباخ وخرّب المدينة العتيقة. ثم بعث عسكراً إلى بوشنج وهراة وهي في ولاية محمد بن الحسين ملك الغور فحاصرها، وبعث الملك محمد عسكراً لمدافعته فأفرجوا عنها وصفت ولاية هراة للغورية.

 الحرب بين المسلمين والكرج:

كان الكرج قد ملكوا مدينة أنى من بلاد أران في شعبان سنة ست وخمسين واستباحوها قتلا وأسرا، وجمع لهم شاه أرمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط جموعا من الجند والمتطوعة، وسار إليهم فقاتلوه وهزموه واسر كثير من المسلمين. ثم جمع الكرج في شعبان سنة سبع وخمسين ثلاثين ألف مقاتل وملكوا دوس من أذربيجان والجبل وأصبهان فسار إليهم ايلدكز. وسار معه شاه أرمن بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط واقسنقر صاحب مراغة في خمسين ألفا، ودخلوا بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين فاستباحوها وأسروا الرجال وسبوا النساء والولدان، وأسلم بعض أمراء الكرج، ودخل مع المسلفين وكمن بهم في بعض الشعاب حتى زحف الكرج، وقاتلوا المسلمين شهراً أو نحوه. ثم خرج الكمين من ورائهم فانهزموا واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. وعادوا ظافرين.

ملك المؤيد أعمال قومس والخطبة للسلطان أرسلان بخراسان:

ثم سار المؤيد أي أبه صاحب نيسابور إلى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان، وولى بسطام مولاه ننكز فجرى بينه وبين شاه مازندران اختلاف أدى إلى الحرب واقتتلوا في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين. ولما ملك المؤيد قومس بعث إليه السلطان أرسلان بن طغرل بالخلع والأولية لما كان بين المؤيد ايلدكز من المودة، وأذن له في ولاية ما يفتحه من خراسان، ويخطب له فيها فخطب له في أعمال قومس وطوس وسائر أعمال نيسابور، ويخطب لنفسه بعد أرسلان وكانت الخطب في جرجان ودهستان لخوارزم شاه أرسلان بن أتسز، وبعده للأمير إتياق، والخطبة في مرو وبلخ وسرخس وهي بيد الغز، وهراة وهي بيد الأمير اتيكين، وهو مسالم للغز للسلطان سنجر، يقولون اللهم اغفر للسلطان السعيد سنجر، وبعده لأمير تلك المدينة، والله تعالى ولي التوفيق.

 إجلاء القارغلية من وراء النهر:

كان خان خاقان الصيني ولى على سمرقند وبخارى الخان جغرا بن حسين تكين وهو من بيت قديم في الملك. ثم بعث إليه سنة سبعة وخمسين باجلاء القارغلية من أعماله إلى كاشغر، ويشتغلون بالمعاش من الزراعة وغيرها فامتنعوا فألح عليهم فاجتمعوا وساروا إلى بخارى. فدس أهل بخارى إلى جغراخان وهو بسمرقند، ووعدوا القارغلية بالمصانعة وطاوعوهم إلى أن صبحهم جغر في عساكره فأوقع بهم، وقطع دابرهم والله تعالى أعلم.

استيلاء سنقر علم الطالقان وغرشتان:

وفي سنة تسع وخمسين استولى الأمير صلاح الدين سنقر من موالي السلطان سنجر على بلاد الطالقان، وأغار على غرستان حتى ملكها وصارت في حكمه بحصونها وقلاعها، وصالح أمراء الغز وحمل لهم الاتاوة.

قتل صاب هراة:

كان صاحب هراة الأمير اتكين وبينه وبين الغز مهادنة. فلما قتل الغز ملك الغور محمد بن الحسين كما مرّ في أخباره طمع اتكين في بلاده فجمع جموعه، وسار إليها في رمضان سنة تسع وخمسين وتوغل في بلاد الغور فقاتله أهلها وهزموه، وقتل في المعركة. وتصد الغز هراة وقد اجتمع أهلها على أثير الدين منهم فاتهموه بالميل للغز وقتلوه، واجتمعوا على أبي الفتوح بن علي بن فضل الله الطغرائي. ثم بعثوا إلى المؤيد بطاعتهم فبعث إليهم مملوكه سيف الدين تنكز فقام بأمرهم، وبعث جيشا إلى سرخس ومرو، وأغاروا على دواب الغز فأفرجوا عن هراة ورجعوا لطاعته والله تعالى أعلم.

ملك شاه مازندران قومس وبسطام ووفاته:

قد ذكرنا استيلاء المؤيد على قومس وبسطام وولاية مولاه تنكز عليها. ثم إنّ شاه  مازندران وهو رستم بن علي بن هربار بن قاروت جهز إليها عسكرا مع سابق الدين القزويني من أمرائه فملك دامغان، وسار إليه تنكز فيمن معه من العسكر فكبسهم القزويني وهزمهم واستولى على البلاد. وعاد تنكز إلى المؤيد بنيسابور، وجعل يغير على بسطام وقومس. ثم توفي شاه مازندران في ربيع سنة ستين فكتم ابنه علاء الدين موته حتى استولى على حصونه وبلاده. ثم أظهره وملك مكانه ونازعه إتياق صاحب جرجان ودهستان ولم يرع ما كان بينه وبين أبيه فلم يظفر بشيء، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حصر عسكر المؤيد نسا:

ثم بعث المؤيد عساكره في جمادى سنة ستين لحصار مدينة نسا فبعث خوارزم شاه بك أرسلان بن أتسز في عساكره إليها، فأجفلت عنها عساكر المؤيد، ورجعوا إلى نيسابور وصارت نسا في طاعة خوارزم شاه، وخطب له فيها. ثم سار عسكر خوارزم إلى دهستان وغلبوه عليها وأقام فيها بطاعته والله أعلم.

الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة:

ثم بعث اقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة سنة ثلاث وستين إلى بغداد في الخطبة للملك الذي عنده، وهو ابن السلطان محمد شاه على أن يتجافى عن العراق، ولا يطلب الخطبة منه إلا إذا أسعف بها فأجيب بالوعد الجميل، وبلغ الخبر إلى ايلدكز صاحب البلاد فبعث ابنه البهلوان في العساكر لحرب اقسنقر فحاربه وهزمه، وتحصن بمراغة فنازله البهلوان وضيق عليه، وتردّد  بينهما الرسل واصطلحوا، وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان. 

ملك شملة فارس وإخراجه عنها:

كان زنكي بن دكلا قد أساء السيرة في جنده فأرسلوا إلى شملة صاحب خوزستان واستدعوه ليملكوه فسار ولقي زنكي وهزمه، ونجا إلى الأكراد الشوابكار، وملك شملة بلاد فارس فأساء السيرة في أهلها، ونهب ابن أخيه خرسنكا البلاد فنفر أهل فارس عنه ولحق بزنكي بعض عساكره فزحف إلى فارس، وفارقها شملة إلى بلاده خوزستان وذلك كله سنة أربع وستين وخمسمائة.

ملك ايلدكز الريّ:

كان إينانج قد استولى على الريّ واستقرّ فيها بعد حروبه مع ايلدكز على جزية يؤذيها إليه. ثم منع الضريبة واعتذر بنفقات الجند فسار إليه إيلدكز سنة أربع وستين وحاربه إينانج فهزمه ايلدكز، وحاصره بقلعة طبرك، وراسل بعض مماليكه ورغبهم فغدروا به وقتلوه. واستولى أيلدكز على طبرك وعلى الريّ وولى عليها علي بن عمر باغ، ورجع إلى همذان، وشكر لموالي إينانج الذين قتلوه ولم يف لهم بالوعد فافترقوا عنه. وسار الذي تولى قتله إلى خوارزم شاه فصلبه لما كان بينه وبين انبانج من الوصلة، والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده:

ثم توفي سنة خمس وستين الملك طغرل بن قاروت بك صاحب كرمان، وولي إبنه أرسلان شاه مكانه، ونازعه أخوه الأصغر بهرام شاه فحاربه أرسلان وهزمه فلحق بالمؤيد في نيسابور فأنجده بالعساكر. وسار إلى أخيه أرسلان فهزمه وملك كرمان، ولحق أرسلان بأصبهان مستنجداً بايلدكز فأنجده بالعساكر وارتجع كرمان ولحق بهرام بالمؤيد وأقام عنده. ثم هلك أرسلان فسار بهرام إلى كرمان وملكها. ثم توفي المستنجد وولي إبنه المستضئ . ولم نترجم لوفاة الخلفاء ههنا لأنها مذكورة في أخبارهم، وإنما ذكرناها قبل هؤلاء لأنهم كانوا في كفالة السلجوقية وبني بويه قبلهم فوفاتهم من جملة أخبار الدولتين. وهؤلاء من لدن المقتفي قد استبدوا بأمرهم وخلافتهم من بعد ضعف السلجوقية بوفاة السلطان مسعود، وافترقت دولتهم في نواحي المشرق والمغرب. واستبد بها الخلفاء ببغداد ونواحيها ونازعوا من قبلهم أنهم كانوا يخطبون لهم في أعمالهم، ونازعهم فيها مع ذلك حرصاً على الملك الذي سلبوه، وأصبحوا في ملك منفرد عن أولئك المنفردين مضافاً إلى الخلافة التي هي شعارهم، وتداول أمرهم إلى أن انقرضوا بمهلك المستعصم على يد هولاكوا.

وفاة خوارزم شاه وولاية إبنه سلطان شاه ومنازعته مع أخيه الأكبر علاء الدين تكش:

 لما انهزم خوارزم شاه أرسلان أمام الخطا رجع إلى خوارزم فمات سنة ثمان وستبن. وولي ابنه سلطان شاه فنازعه أخوه الأكبر علاء الدين تكش، واستنجد بالخطا وسار إلى خوارزم فملكها، ولحق سلطان شاه بالمؤيد صريخا فسار معه بجيوشه، ولقيهم تكش فانهزم المؤيد وجيء به أسيراً إلى تكش فقتل بين يديه صبراً. وعاد أصحابه إلى نيسابور فولوا إبنه طغان شاه أبو بكر ابن المؤيد، وكان من أخبار طغان شاه وتكش ما نذكره في أخبار دولتهم وفي كيفية قتله خبر آخر نذكره هنالك. ثم سار خوارزم شاه سنة تسع وستين إلى نيسابور وحاصرها مرّتين، ثم هزم في الثانية طغان شاه بن المؤيد وأخذه أسيراً، وحمله إلى خوارزم وملك نيسابور وأعمالها وجميع ما كان لبني المؤيد بخراسان، وانقرض أمرهم والبقاء لله وحده والله تعالى أعلم.

وفاة الأتابك شمس الدين أيلد يكز وولاية إبنه محمد البهلوان:

ثم توفي الأتابك شمس الدين ايلدكز أتابك أرسلان شاه بن طغرل صاحب همذان وأصبهان والريّ وأذربيجان، وكان أصله مملوك الكمال الشهير ابن وزير السلطان محمود. ولما قتل الكمال صار السلطان وترقى في كتب الولاية. فلما ولي السلطان مسعود ولاه أرانية فاستولى عليها، وبقيت طاعته للملوك على البعد، واستولى على أكثر أذربيجان. ثم ملك همذان وأصبهان والريّ وخطب لربيبه أرسلان بن طغرل وبقي أتابك. وبلغ عسكره خمسين ألفاً وإتسع ملكه من تفليس إلى مكران، وكان متحكماً على أرسلان، وليس له من الدولة إلا جراية تصل إليه.

ولما هلك أيلدكز قام بالأمر بعده إبنه محمد البهلوان، وهو أخو السلطان أرسلان لأمّه فسار أوّل ملكه لإصلاح أذربيجان، وخالفه ابن سنكي، وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان إلى بلد نهاوند فحاصرها. ثم تأخر ابن سنكي من تستر، وصحبهم من ناحية أذربيجان يوهمهم أنه مدد البهلوان ففتحوا له البلد، ودخل فطلب القاضي والأعيان ونصبهم وتوجه نحو ماسندان قاصدا العراق، ورجع إلى خوزستان. ثم سار شملة سنة سبعين، وقصد بعض التركمان فاستنجدوا البهلوان بن أيلدكز فأنجدهم، وقاتلوه فهزموه. وأسر شملة جريحا وولده وابن أخيه. وتوفي بعد يومين وهو من التركمان الأتسزية، وملك إبنه من بعده. وسار البهلوان سنة سبعين إلى مدينة تبريز، وكان صاحبها اقسنقر الأحمديلي قد هلك، وعهد بالملك بعده لإبنه ملك الدين فسار إلى بلاده، وحاصر مراغة وبعث أخاه فنزل وعاد عن مراغة إلى همذان والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة السلطان أرسلان بن طغرل:

ثم توفي السلطان أرسلان بن طغرل مكفول البهلوان بن أيلدكز، وأخوه لاّمه بهمذان سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وخطب بعده لابنه طغرل.

وفاة البهلوان محمد بن أيلديكز وملك أخيه قزل:

ثم توفي البهلوان محمد بن أيلدكز أوّل سنة إثنتين وثمانين وخمسمائة، وكانت البلاد والرعايا في غاية الطمأنينة فوقع عقب موته بأصبهان بين الحنفية والشافعية وبالريّ بين أهل السنة والشيعة فتن وحروب آلت إلى الخراب، وملك البلاد بعد البهلوان أخوه فنزل أرسلان وإسمه عثمان، وكان البهلوان كافلاً للسلطان طغرل وحاكماً عليه. ولما هلك قزل لم يرض طغرل بتحكمه عليه، وفارق همذان، ولحق به جماعة من الأمراء والجند، وجرت بينه وبين قزل حروب. ثم غلبه طغرل إلى الخليفة فأمره بعمارة دار السلطان فطرد رسوله، وهدمت دار السلطنة وألحقت بالأرض، وبعث الخليفة الناصر لدين الله سنة أربع وثمانين عسكرا مع وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس لانجاده قزل على طغرل قبل همذان، وهزمهم ونهب جميع ما معهم وأسر الوزير ابن يونس.

قتل قزل أرسلان قتلغ وولاية أخيه:

قد تقدّم لنا ما كان بين السلطان طغرل وبين قزل بن أيلدكز من الحروب، ثم أن قزل غلبه واعتقله في بعض القلاع، ودانت له البلاد وأطاعه ابن دكلا  صاحب فارس وخوزستان، وعاد إلى أصبهان والفتن بها متصلة فأخذ جماعة من أعيان الشافعية وصلبهم وعاد إلى همذان، وخطب لنفسه بالسلطنة سنة سبعة وثمانين. ثم قتل غبلة على فراشه ولم يعرف قاتله. وأخذ جماعة من غلمانه بالظنة، وكان كريماً حليماً يحب العدل ويؤثره. ولما هلك ولي من بعده قتلغ بن أخيه البهلوان وإستولى على الممالك التي كانت بيده.

قتل السلطان طغرل وملك خوارزم شاه الريّ ووفاة أخيه سلطان شاه:

ولما توفي قزل وولي قتلغ بن أخيه البهلوان كما قلناه أخرج السلطان طغرل من محبسه بالقلعة التي كان بها، وإجتمع إليه العساكر، وسار إلى همذان فلقيه قتلغ بن البهلوان فانهزم بين يديه ولحق بالريّ، وبعث إلى خوارزم شاه علاء الدين تتش

ليستنجده فسار إليه سنة ثمان وثمانين وندم قتلغ على استدعائه فتحصن ببعض قلاعه، وملك خوارزم شاه الريّ، وملك قلعة طبرك، وصالح السلطان طغرل وولى على الريّ وعاد إلى خوارزم سنة تسعين فأحدث أحدوثة السلطان شاه نذكره في أخبارهم. وسار السلطان طغرل إلى الريّ فأغار عليها، وفر منه قتلغ بن البهلوان وبعث إلى خوارزم شاه يستنجده، ووافق ذلك وصول منشور من الخليفة إليه بإقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الريّ، وأطاعه قتلغ وسار معه إلى همذان. وخرج طغرل للقائهم قبل أن يجمع العساكر، ولقيهم قريباً من الريّ في ربيع الأوّل فحمل عليهم، وتورط بينهم فصرع عن فرسه وقتل. وملك خوارزم شاه همذان وتلك البلاد جميعاً. وأنقرضت مملكة بني ملك شاه، وولي خوارزم شاه على همذان، وملك الأعمال فبلغ انبانج بن البهلوان، وأقطع كثيراً منها مماليكه وقدم عليهم مساحق منهم. ثم استولى وزير الخليفة ابن العطاف على همذان وأصبهان والريّ من يد موإليه، وانتزعها منهم خوارزم كما ذكرناه في أخبار الخلفاء. وجاءت العساكر من قبل الخليفة إلى همذان مع أبي الهيجاء الشمس من أمراء الأيوبية، وكان أميراً على القدس فعزلوه عنها وسار إلى بغداد فبعثه الناصر سنة ثلاث وتسعين بالعساكر إلى همذان، ولقي عندها أزبك بن البهلوان مطيعاً فقبض عليه، وأنكر الخليفة ذلك وبعث بإطلاقه، وخلع عليه وعاد إلى بلاد أذربيجان.

ملك الكرج الدويرة:

كان أزبك بن البهلوان قد استولى على أذربيجان بعد موته، وكان مشغولاً بلذاته فسار الكرج إلى مدينة دوير وحاصروها وبعث أهلها إليه بالصريخ فلم يصرخهم حتى ملكها الكرج عنوة واستباحوها والله تعالى أعلم.

قتل كوجة ببلاد الجبل وملك  أيدغمش:

كان كوجه من موالي البهلوان قد تغلب على الريّ وهمذان وبلاد الجبل، واصطنع صاحبه أيدغمش ووثق به فنازعه الأمر وحاربه فقتله، واستولى أيدغمش على البلاد وبقي أزبك بن البهلوان مغلباً ليس له من الحكم شيء.

قصد صاحب مراغة وصاب أربل أذربيجان:

قد ذكرنا أن أزبك كان مشغولا بلذاته مهملا لملكه، ثم حدثت بينه وبين صاحب أزبل، وهو مظفر الدين كوكبري سنة إثنتين وستمائة فتنة حملت مظفر الدين على قصده فسار إلى مراغة، واستنجد صاحبها علاء الدين بن قراسنقر الأحمديلي فسار معه لحصار تنريز، وبعث أزبك الصريخ إلى أيدغمش بمكانه من بلاد الجبل فسار إليه، وأرسل مظفر الدين بالفتن والتهديد فعاد إلى بلده، وعاد علاء الدين بن قراسنقر إلى بلاد مراغة فسار أيدغمش وأزبك وحاصروه بمراغة حتى سلم قلعة من قلاعه، ورجعوا عنه، والله تعالى أعلم.

وفاة صاحب مازندران والخلف بين أولاده:

ثم توفي حسام الدين أزدشير صاحب مازندران وولي إبنه الأكبر وأخرج أخاه الأوسط عن البلاد فلحق بجرجان، وبها علي شاه برتكش نائباً عن أخيه خوارزم فاستنجده على شرط الطاعة له، وأمره أخوه تكش بالمسير معه فساروا من جرجان، وبلغهم في طريقهم مهلك صاحب مازندران المتولي بعد أبيه، وأن أخاه الأصغر استولى على الكراع والأموال فساروا إليه، وملكوا البلاد ونهبوها مثل سارية وآمد وغيرها، وخطب لخوارزم شاه فيها، وعاد علي شاه إلى خراسان، وأقام ابن صاحب مازندران، وهو الأوسط الذي استصرخ به، وقد إمتنع أخوه الأصغر بقلعة كوري، ومعه الأموال والذخائر وأخوه الأوسط فراسله واستعطف، وقد ملك البلاد جميعا والله ولي التوفيق.

ملك ابن البهلوان مراغة:

ثم توفي سنة أربع وستمائة علاء الدين بن قراسنقر الاحمديلي صاحب مراغة، وأقام بأمرها من بعده خادمه ونصب إبنه طفلا صغيراً، وعصى عليه بعض الأمراء. وبعث العسكر لقتاله فانهزموا أولاً ، ثم استقّر ملك الطفل. ثم توفي سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته فسار أزبك بن البهلوان من تبريز إلى مراغة، واستولى على مملكة آل قراسنقر ما عدا القلعة التي اعتصم بها الخادم، وعنده الخزائن والذخائر.

استيلاء  منكلي على بلاد الجبل وأصفهان وغيرها وهرب أيدغمش وقتله:

لما تمكن أيدغمش في بلاد الجبل بهمذان وأصبهان والريّ وما إليها عظم شأنه حتى طلب الأمر لنفسه، وسار لحصار أزبك ا بن مولاه الذي نصبه للأمر. وكان بأذربيجان فخرج عليه مولى من موالي البهلوان اسمه منكلي وكثرجمعه، واستولى على البلاد. وقدم أيدغمش إلى بغداد، وإحتفل الخليفة لقدومه، وتلقاه وذلك سنة ثمان، وأقام بها ،  كان أيدغمش قد وفد سنة ثمان وستمائة إلى بغداد وشرفه الخليفة بالخلع والألوية، وولاه على ما كان بيده ورجع إلى همذان، ووعده الخليفة بمسير العساكر فأقام ينتظرها عند سليمان بن مرحم أمير الإيوانية من التركمان فدس إلى منكلي بخبره. ثم قتل أيدغمش وحمل أصحابه إلى منكلي وافترق أصحابه، واستولى منكلي، وبعث إليه الخليفة بالنكير فلم يلتفت إليه فبعث إلى مولاه أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان يحّرضه عليه، وإلى جلال الدين الإسماعيلي صاحب قلعة الموت لمساعدته على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأزبك بعضها ولجلال الدين بعضها. وبعث الخليفة العساكر مع مولاه سنقر الملقب بوجه السبع، وأمره بطاعة مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي كجك صاحب أربل وشهرزور، وهو مقدّم العساكر جميعاً فسار لذلك، وهرب منكلي وتعلق بالجبل، ونزلوا بسفحه قريباً من كوج  فناوشهم الحرب فانهزم أزبك. ثم عاد ثم أسرى من ليلته منهزماً، وأصبحوا فاقتسموا البلاد على الشريطة، وولي أزبك فيما أخذ منها  مولى أحيه فاستولى عليها، ومضى منكلي إلى ساوة وبها شحنة كان صديقاً له فقتله، وبعث برأسه الى أزبك واستقر  في بلاد الجبل حتى قتله الباطنية سنة أربع عشرة وستمائة، وجاء خوارزم شاه فملكها كما نذكر في أخباره ودخل أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران في طاعته، وخطب له على منابر أعماله، وانقرض أمر بني ملك شاه ومواليهم من العراقين وخراسان وفارس وجميع ممالك المشرق، وبقي أزبك ببلاد أذربيجان. ثم استولى التتر على أعمال محمد بن تكش فيما وراء النهر وخراسان وعراق العجم سنة ثماني عشرة وستمائة وموالي الهند. وسار جنكزخان فأطاعه أزبك بن البهلوان سنة إحدى وعشرين، وأمره بقتل من عنده من الخوارزمية ففعل، ورجع عنه إلى خراسان. ثم جاء جلال الدين بن محمد بن تكش من الهند سنة إثنتين وعشرين فاستولى على عراق العجم وفارس، وسار إلى أذربيجان فملكها، ومرّ من أزبك إلى كنجة من بلاد أران. ثم ملك كنجة وبلاد أران، ومدأزبك إلى بعض القلاع هنالك. ثم هلك وملك جلال الدين على جميع البلاد، وانقرض أمر بني أزبك، واستولى التتر على البلاد، وقتلوا جلال الدين سنة ثمان وعشرين”.